الفصل 14 | من 15 فصل

رواية الانسية التي تزوجت جني "قصة عشتار وجلجامش" الفصل الرابع عشر 14 - بقلم غير معروف

المشاهدات
30
كلمة
4,555
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

بعد أن قام الأجهش بخطف عشتار واقتيادها لمغارته، وإقناعها بإيقاظ حبيبته لواح، استطاع جلجامش التدخل في اللحظة الأخيرة وتخليص عشتار حتى لا تموت عند إيقاظها للواح. بأن كسر تابوت لواح الزجاجي وسقطت ميتة في النهر الذي جرفها بعيدًا، مما أثار غضب الأجهش وجعله يلحق بجلجامش الذي كان متجهاً ليارخ بسرعة.

وقد كان الأجهش قد أطلق زوابع عظيمة جدًا للقضاء على جلجامش، لكن لحسن حظ جلجامش أنه وصل ليارخ بسرعة، واستطاع يارخ صنع سيف عين الذئب في وقت قياسي جدًا، أتاح لجلجامش خوض معركة عظيمة ضد الأجهش أسفرت بانتصاره وموت الأجهش. لكن لسوء الحظ، فقدت عشتار وعيها، وحين أفاقت بعد المعركة كانت فاقدة للذاكرة. جلجامش: عشتار حبيبتي أفيقي أرجوك. فتحت عشتار عينيها وأخذت تنظر لجلجامش باستغراب.

جلجامش: لا عليكِ يا حبيبتي، لقد تغلبت على الأجهش، لقد مات. عشتار: ما هذا المكان؟ وما هو الأجهش؟ وأين ابنتي؟ أصيب جلجامش بحيرة كدرت زهوة انتصاره. أخذ جلجامش ينظر حوله، كان كل شيء مدمرًا سوى يارخ الذي ما زال منهمكًا في صنع سلاحه وكأنه لم يحس بشيء. عشتار: هل نحن بعيدون عن المنزل؟ عليك أن تخلد للنوم باكرًا هذه الليلة. لا أريد أن تتأخر عن عملك كالعادة. انهار جلجامش وأخذ يحدث نفسه: "يا إلهي، هل فقدت ذاكرتها فعلاً؟

ليس الآن يا عشتار. إنها لا تتذكر أنني جني حتى. يا إلهي، ما العمل؟ جلجامش: ألا تتذكرين أي جني؟ عشتار بهلع: يا إلهي، ماذا تقول يا جلجامش؟ لماذا تخيفني ونحن في هذا المكان المريب؟ وكيف جئنا إلى هنا؟ جلجامش بإحباط: لا عليكِ يا حبيبتي، هيا بنا نعود للبيت. فجأة، سمع صوت دوي كبير وحوافر قادمة من بعيد. بسرعة، قام جلجامش بلف خرقة على عين عشتار. عشتار بقلق واستغراب: ماذا يجري؟ لماذا تقوم بعصب عيني؟

جلجامش: حبيبتي، أنتِ لا تتذكرين، لقد أصبتِ بضربة في رأسك وقد أمرني الطبيب أن أعصب عينيك حتى تنالي قسطًا من الراحة. عشتار بتعب: حقًا؟ لا أتذكر أي شيء. لكنني أشعر بصداع رهيب وأحس بألم شديد في جميع أعضاء جسمي. جلجامش: لا عليكِ، سيكون كل شيء على ما يرام.

