فردت شعرها الأسود القاتم، تتأمل وجهها في المرآة المكسورة التي لا تزال تكسرها وهي ترى ملامحها، عيناها السوداء المسحوبة، رموشها الكثيفة، تلك الملامح المحفوظة وكأنها هجين من بين هذا وهذا. "جه حد من وراها وحط إيده على كتفها وهمس لها بفحيح: جاهزة للانتقام؟ *** في الجامعة، كان يجلس شابان، قال يوسف: "بتبص كل شوية في الساعة ليه؟ "يعقوب اتأخر، ده الكل خرج إلا هو." "تلاقيه جاي بعد شوية.. عايزين نعرف هنعمل إيه في الإجازة."
"الجو محتاج مصيف." شاف يوسف فتاة، رابطة شعرها وترتدي قميص وبنطال جينز، اقتربت منهم وقالت: "عاملين إيه؟ "الحمد لله، عملتي إيه في امتحاناتك؟ "كان كويس.. فين يعقوب؟ كانوا هيردوا عليها، لكن ابتسم علاء وقال: "اهو جه." كان يعقوب شاباً ذا الشعر الأسود والعيون البنية التي تميل إلى عسلي، ورثها من أبيه. اقترب منهم وقال وهو يجلس: "متنحين كده ليه؟ "اتأخرت ليه؟ "مفيش، كنت بسأل الدكتور عن حاجة.. عاملة إيه يا ميرنا؟
وقفت، ابتسمت وجلست بجانبه، قال يعقوب: "الكلية طلعت صعبة؟ "إنت خلصت سنة أولى مش سنة التخرج." "بس بقا.. فكرتوا هنروح فين؟ "لسه كنا بنفكر.. سفاري." صافحوه وهم يؤيدوه، قال علاء: "اطلعي معانا يا ميرنا." "أنا؟! هاجي أعمل معاكم إيه؟ "إنتي مش غريبة، أتوقع حد غيرك يقول كده." وهذا لأن ميرنا فتاة ذات شخصية وجريئة بعض الشيء، بسبب حياتها السابقة التي أجبرتها على ذلك لتتأقلم مع الدنيا. نظرت في الساعة وقالت: "أنا ماشية عشان الشغل."
"استنى هوصلك، أنا رايح الشركة." ودع صحابه ومشوا، وهم في السيارة، قالت: "لابس نظارة الشمس ليه؟ بيبقى شكلك غريب بيها." "غريب إزاي؟ "مغرور مثلاً.. عكس عينك اللي يشوفها يحس بهدوء." خلعها وهو يضعها جانباً وقال: "مش عارف دي مجاملة ولا انتقاد، بس أشكرك." ابتسمت إليه، قال: "مش تطلعي معانا ليه؟ "إنت عارف الشغل.. كنت مقصرة فيه الأيام اللي فاتت بسبب الامتحانات."
"لو عشان الشغل، هخلي بابا يديكِ إجازة كترفيه.. متاخديش الحياة كلها جد كده." نظرت له وهو يتحدث مهتم بها، نظر لها وقال: "ولا مش هتستريحي؟ "مش إنت هتبقى موجود؟ ابتسم وقال: "أكيد، أنا اللي قايل على السفرية." "يبقى مفيش حاجة أخاف منها." نظر لها على ما قالته، وتلك النظرة، ابتسم إليها، قال مغيراً الموضوع: "إنتي ما يتخافش عليكي أصلاً يا ميرنا."
نظر أمامه مركزاً على قيادته، وهي لا تعلم أن كانت تلك ميزة بالنسبة لها مع الجميع، لكن تراه عيباً معه فقط. وصلوا الشركة، صعد وذهب إلى مكتب أبيه، قال: "أمال فين عمتو؟ "تقصد البشمهندسة يارا.. في سفارية بتخلص تشييد." أومأ لها بتفهم، جت تمشي على شغلها، قال: "متنسيش تجهزي نفسك.. هتيجي، ده هما 3 أيام." نظرت له، ذهب وتركها، ابتسمت وكأنه يجبرها، أزاحت شعرها خلف أذنها وذهبت. وصل يعقوب للمكتب، أوقفته السكرتيرة: "أستاذ يعقوب."
