تحميل رواية «الاربعيني الاعزب» PDF
بقلم ايه محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ها قد حل الخريف المشرق لتلك الأشجار العملاقة، حيث تنتظره بفارغ الصبر من الحين للآخر لتتخلص من ورقاتها البائسة كالمرء التعيس الذي يتخلص من أحزان قلبه الغائمة. كحال الأربعيني صاحب ذاك القصر المرعب، زواره يقسمون أن سيده رجل عسكري يتحكم بقواعده بحزم وصرامة. ربما لا يعلم أحد ما المخبئ خلف ذاك القاسي الذي التاع قلبه بحرقة لا يقوى عاشق تحملها. تسللت خيوط الشمس من خلف الستار لتنير غرفته ذات الطلاء الأسود الداكن. ليكسو صمتها المخيف صوت رنين المنبه المعتاد سماعه بالنسبة إليه. فرفع ساعديه ليوقف رنينه المزع...
رواية الاربعيني الاعزب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ايه محمد
اليوم بالنسبة إليها ليس عاديًا، فاليوم الذي كانت تخشى قدومه هي الآن تنتظره بفارغ الصبر. اليوم لن تُجبر على الزواج من البغيض الذي لطالما كرهته، بل ستتزوج من الرجل الذي حمل معظم مواصفات فتى أحلامها، حتى وإن كان أربعيني العمر ولكنه مازال جذابًا بحفاظه على جسده وعنايته بذاته، وما يحلّيه صفاته ورجولته، شهامته التي أعجبت بها منذ اللحظة الأولى. تلك الفتاة المشاكسة التي وجدها تختبئ أسفل طاولته ستصبح الآن زوجة له، في حضور الجميع وعلى رأسهم "قاسم" الأرعن وعائلته، بل والمضحك في الأمر بأن عاصي اختاره ليشهد على عقد الزفاف بنفسه.
انتهت "لوجين" من وضع لمساتها الأخيرة من المكياج، الذي صممت وضعه لنفسها ومن ثم وضعت التاج على رأسها ليمنحها مظهرًا أنيقًا، فاستدارت تجاه "إيمان" التي تحمل الصغير، فما أن رأتها حتى ردّدت بإعجاب شديد:
"حفظك الله من الأعين."
واحتضنتها بفرحة:
"أنتِ عوض الله لأخي بعد صبر سنوات يا لوجين. أريدك أن تمنحيه السعادة ولا شيئًا سواها."
ابتسمت وهي تمازحها:
"سأمنحه أشياء لا تُعد، أولهما الضغط والسكر وأخرهما 'هند'."
تعجبت للغاية، فقالت:
"هند!"
أومأت برأسها وهي توضح لها:
"أجل، سأنجب له فتاة وسأسميها هند حتى لا ينسى حبيبته وزوجته السابقة."
انكمشت تعابيرها في ذهول، ثم قالت:
"ألن يزعجك ذلك؟"
واستطردت موضحة:
"أعني مجرد تفكيره بأخرى ألن يزعجك!"
ابتسمت وهي ترد عليها بحكمة:
"وما الذي سيزعجني؟ تفكيره بما مضى من حياته وبات مجرد ماضي! أنا الآن حاضره ومستقبله."
ضحكت إيمان حتى برزت أسنانها البيضاء، فشدّدت من ضمها إليها ثم قالت:
"عرف عاصي كيف يختار من تناسبه."
ثم أشارت لها بغمزة من عينيها:
"دعينا نخطف قلبه إذًا بطلّتك الساحرة تلك."
"هيا، لننطلق."
وبالفعل هبطت معها للأسفل، ليمر أطراف الفستان الطويل على زهرات الياسمين الملقاة أرضًا، ومن حولها عدد من الأطفال يحمل كلٌ منهما شموعًا مزينة بالدانتيل الأبيض، لينتهي الدرج الخارجي للقصر بمنتصف حفل الزفاف، لتجده يقف نهاية الخط المفروش بالورود، ينتظرها بلهفة وشوق يسبقه برسائل من غرام، تاه به وتاهت به، فكان يبدو وسيمًا للغاية ببذلته السوداء الأنيقة، هيبته تلك تمنحه وقارًا واحترامًا يجبر الجميع على احترامها. انتهى طريقها المحفور بالورد عندما أصبحت أمامه، فسلّمته يدها وكأنها تستأمنه على روحها، لتستكمل معه طريقها حتى وصل للمأذون الذي عقد قرانهما في حضور أهم رجال الأعمال، وعدد مهول من الصحافة والتليفزيون. وبعدها انضمت معه على المنصة، فتمايلت معه على إيقاع الموسيقى الهادئ، ليقطع عاصي الصمت الذي طال بينهما:
"أتساءل أين تلك المشاكسة التي اعتادت عليها، أراها مختبئة خلف تلك الأنوثة المهلكة!"
ابتسمت لوجين وهي تهمس له بخبث:
"وأنا أيضًا أتساءل أين ذلك الأربعيني الكئيب، أراه يختبئ خلف شابًا في العشرين من عمره ويخشى عين الحسود بينما هي تلاحقه."
تعالت ضحكاته فزادت من وسامته، فحملها بين ذراعيه ثم طاف بها وسط صفقات من الجميع وتشجيع عمر له بمزح:
"أحسنت."
تعالت ضحكات إيمان على صفير عمر المزعج، أما "لوجين" فهمست بأذنيه على استحياء:
"أحبك عاصي."
توقف عن الدوران بها ثم تطلّع بعينيها قبل أن يضع قبلة عميقة على جبينها وهو يهمس لها بنفس رقة صوتها:
"وأنا أعدك أن لا أفعل شيئًا سوى أن أعشقك لباقي حياتي."
رواية الأربعيني الأعزب كاملة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الثاني عشر.
حاول "عمر" فتح باب الشقة أكثر من مرةٍ، ولكنه لم يستجيب لمحاولته، فعلى ما يبدو بأنها أغلقته من الداخل وتركت المفتاح عالق بالمقبض مثلما تفعل كالمعتاد، فضغط على الجرس مطولًا، ولكنها لم تجيبه، فالتفت يراقب درج العمارة بحرجٍ من وقفته التي طالت لأكثر من نصف ساعة، لم يمل بها من الطرق، ليجدها تجيبه أخيراً من خلف الباب:
_راجع ليه، كنت خليك عندها يومين تلاتة.
كز على أسنانه بغضبٍ من طريقتها الطفولية، ومع ذلك رد عليها بتعجبٍ:
_هي مين دي!
أتاه صوتها المتعصب وكأنها تعارك شياطين العوالم بأكملهم:
_اللي كنت مقضي ليلتك عندها يا دكتور يا محترم.
صوتها العالي جعله ينتفض بوقفته، وهو يراقب الأبواب الموصدة من جواره، ويتمنى بداخله أن لا يخرج أحداً من الجيران ليجده بذلك الموقف المحرج، وحينما تأكد بأن كل شيء على ما يرام، عاد ليرمي بثقل جسده على الباب ليخبرها بصوته المنخفض:
_ليلة أيه بس، افتحي يا إيمان وبلاش هبل، أنا مش قايلك كنت فين إمبارح!
واسترسل بعتابٍ ظنه سيجعلها تلين:
_يعني عايزاني أتخلى عن غيث في موقف زي ده!
طرقت بيدها على الباب بعدوانية كادت بأن تخلع وجهه المستند على طرفه وهي تصرخ بشراسةٍ:
_بطل كدب بقى أنا كلمت عائشة وخالتو إمبارح وقالولي إنك مجتش من الأساس.
انتصب بوقفته فور أن لمح جاره يصعد للأعلى بصحبة زوجته وأولاده، فما أن رأه "عمر" حتى قال بابتسامةٍ مصطنعة:
_نسيت مفتاحي جوه والمدام نومها تقيل.
منحته المرأة ضحكة صفراء واستكملت طريقها للأعلى، بينما اقترب منه جاره ليقترح عليه:
_ما تتفضل معايا فوق لحد ما الأمور تصفى بينك وبين المدام يا دكتور عمر.
احتقنت عينيه بنظرةٍ جعلت الأخير يهرول للأعلى سريعاً، فطرق الباب بعنفٍ كاد بإسقاطه، وهو يصيح غاضباً:
_إفتحي الباب ده، أصل أكسره فوق دماغك.
جابهته بعنادٍ:
_إكسره ميهنيش.
_بقى كده، ماشي يا إيمان.
وتراجع للخلف ثم اندفع بكل قوته تجاهه،ففتحت الباب سريعاً ليقابل الحائط من أمامه، وإرتد أرضاً من قوة اصطدامه، فمرر يديه على كتفيه الأيسر وهو يئن ألماً، فأغلقت الباب من خلفه ثم وقفت تحدجه بنظرةٍ تشفى وانتصار، نهض "عمر" عن الأرض ليسرع تجاهها وهو يردد بوعيدٍ:
_طب ورحمة أبويا وأبوكي مانا سايبك النهاردة.
شعرت بخطورة ما ستواجه، وخاصة بعد أن فقدت حجتها حينما كانت تحتج ببطنها المنتفخة، فكانت تسنتزفه وهي على يقين بأنه لن يقترب منها، هرعت "إيمان" لغرفتها، فحاولت غلق الباب من خلفها، ولكنه كان الأسرع إليها، فقفزت من فوق الفراش لتصل للسرير الصغير الموضوع جوار فراشها، حملت الصغير وهي تشير إليه بتحذيرٍ:
_قرب وشوف ابني هيعمل فيك أيه، هتستقوى عليا ولا هتستقوى عليا!
أدمى شفتيه وهو يردد من بين اصطكاك أسنانه:
_بقى أنا تعملي فيا كده كل يوم والتاني قدام الجيران، أنا مبقتش عارف أودي وشي منهم فين، ومش مضطر أغير الشقة كل شهر والتاني بسبب جنانك!
استحضرت دموعها الزائفة، وهي تشهق بصوتٍ مبالغ به:
_واللي بعمله ده ليه مش من عمايلك السودة، كل شوية تختفي وتخترعلي حجة شكل، ولما أدور وراك ألقيك كداب.
ألقى الوسادة تجاهها وهو يصيح بإنفعالٍ:
_ومين قالك تدوري ورايا، متجوز غفير أنا ولا أيه؟
تفادت الوسادة ببراعةٍ، ثم أجابته بعصبيةٍ:
_أه ما أنت نفسك في كده عشان تدور على حل شعرك.
مرر يديه على جبينه وهو يحارب صداع رأسه القوي، فتمتم بخفوتٍ:
_وصلتيني لحالة صعبة، بقيت حاسس إني محتاج لدكتور نفساني، يكشف عليا وعلى المرضى اللي عندي لإني معتش عندي طاقة..
لوت شفتيها بتهكمٍ:
_شوفت بقى إن المهنة دي مش لايقة عليك، لان الدكتور النفسي المفروض يطون بيتسم بالصبر والهدوء والإتزان وإنت مفيش شرط من دول متحققين فيك.
قلص المسافة بينهما، ليجيبها ببرودٍ خطير:
_مهو ده حصلي من يوم ما شوفت خلقتك السودة دي.
وضعت الصغير على الفراش، ثم وقفت قبالته، لتواجهه بما قال:
_نعم هو أنت كنت تطول، ده أنت حفيت ورايا عشان تتجوزني.
_كنت مغفــــــــل ومعترف بده.
_خلاص إحنا ننفصل وكل واحد يروح لحاله، أنا هتصل بعاصي بجي يخدني.
وحملت هاتفها الموضوع على الكومود ثم كادت بتحرير زر الإتصال، فانتشل "عمر" الهاتف منها وبدى جاداً للغاية وهو يخبرها:
_بلاش نزعجه كل دقيقة بمشاكلنا التافهة.
تحوله السريع جعل الشكوك تتسلل لداخلها، وخاصة بعدم إتصاله بها منذ الأمس، حتى أنها لم يأتي لزيارتها، فاننعقد حاجبها وهي تتساءل بخوفٍ:
_ليه ماله عاصي يا عمر؟
شعر بأن ردة فعله كانت مبالغ بها، وستكشف حتماً ما يخفيه عنها، لذا تهرب من لقاء عينيها وهو يجيبها:
_مفيش بس مشغول شوية في شغله.
تعرفه أكثر من نفسها، طريقته بالتهرب كانت ملحوظة لها، فاقتربت منه ثم قالت بصوتٍ مهزوز يستحضر البكاء في أي لحظة:
_أخويا ماله؟
أمسك "عمر" بيدها المرتعشة بين أصابعه الخشنة، ثم قال:
_مفيش يا حبيبتي هو بس كان تعبان شوية ونقلناه المستشفى بس الدكاترة طمنونا عليه.
جحظت عينيها في صدمةٍ، لتعنفه بحدةٍ:
_تعبان وأنت مخبي عني ولا همك!
ثم تركته وأسرعت لخزانتها، لتجذب جلبابها الأسود سريع الإرتداء، ثم جذبت حجابها وصوتها يتقطع لبكائها:
_أنا كنت شاكة إنك مخبي عليا حاجة، بس مكنتش متوقعة إن الموضوع متعلق بعاصي!
دنا منها عمر ثم قال :
_ممكن ممكن تهدي الاول وتفهميني إنتي رايحة على فين وانتي لسه تعبانة وبالحالة دي!
جذبت حقيبة يدها وهي تجيبه بقهرٍ:
_أمال عايزني أقعد وأسيب أخويا! أنا لازم أشوفه عشان أطمن.
