تحميل رواية «الانسية التي تزوجت جني "قصة عشتار وجلجامش"» PDF
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت متزوجة ولها ابنتان وتعيش عيشة رغدة. حتى أتاها زوجها في يوم ما وقال: "لو علمتِ أن أصلي من الجن، هل ستعيشين معي؟" قالت: "ما هذا التخريف؟" قال: "تخيلي وأجيبي." قالت: "طبعًا لا." قال: "لما؟" قالت: "لا آمن على نفسي منك." قال: "أولاتحبيني؟" قالت: "بلى، أعشقك بجنون، لكن لا أستطيع أن أحب شيئًا أخافه. علاوة على ذلك، جنسان مختلفان يستحيل أن يتفقا." قال: "وابنتينا، ما مصيرهما في قلبك؟" قالت: "أخاف منهما أيضًا." قال: "قد حملتيهما تسعة في بطنك!" وباتت تلك الليلة متظاهرين، إلا أن زوجها لم ينم أصلاً. حتى...
رواية الانسية التي تزوجت جني "قصة عشتار وجلجامش" الفصل الحادي عشر 11 - بقلم غير معروف
بعد تغلب جلجامش على الذئب ذي العين الواحدة وحصوله على نابيه وعينه بمساعدة عشتار وياحين، لحقت بهم الذئاب إلى أرض البركان. المكان الذي انطلق له جلجامش بسرعة وخطف حجر المغناطيس من فوق فوهة البركان، مما أثار البركان وجعل الجن الحمر الستة يلحقون بجلجامش. الذي أخذهم ليلاقوا حتفهم من قطيع الذئاب الذين لحقوا بهم سلفاً.
واستطاع ياحين إعادة حجر المغناطيس لمكانه لإنقاذ أرض الجن من ثوران البركان بعد كسره وأخذ قطعة منه، ولكنه دفع حياته ثمناً لذلك.
حزن جلجامش وعشتار لفقد ياحين كثيراً، لاسيما أنه كان صديق جلجامش المخلص وأوفى أعوانه. لكن كان لابد من مواصلة المسير لبلوغ الهدف وإنقاذ القبيلة.
جلجامش: هيا بنا نرحل بسرعة.
غادر الاثنان، جلجامش وعشتار، ولكن فجأةً خرج جنيٌ أحمر من تحت الأنقاض. رأسه رأس الثور، مثخناً بالجراح ومضرجاً بدمائه. قبض على جلجامش من رقبته قائلاً والشرار يتطاير من عينيه:
أنت أيها الوغد من تسبب في هذه المصيبة. سأقتلك شر قتلة.
سرقت الحجر.
أثرت البركان.
أتيت بالذئاب.
وقتلت إخوتي.
لا تعتقد أني سأقتل أحداً كقتلك.
حاول جلجامش التخلص من قبضة هذا الثور الهائج، لكن دون جدوى. كان الثور الأحمر أضخم وأقوى من جلجامش بكثير. لا عجب في ذلك، فمن يحرس ناراً يمنعها من الخروج من بركانها لابد له أن يمتلك مثل هذه القوة الجبارة.
رفع الجني الأحمر جلجامش عالياً ورماه، راطماً إياه بصخرة كبيرة. من قوة الصدمة اهتز جلجامش هزا عنيفاً وسقط على الأرض. فانتزع الثور الأحمر سيفه الثقيل واتجه لجلجامش ببطء، وهو يزمجر وينفث البخار الحار من منخاره.
صرخت عشتار بثقة:
أيها الجني المتوحش!
لكنه لم يعر لها بالاً. فامسكت بحجر وألقته عليه، فأصاب قرنه.
أدار الجني وجهه نحوها وكأنه ينتبه لها لتوه وقال:
أيتها الإنسية الذئب، لابد أنك من أتى بالذئاب إلينا. سأقتلك أنت أيضاً. لابد من معاقبة المتطاولين وجزاء من يتجرأ على اقتراف المحظور أن يدفع حياته ثمناً لذلك.
واتجه لها مسرعاً شاهراً سيفه الثقيل.
كانت عشتار ترتعد خوفاً، لاسيما أن جلجامش كان جالساً على الأرض وهو يترنح.
وصل الجني الأحمر فوق رأس عشتار ورفع سيفه عالياً وهو يصرخ، وهوى به فوق رأس عشتار.
أغمضت عشتار عينيها مستسلمة، واضعةً يدها فوق رأسها. وكانت المفاجأة بأن انفلت السيف من يد الجني وانطلق طائراً للخلف.
استغرب الجني مما حدث، وكذلك عشتار. لكنها حين نظرت في يديها رأت حجر المغناطيس الذي كانت ممسكة به. لابد أنه تنافر مع السيف ودفعه بعيداً. إن كان هذا فعلاً ما حدث، فيوجد أمل لا شك في التغلب على هذا الغول.
قفز الجني الأحمر على سيفه، ولكن عشتار تبعته موجهةً المغناطيس تجاه السيف، فابتعد السيف بعيداً مرة أخرى.
غضب الجني غضباً شديداً فاتجه لعشتار بسرعة، لكنه حين أبصر عينيها انسحر بهما وتوقف ينظر لها بنشوة.
فطنت عشتار أنها قد سحرت هذا الوحش وأحست بثقة أكبر. فالجني أعزل ولديها سحر عينيها والمغناطيس في مواجهته، ويبدو أنها قد سلبت قلبه. لكن ما لم تكن تعلمه عشتار أن هذا الجني كانت طبيعته الحيوانية غالبة عليه، خصوصاً في التعبير عن حبه.
نظر إليها الثور الأحمر قائلاً:
يالك من جميلة أيتها الذئبة. لا شك أنك ستكونين لذيذة جداً.
اتجه الثور الأحمر تجاه عشتار ببطء، وهو ينظر لها نظرة مريبة بابتسامة مكر وتلذذ.
خافت عشتار على نفسها من هذا الجني الحيواني، إذ بدت نواياه واضحةً جداً من نظراته الشهوانية واللعاب يسيل من فمه الأسود بنهم شديد.
أخذت عشتار تتراجع للوراء خائفة، وهي تنظر تارة لهذا الجني الخبيث وتارة لجلجامش الذي ما زال يترنح من قوة ارتطامه بتلك الصخرة، وكلما وقف سقط مرة أخرى.
الثور الأحمر: اقتربي أيتها الإنسية الجميلة. لن أؤذيك. فقط اخلعي رداء الذئاب عنك، فهو يصيبني بقشعريرة ولا يليق بهذا الجمال. فبشاعة الذئب التي تغطيكي من الخارج لا تستطيع إخفاء الحمل الوديع بداخلك أيتها الحلوة.
أحست عشتار بغضب شديد، لاسيما أنها أدركت أنها في موقع قوة وليس ضعف.
وصل الثور الأحمر إليها وهم أن يمسك بها، لكن وبسرعة أخرجت عشتار عين الذئب أمام الثور الهائج، فتسمر مكانه وأخذ يرتجف متراجعاً للخلف.
فأحست عشتار بقوة وثقة أكبر وتبعته وهي تنظر لجلجامش الذي لم يزل على حاله.
أخذت عشتار تفكر في هذا الوضع الخطير، فهي بكل أسلحتها مسيطرة على الثور، ولكن كيف ستقتله وتتخلص منه؟
كانت تفكر بسرعة وتنظر هنا وهناك، إلى أن لمع في عقلها حل ليس هنالك غيره.
تقدمت عشتار من الثور مشيرة له بعين الذئب، وهو يرجع للخلف مزمجراً وخائفاً.
كانت تدفعه باتجاه البركان. كان هذا هو الحل الوحيد أن تلقيه في البركان.
أخذت تتقدم وتتقدم وهو يرجع للخلف بغضب، لكن ما لم تنتبه له عشتار أنها لم تكن تدفع الثور فقط، بل كانت تدفع السيف أيضاً.
وتبعده بفضل قوة حجر المغناطيس إلى أن ابتعد السيف كثيراً. وتقدمت عشتار بالثور إلى أن أصبح السيف خلفها، مما قلب عملية تنافر المغناطيس إلى تجاذب نظراً لتغير القطب. فانطلق السيف بسرعة رهيبة تجاه عشتار وهي لا تدري، إذ كانت مركزةً بكل جوراحها على الثور الأحمر.
وصل السيف العملاق لعشتار، لكن وبسرعة البرق قفز عليها جلجامش وأمسك بالمغناطيس وأداره دورة كاملة. كان من شأن هذه الدورة أن أدارت السيف معها فوق جلجامش وعشتار.
ثم قذفت به بعيداً، إذ أن جلجامش كان موجهاً قطب التنافر تجاه السيف ودفعه تجاه الثور الأحمر بسرعة. وكاد أن يقطع رأسه، إلا أن الثور استطاع في اللحظة الأخيرة تفاديه، لكنه خسر قرنيه اللذين قطعهما السيف مبتعداً.
انتهز الثور الفرصة، حيث أن سقوط عشتار أدى إلى انفلات عين الذئب وتدحرجها بعيداً. فاحكم قبضته على جلجامش وأخذ يوجه له لكمات عنيفة وسريعة جداً، مما أدى لسقوط حجر المغناطيس من يده تحت قدم عشتار. فقامت عشتار برفس حجر المغناطيس وانقلب قطبه مرة أخرى، ساحباً السيف من جديد بسرعة تجاههم إلى أن اخترق صدر الثور.
فسقط جلجامش من يده. وقفزت عشتار على الحجر وأدارت قطبه لتدفع السيف بالثور بعيداً.
ابتعد السيف بسرعة وهو يدور بالثور إلى أن انغرز في صخر البركان بشدة، وزهقت روح الثور وهو فاغر فمه والدماء تسيل منه كينبوع ساخن.
أخذت عشتار تبتعد شيئاً فشيئاً إلى أن تأكدت أنها خرجت عن المجال المغناطيسي بين السيف والحجر. فوضعت الحجر أرضاً وركضت باتجاه جلجامش الذي كان قد نهض وهو يترنح قليلاً والدماء تسيل من فمه وفوق جبهته.
احتضنت عشتار جلجامش وهو يترنح قائلة:
لقد مات يا حبيبي، نحن بخير الآن، انتهى الخطر.
أجاب جلجامش وهو متعب من هول المعركة:
خذيني لضفة النهر بسرعة.
أسندت عشتار جلجامش على كتفها بعد أن حملت العين والحجر، وأخذت تمشي متجهةً للنهر الذي كان قريباً. لم تدري لماذا تذكرت بداية هذه المغامرة الرهيبة حين كان جلجامش نسراً مغشياً عليه، لكن ما كان مطمئناً لها أنها أصبحت أقوى من ذي قبل واكتسبت خبرة وأسلحة تستطيع من خلالها مواجهة وحوش هذا العالم المخيف.
قالت في نفسها: "لا خوف بعد اليوم، هو الصراع من أجل البقاء فقط لا غير".
أخيراً وصلت لضفة النهر وكان الليل قد حل وأسدل ستاره الحالك في ظلام ساكن.
جمعت عشتار بعض أغصان الشجر، فقال لها جلجامش:
ما تنوين أن تفعلي؟
عشتار: سننام هنا إلى أن تطلع الشمس.
جلجامش: تحركنا في ظلام الليل أفضل من ضوء النهار كي لا نلفت الانتباه، علاوة على ذلك الوقت ليس من صالحنا.
عشتار: ما زال لدينا يومان وأنت متعب جداً. سنرتاح هنا الليلة ونكمل مسيرتنا عند بزوغ الفجر، ولاتخف فالجزء الصعب قد أنجزناه بالفعل، بقي أمامنا شجرة المطاط فقط.
جلجامش: لاتستهيني بـ هيڤيا، فهي خطرة وسامة.
عشتار: لا يوجد شيء ليس بخطر في عالمكم، ولكنها ليست أخطر من حجر المغناطيس والذئب الأحمر.
لا يشأ جلجامش معارضة عشتار حين لاحظ أن معنوياتها مرتفعة جداً، فكل هذا الأمل هو ما كان يحتاجه. وجودها بجانبه كان كالبلسم بجانب جريان ماء النهر وهبوب نسيم هواء الليل.
أشعلت عشتار ناراً وسوت فرو الذئب بأغصان الأشجار حتى غدا وكأنه خيمة صغيرة.
عشتار: سننام داخلها أمام النار. لن يجرؤ أي جني بالاقتراب من فرو الذئب لا شك، وأيضاً أشعلت النار احتياطاً من أي ذئب ينفذ من البركان.
نظر جلجامش لعشتار ورسم على وجهه ابتسامة رقيقة:
تعالي يامنقذتي الشجاعة.
وسحبها تجاهه، فتمنعت قائلة وهي تضحك:
عليك أن تغتسل في النهر، فرائحة الثور طاغية على أرجاء جسمك.
ضحك جلجامش وحمل عشتار متجهاً للنهر:
وأنتِ أيضاً، فرائحة دم الذئب ما زالت تصيبني بقشعريرة.
عشتار: لا لا، أستطيع فالماء باررررد. أرجوك يا حبيبي لالكن جلجامش لم يصغي لها وقفز في النهر بها. وأخذ الاثنان يسحبان في عذوبة ماء النهر متناسين كل ما مروا به من أهوال ومخاطر تحت ضوء القمر.
أسندت عشتار ظهرها بصدر جلجامش وأخذت تتأمل ضوء القمر بسكون.
عشتار: لطالما ظننت أن الجن يعيشون تحت الأرض، لا شمس لديهم ولا قمر ولا سماء.
جلجامش: نحن تحت الأرض، ولكن لنا بعد آخر غير أبعاد عالم الإنس.
عشتار: أليست هي ذات السماء وذات الشمس وذات القمر؟
جلجامش: بلى، لكن البعد الذي نعيش فيه هو غير البعد الذي تعيشون فيه أنتم. هو تحت الأرض فعلاً، لكن ينفذ له ضوء الشمس والقمر ونرى فيه السماء واضحة جلية، لكنه كسجن أيضاً. وقد قال البعض أن سمائنا هي محض خيال، فكثير من الجن يهربون من هذا العالم لعالم الإنس كي يروا الحقيقة.
عشتار: هه، نفس حالنا في عالم الإنس. نبحث عن الحقيقة دوماً في كل مكان، تحت الأرض وفوق الجبال وفي السماء وتحت البحار.
وضع جلجامش يده على قلب عشتار وقال:
هنا فقط تكمن الحقيقة.
عشتار بتحاذق: إن كانت الحقيقة في قلبك، عن ماذا جئت تبحث في عالم الإنس وابتليت بعشقك؟
جلجامش: جئت أبحث عن الحب.
عشتار: وهل وجدته؟
جلجامش: بل وجدني.
نظرت عشتار لجلجامش بحزن ثم أشاحت بوجهها تجاه القمر.
فسألها جلجامش بقلق:
ما بك يا حبيبتي؟
عشتار: أخاف أن لا يكون عشقك لي حقيقياً، فقد تكون سحرت من عيناي كما حدث مع طنطل وياحين وذاك الثور.
جلجامش: لا أخفي عليك أن سحر عينيك جعلني أعشقك بجنون وأتعلق بك يا حبيبتي، ولكن عليك أن تعلمي أني أحببتك قبل أن أرى عينيك.
عشتار بتعجب: صحيح؟ وكيف حدث ذلك؟
فما كان من جلجامش إلا أن حملها وخرج من النهر ووضعها عند مدخل الخيمة قرب النار حتى لا تصاب بالبرد، وجلس بجانبها يهمس.
جلجامش: لقد قلت لك من قبل أن الجن مقيدون بالنظر، خصوصاً حين نذهب لعالم الإنس أو نتشكل بهيئة. نتحاشى أن ننظر لأحد في عينيه، وهذا ما كنت أفعله. كنت دائماً أراقبك فوق شجرة التفاح في حديقتكم وأنت تكبرين وتزدادين جمالاً. أعجبني حنانك على إخوتك وخوفك عليهم، إذ كنتم أيتاماً وكنتِ أحن عليهم من أمهم لو كانت على قيد الحياة. أعجبني فيك صدقك وبراءتك، حتى صرت آتي لعالمكم لأراقبك طوال يومي وأنت تمشطين شعرك الطويل عند تلك الشجرة وتغنين بصوتك العذب أو تبكين حين تكوني حزينة وتبوحين بأسرارك وآلامك ومخاوفك للنجوم والأزهار والعصافير. أتذكر مرة كان أبوك يهم بضرب أحد أخوتك، فرميتي بنفسك بينهما وتلقيتي تلك الضربة كي تحمي أخاك مع أنه يكبرك سناً. غضبت غضباً شديداً، إذ أنني أرى تلك البنت الجميلة ضربت أمامي وأنا عاجز عن فعل أي شيء، وكنت قد نويت أن أتدخل أو أتلبس أباك لأعاقبه على فعلته، لكني خفت أن تصابي بحزن، فالتزمت الصمت وكبحت جماح نفسي. تعلقت بك وأحببتك. وغدوت أحلم بك وأتخيلك. أتخيلك معي، أتخيلك في حضني. صنعت لنا عالماً خاصاً في مخيلتي. وحين أمرني أهلي أن أتزوج، بحثت عنك في عالم الجن ولم أجد لك مثيلة. بحثت عنك وأنا أعلم أين أنت، فقد تسلل حبك لقلبي شيئاً فشيئاً إلى أن سلبتي عقلي وروحي. حاولت كثيراً أن أتغلب على عشقك، لكن لم أستطع. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تشكلت به بشكل فراشة ووقفت على طرف أصبعك، والتقطت عيناي بعيناك لأول مرة، وكان ما كان.
سقطت دمعة دافئة من عين عشتار واحتضنت جلجامش بشدة والسعادة تغمر قلبها، إذ تأكدت أن حب زوجها لها صادق وليس بسبب السحر الذي في عينيها.
فأخمد جلجامش النار ودخل بها الخيمة، ووضعت عشتار رأسها على صدره وسط الظلام والهدوء والسكون.
همست عشتار:
إن عالمكم غريب جداً، فهو ميت في الليل لا حياة فيه، لكن هدوءه مريح للأعصاب.
جلجامش: هل تودين أن أقوم بتدليك كتفيك لأريحهما من عناء هذا اليوم الشاق؟
لكن كانت عشتار قد دخلت في سبات عميق بعد كل الأهوال التي مروا بها، لابد أنها متعبة جداً. ابتسم جلجامش واحتضن عشتار ونام هو الآخر.
بعد بزوغ ضوء الفجر، أفاقت عشتار بصوت شجرة تسقط على الماء. خرجت من خيمتها لترى جلجامش أسقط شجرة على النهر كما فعل من قبل.
جلجامش: هيا يا حبيبتي، علينا أن نقصد البحر في نهاية هذا النهر الطويل.
قامت عشتار بجمع أسلحتها وارتدت فرو الذئب من جديد وصعدت على الشجرة، وانطلق الاثنان يدفعها جريان النهر. وكلما تقدموا كان النهر يتسع والمسافة بين الضفتين تكبر.
كانت الشجرة التي أسقطها جلجامش لها أوراق كثيفة، فتمددت عشتار على تلك الأوراق مستمتعةً بنسيم الصباح كمن لم يشبع نوماً ويتمسك بغفوةٍ جميلة سرعان ما تنتهي، فهي تعلم لا شك أنه لابد من تحدٍ قريب هنا أو هناك.
فجأةً، وإذ لاح لهم جمع جن كثر.
جلجامش: عشتار، بسرعة نختبئ بين أوراق الشجرة.
عشتار: ماذا يحدث؟ من هؤلاء الجن؟
جلجامش بغضب: إنهم جنود عيقم. لابد أنهم متجهون لقلعتي استعداداً لتتويج ملكهم.
عشتار: علينا أن نلتزم الهدوء ونظل مختبئين بين أوراق الشجرة حتى نتجاوزهم.
ولكن لم يحدث ذلك، فقد امتلأت ضفة النهر بجيش عيقم الذين كانوا يمشون في خط طويل.
عشتار: يبدو أننا سنقضي رحلتنا مختبئين.
أجاب جلجامش بقلق: إنها مشكلة.
عشتار: وكيف ذلك؟
أشار جلجامش بإصبعه للأمام، وكانت المفاجأة إذ اقتربوا من نهاية النهر. شلال عظيم عميق جداً يصب في البحر من سفح جبل شاهق.
عشتار: وأين المشكلة في ذلك؟ فقد قفزت بي من الجبل الأزرق وتستطيع أن تقفز بي مرة أخرى.
جلجامش: سقوطنا في الشلال على الصخور الحادة هو المشكلة. علاوة على ذلك، فقد تفلتين من يدي من قوة السقوط أو تصابين بضربة حجر أو قد نفقد أسلحتنا من سرعة الموج.
عشتار: لا أظن أن تطير بي خيار متاح أيضاً، فقد تلفت انتباه جيش كامل بوجودنا. مالعمل إذن؟
أخذ جلجامش يفكر، وكانت الشجرة قد اقتربت من الحافة كثيراً.
جلجامش: حسناً، لقد جائتني فكرة، لكن عليكي أن تتمسكي بي جيداً.
عشتار: لاتخف، لن تجد امرأة في الدنيا تمسكت بزوجها مثلي. هه.
