وضع ياسين الأطباق وجلسا يأكلان بصمت. كانت تنتظر منه أي كلمة لتبدأ بالكلام، لكن صمته قد طال. يتذكر حديث والده ولا يغادر تفكيره كل كلمة قالها عن هذا الأمر بالذات. فلاش كان في الحديقة يلهو بأرجوحته، بينما يقلم والده أزهارًا. "بابا، أنت قلت لي مرة إن الإنسان ممكن يبين لك حاجة بس قلبه فيه حاجة تانية، صح؟ "صح. قلت لك يا حبيبي.. وده اسمه منافق أو بوشين."
"طب إحنا نقدر نعرف إزاي لو كان اللي في قلبه هو اللي بيظهر في تصرفاته أو لأ؟ "ربنا وحده هو اللي عالم بخبايا الصدور يا ياسين، وهو الوحيد اللي بيعرف نوايا البشر، وهو بس اللي عارف البني آدم ده مخبي لك إيه في قلبه." "بس كده ممكن نتأذى منه من غير ما نحس؟ "لو كنت فطن ولماح ممكن تكشفه وما تتأذيش." "طب وإفرض ما كنتش ذكي كفاية؟
"يبقى ربنا كتب لك إنك تتأذى منه، وده اسمه ابتلاء عشان يشوفك إذا كنت بتصبر أو بتجزع بسرعة من رحمة ربنا. وكمان عشان تبقى تعمل حسابك المرة اللي بعديها وما تكررش نفس الغلط مرتين." "طب الناس اللي بوشين دول... "مالهم؟ "لو أنا دعيت ربنا دعاء عشان يبعدهم عنا.. ربنا هيستجيب لي يا بابا؟ "طبعًا يا ابني.. ربنا بيسمع دعانا كلنا وبيستجيب لعباده الطيبين." رفع ياسين
يديه ببراءة طفولية وقال: "يا رب تخلي كل واحد بوشين يتلون باللون الأخضر عشان نقدر نعرفه ونبعد عنه خالص." ضحك والده ثم أمسك وردة وأعطاه إياها: "خذ الوردة دي يا حبيبي." أمسك ياسين الوردة بفرحة، لكن سرعان ما صرخ بألم: "آآي! الحقني يا بابا.. شوكة! أخذ الوالد الوردة من بين يده ونزع الشوكة التي التصقت بها، ثم جلس على الأرجوحة وأجلسه على رجله وهو يقول: "انت لو كنت شايف الشوكة اللي تحت الوردة ما كنتش مسكتها صح؟ "أيوه صح!
"أهو عشان كده ربنا خبى عننا نوايا الناس الوحشة." "إزاي؟ "لو كانت كل حاجة واضحة لينا مكانش هيبقى فيه حب ولا أمان ولا راحة ولا متعة ولا ثقة. مكانش هيبقى فيه غير الشك والخوف والكره. أهو ربنا خلق لنا الوردة دي مثلًا حلوة وشكلها يفتح النفس.. معقولة هنكرهها بس عشان فيها شوك؟ "أومال نحبها ونسيبها تعورنا عشان خاطر حلوة؟ "ما قلتش كده.. بس المفروض تكون حذر." "حذر إزاي؟ ما أنت اللي اديتهالي؟
ضحك محمود وقال: "أيوه بس كان المفروض إنك قبل ما تنبهر بشكلها الحلو وريحتها الجميلة تبص الأول للتفاصيل التانية الصغيرة." "تفاصيل إيه؟ "تشيل الشوك الأول عشان تقدر تستمتع بجمالها من غير ما تتأذى." "بس إيه دخل الورد في البشر؟ "ما هو الورد بيشبه بعض البشر.. بيبهرك من بره وأول ما تقرب منه تتلسع من شوكه يا بني." "طب والحل؟
"تخليك فاكر حاجة كويس يا ابني.. كل ما كان الواحد ناجح أكتر في حياته هيلاقي حواليه أعداء أكتر، وكل المطلوب منك إنك تتعامل مع الناس كلها بحذر لحد ما تقدر تطمنلهم." "يوووه يا بابا.. أنتوهتني في الكلام ونسيتيني السؤال؟ ضحك محمود: "سؤال إيه؟ "أنا كنت عايز أعرف إذا ممكن أكشف الواحد اللي بوشين ده؟ "طبعًا ممكن." "بجد.. إزاي؟!