ثم حملت الصغير بين يدها، واتجهت للردهة، فاتبعها "عمر" وهو يحذرها:
_هناخدي الولد معاكي ازاي، مش هينفع يتعرض للهوا وهو مكملش حتى يومين!
استدارت لتقابله بدمعاتها التي تسيل على وجهها،وقد شعرت به يخلق حجج حتى لا تغادر:
_انت ليه مش عايزني أروحله، عاصي جراله أيه بالظبط؟
حزن "عمر" لأجلها، فهو يعلم ما يعنيه عاصي بالنسبة اليها، فحمل عنها الصغير ثم قربها لصدره ويديه تربت على ظهرها بحنوٍ:
_عاصي كويس والله، يعني معقول هيبقى فيه حاجة وهرجع البيت.
وأبعدها عنه ثم قال بلهفةٍ حينما رآها مازالت تبكي:
_دراعه بس مكسور ومتجبس، ولو مش مقتنعة بكلامي هخدك تشوفيه، بس ادخلي الأول اغسلي وشك وفوقي كده وهننزل حالًا
أومأت برأسها، وولجت للداخل لتنفذ ما قاله بهدوءٍ، وحينما عادت إليه وجدته أبدل ثيابه، وجهز الصغير في بطانة زرقاء أحاطت بالحقيبة الموضوع بداخلها، وقد حرص على لفه جيداً حتى يحميه من التيارات التي ستبدو باردة بالنسبة لجسده الهاش، ليغادر بها عمر للقصر بعد أن علم من "غيث" برحيلهما بعد اصرار "عاصي" على ذلك.
*********
عاون "غيث" "عاصي" على إرتداء ملابسه، فصفف الأخير شعره بثباتٍ تام، وكأنه على مدعد مع عشاء عمل خاص، وليس استعداده لمواجهة عدوه، فما أن انتهى حتى هبط للأسفل، فلحق به "غيث" قائلاً بحيرةٍ:
_الناس مستنين منك مكالمة واحدة عشان يلغوا الصفقات المشتركة بينهم وبين قاسم خلدون، ومع ذلك أنت مش مديهم قرار نهائي للي حابب تعمله، أنا نفسي مش عارف إنت في دماغك أيه!
زار شفتيه بسمة خبيثة، فرد عليه دون أن يتطلع إليه:
_كل حاجة في معادها بتبقى أفضل يا غيث.
وإتجه للخارج فدنا منه السائق بالسيارة، ومن ثم فتح بابها ليستقر بالخلف، فلم يتركه غيث تلك المرة وصعد لجواره، فاستكمل "عاصي" حديثه بمكرٍ:
_اللي بيبتديها بالدم بيتوقع إن الرد هيكون بنفس الطريقة، ومبيقاش متوقع غير كده.
تعمق بالتطلع إليه، بنظرةٍ حاولت كشف ما يفكر به، وحينما فشل أشار إليه بضيقٍ:
_مش مرتاحلك.
منحه ابتسامة خبيثة وهو يتطلع من نافذة السيارة للمارة برزانةٍ وثبات مميت.
******
أعلم إنك يا قلبي لست علي ما يرام، فهناك شيء يخنقك من الداخل ودمع يقف علي أطراف الأهداب يؤلمك بلا هَوَادة، فلم يشعر بك أحداً سوى الله ولن يلمح حزنك حتي أقرب الأقرباء، أصبحت يا قلبي تكتم نصف الحديث لأنه أكبر من أن يقال أو يفهم، فكم تمنيت أن تصرخ بأعلى صمتك و تقول «مستحيل العيش دونه» وكلمات أخرى تهمس بشوقك إليه، فكيف أخبرك بأنني أتألم مثلك ويعتصرني بفراق من عشقت، فربما الدمعات هي من تهون ما يشعر كلانا في تلك اللحظة، لا تعلم لما تختطف النظرات تجاه باب المنزل الضخم، وكأنها تتمنى قدومه، بالرغم من أنها لا تصدق بأنه سيفعلها بعدما طاله الآذى، ولكن تظل الأمنيات شيئًا اعتادي بالنسبة لجسد مازال بداخله روح، انهمرت دمعاتها تباعاً حينما وضع المحامي الأوراق من أمامها قائلاً بابتسامةٍ مصطنعة اعتاد رسمها في مناسباته:
_إمضي يا عروسة.
وزعت "لوجين" نظراتها الحائرة بين "قاسم" ومكان الامضاء بعينين غائرتين، ولأول مرة ينتباها ضعف وقلة حيلة لما ستفعله، لم يعنيها أبيها كثيراً فلطالما لم يهتم لأمرها كيف ستهتم هي لأمره، كل ما يعنيها هو ذاك الرجل الشهم الذي ساعدها وفتح لها منزله دون مقابل، كانت تود حمايته من شرٍ عظيم، سيطوله هو وعائلته، مرر قاسم يديه على طول ذراعيها، فانتفضت بفزعٍ، لتتراجع بجسدها بعيداً عن يديه القذرة، فردد ببسمةٍ بدت مخيفة:
_امضي يا حبيبتي مش عايزين نعطل المتر.
تناولت القلم بين أصابعها المرتعشة، وهي تحاول غصب أصابعها على التحرك فتختم إسمها بمثياقٍ سيجمعها به، ولكن لا تعلم لما خفق قلبها بتوترٍ جعلها تشعر بوجود حاميها، فرفعت عينيها تجاه الباب، فوجدته يقف أمامها بشموخه المعتاد، ونظراته الصقرية تحيط من يقف مندهش لجوارها، ألقت "لوجين" قلمها، ثم هرعت تجاهه، لتهمس بعدم تصديق:
_عـاصـي!
خفق قلبه فشوقه لسماع صوتها كان يقتله على البطيء، ناهيك عن سماع اسمه بلحن شفتيها المعسول، خطف "عاصي" نظرة سريعة إليها، قبل أن يعود لمعركته الدامية بينه وبين ذلك اللعين، الذي أشار لرجاله بأن يطوفوا المكان، فكاد أحداهما بأن يبعدها عنه، فلم يكفيه سوى ذراعيه السليم لتحطيم عظامه، فتراجع للخلف عنها بخوفٍ، بينما وقف "غيث" بظهره كالنمر المتأهب بالإنقضاض على فريسته بأي وقت، هبط "قاسم" الدرج القصير الذي يفصله عنه، فوقف مقابله في حربٍ باردة بالنظراتٍ، أنهتها خشونة نبرته الحازمة:
_أنا مش قادر أفهم أنت ليه بتعمل كل ده عشانها، يعني اللي حصلك مدكش ذرة عقل تفكر بيه من اللي ممكن يحصلك.
ابتسامة مثل المرسومة على وجه "عاصي" بالرغم من جمود تعابير وجهه كانت مخيفة بالدرجة التي وترت من يقف أمامه، وخاصة حينما أبعد "لوجين" بيديه ليجعلها تقف من خلفه فاختبئ جسدها الهزيل خلف ضخامته التي بدت مهيبة لها، ناطحه بنظرةٍ شرسة قبل أن يحرر كلماته السامة:
_تصرفاتك الغبية صورتلك إن "عاصي سويلم" جبان ومش هيكون له ردة فعل!
لعق "قاسم" شفتيه بارتباكٍ فشل باخفائه، رغم إنه بموضع قوة فبالنهاية يقف بمنتصف منزله ورجاله يحيطنه، تقلصت المسافة بينهما حتى بات لا يفصلهما شيء، فخرج صوته كفحيحٍ وهو يخبره:
_أنا حذرتك قبل كده وقولتلك أنت اللي بايدك هتكتب نهاية لامبراطوريتك العظيمة.
وابتسم ساخراً وهو يستكمل:
_ما أنت عارف بقى إن عاصي سويلم مبيخلفش بوعد أخده على نفسه.
ثم أشار بعينيه لهاتفه الذي يحمله بين يديه:
_رد على تليفونك.
حدجه بنظرةٍ مشتتة، تحولت لخوفٍ حينما رن هاتفه برقمٍ هام بالنسبة إليه، فتوتر وهو يحاول استدعاء اتزانه ليجيب على المكالمة التي بدت له من البداية تصب لمصلحة من، فرفع الهاتف لآذنيه ليستمع لما استهدفه في مقتلٍ، فجعله يفقد القدرة على تحريك ساقيه، فارتد للخلف ليجلس على المقعد باهمالٍ، وهو يرى شاشة هاتفه تنذره بانتهاء المكالمة التي انتهت من الطرف الأخر، بخطواتٍ واثقة اقترب منه "عاصي" ليضع قدميه على نفس مقعده، ثم مال بجسده تجاهه وهو يردد بتغطرس نبرته الرجولية:
_الصفقة اللي رهنت عليها ودخلت بتقلك بقت تخصني، يعني من الآخر بقيت على الحديدة ده لو بقيت تملكها.
ثم استكمل بنظرةٍ احتقار إليه:
_إسمك اللي فخور بيه ده أنا مسحته من السوق، ومبقاش فيه اللي تغامر بيه يا قاسم باشا، عشان بعد كده تتعلم تلعب صح مع أسيادك.
ثم انتصب بوقفته وهو يستطرد بصرامةٍ:
_الدرس ده هيعلمك تختار عدوك صح، لإن النتيجة أحياناً بتكون قاضية..
وتركه واتجه ليقف جوار رفيقه وجوارها، فرفع يديه ليشير إلى من تتطلع إليه بذهولٍ وصدمة، ليقول ممازحاً إياها:
_مش يالا نمشي ولا عجبك قعدتك مع الملزق ده.
رسمت ابتسامة على شفتيها أشرقت شمس عينيها التي تخفيها بين أهدابها، فاتبعت "غيث" للخارج، ولكنهم توقفا حينما استمعوا لصوت "عاصي" يتحدث:
_نسيت أقولك إن الصفقة اللي بينا لسه زي ما هي، عشان تعرف بس إني كريم وبديك فرصة تعوض خسايرك، ومن المفترض انك تكون ذكي وتستغلها كويس وتكسب رضايا عنك وده هيحصل لما تحضر فرحي أنا ولوجين وتباركلنا بقلب صافي.
وغمز له بخبثٍ قبل أن يغادر من أمام عينيه، ليتركه في صدمة وعدم استيعاب لما تمكن من فعله، فقد غلبه بكل ما تحمله معنى الكلمة، وجعله عاجزاً، يواجه صدمة تلو الأخرى باستسلامٍ وانكسار.
*******
لم تختلف صدمة "غيث" عن صدمة "لوجين" التي استمعت لإعلانه الصريح بالزواج منها، بدت حائرة للغاية، ولكنها لا تنكر سعادتها بأن حصنها المنيع عاد ليحميها من جديد، توقف السائق أمام المشفى التي تقبع به "عائشة"، بعد أن وجهه"غيث" فهبط ليتجه للداخل، كاد "عاصي" بتتبعه فاستوقفته "لوجين" وهي تسأله بدهشةٍ:
_عملت كده ليه؟ أنت مش مجبر تتجوزني بعد اللي حصلك.
ابتسم "عاصي" ثم ضرب كف بالأخر وهو يردد بحيرةٍ:
_بجد مش مصدقك، لسه من شوية بنقذك من الملزق ده وبرضه مش عاجبك اللي عملته!
أطبقت على شفتيها بقوةٍ وهي تتحكم في دموعها، ثم قالت بصوتٍ مختنق:
_وهتفضل لحد أمته تنقذني منه ومن شره؟
منحها نظرة عميقة قبل أن يقترب منها، ليخبرها بصوته الرخيم:
_لحد أخر نفس خارج مني، وقتها بس ممكن يقدر يأذيكي.
ثم تابع بمعسول كلماته التي سكنت جوارحها فكانت أعظم دواء:
_ويمكن يخاف من شبحي اللي أكيد هيلاحقه فمش هيكون عنده اختيار تاني غير إنه يسيبك.
انغمست بكلماته التي اشعلت رغبات حبها تجاهه، فرفعت حاجبها وهي تتساءل بدهشةٍ وهي تراه يتعمق بالتطلع لها:
_في أيه!
تعلقت عينيه بعينيها لحظاتٍ بدت كاندماج الشمس والقمر معاً، وإحتضان النيران لحباتٍ الثلج فانصهرت خصائصه، فخرج صوته الرخيم يخبرها :
_بحب الحياة المختلفة اللي عيونك بتعكسها، وجوايا رغبة إني أشوف أكتر من كده.
ثم جذبها إليه ليردد بهمسٍ ساحر:
_وبعد جوازنا هيكون لينا عالمنا الخاص
ابتسمت بعدم تصديق لما تستمع إليه لتمتم ساخرةٍ:
_مش قادرة أصدق إن اللي واقف قدامي هو نفسه " عاصي سويلم" الكئيب، يمكن أكون بحلم وهفوق من الحلم ده بعد وقت قصير!
هز رأسه نافياً وهو يخبرها بمكرٍ:
_متقلقيش مش هخليكي تفوقي أبداً منه.
ضمت شفتيها معًا بارتباكٍ، فعبثت بخصلات شعرها المتطايرة بفعل الهواء، ومن ثم شغلت عينيها بالتطلع جانباً، فتساءلت باستغرابٍ:
_إحنا ليه جينا هنا، أنت كويس!
أجابها وهو يتحرك تجاه باب المشفى:
_هنطمن على "عائشة" وهنرجع القصر على طول.
اتبعته وهي تطرح سؤال أخر:
_ليه مالها؟
رد عليها بهدوءٍ بعدما ضغط على الطابق الذي يود الصعود به بالمصعد:
_ولدت.
ابتسمت بفرحةٍ ثم قالت بمرحٍ:
_هي متفقة مع إيمان ولا أيه؟
منحها ابتسامة زادت وسامته:
_يمكن.