وضع جلجامش يده على جبهة عشتار، فغابت عن الوعي ودخلت في سبات عميق، واتجه ليارخ الذي ما زال منشغلًا في عمله. ودون أن ينطق ببنت شفة، اختبأ هو وعشتار تحت الدرع الذي كان يصنعه يارخ. ما هي إلا لحظات وامتلأ المكان بكتيبة استطلاعية من جيش عيقم، أحاطوا بيارخ. قال قائدهم مخاطبًا يارخ: يارخ، ماذا حدث هنا منذ قليل؟ لقد رأينا زوبعةً عظيمة. أجاب يارخ دون أن يلتفت: كنت أجرب سلاحًا جديدًا. قائد الكتيبة: وما هذا السلاح؟

توقف يارخ عن عمله ونظر لقائد الكتيبة باستصغار، مما أثار الذعر في نفس قائد تلك الكتيبة. قائد الكتيبة: عذرًا يا يارخ، لكن ألم ترَ كتيبةً من جند عيقم يفترض أنهم وصلوا إلى هنا في هذا الوقت؟ يارخ بلامبالاة: لم يمر أحد من هنا. وعاد يارخ لعمله بهدوء. أحس قائد الكتيبة أن لا فائدة ترجى من التحدث ليارخ، فأمر جنوده بالانسحاب والعودة. بعد رحيل الجنود، خرج جلجامش من تحت الدرع،

فبادره يارخ: لماذا تختبئ وأنت تملك أقوى سيف في أرض الجن؟ لا يفترض بك خوف أي شيء الآن، فأنا أعتمد عليك. جلجامش: قتالهم لن يعود علي بفائدة، ناهيك أنه لو تمكن أحدهم من الفرار فسيعلم عيقم أنني حر طليق وسيأخذ احتياطه. وأنا أريد مباغتته، لكن شكراً على مساعدتي. لن أخيب ظنك. يارخ بلامبالاة: لم أكذب عليهم، فقد كنت أجرب سلاحًا جديدًا فعلاً.

ابتسم جلجامش وأخرج عشتار وحملها بين ذراعيه وطار بها عاليًا، تاركًا يارخ منهمكًا في حرفته. مضت نصف ساعة ويارخ يعمل بهدوء وتناغم، وطرق مطرقته يسلي وسط نسيم الهواء الجميل. فجأة، توقف يارخ عن العمل مزمجرًا وقال: دائمًا يوجد نسيم هواء عليل بعد أي معركة، لكن هذا يبدو أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. أجاب عيقم الذي كان قد أتى لتوه طائرًا بهدوء: لا يزال سمعك قويًا أيها العجوز.

التفت يارخ ونظر لعيقم قائلًا: وأنفي ما زال يشم جيدًا رائحتك النتنة. أما زال قومك لم يكتشفوا أمرك بعد؟ عيقم: هه، لن يكتشفوه أبدًا. لقد اقتربت من تحقيق مبتغاي. قل لي، ما هو السلاح الذي صنعته لتوك؟ ولمن صنعته؟ يارخ: هه، أنت تعلم أنني لن أخبرك. عيقم: أعلم ذلك، لكنني أردت أن أعطيك فرصة لتعيش. يارخ: كان علي أن أقتلك منذ زمن بعيد حين سنحت لي الفرصة، لكن لا يهم إن قتلتك الآن أو استطعت قتلي. ما يهم أنك ستموت بسلاح من صنع يدي.

يصرخ عيقم بغضب: أيها العجوز النخر، أخبرني ماذا فعلت ومن ذا الذي صنعت له سلاحًا؟ أتظن أنه بقي أحدٌ في عالم الجن يتجرأ علي؟ لم يبقَ سواك أيها الغبي، سأقتلك وأرمي بك في وادي الذئاب. يارخ: هذا ما جنيته إيدي الجن الأغبياء بتعاملهم مع الإنس. فعل مثل هذه الأمور جعل واحدًا إمعةً مثلك يصبح ملكًا. أمسك يارخ مطرقته العملاقة برشاقة وقذف بها تجاه عيقم بسرعة، لكنها توقفت معلقة في الهواء أمام أنف عيقم. أخذ يارخ ينظر بتعجب وغضب،

حين بادره عيقم: هههه، أتظن أن قواي لم تتطور بعد كل تلك السنين؟ يارخ: مشكلتك هي ظنك أنك أنت الوحيد الذي قد تطور. وسرعان ما أصدرت مطرقة يارخ صفيرًا عاليًا، وأخذ البخار يخرج منها وانفجرت أمام وجه عيقم. أراد عيقم صدها، لكن لم يحالفه الوقت، لكنه استطاع طقطقة أصبعه بأية حال. ما انجلى الانفجار إلا ومطرقة يارخ كانت قد تحولت إلى قفص كبير يسجن عيقم، والدماء تسيل من جميع أرجاء جسمه.