"أولًا تتمسك بربنا وتخلي إيمانك قوي بيه، وإن محدش يقدر يأذيك بحاجة إلا إذا كان ربنا كاتبهالك في قدرك." "هااا... كمل! "وثانيًا فيه سورتين لو داومت عليهم ربنا هيكشف لك الناس دي وهيخليك دايما محمي منهم وفي أمان من مكايدهم." "سورتين إيه دول؟ رن هاتف محمود في تلك اللحظة. "الو.. إيه الكلام ده يا جابر؟ بس إحنا كنا متفقين على السعر ده على أساس الشحنة هتبقى 50 طن مش أكتر!! هو كان لعب عيال؟
طب خلي فاروق يراجع الحساب تاني على ما أوصل... لا ما تنزلش حاجة من الشحنة لحد ما أجي... لا مش هتأخر مسافة السكة بس." "يااااسين.. تعال حبيبي اغسل إيديك عشان نتغدى." كان هذا صوت والدته. حمله محمود وهو يقول: "يالا يا بطل، أنا عندي شغل مستعجل، ادخل أنت مع ماما دلوقتي، وأنا هأكملك بعدين." "لا يا بابا عايز أعرف دلوقتي.. إيه السورتين؟ "معلش حبيبي، هتتعلم تصبر.. لما أرجع فكرني وهنبقى نكمل كلامنا، ماشي؟
"هو انت مش هتتغدى معانا كمان؟ "لا يا إلهام، اتغدوا انتو، أنا عندي شغل." "حتى يوم إجازتك عندك شغل!! "نعمل إيه بقى.. أكل العيش. يا إلهام.. يالا خلي بالك من ياسين." "بابا ما تنساش لما ترجع، أنت وعدتني نكمل كلامنا." أومأ محمود بحب: "لو نسيت أنت هتفكرني، اتفقنا؟ "اتفقنا." عودة من الفلاش. أفاق من شروده على صوت أميرة. "مالك؟ "هااا!! "شكلك متضايق من حاجة." "لا مفيش حاجة." "بس مش عوايدك.. من لما جيت وأنت شارد."
"شوية مشاكل في الشغل.. أنا شبعت عن إذنك." قالها ببرود وهو يغادر إلى غرفته، وتركها في حيرة. "لا ده مش على بعضه خالص! حتى إنه ما أكلش حاجة! يكونش اتخانق معاها؟ "اتخانق إيه؟ أنتِ كمان هو أنتِ ما فيش في دماغك غير البنت الصفرا اللي اسمها ليليان؟ الراجل أكيد في حاجة كبيرة شاغلة تفكيره!! بينما توضب سما الحقائب، كان إيهاب يقطع غرفة الفندق ذهابًا وإيابًا بتفكير.
"ياسين مش لازم يوصل لمنير أبدًا.. منير لو اتكلم يبقى كل حاجة خططتلها من سنين هتضيع في ثانية." نظر إلى الساعة ثم قام إلى الشرفة واتصل بأحدهم. "لقد ألقي القبض على منير.. سأرسل إليك الموقع. عليك أن تسمعني جيدًا وتنفذ ما قلت بالحرف الواحد." أكمل خالد ما طلب منه، وكان يهم بالمغادرة نحو أوتاوا، لكنه فجأة تذكر كلام ياسين. "ياسين معاه حق... أنا لازم أتصرف." اتصل مسرعًا وهو يركب الطائرة.
"كرم، أنا راجع مونتريال عشان شغلي هناك لسه ما خلصش... ومش راجع قبل ما أخلصه." "بس ياسين بيه قال... "ما يهمنيش ياسين قالك إيه.. أنا مش راجع قبل ما أحط النقاط على الحروف. أنا هأبقى أتصل الصبح بياسين وأبلغه، وأنت لو مش قادر تمسك الشغل لوحدك أنا هأكلف حد هناك يساعدك." "ماشي يا عم... ربنا يسهله." أغلق إيهاب الخط وهو يهمس: "على الله بس الخطة تمشي زي ما أنا عايز وما يوصلش ياسين لمنير قبله." "حبيبي مش هتنام بقى؟
"ادخلي أنتِ، هأكلم حد وجاي." همس لنفسه: "أما نشوف دانيال ده هيقدر يعمل لنا إيه." في أحد البارات، يجلس دانيال بغضب في أحد أركان البار وهو يحتسي الخمر بجنون، وسط ذعر صاحب البار من ارتكابه لأي فعل مجنون. فجأة رن هاتفه. "الو... "سيد دانيال كيف حالك؟ "كيف تجرؤ على الاتصال بي ثانية أيها الوغد!!! "لا تنس أن بيننا اتفاق.. لقد سددتُ الشطر المتعلق بي.. بقي أن تسدد أنت الشطر الخاص بك." "عن أي شطر تتكلم؟
الفتاة غادرت المقر في نفس اليوم؟ "ليس ذنبي.. أنا نفذت ما وعدتك به وأعطيتك إياها.. أنتم من أعدتموها إليه." "أيها الحقير!! لعبتك القذرة أفقدتني مكانتي وسط مجموعتنا ولا تزال تتحدث عن اتفاقك الغبي!! الفتاة متزوجة.. لقد صرت أضحوكة بسببك!!