"أستاذ؟!!! نعم." "ياسين بيه مش في المكتب." "أمال فين؟ "مجاش الشركة النهارده." ***
في المصنع، كان الجميع يعمل بهمّة، بينما كان هناك من يأخذ مقياس أحد الزوايا. كان نائب المدير واقفاً ينظر إلى العمال والموظفين. نظر إلى ذلك الذي يقف بهيبته، كتفيه العريضتان، وجهه المطاول، ذقنه وحواجبه المميزة بانحنائها، تلك العينان وذلك الشعر الأسود الذي بدأ ظهور بعض الشعيرات البيضاء متخفية، تدل على تقدم العمر، إلى أنها زادته هيبة ووقاراً. قال النائب: "هو المصنع عايز يتصلح؟ "هيحصل شوية تجديدات.. "المدير" عايز كده."
نظر له، قال باستدراك: "فريده هانم؟ لم يرد، بينما كان يتابع ما يحدث، قال النائب: "وعايزني أفضي المصنع كله عقبال ما حضرتك تخلص." "ملهوش لزوم نعطل الشغل، خلي كل حاجة تمشي صح." اقترب العمال منه، أومأوا له أنهم انتهوا، ابتسم النائب، لكن قال ياسين: "هات لي ملف الحسابات." "لـِ؟! "أقصد فريده هانم بترجعه كل يوم." نظر له من مماطلته، أومأ له فوراً وذهب. ضحك الموظفون على النائب الذي كان يعمل باضطهاد، ولا كأنه مصنعه. ***
كانت واقفة في الجنينة تسقي زهرتها التي كانت جميلة، نادرة من بين جميع الأشجار. قالت وهي تنده على أحد الخادمات: "هاتي المبيد يا منى." انحنت وهي تشم رائحتها الجميلة، ابتسمت ابتسامة جميلة وهي تلتمس ورقاتها بأصابعها الناعمة.
كان هناك من يقف يتابعها، جت منى ومعها ما طلبته، أخذه منها وأشار لها أن تذهب، أومات لها وغادرت. كان ينظر إليها وهي ترتدي الجيبة البنفسجية وجاكت أبيض، شعرها الناعم الذي تلتفه هو بعضه، كانت رقيقة دوماً وجميلة. لاحظت تأخر الخادمة، تضايقت، لفت فصمدت بجسدها. أول لما شافته، اطمأنت لرؤيته. قال ياسين: "خضيتك؟ "لا.. جيت إمتى؟ انحنى وقال وهو ينظر إلى عينيها: "من أول المبيد." ابتسمت، شال ورقة شجر من على شعرها، قال:
"دخلتي في الشجرة نفسها ولا إيه؟ "حاولت أقصه بس ما طولتش." "عندك الجنايني، مش لازم تتعبى نفسك.. إنتي عارفة إنك قصيرة." "ياسين." تنهد وهو يرفع ذراعيه ويحاوطها مقرباً إياها إلى صدره، قال: "نعمة." نظرت إلى عينيه، ابتسمت، اقترب منها، فآتى صوت صراخ: "إيه اللي بيحصل ده؟ ابتعدت فريدة لترى صاحب الصوت، وكان يعقوب، قال: "ماما.. بابا.. مكنتش أعرف إني هعيش اليوم ده." قال ذلك متأثراً، تنهد ياسين وقال: "مش هتبطل فزعتك دي؟
متعرفش إنك بتخض والدتك." نظر يعقوب إلى فريدة، قال: "شرير." أنا كزته في كتفه، ابتسم لها، قال: "روحت الشركة ملقتكش هناك." "عايز إيه؟ "لا، وحشتني، قولت أجي أشوفك." قالت فريدة: "الامتحان كان عامل إيه؟ اقترب منها، وضع ذراعه على كتفها وقال: "اطمني، جميل، وحليت صح، وأهم نفسي تمام وهقفله إن شاء الله." بادلته الابتسامة، قال مغيراً الأمر: "أنا جعان." قالت سريعاً: "خمس دقايق، غير هدومك واخليهم يحطوا الأكل." اقترب منها ليقبلها،
أبعده ياسين وقال: "عارف أوضتك فين؟ ضيق عينه بخبث وقال: "عارفها." "يلا." أومأ له وغادر، نظر إلى فريدة التي كانت تضحك عليه، قال: "ابنك." "ابنك إنت كمان… ياسين، ممكن أسألك سؤال؟ "إيه يا حبيبتي؟ "إنت كنت كده وإنت صغير؟ "ع حسب.. يعني إيه؟ شرد قليلاً، انغرس في ذكرياته وقال: "في لحظات كنت معرفش نفسي فيها." أخرجته من صمته المهيب وهي تقول: "يبقى أكيد واخد الجنان ده منك.. أوقات لما بكون عايزة أتخيلك وإنت صغير، أبص ليعقوب."
