داخل أحد أقسام الشرطة، يدخل بعض المجندين ومعهم مجرمون مكبلون بأصفاد حديدية. بالرغم من عددهم الكبير، كان أفراد الشرطة يحكمون وثاقهم. أمامهم يسير اثنان من الضباط، أحدهم يمسك بمجموعة أوراق يراجعها بتركيز، ويقول لزميله بفخر: الحمد لله المأمورية عدت أسهل مما كنا نتخيل. رد الآخر عليه: يابني إحنا نازلين مع سالم الشريف، لعمر ما في حاجة فلّتت من تحت إيده. رد الآخر بإعجاب:
عشان قبل ما يتحرك من مكانه بيكون عامل تحريات مظبوطة، وراسم خطة متخرش الماية. كان يسير أمامهم بكل هيبة، ويقول بأمر: نزلهم على التخشيبة... أمين خلص وتعالى عايزك. أعقب قوله بوضع يده فوق مقبض باب مكتبه، ثم أداره ودلف للداخل. خلع جاكيت بدلته وألقاه فوق المقعد، وشمر أكمام قميصه وألقى بجسده فوق المقعد. تنهد بإرهاق، ثم قلب عينيه بملل بعد أن رأى أحدهم يدلف إليه قائلاً بتملق: باشا البلد... الله ينور يا ريس.
أشعل سيجارة ونفث دخانها، وقال: أخلص يا سعيد، بلاش الفرح بتاع كل مرة ده. ضحك سعيد، وهو أحد الضباط الذين يعملون معه ولكنه أقل رتبة منه، ثم قال: ماهو لازم أعمل فرح، دا أنت مفيش قضية بتفلت من تحت إيدك يا باشا. تطلع له بغيظ مازح، وقال: قل أعوذ برب الفلق... عينك يابا أرحم أمي بقي. ضحك سعيد، وقال: خلاص خلاص مش هتكلم... المهم هتروح دلوقتي ولا إيه؟ أنت مطبق من امبارح. سالم:
ساعة كده وأمشي، أقفل المحضر عشان تبقى الأوراق كلها جاهزة. سعيد: تمام، وأنا هخلص اللي ورايا وأجي معاك. مثل عدم الفهم، وقال: تيجي معايا فين؟ أنت ساكن بعيد عني أصلاً. ضحك سعيد بسماجة، وقال: لا ما أنا جاي معاك البيت، الحاجة كانت بتكلمني عشان تليفونك مقفول، وقالت لي عاملة كوارع... وأنت عارف اللي فيها بقي يا حبيب أخوك. قذفه بالولاعة، وقال بغيظ مازح: أبو تقل دمك يا جدع.
في مكان بعيد كل البعد عن محافظة الإسكندرية، التي يقطن بها بطلنا. كانت تلك المجنونة تملأ الدنيا نواحاً مفتعلاً، وهي تجلس داخل الحرم الجامعي. نظرت لها صديقتها المقربة، وقالت بغيظ: يا بنتي اتهدي بقي، كل مرة تعملي كده، وفي الآخر بتطلعي الأولى. جزت سمر على أسنانها بغيظ، ثم قالت: أنا قركم ده اللي جابني ورا أهو، في تلت أسئلة كاملين محلتهمش. نظرت لها رانيا، وقالت بشك أقرب لليقين: والله... سيبتيهم خالص يعني؟
زاغت بعينيها يميناً ويساراً، ثم قالت: مش أوي يعني، كتبت أي حاجة وخلاص. كادت أن ترد عليها، إلا أنها أكملت سريعًا كعادتها: تعالي ناكل أي حاجة عشان أهدي أعصابي بقي. ضحكت رانيا، وقالت: نفسي أعرف بتودي الأكل ده كله فين... أنتي تزعلي تاكلي، تفرحي تاكلي، عايزة تغيري مودك بردو تاكلي، ويا ريت بيبان عليكي. ضحكت بهدوء، وقالت: أهو ده الحقد بعينه... يلا يا زفتة، أنا عيطت كتير ومحتاجة أحسن نفسيتي.