أخفضت نظراتها عنه سريعاً، فما أن توقف المصعد حتى اتبعته لغرفتها، وعينيها تتلهف لرؤية الصغير، فما أن ولجت للداخل حتى وجدت الجميع، فأسرعت "إيمان" تجاه أخيها، وهي تردد بصوتٍ مبحوح:
_عاصي، أنت كنت فين قلقتني عليك روحتلك البيت ملقتكش!
انتقلت نظراته على "لوجين" وهو يجيبها ببسمةٍ هادئة:
_كنت بجيب عروستي.
انستاها كلمته اصابة يدها، فرددت بفرحةٍ:
_عروستك!
تدخل "غيث" بحديثهما حينما قال بمزحٍ:
_نفس صدمتي لما عرفت إن أخيراً عاصي قرر يقطع العزوبية ويتجوز.
نهضت "سمية" عن مقعدها ثم أسرعت لتقف جواره، قائلة بفرحة اتنقلت بنبرتها:
_الف مليوون مبروك يا حبيبي.
منحها ابتسامة هادئة:
_الله يبارك فيكي يا خالتو.
واتجهت للوجين، فوضعت الصغير بين يدها وهي تضمها لصدرها:
_مبروك يا حبيبتي.
اتنقلت نظرات "عاصي" المندهشة من تغير خالته لتلك الدرجة، فرفع "غيث" كتفيه بقلة حيلة، ومازال يقف جوار زوجته، فتحرك تجاه الشباب، بعدما ابعدته "إيمان" لتجلس جوار رفيقتها، حتى "لوجين" وقفت لجوارها لتحتضنها بحبٍ وتبارك لها ما منحها الله به، مال عمر على كتفيه ليهمس بمشاكسةٍ:
_يعني لا كده عاجب ولا كده عاجب نقتل الولية يعني!
لكزه "غيث" بقوةٍ، فتعالت ضحكاته هامساً بمكرٍ:
_لا إحنا عندنا عريس ولازم نفوقله بدل حركات العيال دي.
انتقلت النظرات تجاه "عاصي" الذي أشار لهم بتحذيرٍ:
_حواراتكم دي تبعد عني بدل ما وعهد الله ما أعمل فرح خالص!
*******
رواية الأربعيني الأعزب كاملة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الثالث عشر.
انشغل "عمر" و"غيث" بإقامة حفل استقبال مشترك للأطفال، فمر أسبوعاً كاملًا ومازال يستعد كلاً منهم لذلك،بعدما اختاروا أن يقام الحفل في أحد الفنادق الراقية، وفي تلك الفترة لم تتركهم "لوجين" فكانت تقوم بمساعدة "إيمان" و"عائشة"بالإشراف على الديكور، وهدايا الأطفال، كانت البهجة تعم عليهما جميعاً وبالأخص "عائشة" التي تبدل كره حماتها إليها لحبٍ غريب، وخاصة حينما أصرت على "غيث" أن يعود بها من المشفى إلى منزلها، لتتمكن من رعايتها، وطوال هذا الأسبوع كانت قريبة منها ومن صغيرها، فنشأت علاقة ترابط بينهما، وبدت الحرب تتقهقهر حتى باتت لا وجود إليها، وهي الآن لجوارهم وتساعدهم بحبٍ في وضع البلون الملون بأحد الأركان، وما أن إنطفئ ضوء الشمس ليعم الليل بظلامه، حتى صعدت الفتيات للغرفة المخصصة إليهن، فبدأت كلاً منهن بالإستعداد للحفل.
أما بالأسفل.
وقف "غيث" "وعمر" على باب القاعة الصغيرة، ليمنح كل طفل يحضر بصحبةٍ أبيه قناع باللون الأزرق الساحر، والفتيات قناع باللون الوردي، وعصا سحرية تحمل نجمة بإسم المولود، التف "غيث" تجاه الدرج، فوجدها تقترب منه بفستانها السماوي، تعلقت عينيه به لثوانٍ، وكأنه يحارب هواجسه بأنها المرة الأولى التي يراها بها، فترقبها حتى أصبحت قريبة منه، فأمسك يدها وهو يحرك إبهامه بحركاتٍ دائرية على جلدها الرقيق:
_أيه الجمال ده بس، أنا حاسس إن النهاردة فرحنا مش سبوع ابننا.
منحته ابتسامة أشرقت حدقتيه التي تتأملها، وخاصة وعينيها تستكشف ما يرتدي، فقالت على استحياءٍ:
_وأنت كمان النهاردة شكلك مختلف.
رفع حاجبيه وهو يسألها بمكرٍ:
_مفهمتش مختلف يعني حلو ولا لا؟
أسرعت بالحديث لتخبره بمقصدها:
_لا طبعاً أنت طول عمرك شكلك منظم وجميل.
منحها ابتسامة صغيرة، ليتبعها همسه الخبيث:
_أنا بقول نسيب الواد مع ماما ونخلع إحنا.
ابعدت رأسها عنه، ثم حملت طرف فستانها لتستكمل طريقها للأسفل سريعاً:
_دي حفلتي أنا وابني ومستحيل هسيبها.
راقبها وهي تركض للأسفل، ببسمةٍ توهجها العشق على وجه ذاك الوسيم المتعصب، فعدل جرافاته ثم هبط ليستقبل ضيوفه، أما "عمر" فأسرع تجاه "إيمان" فحمل عنها الصغير الذي يعيق حركتها بالفستان الطويل، فتمكنت من حمل أطرافه بين يدها، ثم قالت بامتنانٍ:
_شكراً يا حبيبي.
ضيق عينيه وهو يردد بدهشةٍ:
_حبيبك! إنتي كويسة؟
وضعت يدها على كتفيه تستند عليه وهي تحاول إغلاق رباط حذائها، فكادت بالتعثر بطرفه فأسرع "عمر" باحتضانها ليمنعها من السقوط أعلى الدرج، كان تصرفه تلقائي لحمايتها، لفت "إيمان" يدها حوله فتعجب من تصرفها، فهي بطبعها خجولة للغاية، والدرج يقع بمنتصف القاعة على مرأى الجميع، وجدها تتشبث به واشرأبت بعنقها تجاهه فقالت بعشقٍ أرادت أن يصل إليه في تلك اللحظة:
_حبيبي وجوزي وكل حاجة في دنيتي، الكتف اللي بتسند عليه دايمًا، واللي عمري في وجوده ما حسيت إني يتيمة الأم والأب، أنت أعظم اختياري يا "عمر".
أغلق عينيه بقوةٍ يحتمل ما يستمعه من كلماتٍ خطيرة تستهدف جوارحه ورغباته تجاهها، فشدد من ضمها لصدره وهو يهمس لها بحبٍ:
_بأحبك.
تلون وجهها بلون حبات الكرز، فابتعدت عنه ونظراتها تحاكيه تغريدات عشق مخصصة إليه هو، فقدم لها يديه لتحتضن أصابعها أصابعه، وكأنه يمنحها دعماً ومساندة حتى وصلت للطابق السفلي.
*********
في قربك أناشد أحلامي ويطرب نبض وتيني، فمهما غبت عن عيني يأتي بطيفك وتزهر الروابي في مجرى شراييني، فرشت الشغاف لك مهداً وثيراً لتتكىء عليه طوال سنيني ، فليس غيرك يهدهد أنَّاتي، ويهبني ملاذاً من العالم يحميني، ليتك تعلم كيف اشتياق إليك كلما ضمتني تحتويني، فأبدو بقربك كالطفلة ألهو، وبين ذراعيك أعلم أن هداياك سوف تأتيني، فبحثت عنك بين الوجوه شوقاً لرؤياك، فعصف قلبي لغيابك الملحوظ لجوارحي.
اهتدت نظراتها الحائرة حينما تعلقت به، يدخل من باب القاعة الخشبي المزخرف بالنقوش الأطفالية، هيبته تستحضر فور دخوله لأى مكان، راقبته وهو يدنو من" غيث" ليضمه وهو يهنئه بسعادةٍ، لا تعلم ما الذي أصابها فباتت تتخيله يحتضنها هي، كان يرتدي بذلة من اللون الأسود، جعلته وسيمًا للغاية، شعره المصفف بعناية كما يجب أن يكون، جبينه الذي تجعد مع انعقاد حاجبين ظللًا لعينين صقريتين تتوهجان كشهابين من نار، فوجدت خطواتها تنجذب إليه كالمغيبة، حتى باتت تقف أمامه، انتقلت عينيه لفستانها الأسود المنقوش بورود من اللون الأبيض، شعرها الذي يتدلى على كتفيها جعله منزعج من أن يرأه أحداً غيره، يروق له لبسها المحتشم مع أنها لا ترتدي الحجاب ولكنه يود لو يغطيها من رأسها حتى أخمص القدم، تحرر لسانها المقيد لتسأله باستياءٍ:
_جاي متأخر ليه؟
حك طرف أنفه وهو يجيبها ببرودٍ:
_كان عندي شغل كتير ولسه مخلص من شوية.
رفعت حاجبها وهي تمتم بسخطٍ:
_حججك دايمًا حاضرة.
همس بخشونة صوته التي تمزج سحر رجولته بدفء حنانه:
_مش محتاج أتحجج على فكرة، لو حابب أروح مكان مفيش حاجة بتمنعني.
وكأنها أمسكت به متلبساً:
_يعني أنت اللي قاصد تتأخر وتيجي زي الغريب.
ضم شفتيه معًا بغيظ:
_هي ملهاش عندك غير المفهوم ده!
دنت منه ثم اشرأبت بعنقها لتخبره بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_متقلقش مش هقولهم حاجة احنا بقينا تيم واحد.
وغمزت له بمشاكسةٍ قبل أن تغادر من أمام عينيه، فابتسم وهو يردد بسخريةٍ:
_مجنونة..
واستكمل طريقه لينضم "لغيث"، وبالرغم من انشغاله بمناقشة بعض الأمور المتعلقة بالعمل الا أن عينيه لم تتركها، كانت ملتصقة بها طوال الوقت، فصفن بابتسامتها البريئة وهي تقدم الهدايا للاطفال بروحٍ مرحة وتلقائية، وجد الابتسامة تتسلق لتتمسك بشفتيه وكأنها مرتبطة بتعويذة رؤياها، لاحظ"عمر" شروده فقال ممازحاً إياه:
_الفرح بعد اسبوعين يا غالي، اتجدعن بقى وهاتلنا عروسة تخلق المشاكل بين الولدين.
حدجه بنظرةٍ جافة، فشاركه "غيث" حديثه المشاكس حينما قال:
_وليه المشاكل بس يا زميلي الأفضل يجيب بنتين ونحل المشكلة قبل ما تبدأ.
وضع "عاصي" كأس العصير عن يديه، ليرد عليهم ساخراً:
_ليه جاني على نفسي عشان أناسب المتهور والمجنون!
وتركهم وإتجه ليجلس جوار خالته حتى انتهى الحفل وعاد لقصره بسلام يشعر به بعدما صممت "إيمان" على أن تقيم "لوجين" بصحبتها لحين موعد الزفاف، فبدل ملابسه ثم أسرع لفراشه هامساً بسرورٍ:
_أخيراً هنام بهدوء بعد وقت طويل.
قطع نومه المريح صوت صفارة مزعجة تأتي من أسفل شرفته، فنهض ليرى من هناك؟ ، ليتفاجأ بعمر يشير له بأن يفتح الباب، وهبط للطابق السفلي مسرعاً، فما أن فتح الباب حتى تساءل بقلقٍ:
_خير يا عمر، إيمان والولد بخير؟
منحه نظرة نمت عن تعصبه الشديد، وخاصة حينما أغلق الباب ليصدر صوتاً مزعجاً، ثم رد عليه بتذمرٍ:
_أختك المحترمة طردت جوزها في نص الليل، المرادي طرد وكل يوم تقفل الباب بالمفتاح من جوه وتسبني برة بالساعات لما الجيران بقت مشفقة عليا، أنت لازم تشوفلك حل معاها مهو أنا عندي طاقة صبر وبتنفذ زي أي بشر.
مرر "عاصي" يديه على وجهه بانفعالٍ، ثم كورهما حتى ابيضت أصابعه:
_يعني أنت جايلي في نص الليل عشان تشتكيلي منها!
رفع كتفيه بقلة حيلة:
_لا بس ملقتش مكان تاني أروحله تاني، ولا عاجبك أنام في الشارع وأنت قاعد في قصر شرح وبرح زي ده!
كز على أسنانه بحدةٍ:
_لا طبعاً ميصحش.
ثم أشار بيديه على أحد الغرف بتأففٍ:
_نام الوقتي وبكره هنشوف حل.
ضحك بصوتٍ مستفز، ومن ثم أسرع بإبلاغه بما سيشغل جنونه:
_لا مش بكره، أنا مطرود طول المدة اللي عروستك هتقضيها هناك، يعني قعدتي هتطول هنا.
أغلق عينيه بقوةٍ، وكأنه يستمع لشيئًا صاخب، فتركه وصعد لغرفته، ومن ثم ألقى بثقل جسده على الفراش وهو يدعو الله أن يمر الأسبوعين بسرعة الصاروخ.
********
أشاح الليل بجلبابه المعتم، لتشرق شمس يوماً جديد، فانطلق الانذار من المنبه ليوقظ "غيث" في موعده المحدد كل ليلة، فمرر يديه على الطرف الأخر من الفراش، ففتح عينيه بانزعاجٍ حينما لم يجدها، فرفع صوته وهو يناديها:
_عائشـــــة!
