رن هاتف ياسين فأفاق بصعوبة ليجد نفسه نائماً بجانب الحاسوب بثيابه تلك. "إيه ده؟ أنا نمت في المكتب؟ أمسك هاتفه بتثاقل. -نعم يا منذر... -مصيبة يا ياسين بيه... مصيييييبة!!! ياسين بتعجب: " -انت بتقول إيه؟ مصيبة إيه دي؟ -شحنة القطن اللي جاية من مصر غرقت كلها في المحيط! قام ياسين بفزع: " -شحنة إيه دي اللي تغرق؟ انت اتجننت يا منذر؟ منذر بخوف: " -والله زي ما بقولك يا بيه... الخبر لسه واصلنا حالا...
بيقولوا العبارة باللي فيها غرقت وكل حمولة القطن بتاعتنا كانت عليها." ياسين: " -طب اقفل انت أنا هاتصرف." نظر إلى الساعة فوجدها تشير إلى السابعة. اتصل بالسكرتيرة: " -الو نانسي... أريدك أن تذهبي حالا إلى المكتب، أحتاجك في عمل مستعجل جداً." أقفل وهو يهمس بغضب: " -كنت متأكد من الحركة دي... فاكر إنك أذكى مني صح؟ يبقى أياً إنت مين فأنت لسة متعرفش مين ياسين المنشاوي يا شاطر."
صعد إلى غرفته وتجهز مسرعاً، ثم عاد إلى المكتب وفتح خزنة سرية موجودة خلف رف الكتب. أخرج منها ظرفاً وغادر المكتب. كان يهم بالخروج حين تذكرها. -أوووف، أنا نسيتها خالص؟ عاد مسرعاً إلى الداخل وتوجه نحو المطبخ. أعد سندويشاً وعصيراً مع سلطة فواكه ووضعها في صينية وتوجه بها نحو الغرفة. يعلم أنها نائمة ومؤكد أنها لا ترتدي حجابها. -أعمل إيه طيب؟ أسيبها من غير أكل؟ ما أنا مش عارف أصلاً هأرجع إمتى."
تردد قليلاً ثم وضع الصينية وعاد إلى غرفة المكتب. أخذ كتاباً وورقة وقلماً ثم كتب ملاحظة وخرج. وضعها فوق الصينية. ثم فتح الباب بهدوء وتوجه ببطء إلى الطاولة الموجودة في الجهة الأخرى بعيداً عن سريرها. جاهد نفسه حتى لا ينظر باتجاهها. وضع الكتاب وبجانبه الصينية وأسرع في خطواته بخفة حتى لا تستيقظ ليغلق الباب وهو يتنفس براحة. -سامحيني بعذبك معايا بس غصب عندي أنا كمان ظروفي معقدة ومش أحسن من ظروفك." أخذ حقيبته وغادر مسرعاً
وهو يتصل بأحدهم: " -وبعدين معاك انت كمان؟ ما ترد بقى يا خالد! -أوووف 😤" أقفل الخط واتصل بنانسي: " -هل وصلتي المكتب نانسي؟ -أجل سيدي." ياسين: " -جيد، الآن اسمعيني جيد وركزي فيما عليك فعله." اتصال هاتفي بين شيطانين. -الف مبروك يا باشا زمانه عرف بالخبر... وهيموت من قهرته خصوصاً إنه مش مأمن الشحنة في البحر." المجهول بشر: " -ولسة يا ياسين... نفسي بس أشوف وشه لما يعرف بخبر المناقصة كمان...
