الفصل 11 | من 15 فصل

رواية الانسية التي تزوجت جني "قصة عشتار وجلجامش" الفصل الحادي عشر 11 - بقلم غير معروف

المشاهدات
27
كلمة
4,094
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

بعد تغلب جلجامش على الذئب ذي العين الواحدة وحصوله على نابيه وعينه بمساعدة عشتار وياحين، لحقت بهم الذئاب إلى أرض البركان. المكان الذي انطلق له جلجامش بسرعة وخطف حجر المغناطيس من فوق فوهة البركان، مما أثار البركان وجعل الجن الحمر الستة يلحقون بجلجامش. الذي أخذهم ليلاقوا حتفهم من قطيع الذئاب الذين لحقوا بهم سلفاً.

واستطاع ياحين إعادة حجر المغناطيس لمكانه لإنقاذ أرض الجن من ثوران البركان بعد كسره وأخذ قطعة منه، ولكنه دفع حياته ثمناً لذلك. حزن جلجامش وعشتار لفقد ياحين كثيراً، لاسيما أنه كان صديق جلجامش المخلص وأوفى أعوانه. لكن كان لابد من مواصلة المسير لبلوغ الهدف وإنقاذ القبيلة. جلجامش: هيا بنا نرحل بسرعة.

غادر الاثنان، جلجامش وعشتار، ولكن فجأةً خرج جنيٌ أحمر من تحت الأنقاض. رأسه رأس الثور، مثخناً بالجراح ومضرجاً بدمائه. قبض على جلجامش من رقبته قائلاً والشرار يتطاير من عينيه: أنت أيها الوغد من تسبب في هذه المصيبة. سأقتلك شر قتلة. سرقت الحجر. أثرت البركان. أتيت بالذئاب. وقتلت إخوتي. لا تعتقد أني سأقتل أحداً كقتلك.

حاول جلجامش التخلص من قبضة هذا الثور الهائج، لكن دون جدوى. كان الثور الأحمر أضخم وأقوى من جلجامش بكثير. لا عجب في ذلك، فمن يحرس ناراً يمنعها من الخروج من بركانها لابد له أن يمتلك مثل هذه القوة الجبارة. رفع الجني الأحمر جلجامش عالياً ورماه، راطماً إياه بصخرة كبيرة. من قوة الصدمة اهتز جلجامش هزا عنيفاً وسقط على الأرض. فانتزع الثور الأحمر سيفه الثقيل واتجه لجلجامش ببطء، وهو يزمجر وينفث البخار الحار من منخاره.

صرخت عشتار بثقة: أيها الجني المتوحش! لكنه لم يعر لها بالاً. فامسكت بحجر وألقته عليه، فأصاب قرنه. أدار الجني وجهه نحوها وكأنه ينتبه لها لتوه وقال: أيتها الإنسية الذئب، لابد أنك من أتى بالذئاب إلينا. سأقتلك أنت أيضاً. لابد من معاقبة المتطاولين وجزاء من يتجرأ على اقتراف المحظور أن يدفع حياته ثمناً لذلك. واتجه لها مسرعاً شاهراً سيفه الثقيل. كانت عشتار ترتعد خوفاً، لاسيما أن جلجامش كان جالساً على الأرض وهو يترنح.

وصل الجني الأحمر فوق رأس عشتار ورفع سيفه عالياً وهو يصرخ، وهوى به فوق رأس عشتار. أغمضت عشتار عينيها مستسلمة، واضعةً يدها فوق رأسها. وكانت المفاجأة بأن انفلت السيف من يد الجني وانطلق طائراً للخلف. استغرب الجني مما حدث، وكذلك عشتار. لكنها حين نظرت في يديها رأت حجر المغناطيس الذي كانت ممسكة به. لابد أنه تنافر مع السيف ودفعه بعيداً. إن كان هذا فعلاً ما حدث، فيوجد أمل لا شك في التغلب على هذا الغول.