ضحك يارخ وهو يقترب من القفص قائلًا: هل تريدني أن أربط هذا القفص ببغل وأجعله يركض في أرجاء قلعتك؟ صرخ عيقم بغضب: عشت مغرورًا وستموت مغترًا بحماقتك. أكثر ما يفرحني في الأمر أنني سأقتلك بسهولة. وإذا برمح ينغرز في ظهر يارخ ويخرج من خاصرته. أدار يارخ رأسه بشموخ ليرى الذي غدر به، وكانت المفاجأة أنه عيقم آخر برمح الظلام. احتار يارخ عيقم في القفص، وعيقم آخر وراءه.

عيقم: هه، اليوم من أسعد أيام حياتي. استطعت قتل صديقي وكاتم سري. يارخ: آسف على يومٍ عرفتك فيه أيها الصعلوك الغادر. أتقتلني غدرًا وأنت ملك الجن؟ إنك جبان ووضيع، لا شرف لك. غضب عيقم واستل سيف الصاعقة: فرصتك الأخيرة، أخبرني ما السلاح الذي صنعته ولمن، وما هي نقطة ضعف هذا السلاح كي أدعك تموت دون عذاب. نظر يارخ لعيقم وقد أوشكت أن تفيض روحه، وغدا كلامه ثقيلًا.

قرب يارخ رأسه من عيقم يريد أن يقول كلماته الأخيرة، فاقترب عيقم منه. كانت كلمات يارخ الأخيرة أن بصق في وجه عيقم بصقةً لخص فيها كل ما يمكن أن يقال، فغضب عيقم غضبًا شديدًا واحتز رأس يارخ بسيفه. تخلص عيقم من يارخ أخيرًا، وأخذ ينظر لهذا الجني الشامخ الذي حتى بعد قطع رأسه بقي واقفًا. لم يسقط ذلك الجسد الشامخ ليحسس عيقم أنه صغير أمام هذه العظمة، وأنه ليس كل من بقي على قيد الحياة قد انتصر.

سحب عيقم رمحه بغضب وأمسك بالقفص، فانفك وعاد مطرقةً من جديد. التحم عيقم الذي كان داخل القفص بعيقم الذي كان خارجه ليعود عيقمًا واحدًا. ثم طار عائدًا لقصره بسرعة، وكان سامد ينتظره عند شرفة القصر. سامد: هل تحدثت مع يارخ؟ عيقم بغضب: بل قتلت الوغد. سامد بفزع: قتلته؟ يا إلهي! لماذا فعلت ذلك يا مولاي؟ عيقم: لقد تحملت غرور هذا الأحمق سنينًا طوال، كان لابد أن ألقنه درسًا. لطالما كان يثير غضبي حتى في موته غلبني. الحقير.

سامد: لكن يا مولاي، لم يقدم أحد من قبل على قتل صانع أسلحة. هم جن محايدة مثل الجن المرسول، لا يؤخذ المرسول بجريرة راسله. عيقم: هنالك مؤامرة ما تدور حولنا وأنت لا تعلم شيئًا يا سامد. أتمنى أن يمر غدًا بسلام فقط. سامد بقلق: في الواقع، هنالك أمرٌ خطير ما يا مولاي. عيقم: ماذا حدث؟ سامد: قبل يوم انفجر البركان وسرعان ما انخمد، فأرسلت كتيبة استطلاعية، جاءتني بخبر حراس البركان الحمر. عيقم: ماذا به؟ سامد: وجدناهم مقتولين.