دي اللي هتبقى الضربة القاضية ليه بجد... إلا قل لي؟ اتصلت بليليان؟ -لا يا باشا مش بترد على تلفونها." -وبعدين مع الغبية دي!؟ -تؤمرني بإيه يا باشا؟ -مش مطلوب غير إنك تلتزم بالخطة مع ليليان ويا ريت تروح تتطمن عليها عملت إيه معاه و تكلمني بعدها." -أمرك يا باشا." ياسين يقود سيارته مسرعاً حين رن هاتفه. خالد: " -الو ياسين اتصلت بيا أنا آسف لسة شايف اتصالك." قاطعه ياسين: " -خلاص يا خالد مش عايز شرح مفيش وقت." خالد: "
-أؤمرني يا صاحبي." ياسين: " -شحنة القطن اللي استوردناها من مصر غرقت قبل ما توصل لميناء مونتريال... انت قريب من هناك عايزك تطير حالا نص ساعة و تبعتلي عالإيميل الشخصي تقرير مفصل." خالد: " -غرقت!! ازاي عبارة كبيرة زي دي تغرق بالبساطة دي؟ ياسين: " -أومال أنا بعثتك ليه؟ الموضوع فيه إن و انت عارف إني مش بثق في حد غيرك... تسافر بطيارة خاصة وأول ما توصل تبلغني بأي جديد." خالد: " -طب انت هتعمل إيه دلوقتي؟
-هآخذ ملف الشحنة وأروح شركة التأمين... يلا نتكلم بعدين." في منزل ليليان. دق جرس الباب فخرجت ليليان متثاقلة وهي تمسك برأسها وفتحت الباب بتذمر. المجهول: " -معقولة لسة نايمة يا ليلي؟ -فيه إيه يا بني آدم!! انت إزاي تصحيني في الوقت ده؟ -شفتك ما رديتيش على تلفونك ولا طمنتيني قلت أجيلك بنفسي؟ هااا عملتي إيه مع ياسين؟! ليليان: " -أنا بس كنت تعبانة أوي عملت التلفون صامت ونمت على طول." توجهت نحو الأريكة واستلقت
بتعب وهي تمسك رأسها: " -وبعدين هكون عملت إيه يعني؟ هو رفض ينام هنا قال مستعجل عشان المناقصة." -معناه إيه الكلام ده؟ -يعني اتعشينا وقعدنا مع بعض شوية وراح." -غبية... غبيييييية!! يعني معقولة يوصل هنا برجله وتسيبيه يطلع من غير ما يحصل حاجة بينكم؟ ليليان بضياع: " -هو... بصراحة أنا مش عارفة حصل أو لا... أصل أنا شربت شوية وما حسيتش بنفسي بعدها ولا فاكرة حصل إيه." -طيب طيب...
على الله بس تصحلك فرصة تانية وإلا كل شغلنا هيروح عالفاضي." -ما تقلقش أنا هادبرها أكيد المهم شايفاك مبسوط أوي هو حصل حاجة أنا ما أعرفهاش؟ -أيوه... شحنة القطن غرقت في المحيط 😁" ليليان بدهشة: " -يا خبر!!! دي كارثة!! المجهول بخبث: " -كارثة لياسين يا حبيبتي مش لينا! -مش لينا إزاي؟ مش هتبقى كل حاجة لينا؟ انت فرحان ليه؟ وهتستفيد إيه لما يخسر ياسين؟ -ملكيش دعوة بالحاجات دي انتي مطلوب منك تقربي منه أكتر وبس...
هو أكيد هيقوم من الوقعة دي... ده زي الجن بسبع أروح." في منزل فاتن. -سحر!! بنت يا سحر!! -أيوه يا ماما." -أنا كلمت أبوكي قبل شوية... سحر بلهفة: " -بجد؟ كويس.. إيه الأخبار وحنان ازيها؟ فاتن بضيق: " -بيقول حصلت مشكلة في البلد و مضطر يتأخر كمان أسبوع." سحر: " -خير؟ مشكلة إيه! فاتن: " -الجو متلخبط هناك ونسوان بدر عاملين مشكلة خصوصاً مراته التانية سنية...
شرانية وأهلها ناس مفترية. بيقول أبوها وأخواتها جم عملوا فض'يحة ووقفوا كتب الكتاب." سحر: " -يا ساتر؟ طب والحل؟ فاتن: " -أبوكي وعمك هيتصرفوا... ما تنسيش إن عمك مرسي كبير العيلة وكلمته تمشي عالكل... المهم خلينا في مشكلتنا دلوقتي." سحر: " -مشكلة إيه؟ -أبوكي إجازته العارضة اللي واخدها هتنتهي بكرة وعايزك تروحي الشغل النهارده تطلبي منهم يمضوله على إذن إجازة أسبوع كمان." سحر: " -حاضر يا ماما... أخلص اللي في إيدي بس وأطلع."
تململت أميرة بتعب فقد بقيت مستيقظة لوقت متأخر جداً وما زاد رهبتها أكثر هو ذلك السكون القاتل الذي كان يعم المكان. نظرت إلى الساعة بجانبها فوجدتها تشير إلى العاشرة والنصف صباحاً. اعتدلت قليلاً وهي تنظر يميناً ويساراً وتفاجأت حين رأت صينية طعام في الطاولة الموجودة بالجانب الآخر من الغرفة. أميرة بتساؤل: " -الصينية دي مكانتش موجودة بالليل معقولة دخل أوضتي وأنا نايمة؟ يعني شافني كده!!