"اهدأ يا دانيال واسمعني جيدًا.. الفتاة لم تكن متزوجة حين أخرجتها من القصر.. من المؤكد أنها كانت لعبة من ياسين ليس أكثر.. الآن لنعد لموضوعنا.. الاتفاق هو الاتفاق.. لقد اتفقنا أنك ستسديني خدمة مقابل تسليمك أميرة." "قبل أن تتسرع وترفض.... على الأقل أعرف ما هي الخدمة." "حسنًا!! وما هي؟ "ستتخلص من ياسين... واعتبر هذا انتقامك منه." "كيف؟؟ "سأعلمك بالتفاصيل لاحقًا." "ولماذا لا تفعل ذلك بنفسك؟
"أنا لي أسبابي.. ولا تنس أن بيننا اتفاقًا أن أسلمك الفتاة مقابل خدمة دون الدخول في التفاصيل وأنت وافقت حينها.. هذه هي الخدمة.. ماذا قلت؟ "سأفكر." منير مكبل ومرمي في غرفة بباب حديدي، يصرخ بصوت عال: "يعني أنا هأفضل هنا لحد إمتى؟ "لحد ما يقرر ياسين بيه هيعمل معاك إيه يا كلب!!! "ياسين بيه بتاعك مش هيقدر يعمل لي حاجة لإن البلد مش بتاعته.. فيه حاجة اسمها قانون."
"ابقى قل له الكلام ده لما يجي ويسلمك للبوليس بالأدلة اللي معاه ضدك." "الأدلة اللي بتتكلم عنها تبلها وتشرب ميتها.. أنا مش خايف منه ولا من البوليس." "ياااه!! للدرجة دي مسنود!! ماشي يا عم الكبير! بكرة الصبح هنشوف موقفك هيتغير أو لأ." همس منير لنفسه بضيق: "على الله بس تقدر تطلعني من هنا قبل ما يوصل ياسين يا إيهاب بيه." دخل ياسين غرفته وهو يشعر بفوضى عارمة بداخله، لا يستطيع أن يخرجها من داخله سوى الصلاة.
توضأ وصلى ودعا الله كثيرًا في سجوده، ثم جلس يهم بحمل مصحفه حين تذكر تكملة كلامه مع والده. فلاش "بابا أنت رجعت؟ "أيوه يا قلب بابا.. هو أنت لسه ما نمتش؟ "لا مستنيك تقولي السورتين." "اه منك يا شقي.. هو أنت ما بتنساش حاجة أبدًا؟ "أنت وعدتني تقولي عليهم.. أنا مليش دعوة." "حاضر يا بني.. بص بقى: فيه سورتين ربنا نزلهم لينا رحمة، الهدف منهم كشف المستور والتسخير." "سورة سبأ بتكشف لك المستخبي.. إن ما كانش النهاردة يبقى بكرة."
"والثانية؟ "الثانية هي فاطر.. لو داومت عليها ربنا هيسخر لك كل حاجة في خدمتك ويسخر لك الأسباب اللي تكشف لك الناس الوحشة دي." "فكر ياسين قليلاً ثم تساءل ببراءة: "إيش معنى السورتين دول؟ ليه ما أقدرش أقرأ أي سورة تانية مثلًا؟ "القرآن يا بني بحر واسع وعلم قائم بحد ذاته فيه أسرار كتير وحكم محدش يعرفها إلا ربنا.. بس حدد لنا فيه آيات وبينها لنا عشان نستعملها لما نحتاجها." "آيات إيه؟
"مثلًا فيه آيات مخصصة لفك السحر وآيات للسكينة.. وآيات للشفاء وآيات للخوف وآيات لكشف المستور وآيات تانية للرزق وآيات للذرية وآيات تانية للألفة والمحبة وغيرها وغيرها." "فهمت.. يعني فيه سور تانية بتنفع لحاجات تانية بس السورتين دول بينفعوا للي قلت عليهم أكتر حاجة." "برااافو يا ابني.. هو كده." "يبقى أنا من النهاردة هاقرأ السورتين دول كل يوم." "أنا عندي حل أحسن." "إيه هو؟ "إيه رأيك نحفظهم سوا؟ عشان ما تكسلش تقراهم بعد كده!