وصلت الشجرة أخيراً للشلال الشاهق، فخرج جلجامش من بين أوراق الشجرة مرتدياً فرو الذئب وأخذ يعوي بصوت مماثل لصوت الذئب.
أثار عواءه لخبطة وتوتر في الجيش كله، وعشتار تراقب بانتباه وترقب شديدين ولهفة لمعرفة ما هي خطة زوجها التي استدعت إثارة انتباه الجيش لهم.
ما هي إلا لحظات، وإذا برمّاة السهام قد تقدموا وصفوا صفاً طويلاً على ضفة النهر واستلوا سهامهم ورموا بها عالياً تجاه الشجرة، ما يقارب عشرة آلاف سهم.
بسرعة دخل جلجامش بين أوراق الشجرة وربط عشتار بفرو الذئب لصدره، التي فقط أغمضت عينيها. ثم أمسك الشجرة بيد واليد الأخرى أمسك بها حجر المغناطيس.
سقطت الشجرة من الشلال ورائها السهام المثلثة.
رفع جلجامش اليد التي تحمل حجر المغناطيس تجاه السهام التي وراءه، يجذبها إليه مما أبطئ من سقوط الشجرة، لكن سرّع من سقوط السهام عليهم.
أخذت السهام واحداً تلو الآخر تتساقط على الشجرة، وأصيب جلجامش بثلاثة سهام في ظهره وواحد في خاصرته، إلى أن اقتربت السهام كثيراً جداً، فعكس جلجامش قطب المغناطيس بسرعة وتنافرت السهام مبتعدة للأعلى. أما الشجرة فأخذت تسقط بسرعة، لكنها كانت قد اقتربت من الصخور وسقطت الشجرة أخيراً.
كان السقوط شديداً جداً، لكن لحسن الحظ قفز جلجامش من الشجرة بسرعة واستطاع السيطرة على توازنه وتثبيت قدماه على صخرتين متقاربتين، ثم قفز للضفة حاملاً عشتار واختفى بين الأشجار.
فكت عشتار رباطها بسرعة قائلةً:
دعني أرى جراحك. اخلع ردائك.
خلع جلجامش رداءه وقامت عشتار بنزع الأسهم واحداً تلو الآخر.
كانت الأسهم الثلاثة التي أصابت ظهره لم تنغرس عميقاً نظراً لسماكة فرو الذئب، لكن السهم الذي أصاب خاصرته هو الذي قد غرز عميقاً لدرجة أن عشتار حاولت نزعه مراراً لكنها لم تستطع. فانتزعه جلجامش بقوة وشق رداءه وقامت عشتار بلفه حول خاصرته.
نظرت عشتار إليه بقلق والدمع في عينيها قائلة:
هل يؤلمك؟
ضحك جلجامش وقال:
عليكِ، أصبت بجروحٍ أعظم من هذا. سيلتئم قريباً. دعينا نذهب لطقسوس.
عشتار باستغراب: من طقسوس!
جلجامش: شجرة المطاط هيڤيا تدعى بطقسوس أيضاً. حين نجدها خاطبيها بالسدرة هيڤيا.
عشتار: ولما سدرة وليس شجرة؟
جلجامش: يطلق مصطلح سدرة عادةً على الشجرة الطيبة. ومع أن هيڤيا شجرة خبيثة، لكن تسميتها بسدرة هو نوع من الاحترام وعلو الشأن عند الأشجار.
عشتار: وهل تهتم الأشجار بالمسميات أيضاً؟ ياللعجب.
جلجامش: لكل شيء عالمه الخاص.
عشتار: ألا تستطيع قطعها وقتلها واستخراج المطاط منها بسهولة؟
جلجامش: لا، فيجب أن يكون المطاط حيوياً وخالٍ من السم. فإن قتلتها يفقد حيويته وينتشر به سمها. علاوة على ذلك، هي شجرةٌ قوية جداً.
مشى جلجامش وعشتار كثيراً في هذه الغابة الممتدة على طول الشاطئ بحثاً عن شجرة المطاط هيڤيا، إلى أن وصلوا أخيراً لشجرة عظيمة جداً ضخمة ويابسة.
أرجع جلجامش عشتار وراءه وتقدم أمام الشجرة.
جلجامش: أيتها السدرة هيڤيا، جئناك بسلام نطلب قليلاً من مطاطك النقيب.
بدأت أغصان الشجرة بالاهتزاز والتحرك ببطء حتى أحاطت بهم من كل جانب.
هيڤيا: ما أنتما؟
جلجامش: أنا أمير جنٍ مظلوم، بغا علي ملك جائر واحتل قلعتي، وقد قطعت وعداً على نفسي أن أدفع ظلمه، وهذه زوجتي الإنسية.
تعالت ضحكات من الشجرة هيڤيا بصدىً مرعب وقالت:
جنيٌ متزوج بإنسية؟ هالقد سمعت عنك. اقتربي أيتها الإنسية، دعيني أرى ما الذي جعل هذا الجني البائس يعشقك.
أومأ جلجامش لعشتار أن تتقدم.
اقتربت عشتار من الشجرة العملاقة وقالت:
أيتها السدرة العظيمة، هلا تساعدينا أرجوك.
هيڤيا: هه، إنك جميلة فعلاً. قولي لي، هل سقيتي شجرةً ظمئ من قبل؟
عشتار بحماس: نعم، لدينا شجرة تفاح في عالم الإنس كنت أعتني بها دوماً.
هيڤيا: أعرفها. اسمها أبالا، هي باب أرض الإنس لعالم الجن. وهل ما زالت شابة وجميلة؟
نظرت عشتار لجلجامش لا تعلم ما تقول.
جلجامش: نعم، ما زالت مثمرةً وخضراء.
هيڤيا: إن كنت تريد المطاط، عليك أن تجتاز الامتحان.
جلجامش: وما هو امتحانك؟
هيڤيا: أنا أسأل وأنت تجيب. أحجية إن استطعت حلها حصلت على المطاط، وإن لم تستطع حلها تموت أنت وعشيقتك. ومهلتك لتعامد الشمس فوق رأس.
نظر جلجامش لعشتار ثم قال:
حسناً، هاتي أحجيتك.
هيڤيا:
ما تقول في شيءٍ نصفه أكبر منه.
ذاك الشيء يحتاج سر الحياة لكي يعيش.
ونصفه الآخر يمنعه عنه؟
نظر جلجامش لعشتار والحيرة تملأ عينيهما. ما هو الشيء الذي نصفه أكبر منه، ويحتاج لسر الحياة كي يعيش، وما هو سر الحياة، وكيف نصفه الذي أكبر منه يمنع سر الحياة عنه؟
رواية الانسية التي تزوجت جني "قصة عشتار وجلجامش" الفصل الثاني عشر 12 - بقلم غير معروف
أخيرًا وصل جلجامش وعشتار لتحديهم الأخير الذي كان باعتقادهما أنه الأسهل.
وصلوا لشجرة مطاط عجوز عملاقة وسامة تدعى هيڤيا وتسمى أيضًا بطقسوس.
وقام جلجامش بطلب قليل من المطاط يحتاجه لإكمال سلاحه.
فطلبت منه هيڤيا أن يحل أحجيةً مبهمة.
هيڤيا: ما تقول في شيءٍ نصفه أكبر منه؟
هذاك الشيء يحتاج سر الحياة لكي يعيش، ونصفه يمنعه عنه؟
أصيب جلجامش بحيرة، لاسيما أن هيڤيا أعطته مهلةً لتعامد الشمس فوق رأسه.
نظر جلجامش لعشتار التي كانت تبتسم له.
جلجامش (محدثًا نفسه): لماذا هذه الابتسامة المرتسمة على وجه عشتار؟ ترى هل توصلت لحل الأحجية؟ للأسف ليس بمقدورها مساعدتي، فلأستحق المطاط لابد لي من حل الأحجية بنفسي. لكن كيف توصلت عشتار للحل بهذه السرعة؟
أخذ جلجامش يحدق في عين عشتار عله يستشف تلميحاً منها، لكن لا فائدة. حتى أحس أنه يضيع وقته ويشوش تفكيره في هاتين العينين الجميلتين.
ثم عاد يفكر مرةً أخرى: "ماهو الشيء الذي نصفه أكبر منه... قد يوجد أكثر من شيءً واحد، لكن هذا الشيء مرتبطٌ بسر الحياة... وماهو سر الحياة... لابد أن سر الحياة واحد، فهي لم تقل من أسرار الحياة بل قالت سر. الشيء الذي لانستطيع العيش بدونه، هل هو الهواء؟ قد يكون كذلك، لكن الأسماك لا تتنفس. إذاً هو الماء... لا شك هو الماء أكيييد. الماء هو سر الحياة، لا يوجد شيءٌ باستطاعته العيش دون ماء. حسناً، سأعيد صياغة الأحجية من جديد:
ما تقول في شيءٍ نصفه أكبر منه؟
هذاك الشيء يحتاج الماء لكي يعيش، ونصفه يمنعه عنه؟"
احتار جلجامش، فقد غدا اللغز أصعب من ذي قبل، لاسيما أن الوقت غدا يمضي بسرعةٍ أيضًا.
كان السكون مهيمناً عدا صوت الأمواج ونعيق بعض الغربان، مما أعطى المكان طابعا شؤمًا.
أخذ جلجامش يتأمل هيڤيا التي بدت شجرةً شاحبة وعجوز.
"مع أنها لازالت على قيد الحياة إلا أنها لا حياة فيها. هل هي بحاجة للماء؟ كيف ذلك وهي بجانب البحر؟"
تفاجأ جلجامش من هذه الفكرة: "قد يوجد شيءٌ يمنع وصول الماء إليها.. ماهو ذلك الشيء الذي هو نصفها وأكبر منها.. هل هي جذورها؟ لا اعتقد، فالجذور وظيفتها الوصول للماء وجلبه. إذاً لابد من وجود شيءٍ يمنع جذور هيڤيا من الوصول للماء.. لكن ماهو ياترى.. شيء هو أكبر منها. ما الذي يمنع وصول الماء للأشجار وحجمه كبير.. عرفته إنه السد… فالسد وظيفته حجز الماء وحبسه وهو أكبر من الشجرة. لكن كيف يكون نصفها؟؟ … امممم قد يكون الجواب لغوياً. ترى هل تلعب هيڤيا بالكلمات والأسماء؟ الأسماء نعم الأسماء. يالها من شجرةٍ خبيثة وماكرة. لقد فطنت أننا سميناها بسدرة مجاملة وتملق لا أكثر، لذلك أعطتني سؤالاً لغوياً.”
نظر جلجامش لهيڤيا بمكر وقال: "طقسوس .. لقد توصلت لحل أحجيتك."
هيڤيا: "لديك محاولةٌ واحدة. إن خسرتها خسرت حياتك وحياة زوجتك."
جلجامش: "وإن كان جوابي منطقياً؟"
هيڤيا: "هات ما عندك وسأرى."
كانت عشتار تراقب بانتباه شديد وقلق.
جلجامش: "الجواب هو 'سدرة'."
لم تتمالك عشتار نفسها فصاحت: "كيف ذلك!!"
جلجامش: "نصف كلمة 'سدرة' هو 'سد'، وهو أكبر من السدرة ويمنع سر الحياة ألا وهو الماء عنها."
عم سكونٌ غامض، تبعته ضحكةٌ مخيفة من هيڤيا.
هيفيا: "لقد تمكنت من حل اللغز الذي عجز عنه الكثير."
جلجامش: "إذن عليك إعطائي المطاط الآن."
فرحت عشتار لأول مرة تجتاز شيئاً بسهولة دون قتال أو إراقة دماء، لكن فرحتها لم تدم طويلاً.
هيفيا: "أن تستحق المطاط شيء، وأن تحصل عليه شيء آخر."
جلجامش (بقلق): "هاه.. كيف ذلك؟"
هيفيا: "ألا تراني شاحبة يابسة؟ كيف بإستطاعتي إنتاج مطاط لك أو لغيرك؟ فالسد يمنع الماء عني."
جلجامش: "أي سد وأنت بجانب البحر؟"
هيفيا: "ماشربت من هذا البحر إلا وازددت عطشًا، فماء البحر مالح."
عشتار: "وأين يوجد هذا السد؟ علنا نستطيع حل المشكلة."
هيفيا: "لا علم لي، فجذوري هي من تتجه نحوه وليس أنا."
جلجامش: "إذن مالعمل؟"
هيفيا: "تستطيعون الولوج داخل جذوري، فهي مجوفة كجحور كبيرة. عليك أن تبحث عن السد وتجده ثم تثقبه ثقبا صغيرا حتى يتسنى لي شرب قليل منه."
نظر جلجامش لعشتار التي قالت: "حسنا، لنذهب."
جلجامش (مستغربًا من عشتار): "ستدخلين داخل جذور شجرة؟"
عشتار: "هل لديك حل آخر؟"
جلجامش: "لا يوجد سد قريب من هنا، أنا أعرف هذه المنطقة."
عشتار: "إذن علينا أن نقتفي أثر امتداد جذورها لنصل للسد."
نظر جلجامش في عين عشتار، ثم قال: "حسنا، هيا بنا."
نادًا جلجامش وعشتار في جوف الشجرة متجهين للأسفل داخل جذورها.
كان المكان مضيئًا بنور أحمر خافت، لا تعلم أين مصدره تمامًا، كنور الذي رأته عشتار حين دخلت شجرة التفاح متجهة لأرض الجن.
سار الاثنان عبر هذه الجذور الكبيرة والمتسعة.
جلجامش: "هل عرفتي حل الأحجية قبلي؟"
ابتسمت عشتار: "لا طبعًا، على العكس، لقد تفاجأت من حلك وحتى الآن لم اقتنع به، لكنه أفرحني."
جلجامش: "إذن لماذا كنت تبتسمين كمن يعرف الجواب؟"
ضحكت عشتار: "أردت إثارة حماستك، فأنت زوجي وأنا أعرفك جيدًا، حتى احفزك لحل الأحجية. علي إيهامك أنني توصلت لحلها قبلك، فاثير طبع التحدي فيك، وتعتقد أن الحل سهل وممكن ولا تيأس من المحاولة والتفكير."
جلجامش: "يالك من مخادعة شريرة. كلما ما امتدت بنا السنون اكتشف فيك أشياء جديدة."
عشتار: "أنا لست جنيةً على الأقل، لاتخف، لن تكتشف أنني لست بإنسية بعد أن أنجبنا ابنتان كما فعلت معي."
يضحك جلجامش وأردف: "دهائك يعادل دهاء نساء الجن كلهم ولو اجتمعوا. لكن لماذا لم تقتنعي بجوابي؟"
عشتار: "لا أدري، هو منطقي نوعا ما، لكن أحسست أن هيڤيا تريد إدخالنا داخل جذورها بأي طريقة."
جلجامش: "كان بمقدورها أن تطلب منا إيجاد السد منذ البداية دون الحاجة لطرح مثل تلك الأحجية."
عشتار: "علها أرادت معرفة مدى جديتنا في الحصول على المطاط.. أرجو أن لا نكون قد خُدعنا."
جلجامش: "لاتقلقي، سنحصل على المطاط في أسرع وقت ممكن."
مشى الاثنان لمدة ثلاث ساعات، وكلما مشوا قليلا يصلون لمفترقات طرق كثيرة وكبيرة، حتى أحست عشتار بالدوار.
عشتار (بقلق): "أصبت بدوار في رأسي، أرجو أن لانكون ندور في نفس المكان، فممرات الجذور تتشابه."
جلجامش (مشيرًا أمامه): "ماهذا الشيء؟"
نظرت عشتار أمامها وكانت المفاجأة.
رجل عجوز ملتصق في جدار الممر وممتزج به، وجهه شاحب ويشبه لحاء الشجر، وشعره أبيض كأوراق شجرة يابسة وبيضاء، والديدان ممتلئة في جميع أنحاء جسمه.
نظرت عشتار بخوف والتصقت بجلجامش قائلة: "هل هو ميت؟"
لكنه فتح عيناها الشاحبتان الحمراوتان ونظر لهم بأسىً شديد.
صرخت عشتار من الخوف واختبأت وراء جلجامش.
جلجامش: "ما أنت ياهذا؟"
أسند ذلك المسخ رأسه للجدار ونظر لجلجامش مرة أخرى وهو يضحك: "لقد خدعتكم طقسوس."
كان بصوته بحة شديدة، بالكاد صوته يسمع من جفاف الهواء الذي يخرج من فمه.
أردف قائلاً: "أدعى جاور."
تفاجأ جلجامش: "جاور.. الملك جاور! لقد سمعت عنك كثيرا. لقد اختفيت منذ حوالي ثلاثمئة سنة وما زال أفراد قبيلتك وعائلتك يبحثون عنك."
أجاب جاور بأسى: "مئتان وسبع وثمانون سنة وثلاثة أشهر ويومان."
جلجامش: "هل أنت سجين هنا؟"
جاور: "قدمت لطقسوس للحصول على قليل من المطاط، فأخبرتني أن علي البحث عن السد وأثقبه ليتسنى لها الحصول على الماء العذب وصنع مطاط لي."
جلجامش: "وهل وجدته؟"
جاور: "هذه الجذور عبارة عن متاهة. لقد قضيت مئتان وثلاثون سنة أبحث عن طريق الخروج ولم أجده، ولم أجد أي سد، ولم أستطع حتى العودة لطقسوس. لكنني استطعت الحصول على المطاط، فقد تمكنت مرة من الوصول لمركز هذه الشجرة النحس واخذت قليلا من مطاطها."
انهارت عشتار باكية: "قد كان ظني في محله، لقد خدعتنا طقسوس."
جلجامش: "وما ألصقك بجدار جذورها؟"
جاور: "كنت كل يوم حين استيقظ من النوم أجد نفسي ملتصقًا بجذورها وأقوم بانتزاع نفسي إلى أن خارت قواي واستسلمت. ونبتت جذورها الآن داخل حول جسدي الضعيف وأضحيت جزءً منها تمتص حياتي شيئًا فشيئًا لتعذبني إن حاولت الهروب أو التخلص منها. تبث سمها في جسدي ولم يعد لي قوة أصلا لأحاول."
جلجامش: "هل نستطيع مساعدتك؟"
ضحك جاور: "تستطيع إن التصقت بي ستحيط الجذور بك وتتركني وسأتخلص منها، لكنك لن تفعل ذلك. هه، جرعة ماء عذب ستدخل السرور في قلبي إن كان لديكم قليل منه."
انتزعت عشتار القربة المربوطة في خصرها وأعطتها لجلجامش، لكن جلجامش أعادها وقال هامسًا: "يجب أن نحافظ على كمية الماء القليلة التي بحوزتنا، لانعلم كم سنبقى هنا."
نظرت إليه عشتار بحزن وقالت: "إلا الماء، لا تمنعه عن أحد حتى وإن كان عدوك، خصوصًا وإن كان عطشانًا، فالعطش يحرق الفؤاد ويحزن القلب. لا فرق بيننا وبينه الآن، نحن سواء."
جاور: "أستطيع مقايضة شربة ماء عذب بالمطاط إن أردت، فلا فائدة ترجى منه الآن بالنسبة لي."
جلجامش (بحماس): "نعم، هو كذلك."
جاور: "أترى الخرقة المرمية أسفل قدمي؟ بها كمية لابأس بها من المطاط. خذها واسقني قليلا من الماء."
تناول جلجامش الخرقة وتأكد من وجود المطاط داخلها، ثم سقى جاور رشقة من الماء، كادت روحه أن تخرج من تلذذه بها.
أغمض عيناه مسندًا رأسه للجدار بسلام وسكون وأخذ يأن بشوق.
استغرب جلجامش وقال: "ألا تريد رشفة أخرى؟ لابد أنك عطشان جدا."
جاور: "لبثت هنا قرابة ثلاثمئة سنة. لو شربت نهراً جاريًا فلن يرويني، ولكن كما قلت لك، أردت أن يبتهج قلبي بشربة من الماء العذب فقط لأتذكر مدى النعمة التي كنت فيها. علاوة على ذلك، فمكوثي هنا طوال هذه السنين علمني أن لا أطلب شيئًا من أحد غير إله السماء، فمنذ البداية كان سؤالي لطقسوس هو سبب سجني في هذه المتاهة، ناهيك أنكما ستحتاجان لهذا الماء إلى أن تتعودوا على المكوث هنا وتستسلموا أيضًا. لا أريد إحباطكم، لكن في الثلاثمئة سنة الماضية لم تبقى أي محاولة لم أفعلها للخروج من هنا."
عشتار: "كيف استطعت البقاء حيا طوال هذه السنين؟"
جاور: "كما قلت، التصاقي بجذور طقسوس يعذبني، فهي تمدني بطاقة كفيلة بإبقائي حيًا فقط، لا أقل ولا أكثر، عبر مسامات جلدي. ألا تريني غدوت وكأني جزء منها."
عشتار: "حين نخرج من هنا سأعطيك هذه القربة هدية."
جاور: "هه. حين تخرجين؟ ها هههه. لن تخرجي من هنا أبدًا. لقد حاولت وبحثت مئتان وثلاثون سنة، لم يبق حل إلا وجربته، لكني سأقبل هديتك لا شك."
عشتار: "إذن قل لي، هل حاولت إشعال نارا وإحراقها؟"
جاور: "حاولت، لكن لا فائدة، فالجذور رطبة لا تشتعل."