قفز الجني الأحمر على سيفه، ولكن عشتار تبعته موجهةً المغناطيس تجاه السيف، فابتعد السيف بعيداً مرة أخرى. غضب الجني غضباً شديداً فاتجه لعشتار بسرعة، لكنه حين أبصر عينيها انسحر بهما وتوقف ينظر لها بنشوة.

فطنت عشتار أنها قد سحرت هذا الوحش وأحست بثقة أكبر. فالجني أعزل ولديها سحر عينيها والمغناطيس في مواجهته، ويبدو أنها قد سلبت قلبه. لكن ما لم تكن تعلمه عشتار أن هذا الجني كانت طبيعته الحيوانية غالبة عليه، خصوصاً في التعبير عن حبه. نظر إليها الثور الأحمر قائلاً: يالك من جميلة أيتها الذئبة. لا شك أنك ستكونين لذيذة جداً. اتجه الثور الأحمر تجاه عشتار ببطء، وهو ينظر لها نظرة مريبة بابتسامة مكر وتلذذ.

خافت عشتار على نفسها من هذا الجني الحيواني، إذ بدت نواياه واضحةً جداً من نظراته الشهوانية واللعاب يسيل من فمه الأسود بنهم شديد. أخذت عشتار تتراجع للوراء خائفة، وهي تنظر تارة لهذا الجني الخبيث وتارة لجلجامش الذي ما زال يترنح من قوة ارتطامه بتلك الصخرة، وكلما وقف سقط مرة أخرى.

الثور الأحمر: اقتربي أيتها الإنسية الجميلة. لن أؤذيك. فقط اخلعي رداء الذئاب عنك، فهو يصيبني بقشعريرة ولا يليق بهذا الجمال. فبشاعة الذئب التي تغطيكي من الخارج لا تستطيع إخفاء الحمل الوديع بداخلك أيتها الحلوة. أحست عشتار بغضب شديد، لاسيما أنها أدركت أنها في موقع قوة وليس ضعف. وصل الثور الأحمر إليها وهم أن يمسك بها، لكن وبسرعة أخرجت عشتار عين الذئب أمام الثور الهائج، فتسمر مكانه وأخذ يرتجف متراجعاً للخلف.

فأحست عشتار بقوة وثقة أكبر وتبعته وهي تنظر لجلجامش الذي لم يزل على حاله. أخذت عشتار تفكر في هذا الوضع الخطير، فهي بكل أسلحتها مسيطرة على الثور، ولكن كيف ستقتله وتتخلص منه؟ كانت تفكر بسرعة وتنظر هنا وهناك، إلى أن لمع في عقلها حل ليس هنالك غيره. تقدمت عشتار من الثور مشيرة له بعين الذئب، وهو يرجع للخلف مزمجراً وخائفاً. كانت تدفعه باتجاه البركان. كان هذا هو الحل الوحيد أن تلقيه في البركان.

أخذت تتقدم وتتقدم وهو يرجع للخلف بغضب، لكن ما لم تنتبه له عشتار أنها لم تكن تدفع الثور فقط، بل كانت تدفع السيف أيضاً. وتبعده بفضل قوة حجر المغناطيس إلى أن ابتعد السيف كثيراً. وتقدمت عشتار بالثور إلى أن أصبح السيف خلفها، مما قلب عملية تنافر المغناطيس إلى تجاذب نظراً لتغير القطب. فانطلق السيف بسرعة رهيبة تجاه عشتار وهي لا تدري، إذ كانت مركزةً بكل جوراحها على الثور الأحمر.

وصل السيف العملاق لعشتار، لكن وبسرعة البرق قفز عليها جلجامش وأمسك بالمغناطيس وأداره دورة كاملة. كان من شأن هذه الدورة أن أدارت السيف معها فوق جلجامش وعشتار. ثم قذفت به بعيداً، إذ أن جلجامش كان موجهاً قطب التنافر تجاه السيف ودفعه تجاه الثور الأحمر بسرعة. وكاد أن يقطع رأسه، إلا أن الثور استطاع في اللحظة الأخيرة تفاديه، لكنه خسر قرنيه اللذين قطعهما السيف مبتعداً.

