داخل مستشفى الشرطة بمدينة نصر، الساعة السابعة والنصف صباحاً. تقف عائلة تتكون من أب وأم وابن ينتظرون بالخارج خروج ابنتهم من غرفة العمليات. الابنة تجري عملية جراحية خاصة بالسرطان. يقف الوالدان في توتر شديد، مرت ساعات في قلق وخوف من فقدان ابنتهما الوحيدة. يخرج الطبيب، ذو الشعر الأسود الكثيف، البشرة القمحاوية، والعيون السوداء، ويزيل الكمامة من على وجهه، ويبتسم للعائلة قائلاً بأمل: –مبروك، العملية نجحت.
فرح الأب والأم كثيراً، شكرا الطبيب. تحدث مرة أخرى قائلاً: –بس هنحطها تحت المراقبة لمدة 48 ساعة؛ علشان لقدر الله لو حصل أي مضاعفات. أومأ الوالدان رأسهما في فرح واحتضنا بعضهما البعض. ذهب الطبيب إلى مكتبه. على الرغم من صغر سنه، إلا أنه ماهر في العمليات كثيراً. يلقبه أصدقاؤه بطبيب المعجزات، نظراً لما حققه من عمليات ناجحة تشبهها كثيراً. دلف إليه صديقه المقرب، الطبيب حازم، وهو يهتف له بفرح شديد ومزاح بعض الشيء قائلاً:
–الله ينور عليك يا أنس، ياما نفسي أبقى زيك بالظبط، مافيش عملية تقف قدامي مهما كانت صعوبتها. تحدث أنس بمزاح هو الآخر، ولكنه يخمس في وجه صديقه قائلاً بمرح: –قل أعوذ برب الفلق، إيه يا ابني هموت من الحسد. تحدث حازم قائلاً: –حسد إيه يا عم، بقى في دكتور عنده 25 سنة بالشطارة دي كلها؟ ده أنا أكبر منك بسنتين وما حققتش الإنجازات دي، قولي بجد بتعمل إيه بتخلي عملياتك كلها ناجحة كده. صمت أنس قليلاً ثم هتف بمزاح قائلاً:
–ذاكر أنت كويس، وأنت هتعرف تشتغل صح. وبعدين ده أنا في تدريب وكل واحد ربنا مخليه عنده ميزة، هانت كلها سنة وأتخرج. ضحك الاثنان معاً. أثناء ذلك الحديث، جاءت مكالمة هاتفية من جد أنس. أجاب أنس قائلاً: –سلام عليكم يا جدي. تحدث الجد بصوت منخفض ومتقطع من شدة التعب والإرهاق قائلاً: –أ..نس.. تعالى البيت بسرعة. قفز أنس من القلق ليهتف بتوتر وخوف قائلاً: –حالا هكون عند حضرتك. تحدث حازم قائلاً: –في إيه؟
ذهب أنس دون أن يجيب عليه، فهو الآن يبتعد عن جده كثيراً، يريد أن يذهب إليه مسرعاً. ذهب أنس إلى منزله مسرعاً. يعيش مع جده بمفرده بعد وفاة والديه منذ أن كان عمره شهوراً فقط. تولى الجد مسؤوليته، خاصةً بعد وفاة ابنته الوحيدة وزوجها. يعتبر أنس جده عائلته بأكملها، لم يجرؤ على التفكير في فقدانه. فتح أنس الباب ودلف إلى غرفة جده وهو يهتف باسمه قائلاً: –جدي.. جدي.
فتح أنس باب غرفة جده، ليجده مستلقياً على فراشه، لم يستطع التحدث أو التحرك. ركض إليه أنس وهو يهتف بقلق قائلاً: –جدي.. مالك. أمسك أنس يده ليقيس نبضه مع عقارب الساعة التي في يده. قاطعه الجد وهو يتحدث بصوت متقطع قائلاً: –أخيراً… جيت. تحدث أنس بقلق قائلاً: –متتكلمش دلوقتي. هتف الجد وهو ما يزال يمسك بيده قائلاً: –اسمعني يا أنس، في كلام مهم لازم تعرفه. تحدث أنس بقلق شديد قائلاً: –علشان خاطري بلاش تتكلم دلوقتي.