تعجب حينما لم يأتيه ردها، فنهض ليبحث عنها بالشقة بأكملها، فلم يجدها هي وابنه، ارتدى "غيث" ملابسه على عجلة، ومن ثم هبط للطابق السفلي ثم أخرج من جيبه مفتاح شقة والدته، فولج للداخل يبحث عنها بلهفةٍ، وقف على باب المطبخ يتأمل ما يحدث بفرحةٍ أحاطته، وهو يرى زوجته تعاون والدته في تحضير طعام إفطار خصيصاً إليه، فجذبت منها "عائشة" الأطباق لتضعهما على الصينية وهي تخبرها بحبٍ:
_عنك يا ماما.
وقفت "سمية" محلها تراقبها بنظرةٍ سكنها الدمع والندم بآنٍ واحد، فربتت بيدها على ظهرها ثم قالت ببكاءٍ:
_حقك عليا يا بنتي، كان بأيدي اديكي ولو فرصة واحدة أعاشرك فيها وأشوف طباعك بس مكنتش شايفة غير الوحش اللي زرعته فيكي.
ثم رفعت أصابعها لتزيح دمعاتها، وجاهدت لرسم ابتسامة صغيرة:
_عنده حق ابني يختارلك زوجة ليه.
ترقرق عين "عائشة" بالدموع، لا تعلم ماذا يغلبها سعادة أم حزن، فاحتضنتها وبنبرة حنونة قالت:
_اللي فات كله نسيته والله يا ماما، كفايا تعبك واهتمامك بيا طول الفترة اللي فاتت.
واستطردت بتردد مما ستقوله:
_أنا كان نفسي يكونلي أم واتحرمت من النعمة دي بس في الكام يوم دول حسيت إن حضرتك أمي.
ابتسمت من وسط سيل دموعها، وضمتها لصدرها وهي تخبرها:
_يا حبيبتي يا بنتي، ربنا يعلم اني بحاول وهحاول أكونلك أم.
أدمعت عينيه وهو يراقبهما، فأزاح العالق بأهدابه قبل أن يمزق صفحته المطولة بالصمت:
_أنا حاسس كده إني هغير من علاقتكم دي، بس جوايا جزء بيتمنى إن علاقتكم الجميلة دي تدوم ونعيش في حالة سلام.
تطلعت كلاً منهن للأخرى، فضمتها "سمية" لصدرها مجدداً ثم قالت:
_هتدوم بينا المحبة على طول بإذن الله، اطلع إنت بس منها.
جذب أحد مقاعد الطاولة المستديرة الموضوعة في أحد أركان المطبخ، ثم جذب الطبق أمامه:
_أنا بعيد أهو، بس المهم هتفطروني ولا أنزل!
جذبت"عائشة" الأطباق، ثم وضعتها أمامه، فبدأ في تناوله طعامه بشهيةٍ مفتوحة، فما الذي يريده أكثر من طبق يجمع بين طعام صنع بيد والدته وزوجته، شعر أخيراً بأن أمنيتها تحققت حتى وإن كانت بعد عذاب، انتهى "غيث" من تناول طعامه، ثم كاد بالنهوض، فوجد والدته تقترب منه بكوب القهوة الذي يعشقه من يدها، حمله منها ثم انحنى ليطبع قبلة عميقة على كف يدها الحنون، فرفعت رأسه إليها ثم احتضنته بحبٍ، فاستأذن بالإنصراف وغادر لعمله وهو يشعر بطاقة غريبة تهيئه لعملٍ طويل شاق.
*********
هبط "عاصي" في موعده المحدد لتناول طعام الافطار، فجلس على مقعد الطاولة الضخمة الرئيسي، ثم شرع بتناول الطعام، فما أن اقتربت الخادمة حتى تسكب له كوب العصير، سألها وهو يتفحص الردهة باستغرابٍ:
_عمر لسه نايم ولا أيه؟
أومأت برأسها وهي تجيبه باحترامٍ:
_أستاذ عمر لسه في أوضته، تحب أبلغه بحاجة!
هز رأسه نافياً، وهو يؤمرها:
_لا، روحي انتي شوفي شغلك.
غادرت من أمامه، فبعد المقعد عنه ثم نهض ليتجه لغرفته، طرق على بابه عدة مرات وحينما لم يستمع لأذنه بالدخول، حرر مقبض الباب وولج للداخل، فوجده يسبح بنومٍ ثقيل، حك بيديه ذقنه النابتة وهو يحاول السيطرة على غضبه الذي سيبده لا محالة، فهز يديه وهو يصيح:
_عمـر، أنت يا ابني!
تقلب بفراشه وصوته الناعس يردد بانزعاجٍ:
_مش هقوم الوقتي.. اخرج وخد اختك معاك.
رفع حاجبيه باستنكارٍ، وكاد بركله ولكن جذب انتباهه صوت قرع جرس الباب، ليتفاجأ بغيث يدنو منه، فوزع نظراته بينه وبين من يحتضن الفراش، متسائلاً بدهشةٍ:
_بيعمل أيه هنا ده؟
بابتسامةٍ شبه ساخرة أجابه:
_زي ما أنت شايف، مطرود وبجح كمان.
تعالت ضحكاته، فاقترب منه ليلكزه بقوةٍ وقوله المستهزأ يتبعه:
_مش مكسوف من نفسك ولا أيه ونايم ولا همك الدنيا!
ألقى الغطاء عن جسده بعنفٍ، ثم اعتدل بجلسته لمنحهما نظرة شرسة قبل أن يقول:
_واتكسف ليه، شايفني قاعد على نصية الشارع بندب ولا بشكي أحزاني على النت.
ورفع يديه ينصب لوحة وهمية وهو يقرأ ما فيها:
_«شاهد ما فعلته شقيقة الاربعيني الأعزب رجل الأعمال الشهير بزوجها المسكين!»
ضحك "غيث" ثم قال بنفس نبرته:
_الاعزب أيه بقى ما خلاص هيدخل عش الزوجية وبرجله.
احتضن "عاصي" مقدمة أنفه بضيقٍ، ثم ازاح يديه ليشير لهما بحدةٍ:
_أنا معنديش طاقة لحواراتكم دي وبالذات النهاردة.
ثم أشار على باب الغرفة وهو يسترسل:
_انا رايح أكمل فطاري، اللي حابب يفطر معايا يحصلني.
وتركهما وغادر للخارج، ليتبعه كلاً منهما، فجلس "عمر" جواره ثم جذب أحد الأطباق ليضع بها القليل من الجبن والخضروات ثم شرع بتناولها، أما "غيث" فجذب كوب من العصير يرتشفه بتلذذٍ عن قصد، ثم قال بعنجهيةٍ:
_أنا فطرت من بدري ماما وعائشة بنفسهم محضرنلي أجمل فطار.
ابتسم "عمر" ثم غمز له بمشاكسةٍ:
_أيوه يا عم ولعة معاك، طب مش كنت ترنلي أجي أفطر معاك بدل جو أكل العيانين الصحي ده!
منحه عاصي نظرة حملت الغضب بين طياتها، فشغل الاخير نفسه بتناول الطعام حتى يتفادها، فانتقلت نظراته تجاه ابن خالته ثم قال بصوته الرخيم:
_ربنا يهدي الأمور بينهم دايمًا.
بتمني ردد:
_يا ررب.
ثم نهض ليجذب أحد الملفات من حقيبته السوداء ليضعها أمامه، وهو يشير اليه على مكان التوقيع، فرفع "عاصي" الشوكة تجاهه:
_أنا لسه بفطر على فكرة.
أجابه ببرودٍ وابتسامة استفزته:
_مضطر لاني اتاخرت وحضرتك مش جاي النهاردة.
جذب المنديل ليجفف يديه، ثم انتشل القلم منه ليوقعه سريعاً، فحمل "غيث" الملف، ثم قال بجديةٍ:
_انت صحيح ناوي تعمل أيه مع قاسم؟
رد عليه ببسمةٍ خبيثة:
_والله لو نفذ الشرط اللي قولتله عليه ساعتها أفكر في موضوع الصفقة .
هز الاخير رأسه بعدم تصديق، ثم قال:
_انت محدش يتوقعك.
تناول ما بيديه وهو يمنحه ابتسامة ماكرة، فحمل الاخير حقيبته ثم غادر للشركة على الفور.
********
بشقة "إيمان"
كانت مهمة "لوجين" تتكفل على حمل الصغير لحين أن تنتهي الاخيرة من اعداد غداء مخصص لعاصي وعمر، فحملته أكثر من ثلاث ساعات ومع ذلك كان لا يهدأ أبداً، فما أن استنزف طاقتها، حتى اتجهت للمطبخ، فجذبت "إيمان" من أمام النيران، لتضع ابنها بين يدها، لتمنحها ابتسامة واسعة مصطنعة:
_كده كفايا أوي، انتي تاخدي ابنك العسل ده وتقعدي بيه بره وأنا هكمل بقيت الغدا.
ضحكت بصوتٍ مسموع ثم قالت:
_شكله كده خرجك عن شعورك.
تمتمت بكلماتٍ غير مسموعة:
_شعوري بس!
تعالت ضحكاتها، فجلست على المقعد الجانبي، ثم قالت بسخريةٍ:
_لا اجمدي كده أمال بعد الجواز هتعملي أيه؟
أجابتها بهيامٍ بما سيحدث فيما بعد:
_لا ورايا حاجات كتيرة أوي، زي مثلًا إني مش هسيب عاصي خالص وهروح معاه الشركة واجتماعاته كلها، يعني هكون ليه زوجة وسكرتيرة خاصة.
ضحكت إيمان مجدداً ثم قالت بصعوبةٍ:
_لا يبقى متعرفهوش كويس.
توقفت عن تقليب شرائح البصل في الزيت الساخن، لتسألها بجديةٍ:
_ليه هند مكنتش بتروحله الشركة خالص؟
خيمت عليه غيمة حزن فور ذكرها لزوجة أخيها، فاجابتها بنبرة لمست الاخيرة بها حزنها :
_هند مكنتش بتفارق أوضتها يا لوجين وده بسبب تعبها، عاصي اللي كان بيقضي معاها أغلب الوقت، كأنه يا قلبي كان حاسس إنه هيتحرم منها قريب.
وأزاحت بطرف أصابعها دمعاتها، ثم قالت بعد صمت أطال بتفكيرها حول ما ستخبرها به:
_أنا مش عارفة اذا كان عاصي هيقدر يتجاوز كل ده ولا لا، بس واثقة إنك هتساعديه يا لوجين صح؟
خبأت حزنها جيداً قبل أن تجيبها:
_أكيد هحاول.
ثم عادت لتستكمل ما تفعله قبل أن يصل أي منهما.
وبالفعل بعد مرور ساعة أخرى، فتح "عمر" باب شقته ثم التفت للخلف ليخبره بفرحةٍ:
_حظك حلو يابو نسب أول مرة أختك متقفلش الباب.
دفعه للداخل وهو يخبره على مضضٍ:
_انتوا عايزين واحد فاضي ليكم ولمشاكلكم اللي مبتنتهيش.
أتت "إيمان" مسرعة للترحاب بأخيها، ثم اصطحبته لغرفة السفرة، فجلس هو و"عمر" الذي قال بضيقٍ:
_وأنا ليه ماليش مقابلة خاصة زي دي!
حدجته بنظرةٍ مشتعلة، ثم قالت:
_لما تحترم قواعد البيت ده يا سيد نبقى نرحب بجنابك.
كز على أسنانه بغيظٍ وخاصة حينما ضحك "عاصي" على حربهما الباردة، تجاهلته "إيمان" حينما رفعت صوتها قليلًا:
_هاتي الشوربة وتعالي يا لوجين.
استمعت إليها من تقف بالمطبخ ترتب باقي الطعام، فحملت الإناء ثم دنت للداخل، فتوقفت محلها وهي تراقبه ببسمةٍ أشرقت شمسها المختبئة بأهدابها، شعر بنظراتها تجاهه، فرفع عينيه ليجدها صافنة به وابتسامة رقيقة مرسومة على شفتيها.
_حطيها هنا يا لوجي.
صوتها جعلها تفيق من غفلتها، فاقتربت من الطاولة ثم وضعت ما تحمله، واتجهت لتجلس على المقعد المقابل له، كانت تتناول طعامها وعينيها تراقبه، فما أن يمسك بها تتطلع تجاهه كانت تخفض نظراتها عنه بخجلٍ، وحينما انتهوا من تناول طعامهم، حتى خرج "عاصي" للشرفة المعتاد عليه الوقوف بها حينما يأتي لشقيقته، انشغلت "لوجين" بحمل الاطباق مع إيمان وعمر، فجذبت إيمان الطبق من يدها ثم وضعت كوب من العصير به، لتشير لها على الشرفة وهي تهمس لها بتتبعه، فانصاعت إليها واتجهت للخارج والأخرى تراقبها بسعادة، فقال عمر بمزحٍ:
_أيه جو أم العروسة ده!
ضحكت على كلمته ثم قالت:
_أمال أيه عايزين الدنيا تحلو كده وعاصي يحب البت.
جذب تفاحة من طبق الفاكهة، ليلتهمها قبل أن يرد على ما قالته:
_متقلقيش هيحبها بس هياخد وقت.
رفعت يدها للسماء متناسية الطبق الذي تحمله :
_يـــــا رب.
فزع الاخير وهو يتأمل الطبق محطم أسفل قدميه، فوضع التفاحة بين يدها ثم قال بانزعاجٍ:
_صديتي نفسي.. أنتي مش راجعة الا لما تقطعيلي خلفي.
