في أحد الشوارع البسيطة ب محافظة البحيرة، وبالتحديد في أحد بيوت أشهر العلافين في المنطقة، وفي الطابق الأرضي، حيث يقطن كبير عائلة الحمش، الحاج هريدي، مع زوجته عائشة، السيدة الحنونة، أم أبنائه الثلاثة الذين أنجبتهم بعد صبر سنوات عديدة واشتياق مرير، وحرصت جيداً على تربيتهم. كان هريدي يتحدث معها بعصبية: -وأنا قولت هكتبله هو كل حاجة دوناً عن أخواته، يعني هكتبله. خشت عائشة من قراره فردت:
-يا هريدي، حرام، محدش ضامن الموت من الحياة. اتسعت حدقة عينيها بصدمة قائلاً: -بتقولي إيه يا عيشة، بتفولي عليا يا وليه؟ شهقت عائشة ووضعت يدها على صدرها مستنكرة ما يقوله: -ما عشت ولا كنت يا هريدي، ربنا يجعل يومي قبل يومك أنا بس. أوقفها بعصبية يمنعها من محاولة إقناعه، لأنه يعلم جيداً أنه خاطئ: -وأنا يعني هعمل إيه، غلط ده لفترة مؤقتة، وبعدين حتى لو أخدهم كلهم. هزت عائشة رأسها برفض وعدم اقتناع بحديثه، لأنه يحمل
في طياته الوقوع في الإثم: -أنا عايزة تطبق شرع ربنا يا هريدي، لو خايف من الضرايب خلاص، قسم ما بين التلاتة. رد عليها بعصبية، لأنها على حق ولكنها لا تريد ذلك، يريد الإشادة بواحد فقط: -ربنا عطى لاتنين منهم العلم، واحد دكتور والتاني مهندس، لكن ده مكملش الدبلوم. حاولت معه بشتى الطرق، ولكنها فشلت، فرأسه مثل حجر الصوان لا يلين أبداً، فبكت قائلة:
-ربنا عوض عليه بحاجات كتير، فاتح محل لوحده واتجوز وخلف. الدكتور اتجوز ومخلفش، والتاني مش متجوز. ارتفع حاجباه بدهشة عندما وجدها تتعاطف مع محمد ومصطفى، ولم تتعاطف مع سالم مثله، فرد عليها قائلاً: -يا عيشة، ده يخليكي توافقي إني أكتب كله لسالم، على الأقل جاب ولد من صلبنا، مش التاني اللي دكتور وباب النجار مخلع. اقتربت منه عائشة وهمت بتقبيل يده برجاء ألا يفعلها، ويعمل على التفرقة بين يديه أولادها، لأنها تعلم
سالم وخبثه وكرهه لأشقائه: -أحب على يدك يا هريدي، بلاش يا أخويا، وإن كان على الدكتور مسيره يخلف، ومصطفى أكيد هيلاقي بنت الحلال، خليها بالتساوي. هز رأسه بالرفض وأصر على ما قرر مع ابنه سالم، لتضطر إلى إخباره عن قوة ولديه الاثنين، وإن كان سالم في نظره أقوى، فهم لا بأس بهم أقوياء: -اسمعني يا هريدي، محمد ومصطفى مش هيسكتوا. أوقفها هريدي بلهجة محذرة، فهو يستهون بقوتهم: -عيشة، دول أولادي وأنا حر أعمل فيهم اللي أعمله.
وضعت عائشة يدها على خديها بقلة حيلة قائلة: -يا ميلة بختي، خلاص اللي عملته سنين عمري هيروح.
في الطابق الثاني، كانت مريم، زوجة سالم، ابنهم الأكبر، تقوم بالأعمال المنزلية، هي ابنة عمه طاهر الحمش، وهي الابنة الوحيدة له، ولذلك أصر هريدي على أخذها عروساً لسالم حتى يضمن نصيب شقيقه بالكامل، فهو ليس شريكه، بل له وكالة خاصة ويصدر مواد العلافة بمصنع بمنتصف المحافظة، ووافق سالم عليها رغماً عنه، ومع مرور الأيام اقتنع بها وبجمالها، فهي طويلة وذات جسد ممشوق، بيضاء البشرة، وعينيها بنية اللون، وملامحها حزينة كمن أتلفها الحياة، وشعرها طويل حريري بلون كلون عينيها.