عيقم: ماذا!! جميعهم؟ هل جننت؟ ماذا تقول؟ كيف حدث ذلك؟ متى؟ وأين حجر المغناطيس؟ هل سرق حجر المغناطيس؟ سامد: حجر المغناطيس ما زال مكانه، أما بالنسبة للجن الحمر، لا نعلم أي شيء. فقط وجدنا سيف ياحين مغروسًا في إحدى صخور البركان. عيقم: ياحين!! قائد جيش جلجامش الذي فر بعد المعركة؟ سامد: نعم يا مولاي. عيقم: هل يعقل أن جلجامش استطاع الهرب من السلحفاة بمساعدة ياحين؟

سامد: مستحيل، فأنا بنفسي من أخذتهم للسلحفاة ومتأكد أنه لم يكن يتبعنا أحد، وحتى أنا لا أستطيع معرفة أي سلحفاة التي يوجد جلجامش وعشتار بداخلها. وكما يعلم مولاي، لا توجد أي طريقة يستطيع بها جلجامش الخروج من السلحفاة. عيقم بغضب: يستحيل أن يكون بمقدور ياحين التغلب عليهم وحده. هل جننت؟ هل تعلم ماذا كان علي أن أفعل لأجعل هؤلاء الجن موكلين بحراسة هذا البركان؟

سامد: المعذرة يا مولاي، لكن الجميع مشغول للاستعداد ليوم التتويج غدًا. عيقم: الم أقل لك أن ليارخ يد في الموضوع؟ لابد أن له يد في ذلك، وإلا من سيجرؤ على الاقتراب من الجن الحمر سواه. سامد: إذاً، فقتله قرار موفق يا مولاي، لكن علينا أن نتأكد مما حدث ونتقصى. عيقم: اممم، فعلاً فعلاً. لكن الأهم الآن هو حراسة حجر المغناطيس، فهو الشيء الوحيد الذي يحفظ توازن هذه الأرض. إن سرق أو تحرك من مكانه، أرسل أقوى الجن لحراسته.

سامد: عذرًا يا مولاي، لا يوجد من هو أقوى من الجن الحمر في جيشنا، وقد ماتوا جميعًا من شيء نجهله حتى الآن. جنودنا يخافون من الاقتراب هناك. عيقم: هذه الحرب أخذت أناسًا أعزاء ومخلصين، لم يبقَ لي سواك أنت والقعقاع. سامد: ماذا يأمر مولاي بشأن البركان؟ عيقم: اممم، لا أستطيع التخلي عنك، فأنت تعلم أنك ساعدي الأيمن. سامد: لكن هذا يعني أنه يجب على القعقاع أن يذهب إلى هناك.

عيقم: لا خيار سوى ذهاب القعقاع، ونستطيع تنصيبه فيما بعد على قلعة جلجامش. سامد: حسنًا يا مولاي، سأرسله على رأس كتيبة لحراسة البركان حتى تنتهي مراسم التتويج، وبعد ذلك ننظر في الأمر.

استأذن سامد مبتعدًا عن عيقم، مما جعل عيقم يتنفس الصعداء. وذهب عيقم مسرعًا لمخدعه، أغلق الباب، ثم قام بإخراج كيس مليء بالدم. كان ذلك هو دم يارخ، وصب الدم كله في حوض كبير، خالطًا معه بعض السوائل الغريبة. وخلع ملابسه وتمدد في ذلك الحوض، ثم أخذ يحرك يديه في ذلك الحوض ويطقطق أصابعه حتى تشكل الدم على هيئة رجل مائع. سأله عيقم: ماذا كان يصنع يارخ؟ تشكل الرجل المائع بهيئة سيف. احتار عيقم، لكنه سأل مجددًا: هل هذا السيف قوي؟