وقفت معها، وسارا معاً إلى خارج أسوار الجامعة. سألتها رانيا بجدية: مامتك لسه ما اتصلتش؟ غامت عيناها بالحزن، وهي تقول: لأ، مع إن معادها كان امبارح، مش عارفة اتأخرت ليه، دي عمرها ما حصلت، وللأسف مش عارفة أتصل بيها، وده هيجنني. رانيا: ماهي لو مش عارفة إنك هبلة، ما كنتش جابتلك خط استقبال. سمر: طب والله ما كنت هتصل... أصلاً أنتي عارفة إنها جابت لي الفون ده من ورا أهل بابا عشان تقدر تطمن عليا في أي وقت. رانيا:
لأ، كنتي هتتصلي كل شوية وفي أي وقت يا سمر... مامتك خايفة عليكي، ممكن حد يدخل وأنتي بتكلميها، ولو عرفوا إنكم على تواصل هيخربوا الدنيا. سمر بحزن: عندك حق، آخر مرة طلبت من جدو أشوفها... عمي ضربني ومنعني من الجامعة أسبوعين. رانيا: صحيح، عملتي إيه في ابن عمك البارد ده اللي مصمم يتجوزك؟ سمر: ولا أي حاجة، امبارح لما قفلت معاكي وقلت لك هحكيلك لما أشوفك...
بعدها أمه جات لي الأوضة وحرقت دمي بكلمتين، وفي الآخر قالت لي اعملي حسابك فرحك على عزت في إجازة نص السنة. رانيا بوجل: يا لهوي... وهتعملي إيه يا سمر؟ هتتجوزيه؟ ردت بقوة: أنتي هبلة؟ أتجوز مين؟ ده أنا الموت عندي أرحم... ده واحد متجوز وعنده تلت بنات، قال إيه عايز ولد وأنا بنت عمه، وهو أولى بيا. رانيا: إلى مش قادرة أفهمه، إزاي جدك موافق على التخلف ده، مع أنه بيحبك جداً. ابتسمت بجانب فمها، وقالت:
بيحبني عشان أنا بنت ابنه اللي مات ومخلفش غيري... بس في نفس الوقت مش عايز كل الأملاك اللي بابا الله يرحمه كتبها باسمي تروح لواحد غريب. رانيا: مش كفاية إنهم أصلاً عايشين في خير أبوكي وبيذلوكي على المصروف... سرقوا فلوسك وكمان عايزين يسرقوا حياتك. نعود إلى الإسكندرية، بالتحديد داخل شقة العقيد سالم الشريف. نجد أمه تستقبله بحنان، كأنه غائب منذ شهر، لا يومان فقط. سعاد: تعالي يا حبيبي، حمد الله بالسلامة...
كده برضه تليفونك يتقفل وتوجع قلبي عليك. قبل كفها بإجلال، وقال: حقك عليا يا حجة، فصل مني ونسيت أشحنه. سعيد من الخلف: أنا هنا يا سوسو، ولا أنتي مش بتشوفي حد غير سالم بيك؟ تطلع له بغضب، وقال: ما تلم أمك وبطل تقول سوسو دي يا بغل أنت. اتجه سعيد سريعًا ليقف خلف تلك الضاحكة، وقال بشجاعة زائفة بعد أن أحتمي بها: ماهي زي أمي يا جدع... ملكش دعوة أدلعها زي ما أنا عايز. كان أن يهجم عليه، فصرخت سعاد: باااااس!