ابتسم وهو ينظر لها بهيام، قال: "أنا معاكي بكل حالاتي." بادلته الابتسامة، أخذها وذهبا. *** كانوا قاعدين بياكلوا على السفرة، قال يعقوب: "بابا، ممكن عربيتك؟ "لـِ؟ منتا عندك." "بتاعتك أحدث ومحتاجها لسفر." نظرت له فريدة، قالت: "رايح فين؟ "هنسافر سفاري ونيجي قبل أما الإجازة تخلص." شعرت بالحزن، فهي تنتظر إجازته كالعادة لكي يجلس معها، فياسين أيضاً يكون مشغولاً في عمله. قال ياسين: "رايح إمتى؟ "بعد يومين.. هزهق ماما مني شوية."
ابتسمت له، قالت: "خلي بالك من نفسك." قال ببراءة: "خايفة عليا." تنهدت، اقترب منها وكان سيقبلها، نظر إلى أبيه، قال: "ينفع أستاذ ياسين جابر أبوس أمي؟ ابتسموا عليه، قبلها من رأسها، قال: "لو مهددك، قولي أنا ابنك بردوه." نظر ياسين إليه، قام وقال: "شكراً على الوجبة." صعد إلى غرفته، والبهجة تحيط بهم. *** دخل يوسف إلى منزله، قال للخادمة: "حضريلي شنطة وحطي فيها شوية من هدومي."
جت امرأة ذات الشعر المموج يميل إلى برتقالي والعيون الحانية، لكنها تكناز الآن ببعض الحدة: "رايح فين؟ "سفاري يا ماما." "إنت لحقت؟ "قبل ما الإجازة تخلص." "إنت حياتك كلها إجازة وخروجات، محسسني إن المذاكرة هي اللي كانت مانعاك." تنهد وقال: "عايزة إيه يا ماما.. أقعد معاكي؟ "سبيه يا تسنيم." لقد كانت تسنيم، وقف جنبها إيهاب الذي كان يافعاً ذا ملامح هادئة. ربط على كتفها، قال: "متنكديش عليه." تنهدت، اقترب يوسف من أباه، قال:
"بحيث كده بقا يا بابا، أنا عايز عشرين." "عشرين جنيه؟ "عشرين ألف." "أقعد." ابتسمت تسنيم. قال يوسف بغيظ: "إنت عارف السفر هيكلف، ثم السنة اللي فاتت روحنا دهب وكان عمو ياسين مسهل أمور كتير هناك.. استحمل المرة دي." "وأنا كمان يا يوسف، خدني معاك." جاء ذاك الصوت، وكانت فتاة في عمر الـ 17، شعرها برتقالي ناعم يعطيها شكلاً مميزاً. قال يوسف: "آخدك معايا فين؟ "أنا خلصت من شهر وقاعدة زهقانة." "إحنا مش رايحين رحلة."
"إنت لسه قايل سفاري." "هتيجي تعملي إيه؟ مابينا كلنا رجالة يا ندى." "ميرنا جاية." نظر الجميع إليه، لكن يوسف نظر إلى شقيقته، قال: "وإنتي عرفتي منين إنها جاية؟ ظهر التوتر عليها، ثم قالت: "من يعقوب." قالت تسنيم: "ما في بنات أهو." "علاء هو اللي عرض عليها وهي لسه بتشوف.. ثم ندى متعرفهاش، هتقعد معاها تعمل إيه؟ "ما تبقا معاها هناك وخلاص." قال بضيق: "أنا مش حمل أشيل مسؤولية حدا." ضايق إيهاب من رده، قال: "كده؟
طب مفيش خروج لو مخدتش أختك." نظر لهم بضيق، فهذا يعني أنه لن يخرج. مشي وخرج من المنزل صافعاً الباب خلفه. نظرت له أخته، قالت: "خلاص يا بابا عادي، أنا خدت على القعدة هنا، بلاش يوسف يزعل، دي خروجة مع صحابه." ذهبت لتلحق بأخيها. نظرت تسنيم إليه، قالت: "مكنش ليه لازمة." "عشان يتعلم إزاي يتكلم." "بتحب بتقولي إني أنكد عليهم، بس إنت بتقفل من أقل حاجة." تنهدت، مسكت يده، قالت: "اهدأ، مفيش حاجة مستاهلة."
