بعد أن حسمت عشتار أمرها للذهاب بالنسر الجريح لأرض الجن لإنقاذ حياته، دخلت في نفق سري تحت شجرة تفاح قديمة في منزلها. أدت بها إلى شاطئ مجهول، وكان الوقت فجراً. التقيت فيه بجني عجوز يسمى الشق، قام بإعارتها قارباً مقابل لعقةٍ من العسل، ونصحها بالتجديف حتى تصل لضبابٍ سيأخذها لغايتها المنشودة. بعد تعب شديد، زاد الضباب ملتفاً حولها حتى لم تعد ترى أي شيء. وزادت البرودة، وأحست بالنعاس. فانسل المجداف من يدها شيئاً فشيئاً.
واحتضنت زوجها متمسكةً بدفئه جيداً. ووصل مستوى الماء ما يقارب ثلث القارب. وغدت تغفو من التعب والخوف والحزن. وإذا بضربةٍ شديدةٍ في ظهر القارب. أفزعتها هلعاً، وكادت أن تقلب القارب. أخذا القارب يتأرجح تأرجحاً شديداً. امسكت بالنسر وتوسطت القارب وهي ترتجف ذعراً باكية. احتضنت زوجها بشدة وهي تدعو ان تتجاوز هذه المحنة. سكن القارب أخيراً، وسكن روعها أيضاً. وقالت مطمئنةً
نفسها: قد تكون صخرةً ضربت ظهر القارب، إذ أنني لا أستطيع تخمين عمق هذا البحر. أطلت برأسها من حافة القارب محاولةً قياس العمق. وإذا بضربةٍ اخرى اقوى من الاولى. انفلت النسر من يديها، وسقطت خارج القارب. في عمق البحر. سكن كل شيء. والتف البرد بجسمها من كل جانب. أغمضت عينيها مستسلمةً، لا تريد أن ترى هذا المجهول. أخذت تنزل في الأعماق، يداها ممدودة ورجلاها ملتفتان واحدة حول الأخرى. لقد يئست من المحاولة.
لكن فجأة ظهر زوجها في مخيلتها قائلاً: عشتار.. لا تستسلمي، لقد اقتربتي من الوصول. ساعديني. تذكرت زوجها الذي كان ملقاً في قعر القارب. ففتحت عيناها، وإذا بمخلوقٍ مفزع كان واقفاً أمام وجهها بسكون. أصيبت بفزع شديد، ولا شعورياً ارتدت للخلف ضاربةً إياها برجلها التي أصابت حلقه. أخذت تسبح للاعلى بسرعة. لا أصعب من الموت غرقاً في البحر خوفاً. كانت كلما اقتربت من السطح تزيد سرعتها، تسبح وتسبح.
ودموع عيناها الدافئة تمتزج ببرودة الماء، فتضفي قشعريرةً حول عينيها مع اختلاط ملوحة الماء بملوحة دمعها. فجأةً، وإذا بيدٍ أمسكت برجلها تسحبها للاعماق. لم ترد النظر لتلك اليد، فقط أخذت تعافر في عمق البحر وهي تهز رأسها بالنفي باكية. ووجهت رفسةً إلى شيءٍ بدا أنه رأس. فلتتها تلك اليد اخيراً. وأخذت تعلو سباحة بسرعة، فقد أوشك نفسها أن ينقطع. وكانت على يقين أنه إن أمسك بها مرةً أخرى ستكون النهاية.
وصلت للسطح أخيراً، آخذةً نفساً لم تأخذ مثله في حياتها. كانت بقرب حافة القارب الذي كان مستوى الماء قد وصل فيه فوق النصف. وخرج ذلك الوحش قرب الحافة الاخرى. كان هذا هو “الدلهاب”، فصيلة من الجن تسكن البحر. صورته إنسان بدون ملامح، فقط وجه أخضر بدون عينين ولا أنف، له فم كبير وأسنانٌ كأسنان قرش. جلده كصخر البحر، يتعرض للمراكب ويقذف أهلها في البحر.