انتهز الثور الفرصة، حيث أن سقوط عشتار أدى إلى انفلات عين الذئب وتدحرجها بعيداً. فاحكم قبضته على جلجامش وأخذ يوجه له لكمات عنيفة وسريعة جداً، مما أدى لسقوط حجر المغناطيس من يده تحت قدم عشتار. فقامت عشتار برفس حجر المغناطيس وانقلب قطبه مرة أخرى، ساحباً السيف من جديد بسرعة تجاههم إلى أن اخترق صدر الثور. فسقط جلجامش من يده. وقفزت عشتار على الحجر وأدارت قطبه لتدفع السيف بالثور بعيداً.

ابتعد السيف بسرعة وهو يدور بالثور إلى أن انغرز في صخر البركان بشدة، وزهقت روح الثور وهو فاغر فمه والدماء تسيل منه كينبوع ساخن. أخذت عشتار تبتعد شيئاً فشيئاً إلى أن تأكدت أنها خرجت عن المجال المغناطيسي بين السيف والحجر. فوضعت الحجر أرضاً وركضت باتجاه جلجامش الذي كان قد نهض وهو يترنح قليلاً والدماء تسيل من فمه وفوق جبهته. احتضنت عشتار جلجامش وهو يترنح قائلة: لقد مات يا حبيبي، نحن بخير الآن، انتهى الخطر. أجاب جلجامش

وهو متعب من هول المعركة: خذيني لضفة النهر بسرعة. أسندت عشتار جلجامش على كتفها بعد أن حملت العين والحجر، وأخذت تمشي متجهةً للنهر الذي كان قريباً. لم تدري لماذا تذكرت بداية هذه المغامرة الرهيبة حين كان جلجامش نسراً مغشياً عليه، لكن ما كان مطمئناً لها أنها أصبحت أقوى من ذي قبل واكتسبت خبرة وأسلحة تستطيع من خلالها مواجهة وحوش هذا العالم المخيف. قالت في نفسها: "لا خوف بعد اليوم، هو الصراع من أجل البقاء فقط لا غير".

أخيراً وصلت لضفة النهر وكان الليل قد حل وأسدل ستاره الحالك في ظلام ساكن. جمعت عشتار بعض أغصان الشجر، فقال لها جلجامش: ما تنوين أن تفعلي؟ عشتار: سننام هنا إلى أن تطلع الشمس. جلجامش: تحركنا في ظلام الليل أفضل من ضوء النهار كي لا نلفت الانتباه، علاوة على ذلك الوقت ليس من صالحنا.

عشتار: ما زال لدينا يومان وأنت متعب جداً. سنرتاح هنا الليلة ونكمل مسيرتنا عند بزوغ الفجر، ولاتخف فالجزء الصعب قد أنجزناه بالفعل، بقي أمامنا شجرة المطاط فقط. جلجامش: لاتستهيني بـ هيڤيا، فهي خطرة وسامة. عشتار: لا يوجد شيء ليس بخطر في عالمكم، ولكنها ليست أخطر من حجر المغناطيس والذئب الأحمر.

لا يشأ جلجامش معارضة عشتار حين لاحظ أن معنوياتها مرتفعة جداً، فكل هذا الأمل هو ما كان يحتاجه. وجودها بجانبه كان كالبلسم بجانب جريان ماء النهر وهبوب نسيم هواء الليل. أشعلت عشتار ناراً وسوت فرو الذئب بأغصان الأشجار حتى غدا وكأنه خيمة صغيرة. عشتار: سننام داخلها أمام النار. لن يجرؤ أي جني بالاقتراب من فرو الذئب لا شك، وأيضاً أشعلت النار احتياطاً من أي ذئب ينفذ من البركان. نظر جلجامش لعشتار ورسم على وجهه ابتسامة رقيقة:

تعالي يامنقذتي الشجاعة. وسحبها تجاهه، فتمنعت قائلة وهي تضحك: عليك أن تغتسل في النهر، فرائحة الثور طاغية على أرجاء جسمك. ضحك جلجامش وحمل عشتار متجهاً للنهر: وأنتِ أيضاً، فرائحة دم الذئب ما زالت تصيبني بقشعريرة. عشتار: لا لا، أستطيع فالماء باررررد. أرجوك يا حبيبي لالكن جلجامش لم يصغي لها وقفز في النهر بها. وأخذ الاثنان يسحبان في عذوبة ماء النهر متناسين كل ما مروا به من أهوال ومخاطر تحت ضوء القمر.

أسندت عشتار ظهرها بصدر جلجامش وأخذت تتأمل ضوء القمر بسكون. عشتار: لطالما ظننت أن الجن يعيشون تحت الأرض، لا شمس لديهم ولا قمر ولا سماء. جلجامش: نحن تحت الأرض، ولكن لنا بعد آخر غير أبعاد عالم الإنس. عشتار: أليست هي ذات السماء وذات الشمس وذات القمر؟

جلجامش: بلى، لكن البعد الذي نعيش فيه هو غير البعد الذي تعيشون فيه أنتم. هو تحت الأرض فعلاً، لكن ينفذ له ضوء الشمس والقمر ونرى فيه السماء واضحة جلية، لكنه كسجن أيضاً. وقد قال البعض أن سمائنا هي محض خيال، فكثير من الجن يهربون من هذا العالم لعالم الإنس كي يروا الحقيقة. عشتار: هه، نفس حالنا في عالم الإنس. نبحث عن الحقيقة دوماً في كل مكان، تحت الأرض وفوق الجبال وفي السماء وتحت البحار. وضع جلجامش يده على قلب عشتار وقال:

هنا فقط تكمن الحقيقة. عشتار بتحاذق: إن كانت الحقيقة في قلبك، عن ماذا جئت تبحث في عالم الإنس وابتليت بعشقك؟ جلجامش: جئت أبحث عن الحب. عشتار: وهل وجدته؟ جلجامش: بل وجدني. نظرت عشتار لجلجامش بحزن ثم أشاحت بوجهها تجاه القمر. فسألها جلجامش بقلق: ما بك يا حبيبتي؟ عشتار: أخاف أن لا يكون عشقك لي حقيقياً، فقد تكون سحرت من عيناي كما حدث مع طنطل وياحين وذاك الثور.

جلجامش: لا أخفي عليك أن سحر عينيك جعلني أعشقك بجنون وأتعلق بك يا حبيبتي، ولكن عليك أن تعلمي أني أحببتك قبل أن أرى عينيك. عشتار بتعجب: صحيح؟ وكيف حدث ذلك؟ فما كان من جلجامش إلا أن حملها وخرج من النهر ووضعها عند مدخل الخيمة قرب النار حتى لا تصاب بالبرد، وجلس بجانبها يهمس.

جلجامش: لقد قلت لك من قبل أن الجن مقيدون بالنظر، خصوصاً حين نذهب لعالم الإنس أو نتشكل بهيئة. نتحاشى أن ننظر لأحد في عينيه، وهذا ما كنت أفعله. كنت دائماً أراقبك فوق شجرة التفاح في حديقتكم وأنت تكبرين وتزدادين جمالاً. أعجبني حنانك على إخوتك وخوفك عليهم، إذ كنتم أيتاماً وكنتِ أحن عليهم من أمهم لو كانت على قيد الحياة. أعجبني فيك صدقك وبراءتك، حتى صرت آتي لعالمكم لأراقبك طوال يومي وأنت تمشطين شعرك الطويل عند تلك الشجرة

