كانت جدتي قبل وفاتها تكلمني عن أقرباء والدتي المتوفاة وكيف أنهم كانوا قبل رحيلهم من زمن طويل من أغنى أغنياء ديلا هاوس، المدينة العفنة الملتصقة بالغابة النائية التي نعيش فيها. وأنهم يملكون قصرًا كبيرًا على أطراف المدينة، منعزل ومهجور، لكنني لم أفكر يومًا في زيارته. رغم أنني كنت صغيرة، كنت حانقة على أهل والدتي لأنهم لم يفكروا ولا مرة في السؤال عني بعد وفاة والدتي. كانت هناك عداوة لهم داخل صدري وكنت أكرههم.
ثم حتى لو حاولت الوصول للقصر، لن أقدر. القصر هذا لا أحد يعرف كيف يصل إليه، كأنه مختفٍ داخل الغابة. وتوفيت جدتي قبل التحاقي بالجامعة المحلية كابسيل دون. والدي كان عكس جدتي، لم يكن يحكي لي أي شيء عن أهل والدتي، وكنت كلما أجلب سيرتهم أمامه يغير الموضوع وملامحه تكون منزعجة. بذلت كل جهدي في الدراسة لأجل تحقيق حلم والدتي، الالتحاق بالجامعة، وتمكنت من اجتياز الاختبار النهائي وأصبحت طالبة في الجامعة.
وكان والدي، رغم مرضه، يحاول أن يشتغل في أي شيء كي يوفر لي أموالًا للدراسة. قبل امتحانات الترم الأول في جامعتي كابسيل دون، صحوت على خبر عودة عائلة هانس ريفيرا، أقرباء والدتي، الذين رحلوا من زمن بعيد عن المدينة. وكانت المدينة كلها تتكلم عن قصر عائلة هانس وكيف يتم ترميمه والأعمال التي شغالة فيه. وتوقعت أن عائلة والدتي ستسأل عني، لكن الأيام مرت ولم يظهر أحد منهم على باب بيتنا، ولا كأنهم يعرفونني.
وتيقنت أن نسبنا لا يشرفهم، فنحن عائلة فقيرة جدًا، يعمل والدي في الحقول والمنازل، وهذا جعلني أكرههم أكثر. وعائلة هانس لا تظهر في القرية، كنت أسمع عنهم مثل كل سكان القرية. تدهورت صحة والدي بسرعة كبيرة وكان يحتاج عملية بأقصى سرعة، واضطررت أن أشتغل في حانة وأبذل مجهودًا كبيرًا جدًا. أجمع قرشًا على قرش لأجل اللحاق بوالدي، ومر شهر وأنا أكافح، حتى وافق صاحب الحانة أن يسلفني فلوس لأعمل العملية لوالدي.
أتذكر هذا اليوم جيدًا، رجعت إلى بيتنا فرحانة، وكان هناك شخص غريب يمشي في الشارع جنب بيتنا، خبطت على الباب لكن والدي لم يفتح. استخدمت مفتاحي، ولما فتحت الباب، وجدت والدي مرميًا على الأرض ميتًا. لم أقدر أن أتمالك نفسي، صرخت وفقدت الوعي. تجمع الجيران وفوقوني، كنت منهارة جدًا، ولأننا في قرية صغيرة، مراسم الدفن تمت بسرعة. حضنت والدي لآخر مرة قبل أن ينزل القبر، ولاحظت جرحًا صغيرًا في رقبته لم أره من قبل.
خلصنا الدفن وأنا منهارة، حياتي انتهت بموت والدي. الناس كانت تواسيني وتحاول تخفف عني، ورغم حزني وانهياري، سمعت جارتنا تتكلم أن والدي كان بصحة كويسة في اليوم الذي مات فيه. كنت أعرف أن الموت يحدث من غير أسباب، وأن كلام جارتنا من شدة حزنها على والدي. اعتزلت في بيتنا البسيط رافضة الخروج منه، مش قادرة أعدي الصدمة، وأخذني الحنين ودخلت غرفة والدي.
كانت أول مرة أدخلها، وتفاجأت أن الغرفة مدربكة وكل شيء واقع على الأرض، وصورة كبيرة لوالدتي مكسورة مهشمة، كأن شخصًا داس عليها برجله. بقايا سيجارة والدي كانت في المنفضة. جلست أبكي، ووسط دموعي، رأيت خط دم ماشي في غرفة والدي من تحت طاولة المكتب حتى خزانة ملابس والدتي. والدي كان يحتفظ بكل شيء يخص والدتي. فتحت دولاب أمي، هدومها كلها كانت متقطعة وملطخة دمًا.
تذكرت الشخص الغريب الذي رأيته جنب البيت واختفى في الغابة، وقعدت أفكر، ممكن بابا يكون اتقتل؟ ومن فعل ذلك؟ تحت هدوم والدتي المقطعة، لقيت علبة متخبية. فتحت العلبة. كان جوابًا بخط والدتي:
"كارولين حبيبتي، عندما تقرأين هذا الخطاب، أتوقع أن يكون عمرك تسعة عشر عامًا. قد أخفيت عنك الكثير من الأمور من أجل حمايتك، لكن لو وصلتي للجواب هذا، فدا معناه أنهم وصلوا لوالدك وقتلوه. كنت أقرأ بعيون منفعلة، كارولين، أنتِ مش مجرد بنت عادية، أنتِ أميرة، هذا قدرك. دماء أجدادي تسري في عروقك ولا يمكن لأي شيء يفعلونه أن يغير ذلك. أنتِ آخر وريثة لنسل هانس الأكبر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!