جلجامش: "هل حاولت ثقب جذورها وحفر التراب حتى تصل لسطح الأرض؟"
جاور: "جذورها مطاطية لا تثقب، ياهذا. أنسيت أنك داخل طقسوس؟"
عشتار: "في بحثك عن طريق الخروج، هل وصلت لنهايات مسدودة؟"
جاور: "نعم، فكل جذر لابد له من نهاية."
عشتار: "حسناً، هل توجد نهايات جذور للأعلى؟"
جاور: "اممم، معظمها متجه للأسفل، لكن توجد بعضها متجهة للأعلى على ما أظن."
عشتار: "هذا ما أحتاجه. شكرًا جزيلاً."
عشتار (بثقة): "جلجامش، هيا بنا."
جلجماش (باستغراب): "إلى أين؟ ماذا يجول في عقلك؟"
عشتار: "لدي خطة محكمة، لكن علينا منذ الآن أن نحفظ طريقنا جيدًا. احملني وطر بي للأمام إلى أن نصل لنهاية أي جذر. علينا أن نصل لجذر نهايته للأعلى، وعليك اتخاذ أقصى اليمين دائمًا."
جلجامش: "حسنا، لا ضير من المحاولة."
حمل جلجامش عشتار وطار بها مسرعًا كما طلبت، إلى أن وصلوا لنهاية جذر، لكنه للأسف كان متجهًا للأسفل.
جلجامش (بغضب): "إنه متجه للأسفل."
عشتار: "عد بي لنقطة بدايتنا حيث جاور. هناك علينا أن نحفظ هذه النقطة كي لا نضيع، فهو العلامة الفارقة بين كل هذه الجذور والممرات."
بسرعة حمل جلجامش عشتار وطار بها داخل جذور طقسوس المجوفة، متخذًا ذات الطريق، إلى أن وصلوا لجاور مرة أخرى.
عشتار: "الآن علينا تكرار المحاولة باتخاذ أقصى اليسار."
حمل جلماش عشتار وطار بها مرة أخرى، كان جلجامش سريعًا جدًا، لكنهم وصلوا لنهاية سفلى مرة أخرى، وقاموا بتكرار محاولاتهم لساعتين متواصلتين، إلى أن وصلوا أخيرًا لنهاية جذر متجه للأعلى.
جلجامش (بفرح): "وصلنا أخيرًا لغايتك المنشودة. ما هي خطتك؟"
عشتار: "سأجرب شيئًا وسينجح، أنا متأكدة من ذلك."
اقتربت عشتار من نهاية الجذر ووضعت إصبعها داخل القربة حتى ابتل، ثم مسحت نهاية الجذر به، وكانت المفاجأة أن امتد ذلك الجذر للأمام ظناً منه أنه وصل للماء.
جلجامش: "يالك من ذكية ياحبيبتي! سنتجه لسطح الأرض لاشك."
عشتار (بأمل): "أتمنى ذلك. عليك محاولة توسيع الجذر بيديك القويتين حتى يتسنى لنا أن نعبر."
أخذ الاثنان يعملان بشكل ديناميكي. جلجامش يوسع الجذر وعشتار تمسح نهايته بقليل من الماء، والجذر في امتداد متواصل للأعلى لمدة أربع ساعات تقريبًا، إلى أن أحسوا أن الرطوبة قد تبددت وأصبح الجذر جافًا.
عشتار (بسرور): "أظن أننا فوق سطح الأرض الآن."
جلجامش: "أتمنى ذلك."
عشتار: "اثقب الجذر لنتأكد."
حاول جلجامش ثقب الجذر، لكنه ما زال مطاطيًا مرنًا.
جلجامش: "إن كنا وصلنا فوق سطح الأرض، فقط تمني أن الشمس لم تغرب وانتظري قليلاً."
انتظر كل من جلجامش وعشتار ما يقارب ربع ساعة، وإذا بالجذر قد أخذ ييبس وينكمش.
بسرعة وجه جلجامش لكمة للجذر فثقبته، وكانت المفاجأة أنهم وصلوا لسطح الأرض أخيرًا، ودخل لهم نسيم الهواء البارد.
جلجامش (بفرح): "شكرًا لك ياحبيبتي، هيا بنا."
عشتار: "لا، علي أن أعود لجاور لأعطيه قربة الماء."
جلجامش: "لقد قال لك أنه لن يرتوي ولو شرب نهراً جاريًا، فلن تفيد القربة في شيء."
عشتار: "لقد وعدته وقد حفظنا طريقنا، لاتخف."
جلجامش: "حسنا، هيا بنا."
حمل جلجامش عشتار وطار بها مسرعًا لجاور.
نزلت عشتار من ظهر جلجامش متجهة لجاور.
جاور: "ها.. هل وجدتم طريق الخروج؟ ههه."
عشتار: "بل صنعناه."
جاور (باستغراب): "كيف؟ كيف تمكنتم بهذه السرعة؟"
عشتار: "لا عليك، المهم…"
صرخ جاور: "لاااا.. عليك أن تخبريني وإلا قتلني الفضول. لقد لبثت ثلاثمئة سنة هنا وتأتين أنت في ساعات قليلة وتخرجين. أرجوك اخبريني."
قامت عشتار بقص الخطة التي استخدمتها لجاور بالتفصيل.
جاور: "الحمدلله أنني لم امتلك ماءً، وإلا لن اسامح نفسي، لان هذه الفكرة لم تخطر قي بال."
عشتار: "خذ يا جاور هذه القربة هدية لك كما وعدتك."
جاور: "لن ترويني هذه القربة أيتها الجميلة، الأفضل أن تحتفظي بها."
عشتار: "هذه القربة هي ما سيخرجك من هنا."
جاور (باستغراب): "وكيف ذلك؟"
عشتار: "عليك أن تأخذ هذه القربة وتشرب منها كل يوم رشفة صغيرة. عليك بتجزئة رشفاتك حتى تكفيك هذه القربة لمدة ثمان وثلاثين يومًا إلى أربعين يومًا. وعند انقضاء هذه المدة ستأتيك جنية تدعى السعلاة."
ضحك جلجامش مصعوقًا مما تقواه زوجته وقال: "يالك من ماكرة! ألن تتركي هذه الجنية وشأنها؟"
عشتار: "حين تخرج من السلحفاة ستبحث عني لاشك، علي أن أتخلص منها للأبد."
جاور (بانتباه شديد): "أكملي."
عشتار: "ستسألك من أين لك هذه القربة؟ قل لها أنك إنسي مسحور، وأن هذه القربة من زوجتك عشتار. ستلتصق بك هذه الجنية العجوز وستحيط بها الجذور، وستتخلص أنت من السعلاة وطقسوس معي."
جاور: "حسنا، وكيف سأخرج من هنا؟"
عشتار: "كما قلت لك، لقد قمنا بصنع طريق للخروج. اسلك هذا الطريق نفسه. عليك بالاتجاه لنهاية هذا الممر ثم أقصى اليمين، فاقصى اليسار، ثم أقصى اليمين، ثم الوسط، وسيأخذ الممر للأعلى لطريق الخروج. حين تخرج عليك بسد المخرج الذي صنعناه."
جاور: "شكرًا لك أيتها الإنسية الجميلة، وشكرًا لك يا جلجامش. لن انسى معروفكما ما حييت. لقد استجاب الله لدعواتي بأن يرسل لي من يخلصني من هذا السجن."
قام كل من جلجامش وعشتار بتوديع جاور بعد أن أعطياه القربة، وخرجوا أخيرًا من هيفيا بفرح وسرور.
كانت الشمس قد غربت للتو، ونسيم الهواء كان عليلاً، لاسيما بعد المكوث طويلاً تحت سطح الأرض.
حين غربت الشمس تمامًا، حمل جلجامش عشتار على ظهره وطار عاليًا في الجو وانطلق بسرعة رهيبة نحو كوخ العفريت يارخ صانع الأسلحة.
عشتار: "لماذا هذا التهور؟ ألست أنت من كان يقول علينا المشي متخفيين حتى لا نثير الانتباه؟"
جلجامش: "لاتقلقي، الليل ستار وسأكون سريعًا جدًا، فلا وقت نضيعه. لقد اقتربت من تحقيق مبتغاي ياحبيبتي، إن صنعت هذا السيف سأصبح أقوى جني على الإطلاق."
نظرت عشتار لزوجها بفرح وسرور، فلم تره مبتهجًا منذ زمن، وقالت: "حسنا، أسرع إذن."
وفجأةً وإذا بزوبعة اتجهت نحوهما بسرعة، ودخلا منتصفها وأخذ كل منهما يدور بسرعة وقذفت بهما بعيدًا.
كان ذلك هو الأجهش، الجني الذي كان يريد خطف عشتار وتسليمها لعيقم حتى يحصل على كنز سام.
تـــــابـــــع
الفصل الثالث عشر
" "
رواية الانسية التي تزوجت جني "قصة عشتار وجلجامش" الفصل الثالث عشر 13 - بقلم غير معروف
انطلق جلجامش محلقاً في الجو حاملاً عشتار فوق ظهره.
عشتار: لماذا هذا التهور؟ ألست أنت من كان يقول علينا المشي متخفيين حتى لا نثير الانتباه؟
جلجامش: لا تقلقي، الليل ستّار وسأكون سريعاً جداً. فلا وقت نضيعه، لقد اقتربت من تحقيق مبتغاي يا حبيبتي. إن صنعت هذا السيف، سأصبح أقوى جني على الإطلاق.
نظرت عشتار لزوجها بفرح وسرور، فلم تره مبتهجاً منذ زمن، وقالت: حسناً، أسرع إذن.
فجأةً، وإذا بزوبعة اتجهت نحوهما بسرعة، إلى أن أصبحا داخلها وأخذ كل منهما يدور بسرعة.
كانت الرياح قويةً وعاتية، حاول جلجامش الإمساك بعشتار، لكنه كان قد تأخر، فقذفت الزوبعة بعشتار بعيداً عن جلجامش، وسقط الاثنان في غابةٍ كثيفة الأشجار وسط الظلام.
أفاقت عشتار بعد العاصفة لتجد نفسها معلقةً رأساً على عقب في شجرة عالية.
أخذت تنظر في أرجاء المكان المرعب وتصرخ لجلجامش كي يأتي وينقذها.
فجأةً، سمعت صوتاً يهمس: "اخفضي صوتك."
نظرت بفزع بجانب الغصن، وكانت المفاجأة.
عشتار: كابوووووس! هل أنت حقيقي أم من نسج خيالي؟ آاااه، لقد بت أشك في وجودك. هل أنا مجنونة فعلاً؟ أهذي وأهلوس بوطواط من عالم الأوهام.
كابوس: أشكرك على ثقتك بي… لكن لا وقت لدينا، فالأجهش يبحث عنكِ، يريد اختطافك. علينا الهرب بسرعة.
عشتار: حقاً؟ لكن أين جلجامش؟
كابوس: لابد أنه يبحث عنك هو الآخر. علينا أن نختبأ الآن.
خلّصت عشتار ثوبها الذي كانت عالقاً في الشجرة وسقطت على الأرض وجسمها مليء بالخدوش.
كابوس: اتبعيني بهدوء.
همست عشتار: علينا أن نجد جلجامش بسرعة.
كابوس: حسناً، اختبئي خلف هذه الشجرة. سأطير عالياً وأحدد موقعهما، جلجامش والأجهش.
اختبأت عشتار، وطار كابوس عالياً يبحث عن جلجامش. كان المكان يحفه هدوء مفزع لدرجة أن عشتار كان بإمكانها سماع نبضات قلبها. كيف السبيل لإخفاء نبضات قلبها؟ ومن ينبض قلبها له بعيد عنها؟ كانت ساكنةً جداً خوفاً من عثور الأجهش عليها، فهو جني خطير جداً كما سمعت عنه من جلجامش. انتظرت في سكون جامد، مخفيةً أنفاسها التي بدت صاخبة وغصة في حلقها تنبئ بالخروج.
فجأةً، سمعت صوت جلجامش يصرخ: "عشتار!"
أرادت أن تتكلم، لكن كابوس سقط فوقها مقاطعاً: "هشششش! إنه الأجهش. يخرج صوتاً كصوت جلجامش يريد خداعك و الإمساك بك. اختبئي بسرعة، إنه قادم تجاهك."
اختبأت عشتار خلف شجرة بسرعة، مخفضةً رأسها وعيناها مغمضتان، وكابوس واقف على كتفها.
همست عشتار بهلع: يا إلهي.. هل أنت متأكد؟ وأين جلجامش؟ هل استطعت تحديد مكانه؟
كابوس: إنه في الطرف الآخر من الغابة، لكنه متوجه لك بسرعة. علينا أن نتحرك بهدوء لملاقاة.
مشت عشتار خلف الأشجار بحذر، حولها كابوس مرفرفاً، تنتظر إشارته من شجرةٍ لأخرى. إلى أن قال كابوس: هيا، علينا التحرك بسرعة. لقد ذهب الأجهش لجهةٍ أخرى. اسرعي قبل أن يعود ورائكم.
مشت عشتار تشد الخطا ولكن بهدوء، وهي تتحدث مع كابوس بصوت خافت: هل صحيح ما قيل عنه أنه سمي بالأجهش لأنه يجعل عدوه يجهش بالبكاء قبل قتله؟ ياله من قلب ميت.
كابوس: هو يفعل كذلك، لكن ليس هذا سبب تسميته بهذا الاسم، إنما دعي بالأجهش لأن له حبيبة أصيبت بلعنة ودخلت في سبات عميق تسمى بالجنية النائمة "لوّآح"، وهو مذ ذلك اليوم يبكي عليها ليل نهار. لكن الجن أثارت حول بكائه كثيراً من الشبهات والإشاعات، ومنهم من سخر منه ووصفه بالخوف، لذلك كان كلما تغلب على عدوٍ له، يجعله يبكي قبل قتله لينتقم من سخرية الجن عليه ويبكيهم تحت رحمته.
عشتار: يبدو أن هذا المدعو الأجهش مازال يسعى خلفي للحصول على الجائزة الموضوعة للقبض علي. لابد أنه لم يعلم بما جرى في الأيام الماضية.
كابوس: أعتقد أنه يعلم بكل شيء.
عشتار: كيف ذلك؟
الأجــهـــش: لقد كنت أراقبك منذ البداية.
صرخت عشتار وسقطت أرضاً من هذا الصوت. ونظرت أمامها لتتفاجأ بالأجهش، وكابوس واقفٌ على كتفه.
الأجهش: نعم، لقد كنت أراقبك منذ البداية.
أخذت عشتار ترتجف ورجعت للوراء تهم بالهروب، لكن الأجهش امسك بها. واتجه بها لمغارةٍ قريبة. كان كابوس صديقها هو من أتى بها، هو من استدرجها حتى يمسك بها الأجهش، هو من أبعدها عن جلجامش. لقد أيقنت الآن أنه حقيقي. فقط الآن حين كذب عليها كابوس، أيقنت أنه حقيقي. إذن لابد أن الصدق مجرد محض خيال.
دخل الأجهش بعشتار للمغارة وأجلسها جانباً، وأشعل ناراً، ثم جلس أمامها وكابوس مازال فوق كتفه.
ركزت عشتار بصرها في عين الأجهش، لكنه بادرها: لن ينجح سحرك معي، لا تحاولي. فأنا مبتلى به قبل أن تولدي.
أصيبت عشتار بخيبة أمل حين لم يفلح سحرها على الأجهش، ونظرت لكابوس بأسىً واحتقار قائلةً: كنت أظنك صديقي، لكنك مجرد خائن.
بادرها الأجهش: من.. كابوس؟ هه، إنه من محض خيالك. ثم مسح الأجهش على كابوس، فبدأ يتلاشا شيئاً فشيئاً إلى أن اختفى.
احتارت عشتار مما يجري أمامها وكادت تجن. كابوس هل هو حقيقة أم خيال؟ أم هل هنالك فرق في ذلك الآن؟
الأجهش: لا وجود لشيءٍ اسمه كابوس. لقد تلبستك منذ دخولك عالم الجن وأوحيت لك بأنك ترين هذا الخفاش كابوس حتى استدرجك هنا. لهذا لم يكن بإستطاعة أحدٍ رؤيته سواك. لقد حاولت اختطافك منذ البداية، لكن في كل مرة يحدث شيء يحول بين ذلك. فأول مرةٍ التقينا، مع أن جلجامش كان فاقداً الوعي بهيئة نسر، وكان من السهل علي خطفك، إلا أن جنود عيقم كانوا متجهون إليك، مما دعاني للذهاب بك إلى الجسر ليستفيق جلجامش ولاتقتلي وأخسرك. ثم أجلت خطتي إلى المعركة، فقد كنت خططت أن أتلبسك وأخطفك وسط انشغال الجميع في القتال، لكن تدخل عيقم في المعركة أفشل خطتي وجعلني حبيساً بداخلك. حتى اضطررت أن أدخل السلحفاة معكما، فلو خرجت من جسمك لقام جنود عيقم بقتلي. وكان تدخل السعلاة لإخراجك من حسن حظ الجميع. لهذا بعد خروجنا من السلحفاة، بت أراقبك من بعيد منتظراً الفرصة المواتية. وكانت هي تلك اللحظة التي تصرف فيها جلجامش برعونة فرحاً بحصوله على أدوات سلاحه، متناسياً نفسه وغافلاً عنك أيضاً. كان همه الوصول ليارخ لصنع سلاحه.
أحست عشتار بغضب شديد: يا لك من خبيث! لماذا صورت لي وطواط يتغذى على الأحزان وجعلتني أقص عليه قصتي وجعلتني أصادقه؟
الأجهش: لسببين. الأول لأدخلك في حالة اكتئاب دائم حتى لا تشكين في وجودي وتركزين على حزنك ولا يشك أحدٌ أنك متلبسة من جني ويعتقدك مصابة بالهلوسة. والثاني أنه كان علي أن أعرف ما يحزنك، لأنني بحاجة لدموعك لأحصل على مبتغاي.
عشتار: يا لك من خبيث وغبي! لن تحصل على شيء. فكما قلت لك، لن تحصل على جائزة. إن سلمتني لعيقم، سأقول له أنك من أخرجني من السلحفاة.
الأجهش: لا أريد أية جوائز، سحر عيناك هو جائزتي. عليك أن تعترفي، لولا مساعدتي لك وصحبتي لك، لكنت في عداد الأموات الآن. إنك مدينة لي وعليك الآن رد الجميل.
أصيبت عشتار بخوف شديد من هذا الجني، فلا سحر عينيها نافذ عليه، وفي نفس الوقت هو يروم هذا السحر لسبب لم تفهمه بعد. علاوة على ذلك، أنها فقدت جميع أسلحتها في الزوبعة: الحجر والعين والمطاط أيضاً. "آه، ماذا سأفعل؟ أتمنى أن يكون جلجامش بخير وأن يجد الحجر والعين والمطاط ويجدني أيضاً ليخلصني من هذا الجني الغامض."
الأجهش: تعالي، امشي أمامي.
مشت عشتار بخضوع، يقودها الأجهش داخل المغارة إلى أن وصلا إلى سفحٍ شاهق يطل على نهر يجري داخل المغارة، فوقه تابوت زجاجي معلق في الهواء.
وقفت عشتار خائفة، لكن الأجهش قام بدفعها إلى أن وصلت عند حافة صخرية قريبة من التابوت الزجاجي، وكانت المفاجأة.
الأجهش: عليك أن تعيدي سحر عينيك إليها حتى تستفيق.
نظرت عشتار داخل التابوت الزجاجي لترى جنيةً مسجاة تغط في سبات عميق، حولها زهور ياسمين تحف بها من كل جانب.
أخذت عشتار ترتجف وهي تنظر لهذه الجنية وعلامات الاستفهام بادية على وجهها.
الأجهش بحزن: إنها الجنية التي وهبتك هذا السحر، إنها حبيبتي. مذ وضعت قوتها في عينيك دخلت في سبات عميق، لم تستفق منه أبداً. لقد أحست بالندم بعد أن أعمت أمك وكانت تتألم كثيراً، إلى أن قررت البحث عن أمك، فوجدتها قد قضت نحبها. فزاد ألمها حتى كادت تموت، وأخذت تفكر وتسرح طوال الوقت. حاولت مراراً أن أنسيها وأسليها، لكن لا جدوى، فقد كانت تفكر بك طوال الوقت. إلى أن أفقت يوماً ولم أجدها. بحثت عنها في كل مكان ولم أجدها، إلى أن عادت لي أخيراً مثخنة الجراح ملقاة عند باب كوخنا. سألتها ماذا حل بها، فأجابتني أنها وهبت قوتها لعين ابنة المرأة التي أخذت بصرها. وفي طريق عودتها، هاجمها الساحر الذي سحر أمك لأنها بذلك تكون قد خانت عهده معها، وكادت أن تموت. لكنني حملتها وهربت بها إلى هذه المغارة، ورجوتها أن تدلني عليك حتى آتي بك إلى هنا. لكنها رفضت، ولأنها فاقدة قوتها لم تستطع التعافي ودخلت في سبات عميق لم تستفق منه أبداً. حاولت إيقاظها كثيراً، لكن كل محاولاتي باءت بالفشل، وبدأ جسمها النحيل بالذبول شيئاً فشيئاً إلى أن غدت كالشجرة اليابسة لا حياة فيها. لكن فجأة، استعادت حبيبتي شبابها وعافيتها وتورد وجهها ينبع بالحياة من جديد، لكنها لم تفق. فعلمت أن الإنسية التي أخذت قوة زوجتي لابد أنها قريبة من هنا، وأنها دخلت أرض الجن. فبحثت عنك ووجدتك ضائعة في الصحراء، وكان ما كان.