"فكرة حلوة أوي يا بابا.. مواااافق." عودة من الفلاش. "ربنا يرحمك يا بابا... ربنا يرحمك يا ماما." قرأ وردَه المعتاد ثم أغلق مصحفه، وقد توصل إلى اتخاذ قرار مهم وعزم على تنفيذه في أقرب وقت. كان كامل يمسك بهاتف منير بين يديه بقلق ويتصفح داخله مرارًا وهو يتساءل: "الموضوع ده مش داخل دماغي خالص.. مش عارف ليه حاسس إن الراجل ده ناوي على نية مش كويسة!! لااا...
أنا مش متطمنله أبدا.. أول ما يطلع النهار أنا هأحاول أتصرف بنفسي.. منير صديقي وأفضاله عليّ كثيرة." في الصباح، قام ياسين يحضر قهوة ثم أشعل سيجارة وجلس في الخارج ينظر إلى الجبل البعيد بشرود. "مستني إيه عشان تقولها على المصيبة اللي دبستها بيها؟ الوقت بينفذ منك وهي لازم تعرف منك أحسن ما تعرف من غيرك." "بس يا ترى هيكون رد فعلها إيه لما تعرف؟ أكيد هتحس إنك استغليت المشكلة عشان تتجوزها غصب عنها."
سمعت أميرة حركة في الخارج وانتظرته أن يأتي كعادته، لكنه تأخر.. فخرجت تبحث عنه وقادتها عجلات كرسيها إلى الخارج. "مكنتش أعرف إنك بتدخن!! قالتها أميرة بتعجب. أفاق من شروده ووضع السيجارة من يده قائلاً: "إنتي صحيتي! صباح الخير." "صباح النور." تنهد ياسين بعمق ثم أطفأ السيجارة ورماها بعيدًا وهو يقول: "مش دايما.... لما أكون متضايق بس." ترددت أميرة قليلاً ثم استجمعت شجاعتها وسألته: "أقدر أعرف إيه اللي مضايقك من امبارح؟
"قلت لك شغل.. يالا ادخلي جهزي نفسك عشان هنمشي." "نمشي نروح فين؟ "إنتي عايزة تقعدي هنا على طول يعني؟ "يا ريييت." قالتها أميرة وهي تتنهد براحة وتنظربإعجاب إلى الطبيعة الساحرة المحيطة بها. "المكان هنا تحفة وبيرد الروح." نظر ياسين إليها بحب بينما كانت شاردة في تلك الطبيعة وقال مردفًا
على عفويتها: "ماشي يا ستي هنرجع هنا تاني.. بس النهاردة معاد الكشف بتاعك.. أنا هاخدك تفكي الجبس من إيدك ونعمل أشعة عشان نتأكد إذا كان كسر رجلك خف ولا لا." شعرت أميرة فجأة بضيق، وكأنه يقول لها: حان وقت رحيلك من منزلي. "احم طيب أنا هروح ألبس مش هتأخر." "هاستناكي." رن منبهه فاستيقظ خالد بصعوبة، وقد نام ساعتين أو أقل فقط. نظر إلى الساعة التي كانت تشير إلى الثامنة والنصف وقال: "يا ترى اللي ناوي أعمله صح يا خالد؟
ارتدى ملابسه وركب سيارته ثم اتصل وهو يستجمع أنفاسه. كانت تنام بعمق حين رن هاتفها. أمسكته بنعاس وكانت ستغلقه وتكمل نومها، لكنها قفزت من مكانها بدهشة حين رأت اسمه: "خاااالد!!! بالكاد استطاعت أن تتمالك نفسها وأجابت بعد تردد وهي تقول بتعجب: "أستاذ خالد! "صباح الخير يا آنسة سحر إزيك؟ "ا..اا.. أنا! آه.. أنا الحمد لله... وأنت؟ "الحمد لله... أنا كنت بقول لو نقدر نتقابل النهاردة." "نتقابل؟ "عندي كلام مهم لازم أقولهولك."
"بخصوص إيه... أوعى يكون عشان المكالمة إياها.. لا من فضلك انسى اللي حصل ومفيش داعي." شعر خالد بالحرج وعقب فورًا متداركًا الموقف: "لا لا الموضوع يخص بنت خالتك.... أميرة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!