وتغنين بصوتك العذب أو تبكين حين تكوني حزينة وتبوحين بأسرارك وآلامك ومخاوفك للنجوم والأزهار والعصافير. أتذكر مرة كان أبوك يهم بضرب أحد أخوتك، فرميتي بنفسك بينهما وتلقيتي تلك الضربة كي تحمي أخاك مع أنه يكبرك سناً. غضبت غضباً شديداً، إذ أنني أرى تلك البنت الجميلة ضربت أمامي وأنا عاجز عن فعل أي شيء، وكنت قد نويت أن أتدخل أو أتلبس أباك لأعاقبه على فعلته، لكني خفت أن تصابي بحزن، فالتزمت الصمت وكبحت جماح نفسي. تعلقت بك

وأحببتك. وغدوت أحلم بك وأتخيلك. أتخيلك معي، أتخيلك في حضني. صنعت لنا عالماً خاصاً في مخيلتي. وحين أمرني أهلي أن أتزوج، بحثت عنك في عالم الجن ولم أجد لك مثيلة. بحثت عنك وأنا أعلم أين أنت، فقد تسلل حبك لقلبي شيئاً فشيئاً إلى أن سلبتي عقلي وروحي. حاولت كثيراً أن أتغلب على عشقك، لكن لم أستطع. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تشكلت به بشكل فراشة ووقفت على طرف أصبعك، والتقطت عيناي بعيناك لأول مرة، وكان ما كان.

سقطت دمعة دافئة من عين عشتار واحتضنت جلجامش بشدة والسعادة تغمر قلبها، إذ تأكدت أن حب زوجها لها صادق وليس بسبب السحر الذي في عينيها. فأخمد جلجامش النار ودخل بها الخيمة، ووضعت عشتار رأسها على صدره وسط الظلام والهدوء والسكون. همست عشتار: إن عالمكم غريب جداً، فهو ميت في الليل لا حياة فيه، لكن هدوءه مريح للأعصاب. جلجامش: هل تودين أن أقوم بتدليك كتفيك لأريحهما من عناء هذا اليوم الشاق؟

لكن كانت عشتار قد دخلت في سبات عميق بعد كل الأهوال التي مروا بها، لابد أنها متعبة جداً. ابتسم جلجامش واحتضن عشتار ونام هو الآخر. بعد بزوغ ضوء الفجر، أفاقت عشتار بصوت شجرة تسقط على الماء. خرجت من خيمتها لترى جلجامش أسقط شجرة على النهر كما فعل من قبل. جلجامش: هيا يا حبيبتي، علينا أن نقصد البحر في نهاية هذا النهر الطويل.

قامت عشتار بجمع أسلحتها وارتدت فرو الذئب من جديد وصعدت على الشجرة، وانطلق الاثنان يدفعها جريان النهر. وكلما تقدموا كان النهر يتسع والمسافة بين الضفتين تكبر. كانت الشجرة التي أسقطها جلجامش لها أوراق كثيفة، فتمددت عشتار على تلك الأوراق مستمتعةً بنسيم الصباح كمن لم يشبع نوماً ويتمسك بغفوةٍ جميلة سرعان ما تنتهي، فهي تعلم لا شك أنه لابد من تحدٍ قريب هنا أو هناك. فجأةً، وإذ لاح لهم جمع جن كثر.

جلجامش: عشتار، بسرعة نختبئ بين أوراق الشجرة. عشتار: ماذا يحدث؟ من هؤلاء الجن؟ جلجامش بغضب: إنهم جنود عيقم. لابد أنهم متجهون لقلعتي استعداداً لتتويج ملكهم. عشتار: علينا أن نلتزم الهدوء ونظل مختبئين بين أوراق الشجرة حتى نتجاوزهم. ولكن لم يحدث ذلك، فقد امتلأت ضفة النهر بجيش عيقم الذين كانوا يمشون في خط طويل. عشتار: يبدو أننا سنقضي رحلتنا مختبئين. أجاب جلجامش بقلق: إنها مشكلة. عشتار: وكيف ذلك؟