كانت تجتهد في عملها حتى استوقفها ابن عمها سالم وزوجها: -القمر بتاعي عمال هالك نفسه، ويجي الليل ينام. زفرت مريم بحنق، فهي تفهم ما يجول برأسه: -مش بنام يا سالم، أنت اللي بتتأخر، ابقى تعالي بدري. ابتسم سالم بسخرية، لأنه يعلم أنها تتهرب منه ولا تطيقه: -وإن مجيتش بدري يبقى خلاص، أتركن على الرف، مأخدش حقوقي. جزت مريم على أسنانها بغيظ، فهي ملت الحديث معه بنفس الموضوع:
-اشتكيني يا سالم وقول إني عاصية وطلقني، أهو على الأقل تتأخر براحتك. جذبها من ذراعها وعنفها بكلتا يديه، خاصة عندما لمح في حديثها التهديد بالبوح أنه يتأخر: -مفيش حد هيكون في صفك يا مريم، خصوصاً بعد ما أبويا يكتبلي كل حاجة باسمي وأبقى الأمر الناهي. عقدت مريم ما بين حاجبيها بعدم فهم، كيف له أن يفعل ما قاله للتو، ومن سيسمح له بذلك، فهي تدرك جيداً أن هذا الأمر ليس بالهين:
-أبوك مين يا سالم اللي هيكتبلك كل الهلومة دي باسمك، بلاش نضحك على بعض، نجوم السما أقرب لك من اللي بتفكر فيه. أخواتك مش هيسكتوا. سخر قائلاً: -كلها كام يوم. هزت رأسها بنفي: -مستحيل ده يحصل. توعد لها قائلاً: -طب وحياتك هيحصل. أزاحته من أمامها: -أوعي كده، أما أروح أشوف الحكاية دي. أوقفها سالم ومنعها من الهبوط إلى الطابق السفلي: -بكرة تنزلي، إنما النهاردة لا، لغاية ما يتم المراد من رب العباد.
ثم قام بدفعها داخل الغرفة وأغلق عليها بإحكام، حتى لا تتهور وتهبط للأسفل وتتحدث مع عمها وتجعله يعدل عن هذا القرار. فكرت مريم في الاتصال بوالدها ليحميها من بطش زوجها، ولكنها تذكرت كيف قام بالغصب عليها وإجبارها على الزواج من سالم رغم كرهها الشديد له. هو أيضاً لا يحبها، يعشق امرأة غيرها، صديقة لصديقه. مريم، وأصرت على صداقتها لتعلم ما يحدث بين مريم وسالم، وللقيام بالتفريق بينهم حتى يعود لها سالم من جديد، وبالفعل كانت تذهب إلى جارتهم كل يوم لتتلصص على أخبارهم، فضلاً عن مقابلتها بسالم آخر الليل. كانت دائماً ما تغدق على نوال بالهدايا لتخرج لها الأسرار.