اللي يشوفكم بتتناقروا ميقولش واحد عنده أربعين سنة والتاني أربعة وثلاثين. قلب سالم عينيه بملل، ثم تحرك إلى الداخل وهو يقول: طب يا سوسو، أنا هطلع آخد دش وأغير على ما تجهزي الأكل. سعاد بغيظ: أيوه أيوه، اهرب زي العادة. سعيد بخبث: يهرب من إيه بس يا حجة؟ سعاد: ااااه، بيهرب عشان عارف إني هكلمه في حكاية الجواز... نفسي أشوف له عيل قبل ما أموت، يابني اللي زيه عياله بقت طوله وهو مش في دماغه. فرك ذقنه، وقال بتركيز:
يمكن معمول له عمل يا سوسو، لازم نشوف شيخ. علمت أنه يسخر منها، دفعته بقوة في صدره، وقالت بغضب: شييييخ! طب غووور بقي، ما أنت شبهه، يعني أنت نوغة، ما أنت عانس برضه. أعقبت قولها بالتوجه للداخل كي تحضر الطعام، بينما هو جحظت عيناه بصدمة وهو يقول: عاااانس! أنا عانس يا سعاد. لم يتلقى منها ردًا، ولكن سمع دعاء تهبط من فوق الدرج وهي تضحك بصخب. وصلت قبالته، وقالت: احمد ربنا إنها ما قالتش باير. سعيد بغيظ: أنا جاي أطفح ولا أتهزأ؟
رفعت أصبعيها، وقالت بشماتة: الاتنين. نظر لها بمكر، وقال: طب بدل ما تبهدلني أنا والباشا اللي طلع وسابني في وش المدفع... تشوفك أنت يا أختي. دعاء بغيظ: وأنا مالي بقي؟ إن شاء الله متجوزة ومعايا بنوتة زي القمر. سعيد: كل ده جميل، بس هبلة وسايبة جوزك يدور على حل لشعره لحد ما هيدخل عليكي بضرة. نظرت له بغيظ، ثم قالت بدفاع: طبعًا لا، استحالة يحصل، أنا بثق في محمد جداً، وهو استحالة يخوني ولا يبص لغيري.
لوي سعيد فمه يميناً ويساراً في حركة نسائية، وقال: خليكي هبلة كده... يا بت افهمي واسمعي مني، إحنا الرجالة لما يتساب لينا الحبل على الغارب، لازم نلعب بديلنا. قبل أن ترد عليه، وجدت أخيها الحبيب يمسكه من ياقة قميصه، وكأنه قبض على لص متلبس، وهو يقول بجنون: يابني اتهد بقي! أنت جاي تولع الدنيا، ما تسيب البت في حالها. سعيد: مش بوعيها، الحق عليا. سالم: وفر نصايحك... هي بتحبه وبتثق فيه، ملكش فيه أنت بقي.
وصلت بطلتنا إلى منزل العائلة الكبير، الذي يقبع في إحدى القرى الريفية. وجدت عزت في انتظارها بوجه متجهم. حاولت أن تتخطاه دون أن توجه له أي حديث، إلا أنه قطع عليها الطريق، وقال بغضب: ااايه يا بت المصراوية، متكبرة ترمي السلام؟ ردت عليه بغضب: قلت لك مليون مرة ما تقولش الكلمة دي تاني، سامع؟ أنا ليا اسم. ابتسم بخبث، وقال: أنا أول مرة أشوف واحدة مستعرية من أمها. صرخت بغضب: اااخرس! قطع لسانك...
أمي دي تاج فوق راسي، وأتشرف بيها طول عمري. جذبها من شعرها بعد أن رأى جدها وأبيها ونساء المنزل يتجهون لهم، وقال بكذب: أنتي ليكي عين تعلي صوتك عليا يا فاجرة... كل ده عشان بقولك اتأخرتي ليه؟ صرخت من شدة الألم، بينما قالت زوجته بغل: مش بت المصراوية اللي خطفت الراجل من بت عمه... أقلب القدرة على فمها تطلع البنت لأمها. الجد: سيبها يا عزت. نظر في ساعة يده، ثم أكمل: متأخرة ربع ساعة بس، يمكن الطريق كان واقف.