أشار جلجامش بإصبعه للأمام، وكانت المفاجأة إذ اقتربوا من نهاية النهر. شلال عظيم عميق جداً يصب في البحر من سفح جبل شاهق. عشتار: وأين المشكلة في ذلك؟ فقد قفزت بي من الجبل الأزرق وتستطيع أن تقفز بي مرة أخرى. جلجامش: سقوطنا في الشلال على الصخور الحادة هو المشكلة. علاوة على ذلك، فقد تفلتين من يدي من قوة السقوط أو تصابين بضربة حجر أو قد نفقد أسلحتنا من سرعة الموج.

عشتار: لا أظن أن تطير بي خيار متاح أيضاً، فقد تلفت انتباه جيش كامل بوجودنا. مالعمل إذن؟ أخذ جلجامش يفكر، وكانت الشجرة قد اقتربت من الحافة كثيراً. جلجامش: حسناً، لقد جائتني فكرة، لكن عليكي أن تتمسكي بي جيداً. عشتار: لاتخف، لن تجد امرأة في الدنيا تمسكت بزوجها مثلي. هه. وصلت الشجرة أخيراً للشلال الشاهق، فخرج جلجامش من بين أوراق الشجرة مرتدياً فرو الذئب وأخذ يعوي بصوت مماثل لصوت الذئب.

أثار عواءه لخبطة وتوتر في الجيش كله، وعشتار تراقب بانتباه وترقب شديدين ولهفة لمعرفة ما هي خطة زوجها التي استدعت إثارة انتباه الجيش لهم. ما هي إلا لحظات، وإذا برمّاة السهام قد تقدموا وصفوا صفاً طويلاً على ضفة النهر واستلوا سهامهم ورموا بها عالياً تجاه الشجرة، ما يقارب عشرة آلاف سهم.

بسرعة دخل جلجامش بين أوراق الشجرة وربط عشتار بفرو الذئب لصدره، التي فقط أغمضت عينيها. ثم أمسك الشجرة بيد واليد الأخرى أمسك بها حجر المغناطيس. سقطت الشجرة من الشلال ورائها السهام المثلثة. رفع جلجامش اليد التي تحمل حجر المغناطيس تجاه السهام التي وراءه، يجذبها إليه مما أبطئ من سقوط الشجرة، لكن سرّع من سقوط السهام عليهم.

أخذت السهام واحداً تلو الآخر تتساقط على الشجرة، وأصيب جلجامش بثلاثة سهام في ظهره وواحد في خاصرته، إلى أن اقتربت السهام كثيراً جداً، فعكس جلجامش قطب المغناطيس بسرعة وتنافرت السهام مبتعدة للأعلى. أما الشجرة فأخذت تسقط بسرعة، لكنها كانت قد اقتربت من الصخور وسقطت الشجرة أخيراً.

كان السقوط شديداً جداً، لكن لحسن الحظ قفز جلجامش من الشجرة بسرعة واستطاع السيطرة على توازنه وتثبيت قدماه على صخرتين متقاربتين، ثم قفز للضفة حاملاً عشتار واختفى بين الأشجار. فكت عشتار رباطها بسرعة قائلةً: دعني أرى جراحك. اخلع ردائك. خلع جلجامش رداءه وقامت عشتار بنزع الأسهم واحداً تلو الآخر.

كانت الأسهم الثلاثة التي أصابت ظهره لم تنغرس عميقاً نظراً لسماكة فرو الذئب، لكن السهم الذي أصاب خاصرته هو الذي قد غرز عميقاً لدرجة أن عشتار حاولت نزعه مراراً لكنها لم تستطع. فانتزعه جلجامش بقوة وشق رداءه وقامت عشتار بلفه حول خاصرته. نظرت عشتار إليه بقلق والدمع في عينيها قائلة: هل يؤلمك؟ ضحك جلجامش وقال: عليكِ، أصبت بجروحٍ أعظم من هذا. سيلتئم قريباً. دعينا نذهب لطقسوس. عشتار باستغراب: من طقسوس!