حين رأته يسبح مقترباً اليها، فزعةً، وقفت ممسكةً بطرف القارب إلى أن استقرت في بطن القارب أخيراً. ألقت بنفسها جانب نسرها. "ياللهول، أخيراً عدت للقارب، الحمدلله." رفعت نسرها بسرعة عن الماء. "الحمدلله، مازال ينبض وجسمه دافئ." احتضنته لصدرها، وأمسكت بالمجداف وعادت تخرج الماء بسرعة. إذ لا يوجد وقت للتنفس. كما أن الدلهاب عاد يضرب القارب أيضاً محاولاً رميها مرة اخرى، مما ساعد في اخراج الماء من القارب سريعاً.
أخيراً عاد مستوى الماء في القارب تحت الثلث. ولكنه مازال يتأرجح. أدركت أنه لولا ثقل الماء الموجود في قعر القارب لكان انقلب بسهولةٍ من اول مرة. لقد فهمت الآن فقط لما قام ذلك الجني “الشق” بثقب القارب. تذكرته بامتنان. لتوها فهمت مقصده من ثقب القارب، إذ كانت حانقةٍ عليه من قبل. وكان يعلم أن الدلهاب سيهاجمها لاشك. ألهذا خيرها بين القوارب الثلاثة ياترى؟ ماذا كان سيحدث لو اختارت أحد القاربين الأحمران؟
هل اللون الأحمر سيجذب جناً آخرين؟ أم هل يصعب خرق القارب ذو اللون الأحمر؟ لا أدري، كل ما عرفته أنه ساعدني نوعاً ما. استعاد القارب توازنه أخيراً، وعم السكون من جديد. إلا انها كانت تحس أن الدلهاب لن يستسلم بسهولة، وأنه لاشك يريد مفاجأتها ليلقيها مرةً اخرى. كانت تترقب بحذرٍ شديد لدرجة أنها نسيت ان تبكي. "ما كان للبكاء هاهنا." "يجب ان أتشجع، لم أصل هنا حتى أكون فريسةً لهذا الجني الأعمى."
"إن كان يريد القتال ساقاتله حتى آخر رمق." "لن أغلق عيني بعد الآن، ولن أيأس." "إن كنت سأموت فإني سأموت بشرف الدفاع عن زوجي وعائلتي." "لكن ترى أين ذهب؟ هل استسلم؟ "أتمنى أن يكون قد قطع الأمل من قلب القارب." "سأحافظ على مستوى الماء فوق الثلث لا أكثر ولا أقل." كان شكها في محله، إذ أن الدلهاب قد يأس من محاولة قلب القارب نظراً لصغر حجمه. لكنه هذه المرة قفز جالساً القرفصاء على حافة القارب بسكون.
"يا إلهي، لقد صعد على القارب، ماذا علي أن أفعل؟ نزل الدلهاب على أربع واتجه اليها بسرعة. أرجعت يداها للخلف وهوت بالمجداف على رأسه تريد ضربه به. إلا انه التقمه بفمه وقام بنهش المجداف وتهشيمه. وقفز فوقها حتى سقط النسر تحت قدميها. طوق الدلهاب رقبة عشتار بكلتا يديه، وغمر رأسها في قعر القارب يخنقها داخل الماء. وهي تنتفض تحته بضعف. كان فوق الماء أقوى من تحتها. أخذت ترفس برجليها.
كانت تظن أنها ترفس الدلهاب، ولكنها كانت ترفس النسر. ومع الرفس المتواصل انفكت الخرقة التي كانت قد لفت بها جرحه. فسالت قطرةٌ من الدم في ماء القارب. وفجأةً حدث شيء غريب. انتشرت قطرة الدم في ماء القارب سريعاً. وما هي إلا لحظات وإذا بالدلهاب قد أفلت رقبة عشتار وأخذ ينتفض وهو يصرخ صرخةً مفزعةً حتى تيبس مكانها. أخذت عشتار تلتقط أنفاسها باكيةً وهي تنظر لهذا الوحش المرعب وهو متحنطٌ فاتحاً فمه بحزن.