اقترب الأجهش من عشتار، فتوجست منه خيفةً، لكنه فاجأها حين جثا على ركبتيه تحت قدميها.
الأجهش: أرجوك يا عشتار، خلصي حبيبتي من سجنها، أنقذيها من سباتها، أرجوك. لا يوجد أكثر منك يعرف إحساس فقد الحبيب لحبيبه. لا أستطيع إجبارك، يجب أن يتم إيقاظها بإرادتك وحدك.
أصيبت عشتار بذهول عجيب من هول ما سمعت. يا لسخرية القدر العجيبة! ولكن الأعجب أنه كلما أقنعت نفسها أنها تعودت على هذا العالم، أتاها شيء جديد ليثبت لها عكس ذلك.
لقد أحبت جني، وأخافت جني، وعشقها جني، وخدعت جني، والآن يترجاها جني ويستعطفها.
نظرت عشتار في عيني الأجهش لترى الكم الهائل من الحزن، ثم نظرت لتلك الجنية النائمة. "يالها من جميلة! لا عجب أن يحزن عليها الأجهش كل هذا الحزن ويفعل المستحيل لتخليصها."
أشفقت عشتار على الأجهش وقالت: وماذا يتوجب علي أن أفعل؟
الأجهش: دمعة من عينيك تسقط على جفنها كفيلة بإيقاظها.
عشتار: وماذا بعد أن تستفيق حبيبتك؟ ما هو مصيري أنا؟
الأجهش: آخذك لجلجامش وترحلون بسلام.
عشتار: لا، عليك أن تساعدنا في التغلب على عيقم.
الأجهش: أعدك بشرفي، إن أفاقت لوّآح، أن تكون حياتي تحت تصرفك.
اطمأنت عشتار وقالت: حسناً، هيا بنا. لابد أنك اشتقت لابتسامة منه.
نزلت دمعة من عيني الأجهش، لكنه أشاح بوجهه عن عشتار، ثم حرك سيفه برفق، فانبثقت زوبعة خفيفة حملت عشتار وطارت بها معلقةً إياها فوق التابوت.
الأجهش: هل تدركين ما تفعلين؟ إنك تتخلين عن قوتك الخارقة، فلا بشر يستطيع إخافة الجن مثلك.
ابتسمت عشتار بسكون وقالت: لابأس. فلم أخف سوى جني واحد ومات أيضاً. ناهيك أن هذه القوة اعتبرها لعنة، سيسعدني التخلص منها.
الأجهش: هل تعلمين أنني فقدت ابنتي أيضاً سعياً في إيقاظ لوّآح؟
انكسر قلب عشتار: يا إلهي! كل هذا بسببي! لقد تسببت في حزن كبير دون علم مني.
الأجهش: ابنتي الصغيرة لم تكن تصدق أن أمها نائمة، فكانت كل يوم تأتي وتحدث أمها بكل ما يجري لها. إلى أن أتى يوم كنت أقوم بتجربة على زوجتي بأن وهبت قوتي كلها في جسمها، وأصبت بوهن وتعب شديد حتى سقطت على الأرض. فانتهز ذلك الساحر اللعين الفرصة وهجم علينا يريد قتل لوّآح. فهجمت عليه ابنتي وتلبسته ولم تخرج منه منذ ذلك اليوم، وجميعنا عالقون. فلا أنا أيقظت زوجتي، ولا استطعت الوصول إليه لتخليص ابنتي، وابنتي لن تخرج منه خوفاً على أمها.
اغرورقت عينا عشتار ونزلت دمعة من عينيها، فتهلل وجه الأجهش فرحاً بنجاحه في إدماع عشتار.
كانت عشتار معلقة في الهواء مقابل لوّآح وجهاً بوجه، وهي تنظر لهذه الجنية النائمة.
سقطت دمعتها أخيراً، متجهةً للوّآح.
إلى أن استقرت الدمعة فوق جفن لواح. ثم نزلت شيئاً فشيئاً إلى أن دخلت عينها.
فتحت لواح فمها قليلاً، وارتفع صدرها للأمام مع التواء قليل في رجليها.
أحست عشتار بقشعريرة وهواء حار جداً، ثم بدأت عيناها تدمعان من الحرارة، فأغمضت عينيها. لكنها حين أغمضتهما، أصيبت بدوار وفقدت وعيها وسقطت في التابوت.
أحست عشتار بنسيم هواء بارد يداعب خديها، ففتحت عينها لتجد نفسها مستلقية على سرير يطل على حديقة من نافذة صغيرة في كوخ مصنوع من القش.
نهضت عشتار ووقفت عند باب الكوخ، فرأت ممراً طويلاً تحف بجانبيه أشجار طويلة وصوت تغاريد عصافير قادم من نهاية الممر.
مشت عشتار في الممر إلى أن وصلت نهايته، ووجدت شلال صغير يصب في بحيرة صغيرة، وسطها صخرة بيضاء، ولواح فوق هذه الصخرة تمشط شعرها. وحول الصخرة جنيات النهر يدرن حولها ويتضاحكن، وهي تنظر لهم بسرور، ويحف بالبحيرة أشجار ياسمين كثيفة وكثيرة.
قالت عشتار في نفسها: "ياله من منظر جميل! ويالها من جنية فاتنة الجمال، رقيقة."
تقدمت عشتار تريد لفت انتباه لواح، لكنها لم تستطع التقدم، وكأن شيئاً يمنعها. كأنه جدار شفاف من زجاج يحجب بينها وبين لواح.
أخذت عشتار تطرق على هذا الحاجز. فالتفتت لها لواح. كادت عيناهما تلتقيان، لكن فجأة، وإذا بيد كبيرة خرجت من الماء حطمت الحاجز الزجاجي وأمسكت بعشتار وطارت بها عالياً.
أخذت عشتار تبتعد عن لواح عالياً، لكنها حين ركزت نظرها، لاحظت أنها لم تكن تطير، بل كانت لواح والبحيرة بمن فيها من حطام زجاج ينزلون للأسفل.
جاء النداء من تلك اليد الممسكة بعشتار: "عشتار، هل أنت بخير؟ أفيقي أرجوك."
نظرت عشتار لصاحب تلك اليد، وكانت المفاجأة.
إنه جلجامش.
نظرت له عشتار بسكون قائلة: أين ذهبت لواح؟ لقد كانت تمشط شعرها تحت أزهار الياسمين.
جلجامش: لا عليك يا حبيبتي، لقد وجدتك. لا تخافي.
صرخ الأجهش: سأقتلك أيها الوغد! لماذا فعلت ذلك؟
ما استوعبت عشتار ما يجري حولها إلا لما أنزلها جلجامش أرضاً، لتجد نفسها في نفس المغارة. "لكن أين لواح والتابوت؟ لقد اختفوا. يا إلهي، هل كنت أحلم؟"
"يبدو أن جلجامش قد كسر التابوت الزجاجي وأسقطه هو ولواح في النهر. يا للهول!"
صرخ الأجهش صرخة غضب مرعبة وطار متجهاًً لجلجامش وعشتار.
كان الشرر يتطاير من عينيه لدرجة أن عشتار خافت على جلجامش.
استل جلجامش نابي الذئب متسلحاً بهما استعداداً للقتال.
والتحم الجبلان مرةً أخرى.
جلجامش والأجهش.
كان جلجامش يدافع عن حبيبته. لكن لم يعد للأجهش ما يخسره بعد الآن.
انقض الأجهش على جلجامش كالنسر، موجهاً له لكمات مرعبة بكل ما أوتي من قوة. وجلجامش مطروح أرضاً.
رفع جلجامش رجله وقام بركل الأجهش حتى ارتطم بجدار المغارة، فشد عليه جلجامش بسيفيه.
رفع الأجهش سيفه محاولاً إطلاق زوبعة تجاه جلجامش، لكن جلجامش كان قد اقترب كثيراً، فما كان منه إلا أن اضطر لإطلاق زوبعة صغيرة اتجهت لجلجامش بسرعة.
بسرعة، قام جلجامش بالدوران عكس اتجاه الزوبعة، ملوحاً سيفيه في الهواء، وضرب الزوبعة بسيفيها كليهما مبدداً إياها. لكنه حين نظر أمامه، لم يجد الأجهش، الذي كان بدوره قد انتهز الفرصة، وقفز خلف جلجامش ورماه بسنارته، فالتف حبالها حول جلجامش وقام الأجهش بسحب جلجامش وقذفه في النهر.
سقط جلجامش واتجه الأجهش بسرعة تجاه عشتار بعين مملوءة غضباً وحقداً. أشهر سيفه فوق رأسها. فصرخت عشتار: جلجامش!
وإذا بالسيف يعود للوراء ساحباً معه الأجهش تجاه حافة الجبل ليلقيه في النهر.
كان هذا بتأثير حجر المغناطيس الذي قد وجده جلجامش في الغابة وهو يبحث عن عشتار.
تجاذب المغناطيس بسيف الأجهش. رفع جلجامش للأعلى وسحب الأجهش للأسفل، إلى أن تعلق الاثنان بحافة الجبل، كل واحد منهما ممسك الحافة بيد واليد الأخرى يقاتل بها الآخر.
بسرعة، ركضت عشتار لمساعدة جلجامش، لكن كانت المفاجأة: اثنان جلجامش يتعاركان.
لقد فطن الأجهش أن عشتار ستقوم بمساعدة جلجامش، فتشكل بهيئته.
أخذت عشتار تجول بنظرها بين الاثنين بسرعة. عليها اتخاذ قرار مصيري. من هو زوجها؟ "ماذا أفعل.. ماذا أفعل.."
أدركت عشتار أنه لابد من حل واحد. لا هناك غيره. رجعت للوراء قليلاً ثم ركضت بسرعة وقفزة من حافة الجبل تريد السقوط في نهر المغارة. فما كان من جلجامش الأصلي إلا أن ترك القتال وامسك بها. فعرفت أنه زوجها من امسكها، فالأجهش لن يضحي بحياته لإنقاذها بعد أن ماتت زوجته.
أمسك جلجامش بعشتار، ووجه الأجهش ضربة بسيفه تجاه جلجامش، لكن ارتداد عشتار كان أسرع من سيف الأجهش، نظراً لأنه حين تشكل سيفه بهيئة سيف جلجامش، غدا ثقيلاً بالنسبة إليه. فرفسته في خاصرته مما خلخل في توازنه. تبعتها ركلة من جلجامش في صدره. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.
سقط الأجهش أخيراً.
سألت عشتار بقلق وهي تعلم الإجابة سلفاً: هل انتهينا منه؟
جلجامش: لا، لكن هلمي نخرج من هذه المغارة بسرعة. هيا بنا.
أمسك جلجامش بعشتار وطار بها لخارج المغارة، والمغارة تهتز اهتزازاً عنيفاً، إذ أن الأجهش كون زوبعة عظيمة في مياه النهر تسببت في رفع مستوى الماء للأعلى.
خرج جلجامش وعشتار، وبسرعة حمل جلجامش صخرة عظيمة وسد بها مدخل المغارة بقوة.
كان قد مضى على بزوغ الفجر عدة ساعات، لكن لم يهتم جلجامش لذلك، فحمل عشتار وطار بها بعيداً.
عشتار بقلق: أتعيد ما فعلته من قبل!!
جلجامش: لا.. بل أهرب.
عشتار: من ماذا؟
وانفجر الجبل التي كانت بداخله المغارة بسبب ضغط الماء، وخرج الأجهش طائراً في الجو يصرخ بغضب.
لكن لم يهتم به جلجامش، بل واصل هروبه ماراً على جثث جن كثيرة ملقاة في الغابة.
أصيبت عشتار بهلع قائلة: ماهذه الجثث؟
جلجامش: هذا ما كنت أفعله وأنت داخل المغارة.
نزل الأجهش على الأرض وبسرعة لوح بسيفه تلويحاً مرعباً، كون زوبعة كبيرة جداً جداً، سرعان ما غدت أكبر من الجبل، ودفعها خلفه. ثم مرة أخرى لوح بسيفه بسرعة رهيبة، مكوناً زوبعةً أخرى ودفعها على جانبه الأيمن، وكون زوبعة ثالثة على جانبه الأيسر، ورابعة أمامه.
كانت كل زوبعة من الزوابع الأربع العظام تدور حول مركزها بسرعة، تجمع كل ما تمر به من أشجار وصخور وأي شيء يقابلها. ومما زاد من سوء الأمر أن قام الأجهش بالتلويح بسيفه حوله بسرعة، فأخذت الزوابع الأربع تدور حوله.
كان المنظر مرعباً، فالزوابع غدت تدور حول الأجهش ببطء رهيب وهي تكبر حجماً، مدمرةً كل ما تمر عليه لتحوله إلى فراغ قاحل.
عشتار: لماذا أقدمت على إلقاء زوجته في النهر؟ لم يكن ينوي لي شرا، كان سيساعدني.
جلجامش: بل كان يخدعك حتى تخرج قوة أي جني مستودعة في روح إنسي تستلزم خروج روحه معها.
عشتار بحنق: ولماذا لم تقل لي ذلك من قبل؟
جلجامش معاتباً: لم أكن أعلم أن زوجتي ستثق بجني لا تعرفه. كان يريد اصطيادها منذ دخولها لأرض الجن.
عشتار: لقد اكتشفت أن الأجهش هو من كان يساعدني منذ دخولي لعالمكم، حتى وإن كان خدعني، فأنا مدينة له لبقائي على قيد الحياة.
جلجامش: ساعدك ليحصل على روحك في النهاية.
عشتار بتحاذق: لا تخف، فزوجي قوي جداً وسيتغلب على الأجهش لا شك.. ماذا سنفعل الآن؟
جلجامش: نهرب بأقصى سرعة ليارخ. لا أستطيع مجابهة الأجهش هكذا دون سلاح سوى نابا ذئب. لابد أن أقضي عليه للأبد.
انطلق جلجامش بسرعته القصوى، يتبعه الأجهش ببطء. لكن نظراً لاتساع القطر الذي كانت تدور فيه الزوابع، كان الأجهش يقطع مسافة كبيرةً أيضاً.
كان جلجامش مسرعاً جداً لدرجة أنه مر بكتيبة جن من جنود عيقم كانت تتحرك باتجاه قلعته، ولم يحاول الاختباء أو التخفي. ومع أن الجنود رأوا جنياً محلقاً فوقهم بسرعة، إلا أن اهتزاز الأرض وهول حركة الزوابع العظيمة شدت كل انتباههم، فشدوا على الأجهش ظناً منهم أنهم مهاجمهم.
حرك الأجهش سنارته تجاه الزوبعة اليمنى بأن علق خيط السنارة في قعرها، ثم سحبها تجاهه، فانطلقت بسرعة عالياً واستقرت على راحة كفه وهي تدور بسرعة رهيبة، والجنود يتحركون تجاهه بسرعة بأسلحتهم الفتاكة، منهم من بدأ يلقي سهامه ومنهم من ألقا رماحه.
رفع الأجهش يده عالياً، كانت الزوبعة العظيمة كالكرة الصغيرة في يد الأجهش، ثم قذف بها تجاه الجنود، فاستقرت وسطهم. كانت صوت ارتطامها على الأرض مرعباً وله دوي مخيف واهتزاز عجيب، بلعت كل الجنود بداخلها في غمضة عين، وعادت تدور مرة أخرى حول الأجهش، الذي واصل تقدمه سعياً خلف جلجامش، وعيناه مليئة بالدموع مع احمرار وغضب شديدان.
في هذه الأثناء، وصل جلجامش أخيراً لكوخ يارخ.
كان يارخ يحس باهتزاز الأرض من وراءه، لكنه كان منشغلاً بشد هيكل حوت عظمي مصنوع كدرع كان أعده لفيل برأس أسد يدعى الأسيد.
نظر يارخ لجلجامش قائلاً: أهلاً أهلاً! لم أظن أنني سأراك مجدداً. هه، هل نجحت في إحضار الأدوات التي طلبتها منك؟
جلجامش: نعم، لكن هنالك مشكلة. أريدك أن تصنع السيف حالاً.
يارخ: ولماذا؟
جلجامش: ألا تحس بهزة قادمة من بعيد؟ إنه الأجهش يسعى لقتالي.
يارخ: الأجهش؟ أعرفه. سلاحه سنارة الزوابع. صنعته لأبيه منذ مئة وسبعون سنة، كان مفخرة زمانه. سلاح فتاك جداً إن أجيد استخدامه، وهو أفضل سلاحٍ صنعته يداي.
جلجامش: يبدو أن الأجهش قد أجاد استخدامه فعلاً، فكل ما ورائي الآن مجرد صحراء قاحلة. إنه يدمر كل شيء يعترض طريقه.
يارخ: أوه، وما سبب هذا الغضب كله؟
جلجامش: أظن أنني تسببت في قتل زوجته.
عشتار بحنق: تظن!!
سرح يارخ قائلاً: الأجهش.. اممم.. لن يقف شيء في طريقه سوى الموت. لكن بالنسبة لي، إنها فرصة لتجربة السلاح الجديد. قل لي، أين الأدوات؟ فلم يبق سوى عدة ساعات على غروب الشمس.
ناول جلجامش جميع الأدوات ليارخ: نابا الذئب وعينه وحجر المغناطيس والمطاط.
عشتار: لقد سقطوا مني في الغابة، وخفت أني قد أضعتهم.
جلجامش: لقد خضت معركة عظيمة للحصول عليهم مرة أخرى. سأحكيها لك فيما بعد.
عشتار بقلق: هل أصبت بأذى؟
جلجامش: لا عليك. الآن، دعينا نجتاز هذه المحنة.
أمسك يارخ بمطرقة كبيرة وذهب جانب الكوخ الأيمن، وضرب بها الأرض ضربة عنيفة فانشقت، وتمخض عن انشقاقها حمم بركانية غرز فيها أحد النابين.
صرخت عشتار: هل سيتحمل الناب حرارة الحمم البركانية؟
جلجامش: هشيش! دعه يعمل بهدوء. لا وقت لدينا.
اتجه يارخ لجانب الكوخ الأيسر وأزال كثيب رمل ناعم كان يوجد تحت كتلة ثلجية، غرز فيها الناب الآخر، ثم شد المطاط على النابين.
ثم أنزل مطرقته الكبيرة أرضاً وحمل عين الذئب، ويداه ترتعشاني.
يارخ: لقد أقشعر جسدي كله، وأكاد أغيب عن الوعي. سنيناً طويلة وأنا أتخيلني أحمل عين الذئب، لكن الواقع مخيب للآمال دائماً.
سقطت عين الذئب من يده، فاتجه لطاولة قريبة وأدخل يده في صدره وانتزع قلبه ووضعه على الطاولة، فتغير لونه للرمادي، وابتعد عن الطاولة ماشياً يترنح.
أمسك بعين الذئب وامسك بجلجامش، فجثا جلجامش على ركبتيه، وغدا نبض جلجامش يبث في جسم يارخ، وكأنه يخدع عقله أن بجسمه نبض وخوف يارخ أُفرغ في جلجامش. في أقوى مواجهة بين جلجامش وعين الذئب، بدا أنه امتحان على كل من جلجامش ويارخ، تجاوزه بنجاح.
خافت عشتار على جلجامش حين وجدته يرتعش بقوة. وما زاد خوفها أنها أصبحت قادرة على رؤية زوابع الأجهش من بعيد، مما يدل أنه اقترب منهم كثيراً.
أمسك يارخ بعين الذئب وضعها أمام عين جلجامش.
أخذ جلجامش يترنح وعيناه ابيضتا، حتى أحست عشتار أنه سيموت.
صرخت عشتار: يكفي! دعه، سيموت!
لكن يارخ لم يدر لها بالاً. ثم مسح جفن جلجامش بعين الذئب وتركه مطروحاً أرضاً، وعاد للطاولة ووضع عين الذئب عليها، وأعاد قلبه لصدره، فاستعاد لونه الطبيعي. ثم أمسك بحجر المغناطيس ووضعه على صخرة كبيرة، وتناول مطرقته الكبيرة مرة أخرى، وأخذ يطرق الحجر بسرعة وقوة حتى صقله، فأصبح كانه مقبض سيف. ورماه في الحمم البركانية حتى توهج. ثم قام بصب ماء حار جداً على المطاط وأهال عليه قليلاً من الثلج أيضاً، وبسرعة أمسك المطاط من المنتصف وسحبه إليه بقوة، فارتد له المطاط منتزعاً نابا الذئب، والتصق النابان بالمطاط حتى غدا كأنه قطعة واحدة لسيف واحد.
أخيراً، أخرج حجر المغناطيس وغرزه في عين الذئب والصقه في النابان، فالتحم السيف كاملاً قطعة واحدة.
أمسك يارخ بالسيف ومرره على كف جلجامش، فشق يده وسال قليل من دمه، امتصه السيف بداخله.