صرخت بحزن من بين بكائها: أنا أصلاً جايه في معادي بالدقيقة يا جدو... هو اللي وقف في وشي وفضل يغلط فيا وفي أمي. عوض أبو عزت: كمان هتتبلي على جوزك؟ ونعم التربية. صرخت بجنون: على جثتي لو ده حصل... منكم لله. أعقبت قولها بالانطلاق نحو غرفتها بالأعلى، بينما قالت أم عزت بغل: البنت عيارها فلت وبتدعي علينا عيني عينك. نظرت للجد وأكملت بخبث: أنا من رأيي تعجل بالجواز يابا الحج، البنت متضمنش. عزت: يعني إيه؟ أجابت عليه بشيطانية:
يعني البنت داخلة طالعة لحالها يا قلب أمك، متضمنش ممكن تطفش ولا حد من العيال اللي معاها في الكلية يميل دماغها، مش بعيد تهرب معاه وتتجوزوا... ساعتها هيلهف كل حاجة في كرشه. نظر الجد بغضب جم، ثم قال: على جثتي لو ده حصل، ده أنا أدفنها حية. وفي إحدى المنازل داخل نفس القرية، كانت هويدا تتحرك بصعوبة تجاه حظيرة المواشي كي تنظف روثها. بالرغم من مرضها الشديد، إلا أنها تعلم جيداً أن أم زوجها لم ترحمها. أم محمود:
مالك يا هويدا، ماشية تجري رجلك كده ليه كأن عليهم شوالين ملح؟ ردت عليها بتعب واضح: حقك عليا يا أما، البرد متقل جسمي. أم محمود: بت يا بسمة، اطلعي شقة أخوكي شوفي لها أي برشام مسكن، أبوكي جابو امبارح، وبالمرة هاتيلي الجلابية الزرقة عشان ألبسها.
نظرت لها هويدا بقهر، ولم تستطع التفوه بحرف، فقد اعتادت أن تستبيح شقتها، تفتح خزانه ملابسها، تأخذ كل ما يحلو لها دون أن تكلف نفسها وتخبرها، حتى لا تستطيع أن تشكو لزوجها المغترب. فإذا فكرت أن تنطق بحرف على أهله، يسمعها ما لا يرضيها. وهي مسكينة، حرفياً تعيش معها كما يقولون، بلقمتها، ليس لها أي مطالب، حتى المرض لا تقوى على الذهاب للطبيب إذا شعرت به. وأمه لا ترحمها، والحجة دائماً: أنتي زي بنتي وأنا بعتمد عليكي.
داخل إحدى الشقق الراقية، بدأت هند في استعادة وعيها بعد أن جائها غيبوبة سكر منذ الأمس. وجدت زوجها الحبيب يجلس بجانبها، وعلى وجهه ارتسمت ملامح القلق البالغ عليها. رمشت بعينيها عدة مرات، فانتفض قائلاً: أخيرا... قلقتيني عليكي. ابتسمت ببهوت، ثم قالت بوهن: حقك عليا... قبل أن تكمل حديثها، حاولت التحرك وهي تقول بقلق بالغ: البت... سمر... كنت ماسكة الفون عشان أتصل بيها بس وقعت ومدرتش بالدنيا. رد عليها سريعًا محاولاً تهدئتها:
اهدء يا حبيبتي، اهدء، أنتي أغمي عليكي والحمد لله سامح كان هنا، اتصل بالست سعاد وطلبت لك الدكتور، واتصل بيا... وبعد ما فوقتي شوية الدكتور اداكي مهدئ. دمعت عيناها وهي تقول: أنت عارف يا عبده إنها بتستنى اتصالي بيها... أنا منعاها تتصل عشان محدش يشوف الفون ده معاها. عبده: أكيد هتعذرك، معلش اصبري لبكرة وكلميها، زمانها روحت دلوقتي ومتضمنيش مين يكون معاها. تنهدت بهم، ثم قالت: منهم لله...
حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، ربنا يحرمهم من نور عينيهم زي ما حرموني من بنتي. ربت على كتفها بحنان، ثم قال: هانت يا حبيبتي، كلها سنتين وأقل كمان... تكمل سن الرشد، ووقتها هجبها تعيش معاكي على طول. ردت عليه بحزن: وأنت مفكر إنهم هيسيبوها كل ده؟ دي ناس خبيثة، ربنا يكفينا شرهم. نظر لها بحيرة، ثم قال: ..... ده بارت تعريفي بحياة الأبطال، من بكرة إن شاء الله الفصول هتكون طويلة ومليانة أحداث. انتظروا بقلمي/ فريدة الحلواني
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!