الفصل 6 | من 22 فصل

رواية الاربعيني الاعزب الفصل السادس 6 - بقلم ايه محمد

المشاهدات
23
كلمة
2,026
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

"عاصي" لخزانته، فجذب القميص الأقرب إليه، وبنطال أسود اللون يليق عليه ليرتديهما على عجلةٍ من أمره. جذب مفاتيح سيارته ثم هبط مسرعاً للأسفل، ليجدها تجتاز طريقه لتسده من أمامه. تساءل باستغرابٍ: _ماذا هناك الآن؟ فتحت دفترها الصغير وهي تخبره بدهشةٍ: _أخبرني أنت ماذا بك؟ فحسب قواعد قصرك الممل ذاك بأنك تتناول الغداء كل يومٍ في تمام الساعة الرابعة عصراً وأنت الآن تغادر بمنتهى البساطة! زفر بضيقٍ شديد وهو يجيبها:

_ليس الآن، علي الخروج لأمرٍ طارئ. ودفعها من أمامه برفقٍ ثم كاد أن يستكمل طريقه، فـأوقفته مرة أخرى وهي تتساءل تلك المرة: _حسناً، بإمكاننا وضع قاعدة استثنائية ولكن عليك إخباري أولاً إلى أي مكانٍ تقصد يا سيد؟ جز على أسنانه وهو يتمتم بغيظٍ: _أتعلمين شيئاً، أنا لست نادماً على شيءٍ في حياتي إلا شيئاً واحد… سألته باهتمامٍ: _وما هو ذلك الشيء؟ انطلق صوته المنفعل يجلجل في الأرجاء:

_مساعدتك… فمنذ لحظة قدومك والمشاكل تتساقط على رأسي من كل اتجاه… أخفت ابتسامتها ثم قالت بجديةٍ مصطنعة: _دعك من هذا وأخبرني إلى أين تذهب بعدما انتهيت من عملك! مرر يديه على وجهه بقسوةٍ، فاستسلم لأمره أخيراً لذا أجابها من بين اصطكاك أسنانه: _إيمان تلد بالمشفى، بربك أتركها وأجلس أتناول الغداء برفقتك…

جحظت عيناها في صدمةٍ، فركضت سريعاً تجاه الخزانة الجانبية لتجذب حذائها، ثم ارتدته بسرعةٍ والأخر يراقبها بدهشةٍ. وما إن انتهت من ارتدائه حتى هرولت إليه تلتقط أنفاسها بصعوبةٍ وهي تشير إليه: _هيا لنذهب… رفع حاجبيه بسخريةٍ: _أنا سأذهب، علمت ذلك ولكن إلى أين أنتِ ذاهبة؟ أجابته بابتسامةٍ واسعة: _لرؤية المولود…

وتركته يحاول استيعاب ما يحدث وأسرعت للسيارة، لتجلس بالخلف جواره. وما زال يقف محله يوزع نظراته بينها وبين السائق الذي يكبت ضحكاته بصعوبةٍ، فغلب على أمره وصعد بالخلف جوارها. فجلس السائق بمحله هو الأخير، ينتظر أوامر سيده بأي مكانٍ سينطلق. فقال الأخير على مضضٍ: _اذهب للمشفى… تحرك السائق سريعاً للواجهة المنشودة، بينما بالخلف كانت هناك معركة دامية بالنظرات بين تلك العنيدة والشرس الذي لم يعتاد أن ينصاع لأحد… ***

صراخها تسبب له بحالة مزمنة من الصداعٍ، فأعدل من وضع الكمامة الطبية على فمه وهو يصيح بها بانفعالٍ: _اهدئي حبيبتي… امسكت برقبته وهي تصرخ بألمٍ: _بالله عليك يا عمر ساعدني، أشعر وكأن هناك خنجر يمزق أحشائي… تأوه ألماً من غرس أظافرها في جلد رقبته، فردد بصوتٍ متقطع من الغضب: _أخبرتك أكثر من مرة بأنني متخصص بالأمراض النفسية والعقلية، كيف سأساعدك! ازداد حدة صوتها، فنزع يدها عنه ثم قال بتعصبٍ شديد:

_سأنتظر بالخارج أفضل من أن تنقطع رقبتي. وتركها وغادر للخارج يلهث وكأنه ركض لمسافاتٍ طويلة. وصل "عاصي" و"لوجين" للمشفى، فعلموا من الاستعلامات بمكان جناح النساء والتوليد، صعدوا سوياً للاعلى، فوجدوا "عمر" يجلس بالخارج على أريكة معدنية قريبة من غرفة العمليات ولجواره إحدى الممرضات التي تضع اللاصقات الطبية على رقبته وتقوم بمعالجته، والأخر يصرخ ألماً ويئن بصوتٍ واهن: _ضعيها برفقٍ… ثم تطلع لها متسائلاً: _هل تأذيت كثيراً؟