جاهدت نفسها لتجلس على ذلك الكرسي المتحرك وتتوجه مسرعة إلى ناحية الطاولة بقلق. فوجدت ورقة بجانب الأكل. فتحتها مسرعة: " -صباح الخير. أنا طلعت في شغل مستعجل ومش عارف راجع إمتى. ما قدرتش أسيبك من غير أكل عشان كده حطيتلك الأكل ده تسدي بيه جوعك لحد ما أرجع وما تنسيش تاخدي أدويتك. أه على فكرة يا أميرة... انتي أمانة في بيتي عشان كده اتطمني أنا حطيت الأكل وطلعت على طول ما شفتش ناحيتك أصلاً وربنا شاهد على كلامي. ياسين."
-ياااااه... هو فيه ناس كده؟ أغلقت الورقة وهي تشعر بأمان وراحة غريبين. توضأت وصلت فرضها وأكلت. بعد مدة. ثم توجهت ناحية باب الشرفة وحاولت فتحه لكنه مغلق. -ده كمان مقفول بمفتاح؟ أووف." شعرت قليلاً بالضيق والملل، لكنها لاحظت شيئاً آخر بجانب الصينية. عادت إلى الطاولة والتقطت ذلك الكتاب الموضوع بجانبها. كانت رواية بعنوان "كم مرة سنبيع القمر" بقلم الكاتب المصري المقيم بكندا "أسامة علام". شعرت بالفضول وهمست في نفسها: "
-مصري مغترب بكندا؟ فتحت المقدمة، فاستوقفتها تلك العبارات المشوقة التي ترتكز على إثارة الدهشة والمفارقات الإنسانية بلغة شديدة الدفء والحنان. تصفحت بضع صفحات وهي منبهرة من طرح الكاتب تساؤله ذاك "كم مرة سنبيع القمر" كعنوان لمجموعته القصصية ووقفت عند عبارة "في هذه الأماكن البعيدة تماماً عن الوطن حيث يمكن تحويل كل الكائنات والجماد إلى أصدقاء".
أدهشها موقف المؤلف وكأنه يبحث في الظلال والشوارع الخلفية عن حكايات تحول الوحدة وكآبة الغربة إلى ونس وأمان، يكتب عن هؤلاء الغرباء الذين نقابلهم صدفة فينيرون لنا ظلمة الغربة ويجعلون أي مكان نؤه معه موطناً وملجأ لنا. كما توقفت مذهولة من اختيار ياسين لتلك الرواية بالذات!! توجهت نحو سريرها وانهمكت في القراءة باهتمام وتركيز. في شركة التأمين.
-سيد ياسين نتفهم قلقك لكنك تعلم أن هذا النوع من التحقيقات يستغرق وقتاً طويلاً جداً." ياسين: " -سيدي هذا ملف التأمين الخاص بالشحنة. لا يهمني كم من الوقت سيستغرق التحقيق... أنت تعلم أن الحمولة ضخمة: مئة طن من القطن هذا يعني ملايين الدولارات... المبلغ من شأنه أن يؤثر على اقتصاد كندا بأكملها وليس علي فقط هل فهمت؟ الكثير من مؤسسات الغزل والنسيج المتعاقدة معي صفقاتها مرتبطة بهذه الشحنة...
سأفقد اعتباري قبل أموالي هل فهمت سيد ميتشل؟ -أفهمك سيدي... لا تقلق فور وصول التقرير سنتصل بك." -يمكنني دفع مبلغاً إضافياً مقابل تسريع العملية." -أنت أهم عميل لدينا سيد ياسين لا تهتم سنعمل جاهدين على هذه القضية." -شكراً لك سيد ميتشل عن إذنك." خرج ياسين من الشركة وهو يتصل بنانسي. -هل فعلت ما طلبته منكِ؟ -أجل سيدي كل شيء جاهز." -سيبدأ الإعلان عن نتيجة المناقصة بعد نصف ساعة من الآن انطلقي بسرعة سنتقابل هناك." -بأمرك."
في ميناء مونتريال. خالد: " -ماذا تقول يا هذا؟ -على ما يبدو سيد خالد... اختفت الشحنة بطريقة ما بين مصر وكندا." -ماذا تعني باختفت؟ -أي أن الحمولة قد حملت كاملة بميناء مصر لكنها لم تغرق مع باقي حمولة العبارة.. هذا ما تظهره صور القمر الصناعي." خالد بغضب: " -أي نوع من الاستهتار هذا سيد ادامز... سيد ادامز:" -سيد خالد أنا متأكد من وجود... رن هاتف خالد. -حسنا سأعود عليك لاحقاً علي الإجابة على اتصال هاتفي من السيد."