وتركها وغادر وهي هائمة بمراقبة أخيها، وكأن شيئًا لم يحدث...
*******
كان شارداً بما يتأمله، وجسده كان مستلقى على سور الشرفة، وقفت لوجين لجواره ثم مدت يدها إليه بما تحمله فتناوله منها وهو يرسم ابتسامة صغيرة:
_تسلم ايدك.
بادلته الابتسامة ثم وقفت جواره تتأمل ما يتطلع اليه، فعم خيوط الصمت عليهما، والارتباك يتراقص على كلا الأوتار، إلى أن قطعه عاصي حينما قال بحيرة لما سيفتتح به حديثه:
_عجبتك القعدة هنا؟
سعدت بمجاهدته لفتح حديث يجمعهما، فأجابته ويدها تبعد خصلاتها المتمردة على عينيها:
_جدًا، إيمان تتحب بجد وقعدتها محدش يمل منها.
هز رأسه وهو يتمتم بجملته المعتادة:
_عظيم.
عاد الصمت ليخيم عليهما مجدداً، فقالت لوجين تلك المرة بتوترٍ:
_أنا كنت عايزة أقولك على حاجة.
استدار بجسده تجاهها، ليسألها باهتمامٍ:
_حاجة أيه؟
فركت أصابعها بارتباكٍ، فسحبت نفساً عميق قبل أن تزفره على مهلٍ:
_أنا مقدرة علاقتك بهند كانت عاملة ازاي يا عاصي، عشان كده أنا مش متضايقة ولا هيضايق بوجودها في حياتنا..
وعادت لتعيد خصلاتها التي تبعثرت بفعل الهواء لخلف أذنيها وهي تستطرد بتوترٍ:
_يعني مقدرش أطالبك تنسي ذكرياتها اللي بتجمعك بيها، أنا متقبلة وجودها ومش هيزعجني بالعكس.
ود لو لمس شعرها بين يديه، لو أنه من أعاد شعرها لخلف أذنيها بنفسه، ومع ذلك أعجب بحديثها التي بدت أكثر ارتباكاً بقوله، فمنحها ابتسامة مهلكة لوسامته التي تطل حينما يبتسم، ثم قال بنبرته الرجولية المميزة بالنسبة لها عن باقي الرجال:
_وأنا مش عايز حاجة تانية أكتر من كده، بس خليكي واثقة إن في مكانة خاصة ليكي جوايا واحترام كبير.
ثم مرر يديه على خصلات شعره، وكأنه يمشطه ليتابع ما قال وهو يدنو ليصبح قريباً منها:
_مش عارف إذا كنت هقدر أحبك بنفس الطريقة اللي بتحبيني بيها ولا لا، بس أوعدك إني هحاول.
رغم ألم قلبها النازف ولكنه على الأقل كان صريحاً معها، احترمته "لوجين" كثيراً، فتوتر لصمتها المطول ظناً بأن ما قاله أحزنها، ولكنه وجدها تمنحه ابتسامة أشرقت عتمته، ثم قالت:
_كفايا انك هتكون جنبي يا عاصي.
نطقها لاسمه جعل قلبه يخفق بإنذار خطر يراسل مشاعره، فباتت هناك رغبة غريبة بالحصول عليها، شعر وكأنه على وشك السقوط للهاوية، فباتت عدوة حبها تنتقل إليه رويدًا رويدًا، شعر وكأن تلك الفتاة ستفوز بقلبه وتبدد كل وجعاً اختبره يوماً!
********_________********
رواية الأربعيني الأعزب كاملة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الرابع عشر.
اليوم بالنسبة إليها ليس عادياً، فاليوم الذي كانت تخشى قدومه هي الآن تنتظره بفارغ الصبر، اليوم لن تجبر على الزواج من البغيض الذي لطالما كرهته، بل ستتزوج من الرجل الذي حمل معظم موصفات فتى أحلامها، حتى وإن كان أربعيني العمر ولكنه مازال جذاباً بحفاظه على جسده وعنايته بذاته، وما يحليه صفاته ورجولته، شهامته التي أعجبت بها منذ اللحظة الأولى، تلك الفتاة المشاكسة التي وجدها تختبئ أسفل طاولته ستصبح الآن زوجة له، في حضور الجميع وعلى رأسهم "قاسم" الأرعن وعائلته، بل والمضحك في الأمر بأن "عاصي" اختاره ليشهد على عقد الزفاف بنفسه.
إنتهت "لوجين" من وضع لمساتها الاخيرة من المكيب، الذي صممت وضعه بنفسها ومن ثم وضعت التاج على رأسها ليمنحها مظهراً أنيقاً، فاستدارت تجاه "عائشة" و"إيمان" التي تحمل الصغير، فما أن رأتها حتى رددت باعجابٍ شديد:
_ربنا يحفظك من العين يا روح قلبي.
واحتضنتها وهي تخبرها بلمعةٍ من الحزن اصطحبت نبرتها :
_انتي عوض ربنا لعاصي بعد صبر سنين يا لوجين، عايزاكي تمنحيه السعادة اللي اتحرم منها.
ابتسمت وهي تمازحها حتى تفتت تلك الدموع البادية بعينيها:
_أنا هديله حاجات كتيرة أوي أولهما الضغط والسكر وأخرهم "هند"..
تعجبت كلًا منهن لما استمعت إليه، فقالت"عائشة"باستغرابٍ:
_" هند"!
أومأت برأسها وهي توضح لهما:
_أيوه، ما أنا هجبله بنت وهسميها هند عشان مينساش حبيبته ومراته الله يرحمها.
انكمشت تعابير "إيمان" في ذهولٍ، فسألتها باهتمامٍ:
_وده مش هيضايقك..
واستطردت بتوضيحٍ:
_يعني مجرد تفكيره بواحدة تانية ده شيء ميزعلكيش.
ابتسمت وهي ترد عليها بحكمةٍ:
_وأيه اللي هيزعلني، اللي فات من حياته ده مجرد ماضي أما أنا فحاضره ومستقبله..
ضحكت إيمان حتى برزت أسنانها البيضاء، فشددت من ضمها اليها ثم قالت:
_ عاصي عرف يختار لنفسه اللي تليق بيه.
ثم أشارت لها بغمزة من عينيها وهي تدفعها للخارج:
_يالا بقى نخطف قلبه بطلتك الساحرة دي.
راق لها تعبيرها فتمسكت بيدها وبيد "عائشة" وهي تشير لهما بمرحٍ:
_هيا.. لننطلق..
وبالفعل هبطت بصحبتهم للاسفل، ليمر اطراف الفستان الطويل على زهرات الياسمين الملقاة أرضًا، ومن حولها عدد من الاطفال يحمل كلاً منهما شموع مزينة بالدنتيل الابيض، لينتهي الدرج الخارجي للقصر بمنتصف حفل الزفاف، لتجده يقف بنهاية الخط المفروش بالورود، ينتظرها بلهفة وشوق يسبقه برسائل من غرامٍ، تاه بجمالها الهادئ وتاهت هي به، فكان يبدو وسيمًا ببذلته السوداء الانيقة، هيبته تلك تمنحه وقار يجبر الجميع على احترامها، انتهى طريقها المحفور بالورد حينما أصبحت تقف من أمامه، فسلمته يدها وكأنها تستئمنه على روحها، لتستكمل معه طريقها حتى وصل للمأذون الذي عقد قرانهما في حضور أهم رجال الاعمال، وعدد مهول من الصحافة والتليفزيون، اتقبض قلب "لوجين"حينما رأت"قاسم" يقترب منهما،فتلقائيًا تشبثت بذراعيه، وتعلقت عينيه بها باهتمامٍ، فوجدها تتطلع لمن يفف مقابلهما بخوفٍ، فرفع كف يديه الأخر ليربت على كفها وكأنه يمنحها الأمان والسكينة، فاحتدت نظراته الصارمة تجاهه، رفع "قاسم" كفيه ليصافحه وهو يهنئه ببسمة رسمها بالكد:
_الف مبروك يا باشا.
راق له انهزامه هكذا، فبالأخير لم يعد هناك مخرج له من مأزقه سواه، لذا أجابه بكبرياء:
_تسلم يا قاسم.
وسحب يديه وهو يشير إليه على احدى الطاولات:
_تقدر تتفضل لسه الحفلة مبتدتش.
كانت رسالة صريحة إليه بأن يظل حتى تنتهي الحفلة، والأخر يكبت خلف قناع برودته حقدًا وغضبًا عظيم، فانصاع لإشارته وهبط ليجلس على الطاولةٍ المقابلة إليهما، تبدد هلعها رويدًا رويدًا، فكيف لا يطمئن قلبها في وجوده!
**********
اجتمع "غيث" و"عمر" على طاولةٍ واحدة، فتأهب كلًا منهم للانقضاض على "قاسم"في أي وقت، فجلسوا يراقبنه جيداً، انتبه"عمر" لزوجته التي تزيح دمعاتها بين الوقت والأخر حتى لا يشعر بها أحدًا، فطوفها بذراعيه وهو يتساءل بلهفةٍ:
_في أيه يا حبيبتي مالك؟
رسمت ابتسامة شبه فاترة وهي ترد عليه :
_مفيش يا عمر، أنا بس فرحانة ومش مصدقة إن عاصي أخيرًا بيتجوز.
مازحها بمشاكسةٍ:
_وأهو اليوم ده جيه، هنفرح بقى ولا هنقضيها كآبة؟
أجابه "غيث" بالنيابة عنها:
_هما الستات كلها كده يقلبوا الفرح ميتم..
لكزته "عائشة" وهي تعاتبه بضجرٍ:
_واحدة ومتأثرة عشان أخوها بتجمع ليه بقى، ثم إن الستات دول أغلب خلق الله، قلبهم أبيض كده وبيتضحك عليهم بأي كلمة، مش زي الرجالة اللي دماغهم متركبة غلط.
رفعت إيمان كفها إليها وهي تثني عليها:
_الله عليكي يام يزيد اديلهم.
لوى "عمر" شفتيه بسخطٍ:
_اتلميتوا على بعض!
ثم أشار لغيث قائلًا:
_قوم يا عم نشوفلنا مكان تاني نقعد فيه.
نهضوا سويًا ليختاروا الجلوس على طاولةٍ مجاورة لهن، وكأنهم فريقين مختلفين بفطرتهم، يناطحن بعضهم بالنظرات المحتفنة وكأن الحرب على وشك الإندلاع بينهما.
********
على الحفل الموسيقى الهادئة، فانضمت "لوجين" معه على المنصة، قدم لها يديه، فخفق قلبها بربكة عشقه الخالد، وضعت أصابعها ببطءٍ بين يديه الخشنة، ثم تمايلت معه على الإيقاع بتناغم، والعينين تشعر قناديل العشق والغرام، فلطالما كان بعينيه قدرها، وبات درب هواه دربها المحتوم، تصمت وما عساها أن تختار الصمت ملجأ، فتأمل عينيه وحركاته التي تجبرها على اتبعها تجعلها تشعر بسطوته وتحكمه بها، صمتاً ودت لو طال عهداً لتتمكن من فك لغز عينيه الغامضة، عل نظراتها تنفذ لداخله، وكأنه خشى أن تستكشف مشاعره التي يخفيها فقطع صمتهما الذي طال، حينما قال:
_بسأل نفسي فين البنت المشاكسة اللي ابتديت أتعود عليها، ودلوقتي شايفها بعيني مستخبية ورا بنت كاملة الانوثة.
استهدفت كلماته مشاعرها العذرية، فحاولت إخفاء خجلها الذي سيفضحها لا محالة، فهمست بخبثٍ:
_وأنا كمان بسأل نفسي فين الاربعيني الكئيب، شايفاه مستخبي ورا شاب في العشرين من عمره وخايف من عين الحسود وهي بتلاحقه..
تعالت ضحكاته الرجولية فزادت من وسامته، فكاد بأن يندمج معها بحوارها المشاكس، ولكنه انتبه لعمر الذي يشير إليه ويحثه على حملها والطواف بها ضيق عينيه بحدةٍ، فعاد الأخير ليشير له بأن يفعلها، لذا حملها بين ذراعيه ثم طاف بها وسط صفقات من الجميع وتشجيع عمر له بمزحٍ:
_هو ده الكلام.
ضحك "غيث" على صفير "عمر" المزعج، فجذبه للخلف وهو يحذره:
_بلاش ترخم عليه عشان متزعلش بعد الفرح.
ردد بمكرٍ:
_هو لسه شاف حاجة!
وما أن انتهت رقصتهم التي جمعتهما سويًا، على الحفل إحدى النغمات الصاخبة، فجذب "عمر"،" عاصي" بعيداً عن "لوجين"، ليشاكسه بالرقص فانضم له" غيث" بفرحةٍ، فلم يتردد "عاصي" مشاركتهم، ليستخدم كلًا منهما ساقيه وبعض حركات يديه التي لم تنتقص من رجولتهم.
أما "لوجين" فأمسكت "عائشة" و"إيمان"يدها، لتدور بها بحركاتٍ بسيطة، لم تصل لحد الرقص، فكانت كلاً منهن ترتدي نفس الفستان من اللون الذهيي ونفس لون الحجاب، شاركتهم لوجين بفرحةٍ لم تتمنى أن يشاركها أحدًا بذلك اليوم المخصص لها، فغدت لحظات الفرح سريعة وتعد على اليد حينما انتهى حفل الزفاف، لتصعد معه للأعلى وبدها معلقة بيديه.
*********
عاون "غيث" "عائشة" على الهبوط من السيارة بفستانها الطويل، فانحنى وهو يحيها بغمزةٍ مشاكسة:
_برنسس.