نفت ذلك بهزات رأسها، فابتسم إليها متغزلاً: _أشكرك كثيراً على اهتمامك بي… وكاد أن يستكمل كلماته اللطيفة، ولكنه انتفض حبنما استمع لنداءٍ يعلم صاحبه جيداً: _عمـــــــــــــر! نهض من جوارها سريعاً ثم اتجه تجاه "عاصي" فلعق شفتيه بارتباكٍ: _هل أتيت "عاصي"! ثم تطلع جواره وهو يرسم ابتسامة بلهاء: _مرحباً "لوجين"… كيف حالك؟ منحته ابتسامة ساخرة قبل أن تمتم: _بخير حال… وبخبث استطردت: _أرى الممرضة تعالجك منذ فترة هل أنت بخير؟

اصبح وجهه قاتماً للغاية، فقال بتلعثمٍ: _كانت تعالج جروح رقبتي، فإيمان أحياناً حينما تتعصب تفقد التحكم بأعصابها… ضحكت بصوتٍ مسموع جذب انتباه عاصي إليها بشكلٍ أدهش عمر الذي شعر بأن رفيقه على وشك الوقوع بالحب للمرة الثانية. قطعت تلك اللحظة الطبيبة التي خرجت من غرفة العمليات للتو، فهرعت إليه تخبره: _دكتور "عمر"، الولادة الطبيعية ستكون صعبة لها لذا سنلجأ للقصرية… قال بقلقٍ شديد: _افعلي ما تجدينه مناسب…

عادت لغرفة العمليات مرة أخرى، فجلس "عاصي" على الأريكة القريبة من غرفة العمليات، أما "لوجين" فحينما ألمتها قدماها جلست لجواره. ولج "عمر" لداخل غرفة العمليات بعد أن صمم الانضمام إليهما، ففي طبيعة الحال زوجته في سبات عميق بفعل المخدر، أصبح المكان فارغاً من حولهما، يسوده الصمت المطول، فقطعه "عاصي" حينما قال بثباتٍ تام: _لماذا تكرهين "قاسم" هكذا؟ رفعت حاجبيها بدهشةٍ من سؤاله، فأوضح مقصده حينما قال:

_أقصد بأنه لا يوجد عيب يذكر به، غني وابن عمك وفوق كل ذلك يحبك بجنون… ابتسامة شبه ساخرة رسمت على محياها، فتحررت كلماتها التي اصطحبتها وابل من الدموعٍ جعلت عاصي في حيرةٍ من أمر تلك الفتاة التي ترسم البسمة دوماً على وجهها:

_ربما لأنه يفرض نفسه علي، ولم يترك لي حرية الاختيار، منذ الصغر وهو يتسبب لي بالحرج دائماً أمام أصدقائي، إن رأني أتحدث مع شخص يكسر ذراعيه وربما يقتلع عينيه، وأخرهما الدكتور الجامعي الذي تقدم لخطبتي وكنت قد اتخذت قراراً بشأنه فتفاجئت حينما ذهبت للجامعة في اليوم التالي بأنه توفى جراء حادث أليم، كنت على علمٍ بأن "قاسم" خلف ما حدث… لمس "عاصي" جزءاً من معاناتها المخبأة خلف وجهها البريء، وخاصة حينما استكملت حديثها:

_حتى أبي كلما أخبرته بأنني أكرهه ولا أريده كان يشرح لي ضرورة هذا الزواج بالنسبة للعائلتين… ومسحت دموعها بأطراف يدها: _أتعلم ربما ليس سيء لتلك الدرجة ولكن هو من جعل الكره يتسلل لقلبي تجاهه بسبب أفعاله الإجرامية، تريد تملكي بأي طريقة كانت وكأنني سلعة تباع وتشتري… وبعزمٍ شديد أضافت: _ليس هذا الشخص الذي أريده، لا أراه مناسباً لي… ومسحت العالق بأهدابها وهي ترسم ابتسامة صغيرة:

_دعك من أمري، وأخبرني ما سر تعلقك بحبيبتك السابقة حتى تظل مخلصاً لها حتى بعد وفاتها! نغز صدره بالألم فور تذكره زوجته وحبيبته الراحلة، فالتقط نفساً مطولاً حبسه بداخله لفترة طويلة قبل أن يجيبها بكلماتٍ تشتق معاني العذاب بأكملها: _عشقها مثل المخدر الذي يصعب التخلص منه، مجرد تردد ذكرياتها بعقلي يمنحني دفئاً يكفيني بمواجهة برد مشاعري القاسية… تحمل الوخزات المؤلمة التي تضرب قلبه واسترسل بصوته الرخيم:

_وجع فراقها لم يكن بنفس حدة وجع قلبي وأنا أراها كل يوم تواجه الموت، وخاصة بعد أن تغلب السرطان على جسدها بأكمله، ولم يعد بمقدورها محاربته. انسدلت دمعاتها على وجهها وهي تستمع لكلماته الصادقة التي نقلت لها صورة مصغرة عما خاضته، فتغلبت عما يحاربها من حزنٍ عميق ثم قالت: _ألم تمنح نفسك فرصة أن تنير فتاة أخرى ظلام قلبك الدامس! ابتسم وهو يجيبها ساخراً: _برأيك أنني لم أحاول!

بالطبع فكرت كثيراً في فكرة الارتباط وخاصة بعد أن تقدم العمر بي… فأحياناً أفكر جدياً في عمري الذي قضيته بالعمل، أتساءل أحياناً من الذي سيرث كل ذلك بعد موتي؟ والأهم من ذلك من الذي سيخلد اسم عائلتي! ورفع كتفيه باستسلامٍ: _حاولت ولكني لم أستطع، فبمجرد التطلع لامرأة أخرى أشعر وكأنني ارتكبت جريمة عقابها أسوأ من تخيله! ابتسمت "لوجين" ثم أخبرته بإعجابٍ شديد: _ليت قدري يجمعني برجلٍ يحبني مثلك…

رفع عينيه تجاهها فصفن بها لدقائق، شعر بهما بأنه استعاد جزءاً من حياته، تلك الفتاة غامضة بكل ما تحمله الكلمة. من يراها يظنها طفلة ساذجة رغم عمرها المعقول، وأحياناً يشعر بأنها امرأة ناضجة تمتلك من الحكمة والعقل ما يجعلها تحكم عالمه. انقطع فترته الوجيزة بتأملها حينما تسلل لمسمعهما صوت بكاء الرضيع، وبعد قليل خرج "عمر" يحمله بين ذراعيه بابتسامةٍ يتخلالها دمعات الفرحة والسعادة، ليضعه بين يدي عاصي الذي فشل بالتعامل معه، وكأنه يحمل شيئاً رقيقاً يخشى أن ينكسر بين يديه، فحملته عنه "لوجين" لتردد بفرحةٍ:

_إنه جميل حقاً…. ماذا ستسميه "عمر"؟ ابتسم وهو يتطلع لرفيقه: _اخترنا الاسم سابقاً… سنسميه "عاصي".. اتجهت نظراته المندهشة لرفيقه، فربت بيديه على كتفيه وهو يردد بحنانٍ: _أتمنى أن يكون مثل خاله يوماً… منحه ابتسامة هادئة وقال بتمني: _حفظه الله لك من كل سوء.. انقطع الحديث بينهما حينما خرجت "إيمان" من غرفة العمليات، فتتبعوها لغرفتها، لتدنو منها لوجين ثم قالت: _حمداً لله على سلامتك حبيبتي… ابتسمت رغم محاربتها للألم:

_أشكرك "لوجين"… ثم نقلت نظراتها لأخيها لترغمه بإشارتها على التطلع تجاه لوجين التي تحمل الصغير بكل حب وحنان، لتعود لترشيحاتها الصامتة من جديد، هز رأسه باستسلامٍ لعدم تغيرها بعد، فاقترب ليطبع قبلة صغيرة على جبهتها وهو يهمس باستهزاءٍ: _حتى وأنتِ على فراش المرض تكثرين لأمري! همست بتعبٍ واضح: _لن يرتاح لي بال إلا حينما تتزوج لذا عليك بالاعتياد على طريقتي المزعجة… _ماذا هناك؟ دفعه عاصي وهو يشير له بصرامةٍ:

_حديثٌ خاص بين الأخت وأخيها، ما شأنك به! حدجهما بنظرةٍ منفرة، ثم غادر للخارج قائلاً: _حسناً… سأذهب لأرى الطبيبة حتى أسألها إن كنا سنغادر اليوم أم غداً… فور خروجه استأذنت "لوجين" هي الأخرى بحجة رغبتها باحتساءٍ كوب من القهوة، ولكنها فضلت الانسحاب حينما شعرت بحاجة "إيمان" بالحديث مع أخيها على انفراد… فهبطت لكافيه المشفى الخاصة لتواجه أسوأ كوابيسها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...