هتف الجد وهو يبتسم قائلاً: –خلاص يا حبيبي، اللي جاي من العمر مش قد اللي راح. صمت أنس ليكمل الجد حديثه قائلاً: –افتح درج المكتب اللي هناك ده، هتلاقي صندوق صغير هاته. ذهب أنس ليجد ذلك الصندوق الصغير فضي اللون، أعطاه إلى جده. تحدث الجد قائلاً: –افتحه. نظر له أنس، ثم نظر إلى الصندوق ليقوم بفتحه. وجد به طوق على شكل لؤلؤة حمراء اللون بها رسمة ثعلب أحمر اللون. نظر أنس إلى ذلك الطوق، ثم إلى جده ليتحدث باستغراب قائلاً:
–إيه ده..؟! هتف الجد قائلاً وهو يسعل بشدة: –البسها وأوعى تقلعها… أنا ماكنتش عايز أقولك، بس الظروف أجبرتني إني لازم أقولك، خصوصاً إني خلاص مش ضامن أعيش بعد دلوقتي ولا لا. تحدث أنس مسرعاً قائلاً: –بعد الشر عليك. تحدث الجد قائلاً: –أوعى حد يعرف حاجة عن السلسلة دي، حتى أعز أصحابك.. مين عالم إن النهاردة صاحبك بكرة يبقى عدوك، البشر مالهمش أمان يا ابني. هتف أنس قائلاً: –أيوه مش فاهم أعمل بيها إيه..؟!
تحدث الجد وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة قائلاً: –يوم 28 أغسطس الجاي، هيحصل خسوف للشمس، وده بيحصل مرة واحدة في السنة في نفس اليوم. تكون هناك قبل غروب الشمس، وهناك هتعرف كل حاجة. هتف أنس بعدم فهم واستغراب قائلاً: –أروح فين، وأعرف إيه..؟! هتف الجد جملته الأخيرة قبل أن تفارق روحه ذلك الجسد المهلك قائلاً: –الوادي الملون..! نظر له أنس بعد أن فارق الحياة، ليتحدث أنس بصوت مرتعش ويد مرتعشة قائلاً: –جدي.. جدي.
نظر إليه عدة مرات ثم هتف مرة واحدة وهو يصرخ قائلاً: –جدي…. *** بعد أن قام أنس بدفن الجد، يقف الآن في عزاء جده، بجانبه صديقه حازم مواسياً له. يذهب الأشخاص واحد تلو الآخر. لم يتبق معه سوى حازم، ليهتف حازم بحزن وهو يضع يده على كتف صديقه قائلاً: –شِد حيلك يا حبيبي. نظر له أنس ولم يتحدث، أو يفعل شيء. يهتف حازم مرة أخرى قائلاً: –تحب أوصلك. نظر له أنس ليهتف قائلاً وهو يذهب: –لا شكراً، أنا هروح لوحدي.
تركه أنس ليذهب إلى منزله، وهو يشعر بحزن شديد. يدلف إلى غرفة جده، ثم نظر إليها عدة مرات، يميناً تارة، وشمالاً تارة أخرى. ظل يسير في تلك الغرفة حتى استلقى على فراش جده، وهو يحتضن وسادته حتى ذهب في نوبة بكاء شديد. *** في صباح يوم جديد، استيقظ أنس على صوت هاتفه. وجد نفسه نائماً بتلك الملابس السوداء. قام بقفل ذلك المنبه المزعج، اعتدل على الفراش، ثم أخرج ذلك الطوق الذي أعطاه له جده أمس من جيبه.
ظل ينظر إليه مدققاً به. أثناء ذلك التحديق، وجد ذلك الثعلب الأحمر الصغير الذي يوجد في تلك اللؤلؤة، تحول إلى اللون الرمادي. ظل ينظر إليه مستغرباً لما يحدث، حتى تذكر حديث جده أمس عن ذلك الوادي ويوم خسوف الشمس. قام بفحص هاتفه مسرعاً لمعرفة متى سيأتي الموعد المحدد لذهابه إلى الوادي، ليجد بأنه بعد أسبوع فقط من اليوم. قاطع ذلك التفكير صوت رنين هاتفه من صديقه حازم، ليجيب عليه قائلاً: –الوو. أجاب حازم قائلاً
وهو يذهب إلى مكتبه: –بقيت أحسن. تحدث أنس قائلاً: –الحمدلله. هتف حازم وهو يحاول أن يخفف عن صديقه قائلاً: –طب إيه رأيك تيجي العيادة في المستشفى وبالمرة تفك شوية. تحدث أنس قائلاً: –معلش يا حازم سيبني النهارده لوحدي. –تمام يا حبيبي. أغلق أنس معه، ليقوم بوضع يده على وجه، حتى قام بالذهاب إلى المرحاض لكي يتوضأ. *** انتهى أنس من صلاته، ثم أخذ اللاب توب وتوجه نحو فراشه. ذهب إلى جوجل لمعرفة ما هذا الوادي الملون، وأين هو.