تجاهلته عن عمدٍ ثم فتحت الباب الخلفي لحماتها، فهبطت تحمل الصغير بين يدها، فحاول "غيث" حمله عنها، ولكنها رفضت ذلك وأشارت إليه بمكرٍ:
_يزيد هيفضل معايا النهاردة، أنا حافظة مواعيد أكله فمتقلقش عليه.
شعرت "عائشة" بالحرجٍ لعلمها ماذا تحاول حماتها صنعه، فبعد ولادتها لم تحظى ببعض الوقت الخاص مع زوجها، فحاولت جذبه من يدها، قائلة بخجلٍ:
_مش هيخليكي تنامي خالص يا ماما وهيقلقك طول الليل.
ضمته لصدرها بحنانٍ وهي تفرد الغطاء على جسده حتى تحفظه من الهواء:
_هو أنا ورايا أيه يا بنتي، سبيه واطلعي انتي مع جوزك ومتشليش همه.
انحنت "عائشة" لتقبل يدها بحركةٍ غير متوقعة لزوجها ولسمية، قائلة بحبٍ:
_ربنا ما يحرمنا منك يا رب.
أحاطهم "غيث" بذراعيه، ليدفعهما برفق تجاه مدخل العمارة:
_مينفعش نقف كده، نتكلم فوق.
صعدوا سويًا للأعلى على أمل محاولة تغير قرارها، ولكنها توجهت لشقتها وأغلقت الباب سريعًا، لتجبرهما على الصعود بمفردهما، التفتت "عائشة" تجاهه، فوجدته يتطلع لها بنظرةٍ سيطرت عليها الرغبة فأخرجت العاشق المدفون بداخله، حملت طرف فستانها ثم صعدت للأعلى، وما أن ولجت لشقتها حتى وجدته يجذبها إليه وهو يهمس لها بأنفاسٍ كادت بإحراق بشرتها الوردية:
_وأخيرًا هنبقى لوحدنا!
حاوط خصرها بتملكٍ، وكأنه يمنعها من الفرار، فقالت بتوترٍ وهي تحاول إبعاده عنها:
_أنت مصدقت الولد يبات بره ولا أيه، إبعد كده.
جحظت عينيه وهو يتساءل في صدمةٍ:
_هو كان بيسيبك لحظة!
ابتسمت على تذمره من صغيرهما الذي لم يتعدى عمره الشهرين بعد، فقالت بمكرٍ:
_وأنت صراحة كنت بتتطوع تسهر بيه على طول.. والله ماما فيها الخير عنك.
قربها إليه بحركةٍ سريعة، جعلتها تبتر كلماتها لتواجه عاصفة ستوقعها باستسلامٍ لا ريب، شعر "غيث" برجفتها بين ذراعيه، وشوقها إليه تخبره بها نظرات عينيها التي تتحاشى التطلع بها إليه، فانسابت قبلاته كنهر من عسل فوق وجنتها، لتجبرها على نسيان "يزيد" والعالم بأكمله، لتصبح ملكه في تلك اللحظة التي ارتوى كلاهما من عشقهما، فربما لقاء يحفه العشق يعوض قسوة الهجران!
*******
فتح "عمر" باب شقته، ثم دفعه على متسعه، فألقى ما بيديه من حقائب ممتلئة، ثم جلس على أقرب مقعد يلهث من فرط مجهوده المبذول لحمل الصغير ومتعلقاته ومتعلقات زوجته، فقربه إليه وهو يتمتم بغيظٍ:
_أنت الوحيد اللي مينفعش أرميك في وسط الكركبة دي، بس قريب هعملها بس مش هتبقى لوحدك، هتبقى أنت وأمك وخالك في يوم واحد إن شاء الله.
_بتقول أيه للولد يا مجنون!
قالتها من تغلق الباب من خلفها، وتدنو منه حاملة طرف فستانها الطويل، فتحولت نظراته المحتقنة اليها، ومن ثم نهض عن مقعده ليلقي الصغير بوجهها، وكأنها بسؤالها هذا اشعلت فتيل قنبلتها المتعصبة:
_خدي بس ابنك الأول عشان أدى لنفسي مساحة فأعرف أخد وأدي في الكلام كده.
لفت يدها حول الصغير، ليتابع الاخير بقول ما كبته بداخله طوال الحفل:
_أنا عايز أسالك سؤال بسيط بس، هو أنا الشغال الجديد اللي جبهولك أخوكي المغرور ده؟
أطاحت بفتيل الحرب التي كانت تستعد لها حينما رأته في حالةٍ لا تسمح ذلك، فالنساء بارعات في تقييم حالة الزوج، فإن سمح لها الدلال بوقت غضبه لن تتردد في ذلك، ولكن أحيانًا تصبح الأمور خارج السيطرة، فيصعب إستخدام أسلحتها في تلك اللحظة، لذا عليها سماعه ومحاولة اطفاء نيرانه قبل أن تشتعل أكثر من ذلك، لذا أجابته بدهاء أنوثتها:
_لا يا حبيبي، أنت جوزي حبيبي اللي مبيهنش عليه يشوف مراته محتاسة لوحدها.
رفع حاجبيه ساخراً:
_ده في حالة إني هساعد مش هيترمى عليا الحمل كله وحضرتك طالعة على السلم زي الأميرة!
وضعت الصغير على الأريكة، ثم لفت بفستانها عدة مرات انهتها حينما غمزت له بخبثٍ:
_طب بذمتك مش شبه الأميرة؟
بلل شفتيه الجافة بلعابه وهو يجاهد مشاعره بإنهاء ذلك الخلاف، ولكنه أنفض عن عقله ما يهاجمه قبل أن يعود لساحة المعركة مجدداً:
_ده مش مبرر يخليني شايل الواد والشنط طول الفرح يا هانم!
ثم استرسل بمثال حي علها تتراجع عن استغلاله:
_ما عندك "عائشة" أهي شوفتيها بتدي الواد "لغيث"، كان قاعد صايع طول الحفلة ومش لاقي حاجة يعملها وأنا البيه ابنك لزق ليا من أول دقيقة لأخر دقيقة!
أجابته بانفعالٍ قد نجح بذرعه بها:
_لان حماتها كانت جنبها طول الوقت وشايله عنها كل حاجة يا"عمر" ، لكن أنا ماليش حد غيرك.
وقطع عبارتها دامعة العينين وهي تحاول السيطرة على انفعالاتها، ولكنه ما أن لمح هذة اللمعة الحقيقية حتى ضمها لصدره بقوةٍ، ليغمرها بين ذراعيه بهذا الفيض الذي يجعلها تصفح له عما دفعها إليه دون قصدًا منه، فكانت بحاجة إليه في تلك اللحظة القاسية التي تذكرها بوحدتها، فجرفتهما المشاعر في رحلةٍ قصيرة سمح لهما العشق بخوضها، ولكنها ابتعدت عنه سريعًا فور سماعها بكاء الصغير، تأفف "عمر" وهو يتطلع إليه بضيقٍ، ليصيح بضجرٍ:
_الواد ده مستقصدني!
تعالت ضحكاتها وهي تحمله وتتجه لغرفته، فجلست تحمله لأكثر من ساعتين حتى غفى وغفت وهي تحمله هي الأخرى، بينما ظل "عمر" ينتظرها بغرفتهما طوال تلك المدة وحينما تأخرت بقدومها، اتجه لغرفة الصغير فارتسمت على شفتيه ابتسامة نبعت بالحنان حينما رآها تغفو هي الأخرى والصغير بين يدها، فتسلل على أطراف أصابعه ليحمل عنها الصغير، فوضعه بفراشه ثم داثره جيدًا، وعاد ليحملها بين يديه واتجه بها لغرفتهما، فوضعها على الأريكة ثم وقف حائرًا، لا يود أن يفيقها وهي منهكة هكذا، لذا اتجه لخزانتها ثم جذب منامة قطنية ليبدل لها فستانها، وحملها للفراش فداثرها بأحضانه وهو يطبع قبلات متفرقة على أنحاء وجهها، هامسًا بحزنٍ:
_كل ما بحاول أنسيكي موت والدتك برجع بغبائي أفكرك من غير ما أقصد، بس أوعدك إنها مش هتكرر تاني.
أطبقت أصابعها على التيشرت الخاص به، فأكدت له بأنها مستيقظة، وخاصة حينما همست بخجلٍ:
_بأحبك.
ضحك بمكرٍ، فجذب الغطاء عليهما وهو يردد بخبثٍ:
_بما انك صاحية في كلام مكملنهوش بسبب المحروس ابنك وجيه وقته.
تعالت ضحكاتها على وصفها لابنه، وتركته يبدد حزنها لسعادة وعشق لا يخص سواه هو!
********
ما أصعب أن يجابه إنسان ماضيه لأجل أن يعيش حاضره، فتلك الروحُ المرهقة رغم السهادِ لم ينطفئ ضوؤها ولم يتزعزع في قلبِها الإيمان ، وربما ما أخذه اللهُ كان لحكمةٍ فقد لا نملك في كثير من الأحيان حريةَ الإختيارِ ونحيا بالحلمِ الوسنان، في تلك اللحظة شعر "عاصي" وكأن روحها تحوم به، تجاهد في نقل غيرتها إليه في تلك اللحظة، فظل بمكتبه طوال تلك المدة التي فشل في تحديدها، وخلع جرفاته حينما شعر بأنها تعيق مجرى تنفسه، فمازال لا يتذكر وعده للوجين بأنه سيحاول منحها الحب والإحترام ووعود شعر بتلك اللحظة بأنها أكبر منه، ربما لإن الماضي مازال يفرض عليه حتى تلك اللحظة، استكان بجسده على المقعد حتى سيطر عليه النوم، فاستسلم إليه، ولم يعد يشعر بشيئًا، فما أن مضى الليل حتى شعر بوخزاتٍ مؤلمة تستهدف جنبه الأيسر، ففتح "عاصي" عينيه بانزعاجٍ، ليتفاجأ بها تجلس على مقعد مقابل إليه، وتلكزه بعصا غليظة للغاية، استقام بجلسته وهو يتساءل بدهشةٍ:
_في أيه؟
ألقت ما في فمها من بقايا التسالي، وهي تجيبه ساخرة:
_مفيش، جيه في بالي شوية قرارات مهمة كده وقولت لازم أبلغك بيها، بس أنت اللي نومك تقيل ومش راضي تصحى أعملك أيه!
عبس بعينيه وهو يحاول الاستيقاظ، فردد بنومٍ:
_قرارات أيه دي؟
عند تلك اللحظة نهضت "لوجين" عن مقعدها، ثم طرقت بالعصا على المكتب فأفزعته:
_أولًا جو كل واحد ينام في أوضة لوحده لحد ما المشاعر تتحرك زي روايات المحن دي متلزمنيش، هي أوضة واحدة هنتشارك فيها واللي عنده ضغينة من التاني يقولها.
ضيق عينيه بذهولٍ، فاسترسلت بحدةٍ:
_ثانيًا بقى وده الأهم مفيش نزول الشركة من غيري وده طبعًا لما تقعدلك هنا أسبوعين تلاته عشان محدش يأكل وشي... ثالثًا بقى آ...
قاطعها حينما لوح بيديه بتعصبٍ:
_حيلك حيلك أنتي داخلة تشتري أرض!
والتقط نفسًا مطولًا ثم زفره على مهلٍ:
_معنديش مشكلة نقعد مع بعض، لكن شغل أيه اللي عايزة تنزليه معايا ده؟
صعدت فوق سطح المكتب لتجيبه باندفاعٍ والأخر يتابعها في صدمةٍ:
_أمال عايزني أسيبك تمشي على حل شعرك ودي تغمزلك ودي تكتبلك رقمها لا مستحيل.
مرر يديه على وجهه بقسوةٍ، ثم قال من بين اصطكاك أسنانه:
_أيه جو الأفلام الهندي اللي أنتي عايشة جواه ده!
وتابع بقرارٍ هام وهو يجذب منها العصا ليلوح بها أمام وجهها:
_وبعدين انتي داخلة من تاني يوم تناقشيني بقرارتك ومعاكي دي أمال بعد كده النقاش هيبقى ازاي، لا وعايزاني أقعد معاكي هنا اسبوعين انتي بتحلمي!
لوت شفتيها في سخطٍ:
_يعني عايزني أصحيك ازاي وانت مقضي ليلتك هنا وكأن في غول مستنيك فوق!
عجز عن كتم ضحكاته وهو يراها بتلك الحالة الجنونية، فاستفزتها ضحكاته وهتفت بانفعالٍ:
_بتضحك على أيه؟
استعاد اتزانه وهو يشير إليها بثباتٍ مخادع:
_مبضحكش، اتفضلي كملي كلامك.
كزت على أسنانها بغيظٍ من طريقته:
_كلامي خلص.
وتركته وغادرت من أمامه ويدها تقبض بقوةٍ على أصابعها، فابتسم رغمًا عنه ليردد بصوتٍ خافت:
_شكل اللي جاي شيء تاني خالص!
********
تعمدت "لوجين" تجاهله، حتى حينما تتناول طعامها، كانت تتناوله بمفردها، وحملت هاتفها ثم خرجت للحديقة تتحدث مع "عائشة" و"إيمان"، عل الفتور الذي يستحوذ عليها يتبدد بحديثها معهن، ولكن لم يزيدها الأمر الا إنها اكتسبت طاقة سلبية جعلتها تطوق لأمرًا جنوني، لذا نهضت عن الأريكة وبحثت عنه والغضب يجعل عينيها خطيرة، وجدته بغرفته يتمدد على الفراش ويغفو بنومٍ مريح، فكزت على أسنانها بغلٍ، ثم اقتربت منه لتصرخ بأعلى صوت تمتلكه:
_عاصـــــــــي.