يارخ بزهو: السيف جاهز. انتهت مهمتي. صنعت لك أقوى سيف في أرض الجن في وقت قياسي. لم يصنع سلاحٌ بهذه السرعة من قبل. فقط أجد استخدامه. وتذكر، السيف هذا بمقدوره جذب المعادن ونفرها بعيداً عنه عن طريق تغطية عين الذئب أسفل المقبض المغناطيسي، فحين تكون العين مكشوفة يتنافر منك الجن وأسلحتهم المعدنية، وحين تغطي عين الذئب ينجذبون إليك. كما بإمكانك نزع النابان ليصبحا سيفين ملتصقين ببعضهما البعض بواسطة المطاط. وكذلك أهم نقطة، بإستطاعة هذا السيف امتصاص طاقة سلاح الخصم عند هزيمته فقط. حظاً موفقاً.
كان الأجهش قد غدا قريباً جداً لجلجامش، فحمل يارخ مطرقته وعاد يكمل عمله في صنع درع الفيل أسيد.
جلجامش: يارخ، يفضل أن تبتعد عن هنا أو تختبأ.
يارخ: لن يقتلني سلاحٌ صنعته بيدي.
جلجامش: قلت لك، لقد دمر كل شيءٍ مر به.
التزم يارخ صمته وعاد منهمكاً في عمله، وكأن ما يدور حوله من هزة أرضية وزوابع لا يعنيه أو بعيد عنها.
استعاد جلجامش قواه ورباطة جأشه وثقته بنفسه بعد أن أحس أن عين الذئب لم تعد تأثر عليه وتخيفه، فقام بربط عشتار لظهره قائلاً: هذه المرة لن تفلتي مني.
عشتار: كن حذراً.
ابتسم جلجامش لعشتار وقام بغرز سيفه في صخرةٍ كبيرة وانطلق ممسكاً به، فانفك السيف: ناب مغروز في الصخرة، والناب الآخر في يد جلجامش مع المقبض، وانطلق يركض بسرعة رهيبة إلى أن اقترب من زوابع الأجهش، وأخذ يقفز على الصخور المنجذبة للزوابع من صخرة لأخرى بسرعة ورشاقة، والمطاط يمتد معه. إلى أن وصل بين زوبعتين، فهم أن يقفز بينهما ليصل داخل المدار لملاقاة الأجهش، لكن الأجهش انتبه له وحرك سنارته بسرعه، فزادت سرعة الزوبعة واصطدمت بجلجامش وسحبته داخلها.
أخذ جلجامش يدور ويدور والمطاط يمتد ويمتد. أما عشتار فقد فقدت الوعي من كثرة الدوران.
أدرك الأجهش أنه قد امسك بجلجامش، فقام بدفع الزوابع الثلاث للزوبعة المحصور فيها جلجامش، فاصطدمت ببعضها البعض مكونةً زوبعةً عظيمةً عملاقة، رآها كل من كان في أرض الجن وأحس بها بنو البشر أيضاً، إذ سببت هزةً أرضية عظيمة.
طار الأجهش بسرعه عالياً في الجو ودخل فوهة الزوبعة متجهاً لجلجامش بكل جوارحه وهو شاهر سيفه.
وصل لجلجامش وكاد يقسمه نصفان بسيفه، إلا أن جلجامش انتبه له في اللحظة الأخيرة، وأخذ دوي مقارعة سيفهما يصدو في كل الأرجاء وهما ينزلان للأسفل بسرعة.
أحس جلجامش أنه هالك لا محالة إن وصلوا لقعر الزوبعة والأجهش فوقه، فقام بسحب طرف المطاط الآخر، منتزعاً الجزء الثاني الذي غرزه في الصخرة، وأخذ السيف يتجه لهما بسرعة كبيرة وهو يدور حول الزوبعة، ومن قوة الزوبعة أخذت تدفع السيف عالياً إلى أن وصل نهايتها، وبفعل المطاط ارتد داخلها متجهاً لهم من جديد.
فما كان من جلجامش إلا أن وجه عين الذئب أمام الأجهش، فارتد الأجهش وسيفه عالياً بفضل عين الذئب والمغناطيس، إلى أن التقيا بالجزء الثاني من السيف الذي اخترق ظهره.
أما جلجامش فقد وصل لقعر الزوبعة وضرب القعر بالسيف بكامل قوته، فتبددت الزوبعة مختزنةً بسيفه.
سقط الأجهش أرضاً يجهش لادموعاً هذه المرة بل دماء حتى فاضت روحه.
أخذ جلجامش ينظر لسيفه الذي يهتز من قوة هذه الطاقة التي اختزنها، لكنه تذكر عشتار، ففك وثاقها عن ظهره واحتضنها.
جلجامش: عشتار حبيبتي، أفيقي أرجوك.
فتحت عشتار عينيها وأخذت تنظر لجلجامش باستغراب.
جلجامش: لا عليك يا حبيبتي، لقد تغلبت على الأجهش. لقد مات.
عشتار: ما هذا المكان؟ وما هو الأجهش؟ وأين ابنتاي؟
أصيب جلجامش بحيرة كدرت زهوة انتصارها.
أخذ جلجامش ينظر حوله، كان كل شيء مدمر سوى يارخ الذي مازال منهمكاً في صنع سلاحه، وكأنه لم يحس بشيء.
عشتار: هل نحن بعيدون عن المنزل؟ عليك أن تخلد للنوم باكراً هذه الليلة. لا أريد أن تتأخر عن عملك كالعادة.
انهار جلجامش وأخذ يحدث نفسه: "يا إلهي، هل فقدت ذاكرتها.. ليس الآن يا عشتار.. إنها لا تتذكر أنني جني حتى.. يا إلهي، ما العمل."
رواية الانسية التي تزوجت جني "قصة عشتار وجلجامش" الفصل الرابع عشر 14 - بقلم غير معروف
بعد أن قام الأجهش بخطف عشتار واقتيادها لمغارته، وإقناعها بإيقاظ حبيبته لواح، استطاع جلجامش التدخل في اللحظة الأخيرة وتخليص عشتار حتى لا تموت عند إيقاظها للواح.
بأن كسر تابوت لواح الزجاجي وسقطت ميتة في النهر الذي جرفها بعيدًا، مما أثار غضب الأجهش وجعله يلحق بجلجامش الذي كان متجهاً ليارخ بسرعة.
وقد كان الأجهش قد أطلق زوابع عظيمة جدًا للقضاء على جلجامش، لكن لحسن حظ جلجامش أنه وصل ليارخ بسرعة، واستطاع يارخ صنع سيف عين الذئب في وقت قياسي جدًا، أتاح لجلجامش خوض معركة عظيمة ضد الأجهش أسفرت بانتصاره وموت الأجهش.
لكن لسوء الحظ، فقدت عشتار وعيها، وحين أفاقت بعد المعركة كانت فاقدة للذاكرة.
جلجامش: عشتار حبيبتي أفيقي أرجوك.
فتحت عشتار عينيها وأخذت تنظر لجلجامش باستغراب.
جلجامش: لا عليكِ يا حبيبتي، لقد تغلبت على الأجهش، لقد مات.
عشتار: ما هذا المكان؟ وما هو الأجهش؟ وأين ابنتي؟
أصيب جلجامش بحيرة كدرت زهوة انتصاره.
أخذ جلجامش ينظر حوله، كان كل شيء مدمرًا سوى يارخ الذي ما زال منهمكًا في صنع سلاحه وكأنه لم يحس بشيء.
عشتار: هل نحن بعيدون عن المنزل؟ عليك أن تخلد للنوم باكرًا هذه الليلة. لا أريد أن تتأخر عن عملك كالعادة.
انهار جلجامش وأخذ يحدث نفسه: "يا إلهي، هل فقدت ذاكرتها فعلاً؟ ليس الآن يا عشتار. إنها لا تتذكر أنني جني حتى. يا إلهي، ما العمل؟"
جلجامش: ألا تتذكرين أي جني؟
عشتار بهلع: يا إلهي، ماذا تقول يا جلجامش؟ لماذا تخيفني ونحن في هذا المكان المريب؟ وكيف جئنا إلى هنا؟
جلجامش بإحباط: لا عليكِ يا حبيبتي، هيا بنا نعود للبيت.
فجأة، سمع صوت دوي كبير وحوافر قادمة من بعيد.
بسرعة، قام جلجامش بلف خرقة على عين عشتار.
عشتار بقلق واستغراب: ماذا يجري؟ لماذا تقوم بعصب عيني؟
جلجامش: حبيبتي، أنتِ لا تتذكرين، لقد أصبتِ بضربة في رأسك وقد أمرني الطبيب أن أعصب عينيك حتى تنالي قسطًا من الراحة.
عشتار بتعب: حقًا؟ لا أتذكر أي شيء. لكنني أشعر بصداع رهيب وأحس بألم شديد في جميع أعضاء جسمي.
جلجامش: لا عليكِ، سيكون كل شيء على ما يرام.
وضع جلجامش يده على جبهة عشتار، فغابت عن الوعي ودخلت في سبات عميق، واتجه ليارخ الذي ما زال منشغلًا في عمله. ودون أن ينطق ببنت شفة، اختبأ هو وعشتار تحت الدرع الذي كان يصنعه يارخ.
ما هي إلا لحظات وامتلأ المكان بكتيبة استطلاعية من جيش عيقم، أحاطوا بيارخ.
قال قائدهم مخاطبًا يارخ: يارخ، ماذا حدث هنا منذ قليل؟ لقد رأينا زوبعةً عظيمة.
أجاب يارخ دون أن يلتفت: كنت أجرب سلاحًا جديدًا.
قائد الكتيبة: وما هذا السلاح؟
توقف يارخ عن عمله ونظر لقائد الكتيبة باستصغار، مما أثار الذعر في نفس قائد تلك الكتيبة.
قائد الكتيبة: عذرًا يا يارخ، لكن ألم ترَ كتيبةً من جند عيقم يفترض أنهم وصلوا إلى هنا في هذا الوقت؟
يارخ بلامبالاة: لم يمر أحد من هنا.
وعاد يارخ لعمله بهدوء.
أحس قائد الكتيبة أن لا فائدة ترجى من التحدث ليارخ، فأمر جنوده بالانسحاب والعودة.
بعد رحيل الجنود، خرج جلجامش من تحت الدرع، فبادره يارخ: لماذا تختبئ وأنت تملك أقوى سيف في أرض الجن؟ لا يفترض بك خوف أي شيء الآن، فأنا أعتمد عليك.
جلجامش: قتالهم لن يعود علي بفائدة، ناهيك أنه لو تمكن أحدهم من الفرار فسيعلم عيقم أنني حر طليق وسيأخذ احتياطه. وأنا أريد مباغتته، لكن شكراً على مساعدتي. لن أخيب ظنك.
يارخ بلامبالاة: لم أكذب عليهم، فقد كنت أجرب سلاحًا جديدًا فعلاً.
ابتسم جلجامش وأخرج عشتار وحملها بين ذراعيه وطار بها عاليًا، تاركًا يارخ منهمكًا في حرفته.
مضت نصف ساعة ويارخ يعمل بهدوء وتناغم، وطرق مطرقته يسلي وسط نسيم الهواء الجميل.
فجأة، توقف يارخ عن العمل مزمجرًا وقال: دائمًا يوجد نسيم هواء عليل بعد أي معركة، لكن هذا يبدو أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
أجاب عيقم الذي كان قد أتى لتوه طائرًا بهدوء: لا يزال سمعك قويًا أيها العجوز.
التفت يارخ ونظر لعيقم قائلًا: وأنفي ما زال يشم جيدًا رائحتك النتنة. أما زال قومك لم يكتشفوا أمرك بعد؟
عيقم: هه، لن يكتشفوه أبدًا. لقد اقتربت من تحقيق مبتغاي. قل لي، ما هو السلاح الذي صنعته لتوك؟ ولمن صنعته؟
يارخ: هه، أنت تعلم أنني لن أخبرك.
عيقم: أعلم ذلك، لكنني أردت أن أعطيك فرصة لتعيش.
يارخ: كان علي أن أقتلك منذ زمن بعيد حين سنحت لي الفرصة، لكن لا يهم إن قتلتك الآن أو استطعت قتلي. ما يهم أنك ستموت بسلاح من صنع يدي.
يصرخ عيقم بغضب: أيها العجوز النخر، أخبرني ماذا فعلت ومن ذا الذي صنعت له سلاحًا؟ أتظن أنه بقي أحدٌ في عالم الجن يتجرأ علي؟ لم يبقَ سواك أيها الغبي، سأقتلك وأرمي بك في وادي الذئاب.
يارخ: هذا ما جنيته إيدي الجن الأغبياء بتعاملهم مع الإنس. فعل مثل هذه الأمور جعل واحدًا إمعةً مثلك يصبح ملكًا.
أمسك يارخ مطرقته العملاقة برشاقة وقذف بها تجاه عيقم بسرعة، لكنها توقفت معلقة في الهواء أمام أنف عيقم.
أخذ يارخ ينظر بتعجب وغضب، حين بادره عيقم: هههه، أتظن أن قواي لم تتطور بعد كل تلك السنين؟
يارخ: مشكلتك هي ظنك أنك أنت الوحيد الذي قد تطور.
وسرعان ما أصدرت مطرقة يارخ صفيرًا عاليًا، وأخذ البخار يخرج منها وانفجرت أمام وجه عيقم.
أراد عيقم صدها، لكن لم يحالفه الوقت، لكنه استطاع طقطقة أصبعه بأية حال.
ما انجلى الانفجار إلا ومطرقة يارخ كانت قد تحولت إلى قفص كبير يسجن عيقم، والدماء تسيل من جميع أرجاء جسمه.
ضحك يارخ وهو يقترب من القفص قائلًا: هل تريدني أن أربط هذا القفص ببغل وأجعله يركض في أرجاء قلعتك؟
صرخ عيقم بغضب: عشت مغرورًا وستموت مغترًا بحماقتك. أكثر ما يفرحني في الأمر أنني سأقتلك بسهولة.
وإذا برمح ينغرز في ظهر يارخ ويخرج من خاصرته. أدار يارخ رأسه بشموخ ليرى الذي غدر به، وكانت المفاجأة أنه عيقم آخر برمح الظلام.
احتار يارخ عيقم في القفص، وعيقم آخر وراءه.
عيقم: هه، اليوم من أسعد أيام حياتي. استطعت قتل صديقي وكاتم سري.
يارخ: آسف على يومٍ عرفتك فيه أيها الصعلوك الغادر. أتقتلني غدرًا وأنت ملك الجن؟ إنك جبان ووضيع، لا شرف لك.
غضب عيقم واستل سيف الصاعقة: فرصتك الأخيرة، أخبرني ما السلاح الذي صنعته ولمن، وما هي نقطة ضعف هذا السلاح كي أدعك تموت دون عذاب.
نظر يارخ لعيقم وقد أوشكت أن تفيض روحه، وغدا كلامه ثقيلًا.
قرب يارخ رأسه من عيقم يريد أن يقول كلماته الأخيرة، فاقترب عيقم منه.
كانت كلمات يارخ الأخيرة أن بصق في وجه عيقم بصقةً لخص فيها كل ما يمكن أن يقال، فغضب عيقم غضبًا شديدًا واحتز رأس يارخ بسيفه.
تخلص عيقم من يارخ أخيرًا، وأخذ ينظر لهذا الجني الشامخ الذي حتى بعد قطع رأسه بقي واقفًا.
لم يسقط ذلك الجسد الشامخ ليحسس عيقم أنه صغير أمام هذه العظمة، وأنه ليس كل من بقي على قيد الحياة قد انتصر.
سحب عيقم رمحه بغضب وأمسك بالقفص، فانفك وعاد مطرقةً من جديد. التحم عيقم الذي كان داخل القفص بعيقم الذي كان خارجه ليعود عيقمًا واحدًا.
ثم طار عائدًا لقصره بسرعة، وكان سامد ينتظره عند شرفة القصر.
سامد: هل تحدثت مع يارخ؟
عيقم بغضب: بل قتلت الوغد.
سامد بفزع: قتلته؟ يا إلهي! لماذا فعلت ذلك يا مولاي؟
عيقم: لقد تحملت غرور هذا الأحمق سنينًا طوال، كان لابد أن ألقنه درسًا. لطالما كان يثير غضبي حتى في موته غلبني. الحقير.
سامد: لكن يا مولاي، لم يقدم أحد من قبل على قتل صانع أسلحة. هم جن محايدة مثل الجن المرسول، لا يؤخذ المرسول بجريرة راسله.
عيقم: هنالك مؤامرة ما تدور حولنا وأنت لا تعلم شيئًا يا سامد. أتمنى أن يمر غدًا بسلام فقط.
سامد بقلق: في الواقع، هنالك أمرٌ خطير ما يا مولاي.
عيقم: ماذا حدث؟
سامد: قبل يوم انفجر البركان وسرعان ما انخمد، فأرسلت كتيبة استطلاعية، جاءتني بخبر حراس البركان الحمر.
عيقم: ماذا به؟
سامد: وجدناهم مقتولين.
عيقم: ماذا!! جميعهم؟ هل جننت؟ ماذا تقول؟ كيف حدث ذلك؟ متى؟ وأين حجر المغناطيس؟ هل سرق حجر المغناطيس؟
سامد: حجر المغناطيس ما زال مكانه، أما بالنسبة للجن الحمر، لا نعلم أي شيء. فقط وجدنا سيف ياحين مغروسًا في إحدى صخور البركان.
عيقم: ياحين!! قائد جيش جلجامش الذي فر بعد المعركة؟
سامد: نعم يا مولاي.
عيقم: هل يعقل أن جلجامش استطاع الهرب من السلحفاة بمساعدة ياحين؟
سامد: مستحيل، فأنا بنفسي من أخذتهم للسلحفاة ومتأكد أنه لم يكن يتبعنا أحد، وحتى أنا لا أستطيع معرفة أي سلحفاة التي يوجد جلجامش وعشتار بداخلها. وكما يعلم مولاي، لا توجد أي طريقة يستطيع بها جلجامش الخروج من السلحفاة.
عيقم بغضب: يستحيل أن يكون بمقدور ياحين التغلب عليهم وحده. هل جننت؟ هل تعلم ماذا كان علي أن أفعل لأجعل هؤلاء الجن موكلين بحراسة هذا البركان؟
سامد: المعذرة يا مولاي، لكن الجميع مشغول للاستعداد ليوم التتويج غدًا.
عيقم: الم أقل لك أن ليارخ يد في الموضوع؟ لابد أن له يد في ذلك، وإلا من سيجرؤ على الاقتراب من الجن الحمر سواه.
سامد: إذاً، فقتله قرار موفق يا مولاي، لكن علينا أن نتأكد مما حدث ونتقصى.
عيقم: اممم، فعلاً فعلاً. لكن الأهم الآن هو حراسة حجر المغناطيس، فهو الشيء الوحيد الذي يحفظ توازن هذه الأرض. إن سرق أو تحرك من مكانه، أرسل أقوى الجن لحراسته.
سامد: عذرًا يا مولاي، لا يوجد من هو أقوى من الجن الحمر في جيشنا، وقد ماتوا جميعًا من شيء نجهله حتى الآن. جنودنا يخافون من الاقتراب هناك.
عيقم: هذه الحرب أخذت أناسًا أعزاء ومخلصين، لم يبقَ لي سواك أنت والقعقاع.
سامد: ماذا يأمر مولاي بشأن البركان؟
عيقم: اممم، لا أستطيع التخلي عنك، فأنت تعلم أنك ساعدي الأيمن.
سامد: لكن هذا يعني أنه يجب على القعقاع أن يذهب إلى هناك.
عيقم: لا خيار سوى ذهاب القعقاع، ونستطيع تنصيبه فيما بعد على قلعة جلجامش.
سامد: حسنًا يا مولاي، سأرسله على رأس كتيبة لحراسة البركان حتى تنتهي مراسم التتويج، وبعد ذلك ننظر في الأمر.
استأذن سامد مبتعدًا عن عيقم، مما جعل عيقم يتنفس الصعداء. وذهب عيقم مسرعًا لمخدعه، أغلق الباب، ثم قام بإخراج كيس مليء بالدم. كان ذلك هو دم يارخ، وصب الدم كله في حوض كبير، خالطًا معه بعض السوائل الغريبة. وخلع ملابسه وتمدد في ذلك الحوض، ثم أخذ يحرك يديه في ذلك الحوض ويطقطق أصابعه حتى تشكل الدم على هيئة رجل مائع.
سأله عيقم: ماذا كان يصنع يارخ؟
تشكل الرجل المائع بهيئة سيف.
احتار عيقم، لكنه سأل مجددًا: هل هذا السيف قوي؟
هز الرجل المائع رأسه بالإيجاب.
عيقم: لمن صنعه؟
تشكل الرجل المائع بهيئة ذئب.
تفاجأ عيقم وقال محدثًا نفسه: "ماذا يكون هذا الذئب؟"
عيقم: امممم، هل جلجامش موجود في أرض الجن؟
هز الرجل المائع رأسه بالنفي.
أخيرًا، اطمأن عيقم قليلًا وأسند رأسه يفكر في هذا الذئب المجهول، لكن طالما لا وجود لجلجامش في أرض الجن، سيسير كل شيء كما خطط له.