هز الرجل المائع رأسه بالإيجاب. عيقم: لمن صنعه؟ تشكل الرجل المائع بهيئة ذئب. تفاجأ عيقم وقال محدثًا نفسه: "ماذا يكون هذا الذئب؟ عيقم: امممم، هل جلجامش موجود في أرض الجن؟ هز الرجل المائع رأسه بالنفي. أخيرًا، اطمأن عيقم قليلًا وأسند رأسه يفكر في هذا الذئب المجهول، لكن طالما لا وجود لجلجامش في أرض الجن، سيسير كل شيء كما خطط له. كان الوقت قد اقترب من منتصف الليل حين وصل جلجامش لبيت عشتار في أرض الإنس. جلجامش محدثًا

نفسه: "طالما أنها فاقدة للذاكرة، يجب علي أن لا أخيفها بموضوع الجن برمته، فستتطلب وقتًا لتستوعب وقد تجن. أن أتركها هنا، فبقاؤها هنا آمن جدًا، لاسيما أن الجميع ما زال يظن أننا محبوسان في السلحفاة. علاوة على ذلك، إن حدث لي مكروه أو مت، ستعيش هي بسلام."

وضع جلجامش عشتار في سريرها، وأمسك يدها يقبلها ويتأكد أنها ما زالت ترتدي خاتمها. أخذ جلجامش يتأمل وجهها الجميل ويتذكر الأهوال التي مرت بها لأجله. لقد كان الإرهاق والتعب باديا عليها وعلى جسمها النحيل.

جلجامش: "لا مكان لهذه الرقة في عالم الجن. لقد كان خطأً كبيرًا أن تزوجتها منذ البداية، لقد عرضت حياتها للخطر. وأكاد لا أصدق أنها ما زالت على قيد الحياة. كان علي أن أستمع لنصيحة والدي وأنصاع لأمره حين نهاني عن تزوجها. مسكينة عشتار، ستعيش في عذاب الفراق. أرجو أن لا تتذكر وتظل فاقدة للذاكرة للأبد." ثم ذرف دمعة حرقة من عينيه وقبل جبينها قائلًا: "الله ما أحلاك الوداع يا أحلى شيء في هذه الدنيا."

طار جلجامش عائدًا لعالم الجن، أما عشتار فقد كانت تغط في نوم عميق من شدة التعب والإرهاق. راود عشتار حلم غريب، وكأن فراشة جميلة أخذت تطير فوق رأس عشتار، وعشتار تتبعها في غابة مليئة بزهور الياسمين لسبب لا تعلمه. فجأة، وإذا بوطواطٍ لحق بالفراشة يريد أن يأكلها، فهربت وعشتار ورائها إلى أن دخلت مغارة بدت وكأنها مألوفة.

وكأن عشتار قد كانت هنا من قبل، لكنها كلما حاولت أن تتذكر نسيت أكثر. كأنه مشهد يتلاشى كلما حاولت شحذ ذاكرتها لتخيله. يالعبث الذاكرة. وصلت الفراشة إلى صندوق زجاجي مليء بزهور الياسمين واستقرت في منتصفه. أخذت عشتار تنظر لهذه الفراشة الغريبة، وفجأة تحولت الفراشة لامرأة جميلة جدًا نائمة. اقتربت منها عشتار، فجلست من نومها ونظرت لعشتار وهي تبتسم. أرادت عشتار أن تتكلم، لكن المرأة التي في الصندوق

الزجاجي بادرتها قائلة: اسمها نارين، عليك أن تهتمي بها. أجابت عشتار: من هي؟ فجأة، سمع صوت زجاج يتكسر وبدأت كل شيء يتلاشى ويختفي. نهضت عشتار من نومها: "يا إلهي، إنه حلم." أخذت تجول بنظرها في المكان، إنه بيتها، لكنه غريب بعض الشيء. "ترى، هل جلس جلجامش من نومه باكرًا؟ علي أن أتفقد الطفلتين."