نهض من محله مفزوعًا، وهو يلتفت جواره، فاهتدت عينيه بها، فقال بضيقٍ:
_في أيه تاني على الصبح!
جلست جواره على الفراش، لتستكمل صياحها المنفعل:
_انت طالع تكمل نوم وعلى بالك الست اللي انت اتجوزتها دي!
كبت ابتسامته للمرة التي تعدت حساباته، فقال بهدوءٍ زائف:
_والمفروض أعمل أيه؟
هزت كتفيها بتشتتٍ:
_معرفش، بس أكيد هنلاقي حاجة نعملها، ممكن نخرج مثلًا، نروح نسهر بأي مكان.
انتباه فكر مجنون، فقال بحزنٍ مصطنع:
_سهر أيه لا أنا ماليش في الجو ده، أنا واحد أربعيني مكتئب أخري أقرأ كتاب أشوف فيلم حلو لكن سهر والكلام ده موعدكيش.
وجذب الغطاء على جسده مجددًا في محاولةٍ لادعاء النوم، كزت على أسنانها بقوة تفوق تلك المرة، فجذبت الغطاء عنه ثم حركته بشراسةٍ:
_يعني أموت جنبك ولا أهبب أيه في السعادي.
قيد حركة يدها التي تكيل له الضربات، وحاصرها لتصبح مقيدة بين ذراعيه، فقرب وجهه منها وهو يهمس بصوتٍ دق ناقوس الخطر:
_وبعدين، هنبتديها عناد وحروب من أولها كده... ده لسه معداش على فرحنا غير كام ساعة!
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ وهي تتطلع لعينيه عن قربٍ، فوجدت بهما هداها، ناده نبضها وعشقها وكل جوارحها بكرةً وعشيا، وفي محرابه كانت تغزل قصائدها المخملية، وقلبها يشتعل شوقًا وحنينًا، مرت نظراته ببطءٍ على معالم وجهها حتى استقرت فوق شفتيها المرتجفة، فلم يستطيع الصمود أمامها، أراد أن يتذوق معسول حاولت اخفائه عنه، ولكنه تمكن من ذلك، فابعدته "لوجين" عنها وهي تهمس على استحياءٍ:
_ابعد..
ونهضت وهي تعيد خصلات شعرها للخلف فقرأ توترها، فشتت نظراته عنها حينما قالت بتصميمٍ:
_هتخرج معايا وهنسهر للصبح وده قرار نهائي. واتجهت لخزانته لتنقي له قميص من اللون الأبيض وبنطال رمادي اللون، ثم وضعتهما على الفراش لتشير إليه بصرامةٍ:
_أنا نص ساعة وهكون جاهزة وتكون أنت كمان لبست.
عقد حاجبيه باستنكارٍ:
_من أمته وانتي بتديني أوامر؟
حملت فستانها واتجهت للحمام وهي تجيبه بغرورٍ:
_من اللحظة اللي بقيت فيها مراتك.
وأغلقت الباب بوجهه، فراق له كلماتها، ثم نهض ليرتدي ما وضعته له، ومازالت كلماتها تهيم به، فانتهى من تصفيف شعره ثم استدار تجاهها وهو يردد بانزعاجٍ مصطنع:
_كده تمام ولا لسه في حاجة تانية.
منحته نظرة شملته، ثم رفع أصابعها وهي تشير له باعجابٍ، ولكن لم يكن ينتبه لما تفعله، فكان صافن بجمالها الذي يطل من خلف فستانها الأبيض الرقيق، لاحظت نظراته تلك فراقبته خلسةٍ وهي تصفف شعرها، وفور أن انتهت اتجهت إليه لتسأله باهتمامٍ:
_أيه رأيك؟
ابتسم وهو يخبرها:
_جميل.
لم يعجبها رأيه المختصر بها، كانت تود أن تستمع مدحه بما يرضي فضولها كأنثى، ولكنها لا تعلم سبب انزعاجه، دنا منها "عاصي" ثم بدأ حديثه معها بمكرٍ:
_انتي كنتي عايزة تنزلي معايا الشركة ليه؟
ردت باقتضابٍ:
_مش قولتلك الصبح!
_معلش مكنتش أخد بالي.
_قولتلك مش هسمح لأي بنت كده ولا كده تبصبص ليك.
ابتسم بخبثٍ وقد وصل لغايته، فقطع المسافة التي تفصلهما حتى بات قريبًا للغاية، فمرر يديه على خصلات شعرها الأسود بلمساتٍ يديه الرقيقة، أغلقت عينيها في محاربة لما يهاجمهما من مشاعرٍ عذرية، ولكنها تفاجأت به يهمس جوار أذنيها:
_وأنا كمان محبش أشوف راجل غريب يبص لمراتي، عشان كده مش هستحمل انك تخرجي معايا كده.
وابتعد عنها ليتأملها بنظرة مهتمة لما سيحدث لها من تعابير معبرة عما يحدث معها، فأغلب النساء تعتقد غيرة الرجل شيئًا رجعي يقيد حريتها، فقد تظن بأنه حينما يفرض رأيه بارتداء الحجاب وملابس محتشمة بأنه يفعل ذلك تشددًا، ولكنه يصون غيرته التي قد تشتعل حينما يرى رجلًا أخر يتطلع لمفاتنها، يريد أن يخصه جمالها ولا أحدًا سواه، لمعت عينيها بدمعةٍ ترقرقت فرحًا لحبه وخوفه عليها، إذًا باتت تعنيه الآن، نعم كانت قد اتخذت القرار مسبقًا بارتداء الحجاب بعد زواجها، ولكن ما أروع أن يختاره هو لها ويخبرها بذلك بطريقةٍ راقية تحمل نبع حنانه وهدوئه، ابتعدت عنه "لوجين" لتتجه لخزانتها ثم عادت إليه مجددًا لتسأله وهي تشير على حجابها الذي ترتديه:
_طب أيه رأيك كده؟
تبسم العشق بوجهه، فمنحها نظرة إعجاب ملأت نقصها تجاه رأيه المتنقص، فاقترب "عاصي" منها ثم طبع قبلة عميقة على جبينها:
_أجمل بكتير...خليكي عارفة ومتأكدة إني أحب أشوفك أجمل واحدة بالكون كله، بس في عيوني أنا مش في عيون حد.
تلون وجهها بلون حبات الفراولة الشهي، فابتعدت عنه ثم اشارت تجاه الباب:
_طب مش يالا بقى.
اتبعها للخارج وهو يرد عليها:
_يالا..
وتحرك بها للمكان الذي اختارته، فكان يطل على مياه النيل، قضى معاها ساعات كان يضحك بها من صمام قلبه، جعلته يخالف مواعيده المنضبطة، فلم يعد يعنيه الوقت كلما يكون معها، يشعر وكأنها تغلبه بعالمها المشاكس الوردي، فتجعله ينغمس معها دون رجعة منه، فكان شغوفًا لسماعها طوال الوقت، حتى وإن كان الأمر تافه لا يزيد حافظته، يرغب فقط بسماعها ورؤيتها تبتسم، فقد أيقن الآن بأن ما كان بداخله منذ البداية هو حبًا فشل بالاعتراف به!
******________******
رواية الأربعيني الأعزب كاملة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الخامس عشر.
(والأخيـر)..
إعتاد قصر الأربعيني الأعزب على وجود تلك الفتاة الفوضوية، فكانت أغراضها تعبئ القصر بأكمله ومع ذلك لم يشعر "عاصي" بالضجر أبدًا، فقد شعر أخيرًا بأن قصره عاد ليدب بالحياة في وجودها، بعدما كان كل شيئًا منظمًا، كسرت قواعد كثيرة أعظمها تشابه الأيام الروتنية بالنسبة إليه، فكل يوم كان مختلفًا بوجودها، مرحها وبهجتها صنعت منه شخصًا أخر بات يكتشفه من جديدٍ، فبات إنسانًا طبيعيًا، يستيقظ مرة بموعده المحدد ومرة أخرى يغلبه النوم بعدما قضى مسائه بصحبتها، ربما ببدايته كان شخصًا منظم لأنه يمتلك المزيد من الوقت الذي يقضيه بمفرده، لكن الآن بات بصحبتها أحدًا يملي وقته، اليوم يعد هامًا بالنسبةٍ إليه لأنه وأخيرًا سيقطع أجازته وسيعود للعمل، لذا تألق ببذلته السوداء ثم رتب أوراقه الهامة بحقيبته، وأسرع للأسفل لتناول طعامه قبل الذهاب لعمله، فوجدها تنتظره وهي ترتدي بذلة نسائية تشابه ما يرتديها، وتحمل نفس حقيبته، فردد في صدمةٍ:
_على فين إن شاء الله؟
أجابته بمنتهى الهدوء والإبتسامة ترتسم على وجهها:
_على الشركة يا حبيبي.
برقت عينيه في دهشةٍ من جرائتها بإتخاذٍ قرار هكذا، فقال بصوتٍ ضم السخرية بين أطيافه:
_وده بقرار مين؟
عدلت من ياقة بذلتها بغرورٍ:
_قراري أنا.
جذب مقعده ثم شرع بتناول طعامه وهو يشير لها باستهزاءٍ:
_روحي اقلعي مفيش حاجة من اللي في دماغك دي هتحصل، وخليكي هادية وراكزة كده بدل ما أقطع عليكي كل الخروجات.
احتدت نظراتها المشتعلة تجاه، فرددت بوعيدٍ:
_بقي كده؟
أومأ برأسه ببسمةٍ تعمد جعلها باردة لتستفزها، فغادرت من أمامه وهي تتوعد إليه:
_ماشي يا عاصي.
وادعت صعودها للأعلى ولكنها استغلت انشغاله بتناول الطعام وتركه للحقيبة على المقعد المجاور للدرج، فجذبتها بحرصٍ وعينيها تراقبه، ثم اتجهت لغرفة مكتبه الجانبية، ففتحت الحقيبة لتتفحص محتوياتها، ثم شرعت بتنفيذ مخططها،فحرصت على وضع ورقة من الأوراق التي صورتها على المكينة بكل ملف موجود بالحقيبة، وأسرعت بإعادتها لمحلها وهي تهمس بخبثٍ شيطاني:
_والله لأوريك يا عاصي.
*********
طوال تلك الفترة الماضية كان عبء العمل يقع على كتفي "غيث"، فكان يعمل جاهدًا ليسد غياب"عاصي"، وبناء على طلبه نظم لإجتماع هام ليناقش كيف كانت الأمور تجرى بدونه، وبالفعل ما أن وصل لمقر العمل حتى اجتمعوا جميعًا بغرفة الاجتماعات التي ترأسها"عاصي"، فأوضح له"غيث" أخر التطورات، وبعدما انتهى بدأ "عاصي" بالحديث عن أحد أهم الصَفَقَاتٌ التي ستجدد العمل بينهم وبين أسبانيا، ثم قدم بعض الملفات لأحد الموظفين وأمره بتوزيع النسخ على زملائه، بينما نهض هو ليقف أمام السبورة البيضاء، ثم جذب أحد الأقلام ليبدأ بشرح ما سيعم بالفائدة على الشركة من صفقات مثل تلك التي سيقدم على فعلها، مستعينًا بالملفات الموضوعة أمامهما، ولكنه لاحظ تبدل ملامح الجميع، ليبدوا أغلبهم يقرأ بتمعنٍ المكتوب أمامه، والأخر يعكس إنطباعًا غاضب، والأخير يبتسم فلم يستطيع السيطرة على ضحكاته، أما "غيث" فقرأ المدون بصدمةٍ
«السادة أعضاء الشركة الموقرين، إن هذا الرجل المدعو بعاصي سويلم قد تجرد من رداء الإنسانية حينما حرم امرأة من أبسط حقوقها، بتحقيق طموحاتها بالعمل، فقد يبدو للجميع رجلًا مثقفًا يحترم حقوق المرأة ويرى أن حقوقها مناصفة بالمجتمع وها هو يحرم زوجته من العمل بكل ذرة كبرياء امتلكها هذا المتعجرف، ومن مكاني هذا أناشدكم بشن حرب الثورة على هذا المغرور، ومطالبته بالسماح لي بالعمل بالشركة، حتى لا يقضى على حق المرأة في المساهمة برقي المحتمع.. ولكم مني كل السلام.. لوجين سويلم»
اتنقلت نظراته الحائرة تجاه "غيث" والذي بدوره نهض ليقدم له نسخة من الملف المطروح أمام موظفين شركته، فانكمشت تعابيره رويدًا رويدًا، لتحتد مع قراءة كل سطر يليه حتى وصل لذروة الغضب، فكمش الورق بين يديه وهو يردد من بين اصطكاك أسنانه:
_لوجيــــــــــن.
شعر "غيث" بأنه سيفقد التحكم بأعصابه أمام موظفيه، لذا كان سريع بردة فعله حينما قال:
_مجرد سوء تفاهم، وهنأجل الاجتماع لبكره إن شاء الله.
غادر الجميع قاعة الاجتماعات، ليتبقى "غيث" بصحبته، فدنا منه بحذرٍ انتقاء كلماته هحاول أن يقلب الأمر مزحة:
_يعني أنت مشغل في الشركة عدد كبير من الستات وجيت على مراتك وتقولها لا؟
انتقلت نظراته الحادة تجاهه، فاستكمل بتحذيرٍ شمل أمر ونصيحة:
_أنا من رأيي تنزلها معاك الشغل بدل ما تفضحك على النت زي ما عملت دلوقتي، متنساش انها عندها صفحة معدية ال100الف متابع!