كان الوقت قد اقترب من منتصف الليل حين وصل جلجامش لبيت عشتار في أرض الإنس.
جلجامش محدثًا نفسه: "طالما أنها فاقدة للذاكرة، يجب علي أن لا أخيفها بموضوع الجن برمته، فستتطلب وقتًا لتستوعب وقد تجن. أن أتركها هنا، فبقاؤها هنا آمن جدًا، لاسيما أن الجميع ما زال يظن أننا محبوسان في السلحفاة. علاوة على ذلك، إن حدث لي مكروه أو مت، ستعيش هي بسلام."
وضع جلجامش عشتار في سريرها، وأمسك يدها يقبلها ويتأكد أنها ما زالت ترتدي خاتمها. أخذ جلجامش يتأمل وجهها الجميل ويتذكر الأهوال التي مرت بها لأجله. لقد كان الإرهاق والتعب باديا عليها وعلى جسمها النحيل.
جلجامش: "لا مكان لهذه الرقة في عالم الجن. لقد كان خطأً كبيرًا أن تزوجتها منذ البداية، لقد عرضت حياتها للخطر. وأكاد لا أصدق أنها ما زالت على قيد الحياة. كان علي أن أستمع لنصيحة والدي وأنصاع لأمره حين نهاني عن تزوجها. مسكينة عشتار، ستعيش في عذاب الفراق. أرجو أن لا تتذكر وتظل فاقدة للذاكرة للأبد."
ثم ذرف دمعة حرقة من عينيه وقبل جبينها قائلًا: "الله ما أحلاك الوداع يا أحلى شيء في هذه الدنيا."
طار جلجامش عائدًا لعالم الجن، أما عشتار فقد كانت تغط في نوم عميق من شدة التعب والإرهاق.
راود عشتار حلم غريب، وكأن فراشة جميلة أخذت تطير فوق رأس عشتار، وعشتار تتبعها في غابة مليئة بزهور الياسمين لسبب لا تعلمه.
فجأة، وإذا بوطواطٍ لحق بالفراشة يريد أن يأكلها، فهربت وعشتار ورائها إلى أن دخلت مغارة بدت وكأنها مألوفة.
وكأن عشتار قد كانت هنا من قبل، لكنها كلما حاولت أن تتذكر نسيت أكثر. كأنه مشهد يتلاشى كلما حاولت شحذ ذاكرتها لتخيله. يالعبث الذاكرة.
وصلت الفراشة إلى صندوق زجاجي مليء بزهور الياسمين واستقرت في منتصفه.
أخذت عشتار تنظر لهذه الفراشة الغريبة، وفجأة تحولت الفراشة لامرأة جميلة جدًا نائمة. اقتربت منها عشتار، فجلست من نومها ونظرت لعشتار وهي تبتسم. أرادت عشتار أن تتكلم، لكن المرأة التي في الصندوق الزجاجي بادرتها قائلة: اسمها نارين، عليك أن تهتمي بها.
أجابت عشتار: من هي؟
فجأة، سمع صوت زجاج يتكسر وبدأت كل شيء يتلاشى ويختفي.
نهضت عشتار من نومها: "يا إلهي، إنه حلم."
أخذت تجول بنظرها في المكان، إنه بيتها، لكنه غريب بعض الشيء. "ترى، هل جلس جلجامش من نومه باكرًا؟ علي أن أتفقد الطفلتين."
نهضت عشتار واتجهت للنافذة تريد أن تفتحها، إذ كانت الشمس قد أشرقت لتوها، لكنها تفاجأت حين رأت بنتًا صغيرة مقابل مدخل منزلها تجر عربة بها زهور كثيرة، وكانت قد أسقطت زجاجة زهور وجلست تجمع الزهور بحذر.
أحتارت عشتار: "ترى، هل صوت سقوط الزجاج هو ما أيقظني؟ أم هل هي من كانت في الحلم؟"
خرجت عشتار بسرعة بشعر غير مرتب وثوب مهترئ.
ما إن رأتها الفتاة الصغيرة حتى همت بالهرب، لكن عشتار بادرتها: نارين.
توقفت الفتاة تنظر لعشتار ثم قالت: أنا لست نارين، اسمي زينة.
ابتسمت عشتار في وجه البنت الصغيرة وقالت: ياله من اسم جميل كصاحبته. وماذا تفعلين في الصباح الباكر يا زينة؟
زينة: أساعد والدتي في بيع الزهور.
عشتار: ياله من عمل مربح.
زينة: ليس كثيرًا، فالناس لم تعد مشغوفة بالزهور كما تقول أمي. هل تودين شراء الزهور؟ يبدو أنك تملكين حديقة جميلة ستزدان بهذه الزهور.
ضحكت عشتار قائلة: يالك من بائعة ذكية. قولي لي، هل يوجد ياسمين لديكم؟
مع أن عشتار كانت قد نسيت الحلم تقريبًا، لكن لسبب ما سألت عن الياسمين.
أجابت زينة بحزن مشيرةً للأرض: للأسف، سقطت زجاجة الياسمين لتوها وأتلف الزجاج زهور الياسمين. ستوبخني أمي، لكن ما زالت بعض الياسمينات بحالة جيدة. إن كنت تودين شرائها، سأبيعها لك بسعر خاص.
أخذت عشتار تنظر بتركيز لزهور الياسمين الممتزجة بالزجاج، وكأن المنظر يعني لها شيئًا مهولًا.
فجأة، وإذا بصوت حازم جاء من خلفها: زينة، ماذا تفعلين هنا؟
زينة: أوه.. أمي، لقد أسقطت زجاجة الياسمين، آسفة جدًا، أرجوكِ سامحيني.
أمسكت أم زينة ابنتها بعصبية وسحبتها بسرعة مبتعدةً عن بيت عشتار.
نادت عشتار: ألا تريدين ثمن زهور الياسمين؟ سأدفعها لك أيتها السيدة.
نظرت أم زينة لعشتار نظرةً لم تفهم معناها، ثم أشاحت بوجهها مبتعدةً مع ابنتها تجر عربتها بسرعة.
جثت عشتار على ركبتيها تلملم زهور الياسمين وهي تسمع صوت العربة مبتعدًا. وضعت زهرة ياسمين جميلة وكبيرة في شعرها الأسود، ثم نهضت لداخل الحديقة وجلست في بقعة خالية قرب شجرة التفاح تريد غرس هذه الزهور علها تعيش وتزهر.
فجأة، إذا بصوت العربة قد توقف، وسمعت عشتار صوت الأم توبخ ابنتها زينة من وراء السور.
أم زينة: ألم أحذرك مرارًا من الاقتراب من هذا المنزل والتحدث لهذه الساحرة؟ هل جننتِ؟
زينة: أوه يا أمي، يبدو أنها امرأة لطيفة.
أم زينة بحزن: أخاف عليكِ يا ابنتي، ليس لدي غيرك. تقول الشائعات أن هذه المرأة ساحرة مجنونة قامت بقتل زوجها وابنتيها ودفنهما في حديقة المنزل.
جن جنون عشتار حين سمعت هذا الكلام وخرجت مسرعة من حديقتها لخارج المنزل تصرخ: اغربي عن هنا أيتها السفيهة! أنا لم أقتل أطفالي، إنهم نيام داخل المنزل. كيف تجرأين بقول مثل هذا الكلام الفظيع!
كان صراخ عشتار وهي تبكي وشعرها الأشعث مع ثوبها المهترئ قد جعل شكلها مخيفًا.
سحبت الأم ابنتها وهي تهمس: هيا تعالي بسرعة، ألم أقل لك أنها مجنونة.
وابتعدتا عن منزل عشتار بسرعة.
ركضت عشتار وهي ما زالت تبكي لداخل منزلها تبحث عن ابنتيها وكأنها أحست للتو أنها لم ترهم منذ زمن.
بحثت في جميع أرجاء المنزل الخاوي وهي تبكي وتصرخ مناديةً ابنتيها وزوجها.
نظرت في غرفتها فرأت فراءً كبيرًا أحمر لا تذكر من أين أتى وبه قليل من قطرات الدم المتخثر.
نظرت على الطاولة فوجدتها مليئة بكتب الجن والشعوذة.
أخذت تنظر في أنحاء جسمها فوجدته مليئًا بالخدوش والجروح.
صرخت وهي تبكي: يا إلهي، هل أنا مجنونة حقًا؟ هل قتلت زوجي؟ هل قتلت ابنتي؟ هل أنا ساحرة؟ لا، لا، مستحيل.
فجأة، سمعت صوت نباح كلب بالخارج كأنه أشعل شيئًا في عقلها.
خرجت بسرعة، كان كلبًا لأحد المارة بقرب المنزل.
توسطت عشتار الحديقة تنظر للكلب المبتعد، تنظر لزهور الياسمين وتجول بنظرها للحديقة التي بدت غريبة، إلى أن استقر نظرها على شجرة التفاح.
شجرة التفاح.. شجرة التفاح.. أبالا..
بدأ الكون كله يبتعد والشجرة تقترب.
أصيبت عشتار بدوار في رأسها.
صداع شديد، لكنها كانت تقاوم.
فهذا الصداع بدا وكأنه يزيل الغمامة من عينيها شيئًا فشيئًا.
وكأن عشتار بدأت تفيق.
بدأت تتذكر.
أحست بالتعب.
خلت للمنزل متجهةً للحمام.
أدخلت رأسها في حوض مليء بماء بارد.
أغمضت عينيها مسترخية علّ الدوار الذي برأسها يخف أو يختفي.
أحست بحرارة أمام وجهها.
فتحت عينيها لتفاجئ بخيال شبح مخيف، وجهٌ دون معالم، فقط أسنانٌ مخيفة.
شهقت عشتار شهقة كبيرة وقفزت عاليًا وسقطت أرضًا من الفزع، وأخذت ترجع للوراء إلى أن ارتطم رأسها بالجدار.
أخذت تنظر للحوض مجددًا: "إنه حوض صغير، لا يمكن أن يتسع لشيء سوى رأسي."
تمالكت عشتار نفسها ووقفت تنظر للحوض الذي بدا خاليًا.
تمتمت عشتار بسرعة رهيبة: الدلهاب.. يوجد في البحر فقط.. وهو فصيلة من الجن تسكن البحر.. صورته إنسان بدون ملامح.. فقط وجه أخضر بدون عينين ولا أنف.. له فم كبير وأسنانٌ كأسنان قرش.. جلده كصخر البحر يتعرض للمراكب ويقذف أهلها في البحر.
كاد قلب عشتار يتوقف حين سمعت فمها يتفوه بهذه الكلمات.
بدأت تذكر: أبالا.. الحية.. الشق.. الدلهاب.. نعم الدلهاب.. السعلاة.. الخفاش.. الأجهش.. قلعة جلجامش.. جن جن، إنهم جن فعلاً.. معركة عيقم.. الأخطبوط.. وحيد القرن.. طنطل.. ياحين.. ابنتاها وقلعة الجنيات السبع.. السلحفاة.. فيل البحر.. يارخ صانع الأسلحة.. الذئب ذو العين الواحدة.. البركان.. الجن الحمر.. شجرة المطاط.. هيفيا.. جاور.. المغارة.. لواح.. لواح زوجة الأجهش هي من أتتني في الحلم.. هي من حلمت بها.. هي من أعطتني الاسم.
تذكرت عشتار.
تذكرت كل شيء.
أخذت تكلم نفسها: ماذا أفعل هنا؟ ابنتي في قلعة الجنيات السبع. وجلجامش.. أين جلجامش؟ لابد أنه هو من جاء بي إلى هنا. لن أسامحه أبدًا. اليوم هو تتويج عيقم. يريد أن يواجهه بمفرده. يا إلهي، لماذا فعلت ذلك يا جلجامش؟ يجب أن ألحق به، يجب أن أساعده. لقد تعاهدنا، إما أن نحيا جميعًا أو نموت معًا.
ربطت عشتار شعرها للأعلى ولبست فرو الذئب الأحمر وخرجت مسرعة للحديقة متجهة لشجرة التفاح. لكنها توقفت أمام الشجرة محتارة: "هل علي أن أقطع كل تلك المسافة مجددًا؟ البحر والصحراء؟ لا وقت لدي لمقايضة الشق أو مجابهة الدلهاب. لن أصل لقلعة جلجامش إلا وتكون المعركة قد انتهت. علي أن أجد حلاً وبسرعة."
نظرت عشتار لشجرة التفاح وقالت بحزم: أبالا.
لكن لم يأتها أي جواب. كانت الشجرة صامتة كالشجرة.
عشتار: أبالا، أعلم أنك تسمعينني، أجيبيني وإلا..
لكن الشجرة ظلت صامتةً كالصنم.
دخلت عشتار منزلها بسرعة وعادت تحمل قارورة بها قليل من سائل قابل للاشتعال كانت تستخدمه في الشواء.
قامت برشه على الشجرة واشعلتها، وبدأت النيران تنتشر في أنحاء الشجرة.
أبالا: مهلاً.. مهلاً، أطفئيني أرجوكِ.
سكبت عشتار دلو ماء كبير على الشجرة فخمدت النيران.
عشتار: كيف يستطيع جلجامش التنقل بين أرض الإنس والجن بسرعة؟ أما أنا فعلي أن أقطع طريقًا طويلاً.
أبالا: لا يفترض بي محادثتك، هل تعلمين ذلك؟
عشتار: لا وقت لدي للعب معك، إن كنت تريدين النجاة من النيران، فعليكي أن تدليني على طريق مختصر.
أبالا: لا يوجد طريق مختصر. في كل معبر بين أرض الإنس والجن يوجد ممر خاص بالإنس وممر خاص بالجن، ولا أنصحك بالذهاب من ممر الجن، فهو خطير على بني البشر.
عشتار: علي أن أخوض هذا الخطر، فلا وقت لدي كما قلت لك.
أبالا: حسنًا، الخيار خيارك. عليكي أن تتسلقي لأعلى غصن ثم تمشين في الهواء كأنك تمشين على امتداد الغصن إلى أن تصلي لعالم الجن.
أخذت عشتار تتسلق الشجرة إلى أن وصلت لأعلى غصن، فوقفت عليه ثم وضعت رجلها في الهواء على امتداد الغصن كما قالت أبالا. وفعلاً، كان بمقدورها المشي في الهواء.
أخذت تمشي وترتفع عاليًا في الجو مبتعدةً عن منزلها، مما أثار انتباه المارة الذين بدأو يتجمعون ويشيرون تجاه عشتار في الأعلى مع بعض التعليقات:
"ألم أقل لك أنها ساحرة."
"لقد تأكدت الآن أنها قتلت عائلتها فعلاً."
"شكلها الجميل لا يوحي أنها مشعوذة."
لم تكن عشتار تهتم بكل ما تسمع، كانت تريد فقط الخروج من هذا العالم لتصل لعالم الجن قبل أن يحدث مكروه لزوجها.
وفجأة، سقطت عشتار.
أخذ الناس يصرخون وهم يرون عشتار تهوي من أعلى إلى أسفل، وفجأة اختفت في السماء.
تصارخ الناس أكثر وأكثر، لكن صراخهم لم تعد تسمعه عشتار بعد الآن.
رواية الانسية التي تزوجت جني "قصة عشتار وجلجامش" الفصل الخامس عشر 15 - بقلم غير معروف
كان يحف قلعة جلجامش خليط من الحزن والكآبة مع تجمهر الجن من قبيلة جلجامش في ساحة القلعة حزينون مستسلمون للألم والعذاب الذي حل بهم، إذ بدأ جنود عيقم بالسلب والنهب قبل أن يتوج ملكهم، مما ينبئ بحالهم المستقبلي.
كان عيقم يقف على المنصة بجانبه سامد وأزمل (وزير جلجامش الخائن) ومن تبقى من حاشية جلجامش ممن وافقوا على حكم عيقم، أما بقية أعوان جلجامش المخلصين فقد جمعوا في صف واحد مكبلين بالسلاسل والاغلال، وراء كل واحد جني بفأس استعدادًا لقتله، وجيش عيقم يحف بالقلعة بأكملها مدججين بأسلحتهم في حالة استنفار تأهبًا لأي شيء قد يحول بين تتويج عيقم.
تقدم عيقم قائلاً:
"يا قوم عليكم بمبايعتي والولاء لي، فقد انتهى كل شيء. من يعترض سينضم لهؤلاء الخونة، ومن يعتقد أن بمقدوره مجابهتي عليه أن يتحداني الآن، كما جرت العادة أن استطاع أحد التغلب علي يكون ملككم."
عم سكون وصمت مخيب للآمال في أرجاء القلعة.
انتهى زمن الفروسية.
فارسهم محبوس في قعر سلحفاة وزوجته الإنسية.
يالهم من قوم بؤساء.
عاصروا الحرب وتكبدوا خسائر في الأرواح والأموال، وفي النهاية يخضعون للذل والهوان.
حين يقف الخونة مع العدو يأمرونهم بالاستسلام والخضوع والاذعان.
كم من واحد بدا رخيصاً اليوم لدرجة أنه يستحي النظر في وجه القوم.
ومنهم من كان ينظر بكل ما استطاع جمعه من وقاحة.
لم يبق أحد باستطاعته قول كلمة "أتحداك".
الخونة على منصة العرش والأوفياء تحت المقصلة.
والعرش يبكي مستجدياً منديل وفاء يكفكف به دمعه، بين كل الوجوه المتسخة بعار الخيانة تربت على كتفيه بخبث تريد نهشه من كل جانب.
يالهؤلاء الرخيصين ينعقون مع كل ناعق ويطأطئون رؤوسهم بفخر، إنه الذل بثقة.
قال عيقم مبتسماً بزهو حين رأى الهزيمة واضحة جلية على مرأى القوم:
"حسناً إذاً، لتبدأ مراسيم التنصيب. اضربوا أعناق الخونة."
وبدأ جنوده يقتلون أعوان جلجامش المخلصين واحداً تلو الآخر.
تعالت صيحات القوم.
فتقدم الأزمل خاطباً في الجمع:
"يا قوم قد طالت بنا الحرب سنيناً طوال تكبدتنا خسائر فادحة في الأرواح والأملاك، وانتهت الحرب بخسارة جيشنا وانتصار جيش الملك عيقم، وقد جاء اليوم ليبايع ملكاً على أرضنا، فبايعوه تسلموا. عهد جلجامش وأسرته انتهى، لانريد ملكاً تبع هواه وتزوج إنسية متخلياً عن مسؤلياته تجاهنا، انتهى جلجامش للأبد، انتهى انتهى."
صاح بوق قادم من المنارة الرئيسية للقلعة، وتعالى الهمس بين الجنود المتعلقون فوق السور.
"جلجامش"
"إنه جلجامش"
"جلجامش..جلجامش"
جاء جني من أعلى المنارة بسرعة لسامد وقال:
"سيدي جلجامش فوق الجسر مسرع قادم باتجاه القلعة."
أثار وقع الخبر فرحة صامتة في أعين قوم جلجامش.
عيقم بغضب:
"لقد شككت أنه هرب منذ البداية، يالك من أحمق ياسامد."
صرخ سامد:
"ارموه بالسهام، ألا يصل جلجامش إلى هنا، هل فهمتم؟"
كان جلجامش يمشي على الجسر بثقة تليق به.
لم يبق سواه هو فقط من بمقدوره قلب الموازين اليوم.
مصير القوم على عاتقه.
عليه قتال من يتقاسمون عرشه وإرثه.
اجتمعت ثلاث كتائب فوق سور القلعة بسرعة.
تصف ثلاثة صفوف وبترتيب متناغم.
رمت جلجامش بستة آلاف سهم دفعة واحدة.
ستة آلاف سهم تحلق في الهواء بسرعة تشق الرياح متجهة لجلجامش وحده، وكأنها ضربة قاضية.
استل جلجامش سيفه عين الذئب ووجهه عالياً تجاه الأسهم، فانجذبت نحوه بسرعة رهيبة.
ثم أرجع سيفه للخلف والأسهم تتبع السيف أينما دار، ودفع به للأمام مرة أخرى بقوة جبارة، فانطلقت الأسهم جميعها عائدة نحو السور بسرعة، وأخذت تصطاد من تصطاد وتقتل من تقتل وتنغرس في سور القلعة، وكأنها مطر الموت.. مطر أسود أظلمت السماء منبئة بقدومه.
أثار هروب الكتائب الثلاث فوق السور فوضى عارمة في ساحة القلعة، مع أمل جديد لأهل القلعة برجوع أميرهم بمثل هذه القوة الجبارة وأنه ما زال هنالك أمل.
اقترب جلجامش من القلعة أخيراً، واصطفت كتيبة كاملة مجدداً فوق السور وأخذت ترمي جلجامش بالرماح.
وضع جلجامش السيف وراء ظهره مظهراً عين الذئب.
كانت الرماح حين تقترب من جلجامش تنفر منه وتسقط على جانبي الجسر بفضل قطب المغناطيس.
والجنود متعجبون مما يحدث أمامهم.
أخيراً خرجت كتيبة من ألفي جندي بسيوفهم ودروعهم وأسلحتهم، منهم من يركض ومنهم من يطير ومنهم من يزحف مسرعين لمجابهة جلجامش والقضاء عليه.