رفسته برجلها ملقيةً به خارج القارب. وأخذ جسمه يطفو ويتبخر حتى ذاب على سطح البحر كالزبد. أمسكت زوجها بشدة وهي تبكي بحرقة كالأطفال. وخبأت رأسها في صدره. لم تكن هناك كلمات تعبر بها عن امتنانها. علاوة على ذلك لم يكن باستطاعته سماعها. لكن ما كان منها إلا أن رفعت رأسها وشكرت الله. أخيراً بدأ الضباب بالانقشاع تدريجياً، وكأن الشمس قد بدت تشرق. إلى أن اختفى الضباب تماماً وتوقف القارب.
نظرت إلى المجداف المهشم والماء الذي كان قد غمر القارب تماماً. فحملت النسر فوق رقبتها، وأخذت تحاول إخراج الماء بكلتا يديها ولكن دون جدوى. إلى أن بدأ القارب ينغمر في البحر. ولكنها لم تغرق. كانت واقفةً والماء يصل ذقنها. "الحمدلله، يبدو انني اقتربت من الشاطئ في الوقت المناسب." رفعت النسر بكلتا يديها، وأخذت تمشي شيئاً فشيئاً. كان ينخفض مستوى الماء وهي تزيد من سرعتها فرحةً. إلى أن وصلت لليابسة اخيراً.
ارتمت على الأرض تقبلها وتحضنها وتحمد الله وتشكره. ظنت أنها وصلت لغايتها المنشودة. ولكنها حين نظرت حولها متفحصةً المكان لم تجد سوى صحراء شاسعة قاحلة. استجمعت قواها واحتضنت النسر ونهضت تمشي. كانت تعرج قليلاً مع ألمٍ في كتفها الأيمن ووجعٍ بظهرها. لكن كل هذا لم يثنيها، فلقد قطعت الجزء الأصعب كما كانت تظن. كلما أشرقت الشمس أكثر أحست بحرارةٍ أكثر، وهي لا تكف عن المشي وتمشي. ولم تكن تكترث بحرارة الشمس، لكنها كانت عطشى.
لم تحس بالعطش إلا حين وجدت نفسها في هذه الصحراء. حتى تنسى العطش والتعب، أخذت تفكر ببنتيها وما مصيرهما. هل عادتا لارض الجن بسلام ام لا؟ ونزلت دمعةٌ من عينيها. في هذه الأثناء، كان عيقم ملك قبيلة الجن المعادية لقبيلة جلجامش في قصره، جالسٌ على عرشه مجتمعاً بوزراءه. حين دخل عليهم طنطل (الجني الذي تشكل بكلب وتعارك مع جلجامش وهو ابن عيقم وهو قائد الجيش)
عيقل: لقد أرسلتك لتأتيني بزوجة جلجامش الإنسية، وكانت المهمة جداً سهلة إذ هي خلعت الخاتم الذي يحرسها، فماذا حدث؟ طنطل: كدت أن أظفر بها، ولكن تدخل جلجامش وتعاركنا. عيقل: وماذا كانت نتيجة المعركة؟ هل قتلته؟ طنطل: لا، ولكني تغلبت عليه وكدت أن أخطف عشتار، ولكن حدث ما هو ليس بالحسبان، إن هذه المرأة ساحرة. أجاب أحد الوزراء: لم يسجل اسمها في سجل السحرة قط.
طنطل: لا أعلم ما حل بي، حين نظرت عينيها أصبت بقشعريرة وخارت جميع قواي حتى خلت أني أموت. ضحك رئيس الوزراء وكان اسمه سامد، ذو لحية بيضاء كثيفة، وهو من أذكى الجن، يتصف بالذكاء والحكمة والمعرفة، وقال: إنه سحر العشق. عيقل: ماذا!!! هل عشقت تلك الإنسية أنت أيضاً؟ إن هذا لإفك عظيم. طنطل: لا، لم أعشقها، ولكن حين نظرت عيناها.. وسكت طنطل قاطباً. عيقل: ما خبر هذه البنت ياسامد؟ سامد: إنها مشيئة القدر، سوء أعمالنا ارتد علينا.