بعد قليل من البحث وجد بأنه يوجد في شبه جزيرة سيناء. انبهر من ألوان ذلك الوادي، فهو عبارة عن متاهة من الصخور الرملية المصبوغة بالألوان الأصفر والأرجواني والأحمر والذهبي. لم يعلم إلى الآن ماذا يفعل عندما يذهب في ذلك اليوم، ولكن ما باليد حيلة، سيذهب إلى هناك، ليرى ماذا يحدث له أثناء خسوف الشمس. لم يتبق سوى أسبوع واحد فقط. يريد أن يمر ذلك الأسبوع على أحَر من الجمر، حتى يأتي ذلك اليوم المنتظر.
أثناء ذلك البحث والتفكير وجد صديقه يخاطبه على الهاتف، ليجيب عليه قائلاً: –في إيه يا حازم. هتف حازم بتوتر قائلاً: –عارف إن ده مش وقته، بس في أقل من نص ساعة ألاقيك في المستشفى عندي، في حالة مستعجلة محتاجة عملية جراحية فوراً، ودكتور نبيل عايزك معاه. هتف أنس مسرعاً وهو يلملم أشياءه في عجل قائلاً: –تمام نص ساعة وأبقى عندك.
بعدما أغلق أنس معه، أخذ سيارته وبالفعل ما هي إلا نصف ساعة فقط حتى وصل إلى مكتب صديقه حازم، فمن حسن حظه أن تلك المستشفى قريبة من منزله إلى حد ما. نظر إليه حازم قائلاً: –روح البس وتعالى على أوضة رقم 3 في العمليات. أومأ أنس رأسه إيجابياً، بينما ذهب حازم. ليغلق أنس الباب عليه جيداً، ثم قام بأخذ الإبرة ليسحب القليل من دمه، ثم وضعه في جيب البالطو الخاص به، ليغير ملابسه حتى ذهب إلى غرفة العمليات بالفعل. ***
(داخل غرفة العمليات)
يقف أنس بجانبه حازم وبعض الممرضين وطبيب متخصص، فهو ذلك الطبيب نبيل المسن. قام الطبيب المتخصص بفتح مخ ذلك المريض، ثم أعطى باقي مهمته إلى أنس، ليستأصل الورم الخبيث. لكن انتهز أنس تلك الفرصة لعدم ملاحظة حازم أو الطبيب ما يفعله، حتى أخرج تلك الإبرة التي معه، ليضعها في ذراع ذلك الفتى، ثم أخرج ذلك الورم الخبيث، حتى أشار الجهاز باعتدال ضربات القلب. ابتسم له الطبيب، ثم أكمل حازم ما بدأه الطبيب وأنس أيضاً.
انتهى حازم سريعاً من تخيط رأس الصبي، ليخرجوا الثلاثة سوياً. هتف والد المريض قائلاً بقلق: –طمني يا دكتور، ابني كويس. هتف الطبيب قائلاً: –ألف مبروك، العملية نجحت. فرح الأب كثيراً، وأيضاً أنس الذي تنهد من شدة التوتر. فهذه المرة الأولى التي يفعل بها هكذا وسط وجود أحد الأطباء، دائماً كان يأخذ الممرضين الواثق بهم، حتى لا يفصحوا عن سره. أفاق من شروده على صوت الطبيب قائلاً: –أنس تعالى معايا المكتب. تحدث حازم بمزاح قائلاً:
–الله يسهلك يا عم. نظر له أنس ضاحكاً ليتركه ويذهب مع طبيبه إلى مكتبه، حتى هتف الطبيب بحزم قائلاً: –أنت فاكرني ماخدتش بالي باللي عملته ولا إيه. ما هذا؟ صدمة حلت عليه، سره الآن على وشك أن يفضح. نظر له أنس ثم هتف في توتر شديد قائلاً: –عملت إيه يا دكتور ممكن توضح. هتف الطبيب بغضب قائلاً: –أنس، مش عايز استهبال، إيه الحقنة اللي أنت اديتها للواد دي. علم أنس بأنه لا مفر من ذلك، حتى اتخذ قراره ليهتف قائلاً:
–هقولك يا دكتور بس وحياة ولادك، اعتبرني زي ابنك وكأنك متعرفش حاجة. صمت الطبيب قليلاً. ليهتف أنس مرة أخرى قائلاً بتوتر: –دي حقنة من دمي. هتف الطبيب مستغرباً ليتحدث قائلاً: –دمك..؟! تحدث أنس في توتر شديد قائلاً: –أيوه.. –وأنت اديته دمك ليه. هتف أنس وهو ما يزال على ذلك التوتر قائلاً: –لأن دمي شافي….!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!