استل جلجامش سيفه مرة أخرى وفصل النابان عن بعضهما وأخذ يلوح بهما في الجو بسرعة رهيبة، ثم بقوة وجههما تجاه الجنود، فانطلق من وسط السيفين زوبعة قوية (تحمل سيوف الكتيبة التي قام الأجهش بقتلها حين كان يلحق بجلجامش، وتحمل هذه السيوف تيارات هوائية متشكلة بشكل جنود من قوة الزوبعة).
والتحمت الزوبعة بالكتيبة حتى احتوت الكتيبة كلها، وصوت قرع السيوف كان قوياً جداً مصاحباً لصراخ الجنود الذي بدا وكأنه هلع من عذاب مظلم داخل الزوبعة يهز كيان كل من ينظر لتلك القوة الجبارة.
إلى أن انجلت الزوبعة وجنود الكتيبة تتساقط ميتة من تحت الجسر ودمائها تتناثر في الهواء.
انهزم جنود عيقم هاربين لداخل القلعة وراء عيقم، وعيقم يتفرج مذهولاً من هول هذه القوة المفزعة.
عيقم:
"هذا هو سيف يارخ إذاً.. ياله من سلاح فتاك، سيسعدني أن امتلكه وأضمه لمجموعتي."
في هذه الأثناء.
كانت عشتار تسقط.
في سماء ليست سماء.
لونها بنفسجي يميل للصفرة.
أخذت عشتار تنظر وهي تسقط.
كانت تعلم أنها دخلت لعالم الجن.
كانت تبحث عن شيء أو وسيلة ما.
كانت تؤمن أنه في هذا العالم وفي أي عالم مهما زادت الصعاب والمخاطر.
لابد من وسيلة ما للخروج والنجاة.
فقط عليها أن تدع الخوف جانباً.. وتفكر.
مدت جسمها بشكل أفقي فغدت كأنها تطفو على الريح.
وتسيرها الرياح ببطء للأسفل.
أخذت تنظر بتركيز فرأت شيئاً بدا وكأنه سحابة عملاقة للوهلة الأولى، لكنها حين ركزت النظر غدا ذلك الشيء كأنه شبكة عنكبوت كبيرة ملتصقة بالسحب.
مدت جسمها للأمام وغدت تتجه لشباك العنكبوت ببطء، كانت تتوجس خيفة من الوصول لشباك العنكبوت، لكنها أيقنت أنه لابد من سبب لوجود شباك العنكبوت في السماء، وحيث أنه لم يوجد لها خيار آخر اتجهت للشبكة الكبيرة.
سقطت عشتار أخيراً على الشبكة التي سرعان ما انشقت لتسقط على شبكة أخرى، وهكذا غدت عشتار تنتقل من شبكة لأخرى.
أم هو نسيج متكرر لشبكة واحدة لم تستطع عشتار أن تحدد، لكنها بدت وكأنها شبكة عنكبوت متعددة الطبقات.
في البداية كانت سقوط عشتار قوياً وسريعاً، لكن مع تكرار اصطدامها بشباك العنكبوت أخذت تبطء شيئاً فشيئاً إلى أن توقفت.
نظرت عشتار حولها متفحصة المكان.
كانت عالقة في شباك العنكبوت وكأنها فريسة.
بين السحب في وسط السماء.
حاولت التحرك لكن دون جدوى، كانت عالقة تماماً.
فجأة جاءها الصوت من الخلف، صوت تتوقع صاحبه حين تكون عالقاً في شبكة عنكبوت كبيرة.
التفتت عشتار لترى عنكبوت عملاقة جداً لها ثمانية أرجل وستة أعين، لكن أعينها جميعها بدت وكأنها مطموسة سوى عين واحدة.
العنكبوت:
"أهلاً بك في سماء سراب، إلى أين وجهتك؟ هاهاهاها."
نظرت عشتار لهذه العنكبوت العملاقة لابخوف بل باستغراب، ثم قالت:
"هل تسكنين السماء لاصطياد فرائسك؟"
العنكبوت:
"بل أنا حارسة المعبر السماوي لأرض الجن."
عشتار:
"وكيف تكونين حارسة عالم الجن؟ هل أنت جنية؟"
العنكبوت:
"ليس من الضروري أن يكون كل من هو موجود في هذا العالم جني. هل أنت جنية؟"
عشتار:
"آه.. صدقت."
العنكبوت:
"ما اسمك؟"
كادت عشتار أن تقول اسمها، لكنها اكتفت بقول:
"أنا عابرة سبيل عبرت في سلام."
اقتربت العنكبوت من عشتار ترقبها جيداً بعينها الواحدة قائلة:
"أنت إنسية.. عشتار.. هل أنت عشتار زوجة جلجاماش؟"
سكتت عشتار فهي لاتعلم هل هذه العنكبوت عدو أم صديق.
لكن العنكبوت بادرتها:
"أنت هي.. أنت تلك الإنسية.. أنت زوجته، فخاتمه في إصبعك."
عشتار بحزم:
"نعم.. أنا الإنسية زوجة أمير الجن."
ضحكت العنكبوت ضحكة خفيفة وقالت:
"أتعلمين لما العنكبوت تبني شباكاً؟"
أحست عشتار بالقلق، لكن كان عليها مسايرة هذا الوحش العملاق، فقالت:
"حتى تكون لها كالبيوت."
العنكبوت:
"ههههه لا.. بل الشباك نصنعها لاصطياد الفرائس.. نحن نؤمن بالقدر فالرزق محتم."
نجهد أنفسنا بصنع الشبكة وبعد ذلك نجلس براحة ننتظر ضالتنا بدل السعي وراءها.
فالدنيا كالدولاب صنعت لتدور وماذهب لابد أن يعود يوما.
عشتار بخوف: لا أفهم ماتقولين.
العنكبوت: لم أكن عوراء من قبل لكن كان عشيقك جلجامش يتسلل يوميا لأرض الإنس حتى يراك إلى أن جاءني يوما مرسول من أبيه بمنعه من الذهاب لأرض الإنس. وحين أتى جلجامش مسرعا للذهاب لأرض الإنس لكي يراك اعترضت طريقه وخضنا عراكا عنيفا أسفر بفوز جلجامش طبعا بعد أن فقأ أعيني جميعها ماعدا واحدة.
لم اعترض طريقه بعدها لأنني كنت واثقة كل الثقة أنه سيأتي يوم وأجد انتقامي في شباكي.
أخذت عشتار تنظر في أرجاء المكان علها تجد شيء تستطيع الاستفادة منه أو أن يوحي لها بفكرة ما إذ لم يكن بمقدورها تحريك حتى يديها الملتصقتان بشباك العنكبوت لكن لم تجد سوى فضاء شاسع.
العنكبوت: هه لامفر من شباكي سأفقأ عينيك وأرسلك لجلجامش.
عشتار بحزن: حسنا أيتها العنكبوت لك حق الانتقام لكن لي طلب واحد فقط. لقد فقدت أعينك بسبب جلجامش الذي قاتلك لكي يراني حتى وإن فقدت اعينك بسببي فليس لي ذنب في ذلك لكنك على أية حال لن تتنازلي عن الأخذ بثأرك فقط أريد منك أن تذهبي بي فوق قلعته وتقتلعي عيني وتلقي بهما في القلعة.
العنكبوت باستغراب: ولماذا هذا الطلب الغريب هل تحاولين خداعي؟
نزلت دمعة من عين عشتار وقالت: لا.. لكن عل عيناي وهما تسقطان تنظرانه للمرة الأخيرة فيقر قلبي برؤيته.
أحست عشتار أن العنكبوت بدت صغيرة أمام هذا العشق الكبير لكن العنكبوت بادرتها بغضب: لاااااا.. بل سأذهب بك فوق قلعته وسأفقأ عينيك وسألقي بك لكي يراك مقتولة مفقوأة العينين فيعلم أنني من تسبب في ذلك ولاضير إن قتلني فقد انتصرت عليه واخذت حقي.
انتزعت العنكبوت عشتار من شباكها وربطتها بخيوطها فغدت عشتار كاليرقة فقط رأسها خارجا.
انطلقت العنكبوت متجهة بسرعة نحو قلعة جلجامش تقفز من سحابة لأخرى وعشتار تبكي في حيرة من أمرها ماتستطيع فعله للتغلب على هذا الوحش الضخم الحقود.
دخل جلجامش القلعة بثقة وقوة لم يشهد لها مثيل وسط هتافات قبيلته الذين هجموا على جنود عيقم وخلصوا أعوان جلجامش المخلصين منهم قبل أن يفنوهم.
وتجمع أهل القلعة وراء جلجامش وحوله.
وصل جلجامش للمنصة يريد مخاطبة عيقم فبادره أزمل يريد أن يقاطعه.
لكن جلجامش دون أن ينظر إليه استل سيفه وضربه ضربة قسمته نصفين قائلا: هذا جزاء الخونة في مملكتي.
نظر جلجامش لقومه وقال: ياأبناء قومي أرجو أن لاتكونوا استسلمتم لقوى الشر وبايعتم هذا الطاغية سادافع عنكم لآخر رمق في حياتي.
تعالت صرخات من أعوانه وقومه "نحن معك لآخر رمق ياجلجامش".
نظر جلجامش لعيقم بغضب وقال: لامزيد من الحرب لقد انتهى كل شيء لقد جئت اليوم لتتوج ملكا على أرضي و جرت العادة أن يقوم الملك الجديد بتحدي كل من يظن نفسه كفؤا أن يجابهه وأنا أتحداك ياعيقم لماذا نجعل شعبينا يقتلون سنينا ونحن نتفرج عليهم جاء دورهم الآن.. من يفوز في النزال يحكم الشعبين.
عم هدوء في جميع أرجاء القلعة الكل ينظر لعيقم بانتظار جوابه وعيقم كان يتصبب عرقا.
أراد سامد أن يتكلم لكن عيقم قاطعه قائلا: لقد وصلت بك الجرأة أن تتحداني أنت وهذا السيف اللعنة لم يمر علي في حياتي جني مثلك أولا تزوجت إنسية وقمت بإدخالها لأرضنا وسرقت قطعة من حجر المغناطيس وعرضت حياة الجميع للخطر من انفجار البركان أو هجوم الذئاب والأعظم من ذلك كله قمت بادخال عين الذئب لأرضنا إنك جني متعجرف صبياني لاتليق أن تحكم الجن.
جلجامش: كل ذلك من أجل أن أزيح ملكا ظالما مثلك فأنت حاكم جائر لامكان لك في قلعتي قد أكون أسأت التصرف فيما مضى لكنني عادل لا أظلم أحدا مثلك ولا أدخل شعبي في حرب أسبابها مبهمة فقط لتزيد من قوتك ونفوذك.
أجاب عيقم بغضب: حسنا إذا هيا بنا نذهب للجبل القائم من ينزل منه بعد قتل الآخر يكون المنتصر كما جرت العادة.
كان يوجد جبل صخري طويل في منتصف القلعة وهو مركزها.
طار الاثنان عيقم وجلجامش والتقيا في قمة الجبل لايراهما أي أحد من يقتل الآخر ينزل ملكا على القبيلتين.
استل جلجامش سيفه واخذ ينظر لعيقم بغموض وهو يفكر محدثا نفسه "عيقم.. لا أتذكر متى كانت آخر مرة خاض فيها قتالا.. اعتقد قبل أن أولد ..علي أن استفيد من هذه النقطة لاسيما أنني امتلك أقوى سيف في أرض الجن الآن لكن علي أن لا أنسى أنه يملك ثلاثة من أقوى الأسلحة سيف اللهب ورمح الظلام وسيف الصاعقة".
طقطق عيقم بأصابعه فانبثق منه ثلاثة جن مشابهون له تماما.
تفاجأ جلجامش من هول مايرى "إن هذا لسحر كيف أجابه أربعة عيقم.. هل هم حقيقيون ياترى .. ومن هو عيقم الحقيقي ..أحدهم برمح الظلام وواحد بسيف اللهب وواحد بسيف الصاعقة والأخير بمطرقة كبيرة يا إلهي إنها مطرقة يارخ".
جلجامش: أيها الوغد إنها مطرقة يارخ كيف حصلت عليها.
أجاب الأربعة بصوت واحد: هههه لقد قتلت ذلك الأحمق وتخلصت من أسلحته السخيفة للأبد.
أصيب جلجامش بخيبة أمل "لقد مات الشجاع يارخ ياللأسف إن عيقم شرير جدا لم يترك شيئا طيبا في أرضنا إلا وقضى عليه".
جلجامش: ستدفع حياتك ثمنا لجرائمك أنت بؤرة شر وفساد.
أحاط العياقم الأربعة بجلجامش من أمامه وخلفه وعلى جانبيه.
غرز عيقم ذو سيف الصاعقة سيفه في الأرض مما أثار موجات رعدية في الأرض.
قفز جلجامش تفاديا أن لاينصعق.
فقفز عليه عيقم ذو المطرقة وضربه على رأسه وأسقطه أرضا.
ثم قفز عليه عيقم ذو سيف اللهب وعيقم ذو رمح الظلام يريدان طعنه بسرعة فما كان من جلجامش إلا أن رفع سيفه وجذبهما هم الاثنان فالتصق السلاحان بسيف جلجامش ثم رفع سيفه مرة أخرى فتنافر الاثنان مبتعدين وعاد الحصار مرة أخرى.
أخذ جلجامش يفكر "كيف السبيل للتغلب على هؤلاء الأربعة لابد من وجود ثغرة استطيع من خلالها كسر منظومتهم الأصل أنه عيقم واحد تفرع وغدا أربعة اعتقد أنه واحد حقيقي أما الثلاثة الآخرون مزيفون أو وهميون لكن أيهم عيقم ياترى.. اممم عيقم خبيث جدا تفرع لأربعة ليشغل تركيزي فيه بدل أن أركز على أسلحته علي بالتركيز على الأسلحة".
ركز جلجامش تركيزه على الأسلحة فانتبه أن عيقم لايستطيع أن يهجم أربعة هجمات في نفس الوقت بل هجومان اثنان كل مرة سيف الصاعقة ومطرقة يارخ تارة ورمح الظلام وسيف اللهب تارة أخرى وحتى حين يهجم عليه بسلاحين يوجه له ضربة كل مرة من سلاح واحد إذن هو عيقم واحد من يتحكم بالبقية لكن أي واحد فيهم.
أحس جلجامش بقليل من الثقة حين فطن لخدعة عيقم أخذ يصد هجمات عيقم بحذر واحدة تلو الأخرى دون أن يوجه أي هجوم فقط يدافع وهو يراقب أيهم عيقم الحقيقي.
أحس جلجامش أن عيقم ذو رمح الظلام لايضرب إلا إذا كان بعيدا أو موشكا على إصابته "لابد أنه هو الحقيقي .. علي أن أجازف".
ضرب عيقم ذو المطرقة الأرض بقوة ثم قفز عيقم ذو سيف الصاعقة على جلجامش خلفه عيقم ذو سيف اللهب.
بسرعة فك جلجامش نابي السيف وقذف بأحدهما تجاه عيقم ذو رمح الظلام فالتصق الناب بالرمح ثم بقوة سحبه إليه ووجه له رفسة قوية في صدره.
اختفى الثلاثة المزيفون وسقط عيقم الحقيقي ذو رمح الظلام على الأرض وراءه أسلحته.
جلجامش: هل تعتقد أنه بإمكانك خداعي بهذه الحيلة السخيفة.
نهض عيقم غاضبا وأدخل يده في كيس كان مربوطا في خاصرته وأخرج خمسة كرات صخرية حمراء صغيرة.
رمى بهذه الكرات فتحولت إلى جن حمر عمالقة حمراء بسيوف ضخمة وعظيمة.
أصيب جلجامش بهلع "إنهم حراس البركان .. كيف أتى بهم إلى هنا مستحيل".
كانت الجن حمراء نفسهم حراس البركان لكن دون رؤوس فقط أجساد عملاقة وسيوف ضخمة.
أحاط الجن الحمر بجلجامش وعيقم من بعيد معلق أمامه سيف اللهب ويحركه في الهواء يبدو أنه يتحكم بهم عن طريق سيف اللهب.
جن جنون جلجامش إنه التحدي الكبير قفز على جني منهم بسرعة وغرز السيف في صدره فجثا ذلك الجني على ركبتيه لا يتحرك.
تقدم له جني آخر يريد أن ينقض عليه فقفز جلجامش بعيدا منتزعا سيفه من صدر ذلك الجني وكانت المفاجأة أن الجني الذي طعنه جلجامش وقف مجددا بعد أن انتزاع السيف من صدره.
وجه له أحد الجن ضربة بسيفه العملاق تصدى لها جلجامش بسيفه لكنه بدأ ينزل للأسفل من ثقل سيف الجني الأحمر وقوة ضربته.
هز جلجامش سيفه فانتفر السيف الضخم عنه متجها للوراء بفضل المغناطيس وانغرز في صدر جني آخر.
فطن جلجامش مرة أخرى لحيلة عيقم ثم بسرعة قفز على جني وغرز سيفه في صدره فجثا ذلك الجني على ركبتيه ففك جلجامش نابا الذئب إحداهما ظلت مغروسة في صدر ذلك الجني ليشل حركته وانتزع الأخرى وقفز في المنتصف يلوح بسيفه بسرعة وهو يدور وسط الجن الحمر الأربعة الآخرون فانبثقت زوبعة حول جلجامش جعلت الجن يدورون حوله في الهواء ثم حرك المغناطيس فانجذبوا نحو جلجامش أربعتهم لكن من كبر حجم سيوفهم انغرز كل سيف في صدر جني آخر.
حتى غدا جني في صدره ناب الذئب والاربعة الآخرون كل جني مغروز سيفه في جني آخر فغدو كالسلسلة التي لاتتحرك.
قفز جلجامش منقضا على عيقم بالناب الآخر وضرب سيف اللهب بقوة فاختفى الجن الحمر الخمسة كالغبار الذي طوته الريح.
سقط عيقم أرضا لكنه نهض بسرعة كي لايباغته جلجامش.
جلجامش: ألم ننتهي من ألعابك البهلوانية ياهذا.
غضب عيقم وقال: حسنا إن كنت تريد الموت بسرعة لامزيد من اللعب.
رمى عيقم بسيف الصاعقة وسيف اللهب في الجو وأخذ السيفان يدوران حول عيقم ثم امسك برمح الظلام وغرسه في أرض الجبل فعم ظلام دامس في المكان كله وأمسك بمطرقة يارخ متجها لجلجامش.
انطلق جلجامش تجاه عيقم بسرعة موجها عين الذئب أمام عيني عيقم.
كانت خطة جلجامش محكمة.
يوجه عيني الذئب لعيقم.
فيتسمر عيقم مكانه.
ويقتلع رأسه بسرعة.
لكن عيقم لم يتأثر.. مما أثار استغراب جلجامش.
عيقم: هههه يالك من غبي ألم تفهم إلى الآن أنني لست بجني.
صرخ جلجامش مستغربا: ماذا تقول.. كيف ذلك.
عيقم: انا ساحر عظيم لقد قتلت عيقم منذ زمن بعيد وانتحلت شخصيته.
جلجامش: لا أصدق.. أنت.. من بني البشر..
عيقم: حتى أنت يا جلجامش، وأنت متزوج بإنسية، مازلت تستخف بالإنسان؟ بعد كل ما مررت به أنت وعشتار! لقد تعلمت جميع أنواع السحر منذ مئات السنين وركزت طاقتي كلها لأتغلب على الجن. يجب أن أحكمكم.
جلجامش بغضب: وماذا تستفيد من ذلك أيها الحقير؟
عيقم: إن استطعت السيطرة على الجن، سيطرت على العالم كله. لم يبق أمامي سواك يا جلجامش. سنين طويلة وأنا أتخلص من قادة الجن واحدًا تلو الآخر. سقطوا أمامي جميعهم بالمكر والخداع والسحر والغدر. وكلما قتلت أحدهم، أخذت قوته وسلاحه. هل تظن أنني قتلت طنطل عن طريق الخطأ؟
حين طرت برميح الظلام في المعركة الماضية، كنت أنت قد احتميت بسيفك الصاعقة. وكانت الفرصة مواتية لقتل طنطل، إذ كان الظلام مسيطرًا على المكان كله. كانت تلك أكبر فرصة لي لقتل طنطل، فالكل يظن أنه ولدي. وكان من الصعب أن أقتله خارج الحرب، فلا يوجد سبب وجيه لفعل ذلك. فكان غرضي من المعركة بأكملها هو قتل طنطل ليبدو أنني قتلته عن طريق الخطأ.
لهذا أعطيته خاتمًا مزيفًا لأسلافه، لكن ذلك الخاتم كان يحمل سمًا يجعله يهلوس، مما حفزه أن يفتدي عشتار بحياته.
جلجامش يقف مدهوشًا من هول ما يسمع: لا أصدق! كيف لم يكتشف أحد أمرك حتى الآن؟ كيف استطعت السيطرة على الجن لسنين طوال وأنت إنسي؟
عيقم: لأنني حين أقتل أي جني، أستحم بدمه وأخلط معه مادة للتحنيط، فتطغى رائحته على رائحتي. والجن محكومون بالرائحة. ناهيك أن السحر الذي شكلت به هيئتي على هيئة عيقم بعد أن قتلته، بات صعبًا على أي أحد معرفة أنني إنسي. فسحري قوي جدًا. هههه. فقط كان ذلك العجوز يارخ من عرف بحقيقتي، لأنه كان صديقًا حميمًا لعيقم.