نظر لها وابتسامتها ليشعر بالراحة من لمستها. *** كانوا قاعدين في نايت كلوب، قال علاء: "مش مستاهلة اللي إنت عملته." "مش ناقصاك." قال يعقوب: "إنت اللي شايف دايماً إن ندى حمل عليك." "أيوه، مليك حق تقول كده، منتا اللي قايلها إن ميرنا جاية." نظر علاء إليه حين قال ذلك، قال يعقوب باستغراب: "قايل لمين؟ "لندى.. عرفت إن ميرنا جاية منك." "مني أنا؟! رفع يوسف حاجبه وقال: "أيوه.. هو مش إنت اللي قلتلها؟
نظر إلى علاء بشك، ليقول يعقوب موضحاً: "أيوه، أنا.. نسيت، كنت لسه راجع البيت." "اممم تمام." نظر يعقوب إلى علاء، ثم قال ليوسف: "وإنت هتعمل إيه؟ "هطلع، مش مهم، هبقى أتصرف معاهم." "هتاخد ندى يعني. ولا لأ؟ "أنا شايل نفسي بالعافية يا يعقوب، هبقى أراضيها بأي حاجة، عارف إنها كانت في ضغط، بس ميجيش عليا." صمتوا، شرب يوسف من كأسه، ثم قال: "أنا هفرفش شوية." ذهب وتركهم، نظر يعقوب إلى علاء الذي قال: "خلاص يا يعقوب."
كانت فريدة جالسة أمام أحد الأوراق، وياسين يجلس على السرير، قال: "خسارة شهرية اضربيها في أربع سنين، يعني 12 شهر.. خلي بالك الحرامية كتير." قلبت في الأوراق الخاصة بالمصنع الذي جابه، قالت: "عشان كده خليتك تروح." قامت وتركت ما في يديها، خلعت الجاكت بتاعها، قال ياسين باستغراب: "كنتي عارفة؟ "لدرجة إني فكرتك غبية يا ياسين." "شايفك فاكرة الناس كلهم طيبين زيك يا فريدة."
"مطمنة عشان عارفة إني لو فاكرة كده، فأنت مش هتخلي حد يستغلني." "ليه سكتي وإنتي عارفة إنه بيسرقك.. كان لازم تمشيه من الأول." "سيبه." "أسيبه؟!!! قربت وجلست على السرير وهي تضم شعرها استعداداً للنوم. ألفت وهي تبتسم له ابتسامة جميلة، ابتسم بهدوء، قال: "حاضر، في الآخر ده شغلك، وواثق فيكي." أمسكت يده بكفيها الحانية، أشار لها على الأوراق كي لا تتركها مبعثرة كعادتها، ذهبت لتنضم إليه، لكن سمعت رنين هاتفه، أحضرته، قال: "سيبيه."
"رقم غريب؟! أعطته له لينظر إلى الرقم قليلاً ويدقق فيه، ليفت نظره شيء مهم، الرقم ليس مصري. رجع يوسف، لقى أخته قاعدة بتكتب، استغرب، قرب منه، قال: "إنتي مش في إجازة؟ لكن اتضح أنها ترسم، سحبت الورقة، نظر له باستغراب، بس لما شافه قالت: "اتأخرت ليه؟ "كنت مع صحابي، أي حاجة عايزة تيجي معايا؟ ابتسمت وقالت: "خلاص مبقتش عايزة.. أنا هعرف أقضي إجازتي هنا.. المهم متكنش زعلان منه." قرب منها وهو يدقق في عيونها الحانية، قال:
"تصدقي الدمعة كانت هتنزل.. إني ممثلة فاشلة." "فكرتهم." مشي وهي غاضبة، لتصرخ وهي تقول: "ماشي يا يوسف، هنبقى نشوف مين الشاطر فين." *** في الصباح، في الشركة، دخل ياسين لينتظم الموظفون لحضوره. اقتربت ميرنا منه، كانت لسا هتتكلم، قال: "ابعتي لـِـ يارا تيجي." "بس." "فوراً." "حاضر." مشي، استغرب قليلاً منه، دخل ياسين المكتب، قام بتشغيل الاب توب، يعرض سجل أمامه، سمع صوت دقات الباب، دخلت ميرنا، قالت:
"ياسين بيه، في واحد عايز يقابل حضرتك." "حد مين؟ "معرفش، أول مرة أشوفه، بس قالي إنك عارفه كويس." ولم تكمل كلامها حتى دخل من ورائها، لتبدل ملامح ياسين لرؤيته، تلك الهالة الغامضة التي ملأت الأركان. "مرت سنين كتير يا… ياسين." يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!