جلجامش: شجرة المطاط هيڤيا تدعى بطقسوس أيضاً. حين نجدها خاطبيها بالسدرة هيڤيا. عشتار: ولما سدرة وليس شجرة؟ جلجامش: يطلق مصطلح سدرة عادةً على الشجرة الطيبة. ومع أن هيڤيا شجرة خبيثة، لكن تسميتها بسدرة هو نوع من الاحترام وعلو الشأن عند الأشجار. عشتار: وهل تهتم الأشجار بالمسميات أيضاً؟ ياللعجب. جلجامش: لكل شيء عالمه الخاص. عشتار: ألا تستطيع قطعها وقتلها واستخراج المطاط منها بسهولة؟

جلجامش: لا، فيجب أن يكون المطاط حيوياً وخالٍ من السم. فإن قتلتها يفقد حيويته وينتشر به سمها. علاوة على ذلك، هي شجرةٌ قوية جداً. مشى جلجامش وعشتار كثيراً في هذه الغابة الممتدة على طول الشاطئ بحثاً عن شجرة المطاط هيڤيا، إلى أن وصلوا أخيراً لشجرة عظيمة جداً ضخمة ويابسة. أرجع جلجامش عشتار وراءه وتقدم أمام الشجرة. جلجامش: أيتها السدرة هيڤيا، جئناك بسلام نطلب قليلاً من مطاطك النقيب.

بدأت أغصان الشجرة بالاهتزاز والتحرك ببطء حتى أحاطت بهم من كل جانب. هيڤيا: ما أنتما؟ جلجامش: أنا أمير جنٍ مظلوم، بغا علي ملك جائر واحتل قلعتي، وقد قطعت وعداً على نفسي أن أدفع ظلمه، وهذه زوجتي الإنسية. تعالت ضحكات من الشجرة هيڤيا بصدىً مرعب وقالت: جنيٌ متزوج بإنسية؟ هالقد سمعت عنك. اقتربي أيتها الإنسية، دعيني أرى ما الذي جعل هذا الجني البائس يعشقك. أومأ جلجامش لعشتار أن تتقدم. اقتربت عشتار من الشجرة العملاقة وقالت:

أيتها السدرة العظيمة، هلا تساعدينا أرجوك. هيڤيا: هه، إنك جميلة فعلاً. قولي لي، هل سقيتي شجرةً ظمئ من قبل؟ عشتار بحماس: نعم، لدينا شجرة تفاح في عالم الإنس كنت أعتني بها دوماً. هيڤيا: أعرفها. اسمها أبالا، هي باب أرض الإنس لعالم الجن. وهل ما زالت شابة وجميلة؟ نظرت عشتار لجلجامش لا تعلم ما تقول. جلجامش: نعم، ما زالت مثمرةً وخضراء. هيڤيا: إن كنت تريد المطاط، عليك أن تجتاز الامتحان. جلجامش: وما هو امتحانك؟

هيڤيا: أنا أسأل وأنت تجيب. أحجية إن استطعت حلها حصلت على المطاط، وإن لم تستطع حلها تموت أنت وعشيقتك. ومهلتك لتعامد الشمس فوق رأس. نظر جلجامش لعشتار ثم قال: حسناً، هاتي أحجيتك. هيڤيا: ما تقول في شيءٍ نصفه أكبر منه. ذاك الشيء يحتاج سر الحياة لكي يعيش. ونصفه الآخر يمنعه عنه؟

نظر جلجامش لعشتار والحيرة تملأ عينيهما. ما هو الشيء الذي نصفه أكبر منه، ويحتاج لسر الحياة كي يعيش، وما هو سر الحياة، وكيف نصفه الذي أكبر منه يمنع سر الحياة عنه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...