جلجامش: لماذا لم يتكلم إذن؟
عيقم: لأنه كان مغرورًا جدًا. كان بإمكانه قتلي مذ عرف بحقيقتي، إذ لم أكن أملك قوة كبيرة مثل الآن. لكنه نظر لي باحتقار وأدار ظهره قائلًا أنه ليس بإمكان الإنسان التغلب على الجن مهما كان السحر قويًا. فكان كل ما جرى بمثابة تحدٍ بيني وبينه. هل رأيت كيف استطاع إنسان ضعيف إثارة الفتنة والحرب والقتل سنين طوال في أرض الجن؟ هههه.
جلجامش: يالك من إنسان حقير.
عيقم: لا مزيد من الثرثرة، حان وقت موتك.
جلجامش: ستموت أيها الساحر، ستموت أعدك بذلك.
عيقم: سنرى.
أخذ جلجامش يلوح بسيفيه بسرعة كبيرة.
وعيقم يلوح بالمطرقة بسرعة أكبر. وسيف الصاعقة وسيف اللهب يدوران في الهواء بسرعة رهيبة وسط الظلام الحالك، فقط برق ولهب.
رفع عيقم المطرقة، فأخذ السيفان يدوران حولها. ثم بسرعة وجه المطرقة تجاه جلجامش، فامتزج السيفان اللهب والصاعقة ككتلة واحدة متجهة لجلجامش بسرعة رهيبة.
كتلة رعد ولهب متجهة لجلجامش كضربة قاضية.
أطلق جلجامش زوبعة قوية من سيفيه ارتطمت بالكتلة النارية الرعدية، لكن لم تصمد الزوبعة أمام هذه القوة الهائلة، فتبددت الزوبعة بسرعة. وضربت الكتلة جلجامش فدفعته للخلف بقوة جبارة.
ارتطم جلجامش بصخرة كبيرة، اهتز الجبل بأكمله من قوة ارتطامه.
والقوم في الأسفل ينتظرون بخوف. زاد من الهزة، منهم من يدعو، ومنهم من يبكي، ومنهم من هم بالهروب.
ما انجلت الكتلة بنارها ورعدها إلا وكلا السيفين الصاعقة واللهب مغروسان في كتفي جلجامش، وعين الذئب سقطت تحت رجليه.
لم يكن بإمكان جلجامش التحرك، فقد خارت قواه من هذه الضربة القاضية.
اتجه له عيقم بالمطرقة وهو يضحك: أهذا كل ما لديك؟ ليتني لم أقتل يارخ ليرى نهايتك وأثبت له أنه كان غبيًا حين استخف بي. الأحمق قال لي أنني سأقتل بسلاح من صنع يده. هههه. هذا هو السلاح! ألصق عين ذئب في حجر مغناطيس ويظنه أقوى سلاح. هاهاهاها! إنه غبي جدًا وبدائي أمام قوتي وسحري وأسلحتي الفتاكة.
وصلت العنكبوت بعشتار فوق قلعة جلجامش.
العنكبوت: هه، وصلنا لمصرعك الآن أيتها الإنسية البائسة.
أخذت عشتار تحاول تحريك جسمها، علها تفك رباطها، لكن دون جدوى. فقط استطاعت إخراج كفها، فأخذت تحرك أصابعها بسرعة، فانسل الخاتم من إصبعها وسقط.
كانت عشتار على علم أن جلجامش قد وصل لقلعته الآن، ولابد أنه سيعلم أنها خلعت الخاتم وسيهب لنجدتها. لكن ما لم تعلم به عشتار أن جلجامش أحوج بالمساعدة منها، وأنه قد أوشك أن يقتل على يد عيقم.
أخذ الخاتم يسقط ويسقط.
كان جلجامش قد نكس رأسه مستسلمًا بعد أن خارت قواه وأضحى محصورًا لا طاقة له أن يتحرك. والسيفان الصاعقة واللهب منغرسان في كتفيه، وهو ملتصق بصخرة الجبل.
أحس جلجامش أن عشتار قد خلعت الخاتم، فبكى قلبه، وعيقم يقترب منه.
فجأة، أحس جلجامش أن الخاتم قريب منه جدًا. رفع رأسه عاليًا، فرأى فصًا أحمر يلمع وكأنه نجم يهوي من السماء.
بسرعة ركز جلجامش نظره على الخاتم، فاتجه له الخاتم بسرعة رهيبة.
وارتطم بالأرض تحت قدم عيقم، فانفجر الخاتم ملقيًا بعيقم بعيدًا.
أحس جلجامش بقليل من الأمل، فمد رجله ليسحب سيفه.
نهض عيقم بغضب وهو ينظر للأعلى، فرأى العنكبوت. نظرًا لكبر حجمها، استل رمح الظلام وألقى به على العنكبوت بكل ما أوتي من قوة، لظنه أنها كانت تساعد جلجامش.
كانت العنكبوت ممسكة بعشتار، ويدها متجهة لعيني عشتار بسرعة لتفقأها، وعشتار مغمضة عينيها مستسلمة.
لكن كانت المفاجأة حين انغرس رمح الظلام في صدر العنكبوت، قاذفًا بها بعيدًا عاليًا في السماء. أما عشتار، فغدت تسقط مرة أخرى وهي لا تدري بما يحدث أسفلها.
كان عيقم يتجه لجلجامش من جديد وهو يحمل المطرقة، حين أبصر شيئًا آخر يسقط من السماء.
ركز النظر، وإذا به يقول بغضب: إنها تلك الإنسية مجددًا. كان علي أن أتوقع قدومها.
مد عيقم يده تجاه عشتار، فاتجهت إليه بسرعة وغدت معلقة في الجو أمامه.
وصلت عشتار وأخذت تنظر مدهوشة وهي معلقة في الهواء، لا تقوى على فعل أي شيء.
صرخت عشتار: جلجامش حبيبي، ماذا حل بك؟
صرخ جلجامش بيأس: عشتار، ماذا جاء بك إلى هنا؟
عشتار: أيها الشرير، اتركني.
عيقم: ستموتين أنت وحبيبك، لا تخافي أيتها الشقية.
صرخ جلجامش: دعها تعيش، فهي مخلوق ضعيف، لا دخل لها في كل ما حدث، ولن يضرك إن بقيت على قيد الحياة.
ركزت عشتار نظرها في عين عيقم، إذ كان هذا هو سلاحها الأخير، عينيها المسحورتان.
جلجامش بيأس: عشتار، إنه ليس جنيًا، إنه ساحر إنسي خبيث.
أصيبت عشتار بصدمة كبيرة من هول ما سمعت، وسط ضحكات عيقم.
"عيقم من البشر.. عيقم إنسان.. كيف ذلك؟"
يا إلهي.
مد عيقم يده تجاه عشتار يسحبها إليه بسرعة، فانتشر شعرها وتناثرت خيوط العنكبوت متمزقة في الهواء بقوة.
وطارت ذرة من زهرة الياسمين كانت قد بقيت في شعر عشتار.
واستقرت هذه الذرة في أنف عيقم، فانتفض عيقم وتسمر مكانه وكأنه تشنج أو أصيب بشلل، وهو مشدود الأعصاب لا يتحرك.
سقطت عشتار أرضًا مستغربة، ماذا يجري؟
قال عيقم بصوت متقطع وكأنه يحاول حبس هذا الصوت:
أأأ... أأأأ... أمي... ييي.
احتارت عشتار، ماذا يجري؟
عيقم مرة أخرى بصوت متقطع:
أمي أنا ابنتك.
سقطت عشتار أرضًا مرة أخرى:
يا إلهي، إنه ذات الساحر الذي كان سيقتل لواح زوجة الأجهش وقامت ابنة الأجهش بتلبسه ولم تخرج منه خوفًا أن يقتل أمها. وهي تظنني أمها، ياترى ما كان اسمها... نعم، إنه نارين... نارين.
عشتار:
نارين ابنتي.
عيقم بغضب:
لللللا... لا إنها ليست أمك أيتها الغبية، عودي لسباتك.
عشتار:
نارين احتاج مساعدتك، لاتدع يدع يتحرك، إنه شرير يريد قتلي، ساعديني.
عيقم:
لللللا... للللا ددددعيني.
وتجمد عيقم مكانه وكأنه جذع يابس، فقط يحرك عينيه حول عشتار وفمه مفتوح ويهتز اهتزازًا مرعبًا.
انطلقت عشتار تجاه المطرقة، حاولت رفعها لكنها كانت ثقيلة جدًا.
فأخذت عشتار تنظر حولها بسرعة ثم انطلقت لجلجامش.
حاولت حمل سيف عين الذئب لكنه كان ثقيلاً على جسمها الضعيف أيضًا.
جلجامش:
حاولي ياحبيبتي، حاولي.
لكن دون جدوى، إذ كان السيف ثقيلاً على عشتار.
أخيرًا، مدت عشتار يديها لسيفي الصاعقة واللهب، تريد سحبهما من جسم جلجامش، تخليصه.
صرخ جلجامش:
لااااااااااا.
لكن عشتار كانت قد أمسكت بالسيفين، فانصعقت يدها اليمنى وانتشر اللهب على يدها اليسرى، وطارت للخلف عاليًا.
بعد الصدمة التي أصابت عشتار من لمسها للسيفين، اهتز السيفان، فاستطاع جلجامش تخليص نفسه وسقط السيفان أرضًا.
فانتفض بسرعة للامساك بعشتار، لكنه انتبه أن نارين خرجت من جسد عيقم بسرعة متجهة لعشتار هي الأخرى، فتخلص عيقم منها.
التقط جلجامش سيفه عين الذئب وطار بسرعة رهيبة لعيقم قائلاً:
خذذذذذذ.
طعن عيقم بالسيف في بطنه طعنة خرجت من ظهره.
عيقم:
آآآآآآه مستحيل.
حاول عيقم إمساك جلجامش بيديه، لكن جلجامش ركله برجله وألقاه بعيدًا.
فسقط عيقم أرضًا يخور بدمه، لا يتحرك أخيرًا.
وأتى شيء يسقط من السماء.
كانت تلك هي العنكبوت.
امسك جلجامش سيفه بحذر، لكنها سرعان ما سقطت لا تتحرك فوق عيقم، وامتزج دمها البنفسجي بدم عيقم الأسود.
وعينها ترف تنظر لجلجامش بحسرة.
فانتزع جلجامش رمح الظلام من صدرها وفقأ عينها، فماتت.
التفت جلجامش لعشتار ونارين.
كانت نارين طفلة صغيرة تكبر بناته قليلاً، وكانت تشبه عشتار لحد كبير.
أفاقت عشتار بارتِعاشة صغيرة بعد أن مسحت عليها نارين بيديها.
عشتار:
نارين.
نارين:
أمي هل أنتي بخير؟
جاء جلجامش مسرعًا واحتضن عشتار:
عشتار هل أنتي بخير؟
عشتار:
هل عيقم؟
جلجامش:
لقد مات.
تنفست عشتار الصعداء واحتضنت نارين.
عشتار:
نارين، أمك قضت نحبها، لكنني سأكون لك أما، لاتخافي، لن أتركك وحيدة أبدًا، أنتي ابنتي وروحي وأفديك بحياتي ياحبيبتي.
نزلت دمعة من عين نارين واحتضنت عشتار قائلة:
كنت أتمنى رؤيتها فقط.
عشتار:
انظري في عيني.
نظرت نارين في عيني عشتار فابتسمت.
وجلجامش ينظر لهم بسرور.
وخلفه عيقم ممدد على الأرض فوقه جثة العنكبوت لا يتحرك.
فجأة، وإذا بالعنكبوت تتحرك مرة أخرى.
عشتار:
كانت ستفقأ عيني وتلقي بي انتقامًا منك.
نظر جلجامش للعنكبوت بغضب وهم أن ينهض إليها.
لكن فجأة انقلبت العنكبوت على ظهرها بسرعة، وقفز عيقم حاملاً مطرقة يارخ منقضًا عليهم وهو فاتح باعه.
احتضن جلجامش عشتار ونارين لحمايتهم، إذ كان هجوم عيقم مباغتًا ومفاجئًا جدًا.
وأوشك أن يقضي عليهم بالمطرقة.
لكن.
سال قليل من دم عيقم على عصا المطرقة، فأصدرت صفيراً مرعبًا وانطلقت عصى المطرقة كالرمح واخترقت صدر عيقم، فسقط أرضًا.
ممددًا يابسًا مكانه ودمه مختلط بدمه.
نهض جلجامش ووقف فوق عيقم، وعيقم يلفظ أنفاسه بصعوبة وقال:
لقد صدق يارخ حين قال لك أنك ستموت بسلاح من صنع يده أيها الوغد.
وضرب جلجامش بكفيه على رأس عيقم بقوة جبارة وانتزع رأسه من رقبته وألقى به من سفح الجبل، ودمه الأسود يتطاير في كل مكان.
رفس جلجامش جسد عيقم وأسقطه من فوق الجبل أيضًا.
كان القوم لا يعلمون ما يجري فوق الجبل، فقط يسمعون صوت مقارعة السيوف وصوت الرعد، لكن حين سقط رأس عيقم وجسده وراءه.
انتفض القوم جميعهم، قوم عيقم وجلجامش.
تقدم جلجامش من سفح الجبل ينظر لقومه بزهوة نصر.
أخيرًا، انتهى كل شيء.
تعالت صرخات قومه فرحة بالنصر.
حمل جلجامش عشتار ونارين ونزل بهم من سفح الجبل، بعد أن خلعت فرو الذئب، وغرز جلجامش سيفه عين الذئب في سفح الجبل معلقًا عليه الفرو كنصب تذكاري.
نزل جلجامش على الأرض واتجه بهيبة للمنصة، بجانبه عشتار تحمل نارين وهي تنظر للجن وهي متوجسة قليلاً، لكن بدا أنها تعودت قليلاً على النظر للجن بعد كل الأهوال التي مرت بها.
صعد جلجامش على المنصة ونظر للقوم قائلاً:
يا قوم، انتهت الحرب وانتصرنا على الطغاة، من اليوم بدأ عهد السلام.
تعالت أصوات القوم بالتهليل والهتاف: يحيا الأمير .. يحيا الأمير.
جلجامش:
إن هذا ليس عيقم ملككم، إنه ساحر إنسي قتل عيقم منذ زمن بعيد وانتحل شخصيته، وكان يريد القضاء على جميع أشراف الجن ليحكم الجن ويحكم العالم بالشرور والسحر لأغراضه الشخصية.
تعالت صرخات من جند عيقم، فهرع سامد بسرعة لجثة عيقم يتفحصه، ثم نهض والوجوم والغضب بادٍ على وجهه والدموع تملأ عينيه.
سامد:
ياله من حقير، كم تمنيت لو قتلته بيدي، وهل أكد لك أنه قتل عيقم؟
جلجامش:
هذا ما قاله.
سامد:
إذا، فاتفاقكم فقد شرعيته، إذ أنه ليس بعيقم الحقيقي، ولا يحق لك حكم شعبنا بمجرد التغلب على ملك مزيف إنسي، فما زال القعقاع على قيد الحياة.
جلجامش:
لا تقلق ياسامد، لا أريد حكم شعبكم، فقط دعونا نعيش بسلام، ألاتعتدوا علينا ولانعتدي عليكم، إما أن توافق على هذا أو نحسم الأمر الآن.
نظر سامد لجلجامش ثم قال:
كما قلت، لقد مات الطاغية الذي كان يدعو للحرب، ولا طاقة للقبيلتين في مزيد من القتال، الأفضل لنا أن نتعايش بسلام.
وتعالت الهتافات من الجميع هذه المرة.
خرج سامد بالجنود من القلعة وهم في حالة صدمة، وكأنهم لا يعلمون أين سيذهبون وماذا سيقولون لقومهم.
بعد أن خرج الجنود جميعهم وأغلقت أبواب القلعة، والقوم ما زالوا ينظرون لعشتار وجلجامش وكأنهم يريدون تفسيرًا لوجود إنسية بينهم.
جلجامش:
يا قوم، إن هذه الإنسية زوجتي عشتار وأم ابنتي، وقد أنقذت حياتي أكثر من مرة، لولاها لقتلني عيقم وصار ملكًا عليكم، إنها أميرتكم.
عم صمت في جميع أرجاء القلعة.
تقدم جني عجوز جدًا، كان المستشار الخاص لأب جلجامش، وبالكاد كان يمشي.
صعد على المنصة ونظر لعشتار، فأنزلت رأسها للأسفل كي لا تلتقي أعينهما، ثم نظر لجلجامش وقال:
لطالما رفض أبوك فكرة زواجك من هذه الإنسية وكان يتألم كثيرًا لنفيك من أرض الجن.
كان دائمًا يقول أنك أفضل من يحكم أرضنا بعده من بين أولاده، لكن ولعك بهذه الإنسية أخاب أمله فيك.
أحس جلجامش بحزن كبير، لكن الجني العجوز بادره قائلاً:
حين بات أبوك على فراش الموت، اجتمع بوزراءه ومستشاريه، وأمرهم أن يجلبوك حين يتطلب الأمر ذلك، وإلا لما طلبناك من أرض الإنس لأنك منفى أصلاً، لكن كانت هذه هي وصية أبيك الأخيرة.
قال أنك الوحيد من أولاده من له القدرة والقوة على الحكم والتغلب على الظلم.
قال إنك أعظم إنجازاته.
وما حدث في الأيام الماضية أثبت صحة كلام أبيك، وأنك كفؤ بأن تحكمنا أنت وزوجتك، سواء كانت جنية أم إنسية، لا يهم مادام هدفها حماية الملك ومملكته.
تعالت هتافات القوم بالفرح والتهليل والهتاف باسم جلجامش وعشتار.
قبض جلجامش على عشتار وطار بها عاليًا في السماء بسرعة، ونارين خلفهما.
عشتار:
إلى أين؟
جلجامش:
أحقا لا تعرفين؟
عشتار:
أهم مكان يفترض بنا الذهاب إليه الآن هو قلعة الجنيات السبع لاسترد بناتي.
وصل جلجامش لقلعة الجنيات السبع.
كانت مليئة بالأشجار والأزهار والأنهار، مخضرة، كل شيء فيها جميل.
وصاح بوق جميل منذرًا بقدوم جلجامش.
نزل جلجامش في بحيرة تحيط بها أزهار الياسمين من كل جانب، وفراشات تملأ المكان كله.
عشتار:
لقد رأيت هذا المكان من قبل.
جلجامش:
لاشك في ذلك.
عشتار:
لكن كيف وأنا لم آتِ هنا من قبل؟
جلجامش:
الجنيات هن أحلام أمهن.
نزل جلجامش على صخرة في منتصف البحيرة، أما نارين فانهمكت بجمع زهور الياسمين.
عشتار بلهفة:
أين بناتي؟
جلجامش:
إنهن قادمون، علينا أن ننتظرهن هنا.
أسندت عشتار ظهرها بصدر جلجامش وهي سرحة في البحيرة، وكأن بالها مشغول بشيء ما.
جاء النداء من بعيد:
ماما...
رف قلب عشتار حتى كاد يطير من مكانه، إنه لقب لكم اشتاقت لسماعه. التفتت وإذا بابنتيها تطيران بسرعة تجاهها.
احتضنت عشتار ابنتيها وساد البكاء على فرحة اللحظة بسكون.
اقتربت نارين تنظر بصمت.
فبادرتها عشتار: "نارين تعالي يا حبيبتي، إنهما أخواك ران ونالا."
ونظرت لابنتيها قائلة: "إنها أختكم الكبرى."
نظرت ابنة عشتار ران لنارين وقالت: "شعرك جميل جداً."
ابتسمت نارين وردت: "لأنني أزينه بزهور الياسمين دائماً، هل تريدين أن أصنع لك طوق زهور وأزين شعرك به؟"
ران وهي تقفز فرحاً: "نعم نعم."
أمسكت نارين بيد ران ونالا وأخذوا يحلقون حول البحيرة وضحكاتهم تملأ المكان.
كانت عشتار تنظر لبناتها بفرحة كبيرة.
وهن منشغلات في زهور الياسمين.
ثم نظرت لجلجامش الذي كان مسمراً، عيناها تنظر وجهها الجميل، فانزلت رأسها بابتسامة خجلة.
فجأة سقط على شعرها الأسود الطويل طوق ياسمين جميل جلبه بناتها، ثم عادوا يدورون حول البحيرة وهن يلعبن ويتضاحكن.
جلجامش: "ما أحلى تاجك.. يا أميرة الجن."
ضحكت عشتار.
جلجامش: "ما يضحكك؟"
عشتار: "أضحك على حالي، أميرة معصوبة العينين في عالم الجن ومشّعوذة مجنونة في عالم الإنس، بت لا أدري من أنا وكيف سأكون وأين سأعيش."
احتضن جلجامش عشتار ورفع ذقنها لتلتقي عيناهما وقال: "لا تقلقي يا حبيبتي، ألتم شمل عائلتنا أخيراً."
نزلت دمعة من عين عشتار فمسحتها وابتسمت قائلة: "لا حرب بعد اليوم، أتعدني؟"