نهضت عشتار واتجهت للنافذة تريد أن تفتحها، إذ كانت الشمس قد أشرقت لتوها، لكنها تفاجأت حين رأت بنتًا صغيرة مقابل مدخل منزلها تجر عربة بها زهور كثيرة، وكانت قد أسقطت زجاجة زهور وجلست تجمع الزهور بحذر. أحتارت عشتار: "ترى، هل صوت سقوط الزجاج هو ما أيقظني؟ أم هل هي من كانت في الحلم؟ خرجت عشتار بسرعة بشعر غير مرتب وثوب مهترئ. ما إن رأتها الفتاة الصغيرة حتى همت بالهرب، لكن عشتار بادرتها: نارين. توقفت الفتاة

تنظر لعشتار ثم قالت: أنا لست نارين، اسمي زينة. ابتسمت عشتار في وجه البنت الصغيرة وقالت: ياله من اسم جميل كصاحبته. وماذا تفعلين في الصباح الباكر يا زينة؟ زينة: أساعد والدتي في بيع الزهور. عشتار: ياله من عمل مربح. زينة: ليس كثيرًا، فالناس لم تعد مشغوفة بالزهور كما تقول أمي. هل تودين شراء الزهور؟ يبدو أنك تملكين حديقة جميلة ستزدان بهذه الزهور. ضحكت عشتار قائلة: يالك من بائعة ذكية. قولي لي، هل يوجد ياسمين لديكم؟

مع أن عشتار كانت قد نسيت الحلم تقريبًا، لكن لسبب ما سألت عن الياسمين. أجابت زينة بحزن مشيرةً للأرض: للأسف، سقطت زجاجة الياسمين لتوها وأتلف الزجاج زهور الياسمين. ستوبخني أمي، لكن ما زالت بعض الياسمينات بحالة جيدة. إن كنت تودين شرائها، سأبيعها لك بسعر خاص. أخذت عشتار تنظر بتركيز لزهور الياسمين الممتزجة بالزجاج، وكأن المنظر يعني لها شيئًا مهولًا. فجأة، وإذا بصوت حازم جاء من خلفها: زينة، ماذا تفعلين هنا؟

زينة: أوه.. أمي، لقد أسقطت زجاجة الياسمين، آسفة جدًا، أرجوكِ سامحيني. أمسكت أم زينة ابنتها بعصبية وسحبتها بسرعة مبتعدةً عن بيت عشتار. نادت عشتار: ألا تريدين ثمن زهور الياسمين؟ سأدفعها لك أيتها السيدة. نظرت أم زينة لعشتار نظرةً لم تفهم معناها، ثم أشاحت بوجهها مبتعدةً مع ابنتها تجر عربتها بسرعة.

جثت عشتار على ركبتيها تلملم زهور الياسمين وهي تسمع صوت العربة مبتعدًا. وضعت زهرة ياسمين جميلة وكبيرة في شعرها الأسود، ثم نهضت لداخل الحديقة وجلست في بقعة خالية قرب شجرة التفاح تريد غرس هذه الزهور علها تعيش وتزهر. فجأة، إذا بصوت العربة قد توقف، وسمعت عشتار صوت الأم توبخ ابنتها زينة من وراء السور. أم زينة: ألم أحذرك مرارًا من الاقتراب من هذا المنزل والتحدث لهذه الساحرة؟ هل جننتِ؟

زينة: أوه يا أمي، يبدو أنها امرأة لطيفة. أم زينة بحزن: أخاف عليكِ يا ابنتي، ليس لدي غيرك. تقول الشائعات أن هذه المرأة ساحرة مجنونة قامت بقتل زوجها وابنتيها ودفنهما في حديقة المنزل. جن جنون عشتار حين سمعت هذا الكلام وخرجت مسرعة من حديقتها لخارج المنزل تصرخ: اغربي عن هنا أيتها السفيهة! أنا لم أقتل أطفالي، إنهم نيام داخل المنزل. كيف تجرأين بقول مثل هذا الكلام الفظيع!