تركه وخرج. -أيوه يا ياسين." -فهمني إيه الحكاية يا خالد؟ لقيت إيه؟ -مبدئياً الحمولة شكلها اتسرقت بعد ما اتحملت من مصر." -تتسرق إزاي؟ -مش عارف... المهم تؤمر بإيه؟ ياسين بغضب: " -تبلغ ادامز اللي هاقولك عليه بالحرف الواحد وتبعثلي بعدها التقرير اللي طلبته ومعاه خط سير العبارة وكل مكان وقفت فيه عشان تحمل وقود وأنا هاتصرف." خالد: " -حاضر... ياسين: " -اسمعني كويس... سحر بتوسل: "
-سيدي أقول لك هو موجود في مصر ولا يستطيع السفر اليوم ارجوك أن تقبل تمديد الإجازة فقط لأسبوع." -آسف يا آنسة.. الشركة أساساً في وضع استنفار وقد تم قطع جميع الإجازات وعودة جميع العمال المناوبين ليلاً ونهاراً." سحر برجاء: " -يمكن أن تعتبره وضعاً خاصاً فهو خارج كندا." -آنسة ليس لدي وقت أضيعه... يمكنك إخبار السيد صالح أنه إن لم يستأنف عمله بدءاً من الغد فيمكنه اعتبار عقد عمله لاغياً." سحر بحزن: " -لكن يا سيد...
-قد أضعت ما فيه الكفاية من الوقت من فضلك انصرفي." خرجت سحر تجر أذيال الخيبة واتصلت بوالدتها. -الو.. أيوه يا ماما." فاتن: " -طمنيني عملتي إيه؟ سحر بحزن: " -للأسف يا ماما رفضوا.. بيقولوا عندهم حالة طواريء ومافيش إجازات عارضة ولو ما رجعش من هنا لبكرة هيفسخوا عقد العمل بتاعه ويعوضوه بواحد تاني." فاتن: " -إيه الكلام ده يا سحر؟ معقولة يفسخوا العقد!! هو قطع الرزق عندهم بالبساطة دي؟
كان أحدهم يمر بجانبها وقد أثار انتباهه أنها تتكلم باللهجة المصرية مما جعله يشعر بالفضول قليلاً كما أثاره حزنها فتوقف قريباً منها يستمع إلى مكالمتها وهو يهمس في داخله: " -قد إيه بأستمتع لما أسمع حد بيتكلم مصري هنا في كندا... بجد شعور دافي بيحلي مرارة الغربة و بيهون قسوتها." أكملت سحر: " -أيوه يا ماما الناس دي مش بتتعامل بالعواطف كل اللي يهمهم اقتصاد شركتهم وبلدهم قال إيه العمالة هنا على قفا مين يشيل مستنيين بس فرصة...
تنهدت سحر بحزن وأكملت: " -أنا حاسة إن كل اللي بيحصل لنا ده ذنب الغلبانة أميرة اللي اتهمتوها بالباطل وشردتوها في بلد غريب... يا عالم أراضيها فين دلوقتي 😓😔 عايشة ولا م'يتة شبعانة ولا جعانة.. لابسة ولا... لم تتمالك دمعتها وانهارت بالبكاء. فاتن: " -إيه لزوم الكلام ده يا سحر؟ اهدي وتعالي أنا هاكلم أبوكي وهو يتصرف." سحر: " -طيب يا ماما 😓😔." توقف بتعجب وفرك لحيته كأنما يتذكر شيئاً: " -هي قالت أميرة؟ ولا أنا سمعت غلط؟
أقفلت سحر الخط وكانت تهم بالرحيل وهي تمسح دموعها بيأس حين أوقفها مسرعاً. -احم من فضلك يا آنسة... ممكن دقيقة من وقتك لو سمحتي؟ وقفت بذهول أمامه ونظرت إليهتمعن. شاب أشقر طويل بعيون خضراء متموجة ولحية خفيفة زادته وسامة... لا يبدو أنه عربي كيف يتكلم المصرية؟ سحر بتساؤل: " -أفندم؟ حضرتك تعرفني؟ -لا الحقيقة أنا سمعت كلامك بالصدفة... وواضح من كلامك إن عندك مشكلة كبيرة." سحر بغموض: " -أيوه؟ وحضرتك عايز إيه؟
-بصراحة واضح إننا ولاد بلد ومن واجبنا نساعد بعضنا بعض ولا إيه رأيك؟ سحر: " -ما أعتقدش هتقدر تساعدني.. عن إذنك." كانت تهم بالانصراف حين أوقفها ثانية: " -جربي مش هتخسري حاجة... سحر: " -بص يا أستاذ.... -خالد.. اسمي خالد... ☺️"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!