عيقل: ماذا تقصد؟ سامد: حدث قبل أربعين سنة قصة في عالم الإنس تخص هذه الفتاة، بل بالاصح تخص أمها. جمال العين كان لأمها ليس لها. حين كانت طفلة لم يولد في زمانهم مثلها. وكان لهم جارةٌ ابنتها بها حول، وكانت تحسد هذه البنت، فقامت بعمل سحر لها وذهبت بنظرها مستعينةً بماردةٍ عظيمة. عيقل: تباً لكيد النساء وحسدهن.. وماذا بعد؟ سامد: كبرت هذه الفتاة العمياء وتزوجت ورزقت بعشتار، وفي الليلة التي ولدت فيها عشتار ماتت أمها.
بعد زمن بسيط تابت تلك الماردة، وكانت تهم بإعادة بصر أم عشتار، فحين وجدتها قضت نحبها. أحست بالذنب، فوضعت سحر عيني الأم في ابنتها. لكنها ظلت تأنب نفسها، فوهبت قوتها في عينين هذه الفتاة. فامتزج جمال عيني أمها بقوة الماردة في عيني عشتار، وأصبحت بحسب الظاهر ما أن تلقي بصرها على جني حتى تسلب قلبه وعقله. عيقل: لهذا إذن عشقها جلجامش. سامد: وطنطلٌ أيضاً بحسب الظاهر. طنطل: لم أعشقها، قلت لك إن قواي قد خارت فقط لسبب لا أعلمه.
عيقل: وهل سحر عينيها نافذ على الجن فقط؟ سامد: إن لم يخب ظني فسحرها نافذ على رجال الجن فقط دون النساء. عيقل: لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟ سامد: كنت أظن أن هذه الفتنة عونٌ لنا وليس علينا. لكن في الوقت الذي ذهب طنطل لخطفها، كنت في جزيرة السلاحف أبطل سحر الخاتم الذي كان يحرسها. ولكني لم أستطع أيضاً، فالخاتم يستمد قوته من قوة جلجامش نفسه. ولإبطال سحره لابد من قتل جلجامش، وهو من عشقه لها يفديها بحياته.
عيقل: وماذا عن ابنتيها النصف جنيتان؟ هل ورثتا عن أمها سحر عينيها؟ سامد: لا أعتقد، بحسب جواسيسنا في مملكة جلجامش لم يظهر عليهما حتى الآن سوى بعض قوى الجن. ولكن هذه القوى مع ضعفها تزداد مع الزمن شيئاً فشيئاً. عيقل: مالعمل الآن؟ وقد اقتربنا من النصر تظهر لنا هذه الفتاة من اللامكان لتسلب قلب وريث عرشي، لابد من قتلها. طنطل: إن سمح لي مولاي أن أثبت له أني كفؤ بورث عرشه وآتي له برأسها.
عيقل: وهل تأمن على نفسك من سحر عينيها لو رأيتها مرةً أخرى؟ لا أظن. طنطل: إن لم أستطع كبح جماح قلبي فلا أستحق أن أخلفك في مملكتك. أنا لست جلجامش، لن أعشق إنسية يا أبي، أعطني الفرصة لأثبت لك وللجميع ما أقول. عيقل: هل تعي ما أنت مقبل عليه؟ حتى تستطيع قتل هذه الفتاة لابد من قتل جلجامش لتبطل سحر الخاتم، ولقتل جلجامش لابد من هزم جيشه. طنطل: لن أعدم الوسيلة، فقط أعطني الفرصة.
عيقل: لك هذا، ولكن حذار إن عشقتها لن أحرمك من العرش فقط، بل سأنفيك من مملكتي للأبد. طنطل: حسناً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!