كان صراخ عشتار وهي تبكي وشعرها الأشعث مع ثوبها المهترئ قد جعل شكلها مخيفًا. سحبت الأم ابنتها وهي تهمس: هيا تعالي بسرعة، ألم أقل لك أنها مجنونة. وابتعدتا عن منزل عشتار بسرعة. ركضت عشتار وهي ما زالت تبكي لداخل منزلها تبحث عن ابنتيها وكأنها أحست للتو أنها لم ترهم منذ زمن. بحثت في جميع أرجاء المنزل الخاوي وهي تبكي وتصرخ مناديةً ابنتيها وزوجها.

نظرت في غرفتها فرأت فراءً كبيرًا أحمر لا تذكر من أين أتى وبه قليل من قطرات الدم المتخثر. نظرت على الطاولة فوجدتها مليئة بكتب الجن والشعوذة. أخذت تنظر في أنحاء جسمها فوجدته مليئًا بالخدوش والجروح. صرخت وهي تبكي: يا إلهي، هل أنا مجنونة حقًا؟ هل قتلت زوجي؟ هل قتلت ابنتي؟ هل أنا ساحرة؟ لا، لا، مستحيل. فجأة، سمعت صوت نباح كلب بالخارج كأنه أشعل شيئًا في عقلها. خرجت بسرعة، كان كلبًا لأحد المارة بقرب المنزل.

توسطت عشتار الحديقة تنظر للكلب المبتعد، تنظر لزهور الياسمين وتجول بنظرها للحديقة التي بدت غريبة، إلى أن استقر نظرها على شجرة التفاح. شجرة التفاح.. شجرة التفاح.. أبالا.. بدأ الكون كله يبتعد والشجرة تقترب. أصيبت عشتار بدوار في رأسها. صداع شديد، لكنها كانت تقاوم. فهذا الصداع بدا وكأنه يزيل الغمامة من عينيها شيئًا فشيئًا. وكأن عشتار بدأت تفيق. بدأت تتذكر. أحست بالتعب. خلت للمنزل متجهةً للحمام.

أدخلت رأسها في حوض مليء بماء بارد. أغمضت عينيها مسترخية علّ الدوار الذي برأسها يخف أو يختفي. أحست بحرارة أمام وجهها. فتحت عينيها لتفاجئ بخيال شبح مخيف، وجهٌ دون معالم، فقط أسنانٌ مخيفة. شهقت عشتار شهقة كبيرة وقفزت عاليًا وسقطت أرضًا من الفزع، وأخذت ترجع للوراء إلى أن ارتطم رأسها بالجدار. أخذت تنظر للحوض مجددًا: "إنه حوض صغير، لا يمكن أن يتسع لشيء سوى رأسي." تمالكت عشتار نفسها ووقفت تنظر للحوض الذي بدا خاليًا.

تمتمت عشتار بسرعة رهيبة: الدلهاب.. يوجد في البحر فقط.. وهو فصيلة من الجن تسكن البحر.. صورته إنسان بدون ملامح.. فقط وجه أخضر بدون عينين ولا أنف.. له فم كبير وأسنانٌ كأسنان قرش.. جلده كصخر البحر يتعرض للمراكب ويقذف أهلها في البحر. كاد قلب عشتار يتوقف حين سمعت فمها يتفوه بهذه الكلمات.

بدأت تذكر: أبالا.. الحية.. الشق.. الدلهاب.. نعم الدلهاب.. السعلاة.. الخفاش.. الأجهش.. قلعة جلجامش.. جن جن، إنهم جن فعلاً.. معركة عيقم.. الأخطبوط.. وحيد القرن.. طنطل.. ياحين.. ابنتاها وقلعة الجنيات السبع.. السلحفاة.. فيل البحر.. يارخ صانع الأسلحة.. الذئب ذو العين الواحدة.. البركان.. الجن الحمر.. شجرة المطاط.. هيفيا.. جاور.. المغارة.. لواح.. لواح زوجة الأجهش هي من أتتني في الحلم.. هي من حلمت بها.. هي من أعطتني الاسم.