ألقى بالملف الذي يحمله أرضًا ليجيبه بشراسةٍ:
_أنا مبتلويش دراعي يا غيث وأنت عارف.
كبت ضحكاته بصعوبةٍ فما تفعله "لوجين" لا يحتمله العقل حتى يحتمله عاصي العاقل، فجاهد لجعل معالمه أكثر مرونة:
_ الوضع يفرق يا عم، لازم تسايس أمورك عشان المركب، انت بس عشان لسه متجوز قريب بس لما تدخلك في سنة ولا اتنين هتبتدي تتأقلم.
منحه نظرة مستنكرة:
_مين ده اللي بيتكلم!
تنحنح بحرجٍ، ثم قال:
_عارف إني متهور وعصبي وفيا العبر كلها بس بقدملك النصايح اللي اتقالتلي.
_وعملت بيها؟
_أبدًا.. بس ده ميمنعش اني بحاول.
ربت بيديه على كتفه بقسوةٍ:
_حاول مع نفسك بس أنا بقى مش هيمشي معايا الدور ده، عايزك في مكتبي زي ما أنت، أنا ولا كأني جيت.
ولوح له وهو يحمل حقيبته ليتجه للخروج:
_سلام يا مان.
اتبعه "غيث" وهو مشدوهًا من الصدمةٍ، فرفع صوته ليصل لمسمعه:
_لا كده مش هينفع، هنتأخر في حاجات كتير ارجع خلينا نشوف شغلنا وبلاش لعب العيال اللي مش هيأكل عيش بحلاوة ده!
لم يعيره انتباهًا وصعد لسيارته ليعود بسرعةٍ البرق للقصر، فوجد الخادمة تنظف الطابق السفلي، فما أن رأته حتى دنت منه تتساءل باستغرابٍ:
_حضرتك نسيت حاجة يا باشا؟
تجاهل سؤالها، وعينيه الصقرية تجوب المكان باحثًا عنها، وحينما لم تهتدي سألها بانفعالٍ:
_هي فين؟
ردت عليه بحيرةٍ وخوف من نبرته المتعصبة التي لا تنذر بالخير:
_هي مين! آه الهانم فوق في أوضتها بترتاح شوية.
تركها وانطلق للأعلى كالصاروخ المندفع، فقبض على مقبض الباب بقوةٍ كادت بخلعه، فوجدها تجلس على مقعد السراحة وتضع طلاء الأظافر على يدها، فمنحته نظرة ماكرة قبل أن تردد بصوتٍ ناعم:
_أنت جيت يا حبيبي، متأخرتش يعني!
أغلق الباب من خلفه بعنفٍ، ثم اقترب منها وهو يطالعها بانذارٍ خطر، فانحنى ليقابل نظراتها العنجهية بنبرته الخشنة:
_في أقل من الدقيقة تشرحيلي أيه الجنان اللي هببتيه ده؟
اكملت وضع الطلاء وهي تتساءل ببرودٍ:
_أيه اللي عملته؟
ألقى بالزجاجة الصغيرة أرضًا، فتناثرت محتوياتها على السجاد، فاستقامت بوقفتها وهي تصيح به:
_أنت مجنون أيه اللي عملته ده!
راق له تعصبها، فقال بنفس نبرتها الباردة:
_عشات تتأكدي إنك مش مجنونة لوحدك، أنا كمان ممكن أبقى مختل وأعمل اللي أكتر من كده.
ضيقت عينيها باستياءٍ، ثم دفعته بيدها وهي تخبره دوافعها تجاه ما فعلته:
_وأنت لسه شوفت حاجة، قابل مني اللي أكتر من كده طول ما أنت انسان حاقد وجاي على الغلبانة اللي اتجوزتها دي.
جحظت حدقتيه في صدمةٍ:
_مين دي اللي غلبانة! ده الغلب جنبك ملاك بجناحين.
وضعت يدها بمنتصف خصرها بعدما تدلى جزء من مئزرها:
_وأنت بقى أيه؟
اتجهت عينيه لما ترتديه أسفل مئزرها، فكانت ترتدي قميص أسود بحملات رفيعة، تتبعت عيناها ما ينظر إليه، فشهقت خجلًا وهي تخفي ما ترتديه، وأشارت له بأصابعها:
_شوفتك على فكرة.
ابتسم بانتصارٍ، ومن ثم سألها بخبث وهو يدنو منها:
_شوفتي أيه بالظبط!
بللت شفتيها بارتباكٍ وهي تراه يقترب منها، فاستدارت في نية لمغادرة الغرفة، والأخر يتبعها، فرغمًا عنه وضع قدميه على طرف مئزرها، لتتعركل قدميها فكاد بأن يساندها ولكن إختل توازنهما ليسقطوا معًا على الفراش، منحته نظرة متعصبة وهي تحاول دفعها بعيدًا عنها، فكان من السهل شل حركاتها لفرق قوته الذكورية على جسدها الضعيف، ثم تطلع لها وهو يحذرها بكلماته:
_دي أخر مرة هتحطيني في موقف محرج زي ده مع موظفيني يا لوجين، سامعة؟
أومأت برأسها عدة مرات، فارتسم على شفتيه ابتسامة رضا بما توصل إليه معها، فحرر أول يد لها فوضعتها على صدره لتدفعه مثلما اعتادت، ولكنها توقفت حينما شعرت لأول مرة بنبضات قلبه أسفل أصابعها، فاتجهت نظراتها لتعانق عينيه التي تنظران إليها بمشاعرٍ متخطبة، فالدقائق سئمت من وقتهما الذي طال بينهما، انخفضت عينيها لشفتيه التي تجاهد لقول شيئًا لم تستطيع فهمه، فبدى إليها حائرًا فيما سيقول، للحظة انقبض قلبها لشعورها بأنه ربما سيطلقها لجنونها حتمًا، فملامحه المرتبكة كانت موضع قلقها، ولكنه أعاد الخفق لقلبها البائس حينما رددت شفتيه:
_بأحبك.
أغلقت عينيها بقوةٍ وعدم تصديق لما استمعت إليه، وأخيرًا غسلت جوارحها بسماع تلك الكلمة، ففتحت عينيها على مهلٍ وهي تطالعه بدموعٍ فرحة ظهر بعينيها، قرب "عاصي" يديه من وجهها، فأزاح تلك الدمعات قبل أن تلوث وجهها الذي إعتاد رؤية البسمة به، ثم عاد ليهمس لها مجددًا، وكأن معسول كلماته ستشفي ما بداخلها:
_ من أول يوم شوفتك فيه وأنا كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي، إنتي عوضتيني عن الماضي اللي عشت مدفون جواه ومكنتش قادر أخرج منه، أنا أحيانًا بحس بالندم إني قابلتك بعد المدة الكبيرة دي كلها، بأحبك ومش هحب غيرك.
اندثت بأحضانه ويدها تتشبث به، وكأنها تخبره بأنها تكن له حبًا يضاهي الذي يحمله لها، لذا سمح لرغباته المدفونة بداخله بأن تعبر لها ما تكنه من مشاعر صادقة لمعشوقة قلبه، فارغمها على التعايش معه قلبٍ وقالبًا، فانسجمت الأرواح في لقاء عابر، كان بالبداية شبه مستحيل بين أربعينيا أعزبًا وفتاة ساقها القدر إليه.
******
وعلى الرغم من إزدهار برعم الحب بينهما الا أن "لوجين" لم تفقد روحها المرحة التي تسللت لأعماق "عاصي" بعد، بل ظلت هكذا، تلاحقه أينما ذهب، وربحت حربها بموافقته على الذهاب معه للعمل، فكانت تشغل وقته بالمنزل والشركة وكل مكان كان يوجد هو به، وكأنها ظله الذي فقده لسنواتٍ، وربما عوض لتحمله ألم الفقدان لأعوام لن يحتمل أي رجلًا عاديًا خوض تلك التفاصيل القاسية، ومع ذلك أبت "لوجين" محو ذكرياته الخاصة، فتركت صور "هند" التي قد تشكل انذار خطر لأي امرأة أخرى، تركتها تملأ قصرها وبجوارها كانت تضع صورًا لها مع "عاصي" ، وكأنها تخبره بأن ماضيه ملكـًا له وحده..
الأيام تمضي، والشهور تمر والحياة تزال مستمرة، وها قد أتى الشهر المترقب إليها، فاليوم سيتم "عاصي" الحادي والأربعون من عمره، مازالت تذكر ما حدث في ذلك اليوم بالسنة الماضية، فكان ذكرى ميلاده الأربعون هو يوم التقى كلًا منهما معًا، ربما كان وحيدًا في ذلك اليوم، ولكنها الآن معه ولجواره، أعدت كل شيء بمساعدة "إيمان" و"عائشة" و"غيث" و"عمر"، فكان القصر مزخرفًا بطريقة غير مبالغة بها، وإسمه دونته بالزينة وأسفله بلون أبيض على شكل حروف عمره، وما أن أعلن بوق سيارته وصوله حتى إختبئ الجميع، فوقت دخوله لقاعة القصر كانت إشارة بالهجوم الجماعي، فانقضوا عليه جميعًا بالصواريخ والصابون والأشياء الطفولية التي حرصت "لوجين" على شرائها، حاول "عاصي" حماية وجهه وهو يصيح بهم بعصبيةٍ:
_أيه الجنان ده!
قال "عمر" بمزحٍ:
_عيد ميلاد سعيد يابو نسب، قولنا نفرحك أياكش يطمر فيك.
تعالت ضحكات "إيمان"، فقالت هي الأخرى وهي ترشه بالصابون:
_طبعًا يا عاصي انت مش هتزعل مني لإنك عارف أكيد مين صاحب الفكرة دي!
انتقلت نظراته لها، فضخت عليه بسلاحها وهي تخبره بابتسامةٍ واسعة:
_كل سنة وأنت طيب يا حبيبي.
كاد بأن يتخطاهم ليمسك بها، فأسرعت بخطاها لتقف خلف" عائشة"التي كان زوجها حماية لها، فوزع "عاصي" نظراته بينه وبين ما يحمله يين يديه، ثم قال بدهشةٍ:
_حتى أنت يا غيث!
ضخ عليه بما يحمله وهو يخبره بمرحٍ:
_ده احتفال قيم ولازم نحتفل بيه صح ولا أيه؟
ضحكت "عائشة" ثم قالت بحياديةٍ:
_كلهم رشوا عليك الا أنا يا عاصي عشان تعرف بس إني ماليش في الاذية.
منحها ابتسامة هادئة وهو يرد عليها:
_طول عمرك طيبة مش زي جوزك.
عاد ليرشه بالصابون وهو يخبره باستمتاعٍ:
_ماله جوزها يا عاصي بيه؟
كز على أسنانه بغضبٍ كاد بتدميرهما، ولكنه إختار الجلوس على الطاولة هادئًا لبعض الوقت، فوجدهم يجتمعون من حوله على المقاعد ليبدأ كلًا منهما بتقديم هداياه، وانتهت بلوجين التي وضعت من أمامه ثلاث علب مغلفة، فرفع حاجبيه وهو يتساءل باستغرابٍ:
_أيه ده؟
قالت بضحكة كانت مقلقة له:
_فيها هديتك دور عليها انت بقى.
فتح العلبة الموضوعة على الجهة المجاورة له، فما أن فتحها حتى تدفقت المياه بوجهه، فضحك الجميع على مظهره، بينما قدم له "عمر" المناديل الورقية وهو يشير إليه بحماسٍ:
_اجمد يا وحش.
احتدت نظراته التي وزعت بينهما جميعًا، وخاصة حينما قالت "لوجين" بغرورٍ:
_اضحك وإنت بتفتح هديتي أنا بالذات، عشان ميحصلكش زي اللي حصل ده.
تحكم بغضبه الذي سيفسد يومه هذا، ففتح العلبة التي تليها، فتعجب حينما وجد بها ساعته القديمة التي اهدته إليه "هند" في أخر عيد ميلاد حضرته معه، وكأن لوجين تتعمد أن يتذكرها في كل أوقاته، فيترحم عليها، وربما كانت اشارة للعلبة التي تليها، فما أن فض الشريط الموضوع عليها حتى تقوس جبينه بذهولٍ، فكانت تحوي شريطًا صغير ملفوف على شيئًا مبهمًا، فتحه "عاصي" ليتفاجأ باختبار حمل يحمل مؤشر بروحٍ أخرى قادمة لتنير حياته، رفع عينيه بصعوبةٍ عنها ليتطلع لمن تراقبه بنظراتٍ باكية، فنهض عن مقعده ثم أسرع تجاهها ليحملها بين ذراعيه هامسًا وهو يطوف بها بجنونٍ:
_بأحبك..
ابتسمت "لوجين" وهمست له بعشقٍ:
_وأنا بموت فيك.
التف الجميع من حولهما ليبارك هذا الخبر السعيد، من كان يصدق بأنه سيكسر قاعدة عزوبيته تلك ليصبح له زوجة وابن، من كان يصدق أن قلب الأربعيني الأعزب سيتمرد ليخضع لاختيار شريكته، وكأنه يشعر بها حتى وإن لم يعترف بحبها الذي حاربه واستسلم له بالنهاية، فماذا بعد اللقاء وكانت هي له قدرًا، ناداها بنبضه والوريد، فمسحت على قلبه بتعويذة، وبين ذراعيه كانت من الآمنين
وعلى جدار العابرين صنعا معًا من العشق تاريخًا..
***********_________********