تذكرت عشتار. تذكرت كل شيء. أخذت تكلم نفسها: ماذا أفعل هنا؟ ابنتي في قلعة الجنيات السبع. وجلجامش.. أين جلجامش؟ لابد أنه هو من جاء بي إلى هنا. لن أسامحه أبدًا. اليوم هو تتويج عيقم. يريد أن يواجهه بمفرده. يا إلهي، لماذا فعلت ذلك يا جلجامش؟ يجب أن ألحق به، يجب أن أساعده. لقد تعاهدنا، إما أن نحيا جميعًا أو نموت معًا. ربطت عشتار شعرها للأعلى ولبست فرو الذئب الأحمر وخرجت مسرعة للحديقة متجهة لشجرة التفاح. لكنها

توقفت أمام الشجرة محتارة: "هل علي أن أقطع كل تلك المسافة مجددًا؟ البحر والصحراء؟ لا وقت لدي لمقايضة الشق أو مجابهة الدلهاب. لن أصل لقلعة جلجامش إلا وتكون المعركة قد انتهت. علي أن أجد حلاً وبسرعة." نظرت عشتار لشجرة التفاح وقالت بحزم: أبالا. لكن لم يأتها أي جواب. كانت الشجرة صامتة كالشجرة. عشتار: أبالا، أعلم أنك تسمعينني، أجيبيني وإلا.. لكن الشجرة ظلت صامتةً كالصنم.

دخلت عشتار منزلها بسرعة وعادت تحمل قارورة بها قليل من سائل قابل للاشتعال كانت تستخدمه في الشواء. قامت برشه على الشجرة واشعلتها، وبدأت النيران تنتشر في أنحاء الشجرة. أبالا: مهلاً.. مهلاً، أطفئيني أرجوكِ. سكبت عشتار دلو ماء كبير على الشجرة فخمدت النيران. عشتار: كيف يستطيع جلجامش التنقل بين أرض الإنس والجن بسرعة؟ أما أنا فعلي أن أقطع طريقًا طويلاً. أبالا: لا يفترض بي محادثتك، هل تعلمين ذلك؟

عشتار: لا وقت لدي للعب معك، إن كنت تريدين النجاة من النيران، فعليكي أن تدليني على طريق مختصر. أبالا: لا يوجد طريق مختصر. في كل معبر بين أرض الإنس والجن يوجد ممر خاص بالإنس وممر خاص بالجن، ولا أنصحك بالذهاب من ممر الجن، فهو خطير على بني البشر. عشتار: علي أن أخوض هذا الخطر، فلا وقت لدي كما قلت لك.

أبالا: حسنًا، الخيار خيارك. عليكي أن تتسلقي لأعلى غصن ثم تمشين في الهواء كأنك تمشين على امتداد الغصن إلى أن تصلي لعالم الجن. أخذت عشتار تتسلق الشجرة إلى أن وصلت لأعلى غصن، فوقفت عليه ثم وضعت رجلها في الهواء على امتداد الغصن كما قالت أبالا. وفعلاً، كان بمقدورها المشي في الهواء. أخذت تمشي وترتفع عاليًا في الجو مبتعدةً عن منزلها، مما أثار انتباه المارة الذين بدأو يتجمعون ويشيرون تجاه عشتار في الأعلى مع بعض التعليقات:

"ألم أقل لك أنها ساحرة." "لقد تأكدت الآن أنها قتلت عائلتها فعلاً." "شكلها الجميل لا يوحي أنها مشعوذة." لم تكن عشتار تهتم بكل ما تسمع، كانت تريد فقط الخروج من هذا العالم لتصل لعالم الجن قبل أن يحدث مكروه لزوجها. وفجأة، سقطت عشتار. أخذ الناس يصرخون وهم يرون عشتار تهوي من أعلى إلى أسفل، وفجأة اختفت في السماء. تصارخ الناس أكثر وأكثر، لكن صراخهم لم تعد تسمعه عشتار بعد الآن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...