"الله يا حلاوتهم، حلو قوي الشال ده، ربنا ما يحرمني منك، جبتيه إمتى؟ ردت حلاوتهم بغرور وهي تعاتب نوال، حيث أنها سافرت لأسبوع كامل: -لسه فاكرة حلاوتهم يا نوال، ده أنا قلت إنك بتتهربي مني لما أبوكي قالي إنك مش راجعة. زمت نوال شفتيها باستياء، فبالفعل والدها لا يطيق حلاوتهم ودائماً يحذر ابنته منها لأنه يعلم ما بينها وبين سالم:
-أبويا ده راجل صعب قوي يا حلاوتهم، معلش متزعليش مني، وبعدين دي آخر سنة ليا في الكلية، لازم أسافر وأحضر. غمزتها حلاوتهم بوقاحة، لأنها تجتهد من أجل أن تليق بمصطفى، فهي تعشقه وتريده، مع علمها أن مريم كانت تحبه أيضاً، ومع ذلك هي من بخت السم في أذن طاهر والد مريم ليزج بها في الزواج من سالم: -عقبال ما أشتريلك فستان فرحك على البشمهندس مصطفى يا نوال. ابتسمت نوال بتمني، فهي تريد منه نظرة فقط، ودائماً ما تذهب إلى مريم:
-بس هو يطل عليا بعينيه يا حلاوتهم، ده مش بيعبرني خالص، كله بسببها. ابتسمت حلاوتهم بخبث وبفرحة شديدة عندما رأت نظرات الكره في عيني نوال: -معلش يا نوال، هي مفكراكي هبلة ومش فاهمة إنها بتحبه، مسيرها تقع، خطافة الرجالة. زفرت نوال بحنق، فهي دائماً تنوي أن تفتعل فضيحة لمريم، وحلاوتهم تمنعها، تريد لها الخروج بإرادتها:
-قلتلك يا حلاوتهم، زي ما غصبتها إنها تتجوز سالم، لما روحت قلت لأبوها إنها بتصاحب ولاد، ممكن أخليها تطلق من سالم. لوت حلاوتهم شفتيها بامتعاض، فمثل هذه الأمور ستفسر على أنها كيد نساء، ومن المحتمل تمسك سالم بها أكثر وأخذها وابعادها عن شقيقه: -اممم، وبعد ما تفضحيها، مصطفى هيتجوزك؟ انتابت نوال الحيرة، فحلاوتهم محقة، من الممكن أن يتزوجها: -كلامك صح يا حلاوتهم، هيبقي معروف عني إني خرابة بيوت.
عودة إلى منزل هريدي الحمش، بالطابق الثالث، كان يقطن الطبيب محمد وزوجته بهيرة. كانت شارده في الفراغ تبتسم حتى دخل عليها: -بتضحكي على إيه؟ بهيرة بتأفف وضييق: -وأنت مش شايف اللي إحنا فيه يضحك؟ زفر محمد بحنق ورد عليها بحدة قائلاً: -إيه اللي إحنا فيه؟ إحنا معندناش موانع. انتفضت بهيرة وبدأت وصلة الصياح: -وأنت مش دكتور ولا على رأي عمي؟ نظر إليها نظرة معاتبة ورد عليها قائلاً: -أنتي أكيد اتجننتي، دي إرادة ربنا يا جاهلة.
أغمضت بهيرة عينيها بحزن وهتفت بمرارة: -أنا من يوم الإجهاض وأنا تعبانة قوي يا محمد. صرخ محمد في وجهها ولعنها على ضعفها قائلاً: -كل مرة هتفكريني بالإجهاض والزفت، قلتلك مكنش ينفع نسيبه. أخذت تتعالى أنفاسها ودقات قلبها كمن يتمزق بداخله، لا يستطع إدراك الموقف: -مكتوب عليا لما أحمل أحمل في طفل مش مكتمل، وأفضل أتعاير من أبوك وأخوك. استشاط محمد غضباً وجز على أسنانه بغيظ، وود سحق سالم أمامها حتى لا يتعدى حدوده مرة أخرى:
-من هنا ورابح، نزول تحت من غيري مش هيحصل يا بهيرة، حتى لو زهقتي عندك التلفزيون، حتى نزولك لمريم ممنوع. تضايقت بهيرة من أوامره وتحذيراته، ألا يكفيه ما يجول بداخلها، سيمنعها أيضاً عن الهبوط لمريم واللعب مع صغيرها الذي تعتبره ابنها: -كنت بلاعب محمد الصغير. منعها وحذرها بإصبعه قائلاً: -لا محمد الصغير ولا غيره. ابتسمت بهستيريا وضحكت: -ههههههه، حتى ده ممنوع؟ انشق قلبه وانفطر من أجلها: -والله غصبن عني، بس ده أحسن حل.
ترجته وتوسلت إليه أن يعدل عن قراره: -يا محمد، أنا غلطانة، مش هشتكي تاني. اشتد غيظه منها ومن ضعفها وأردف: -والله حتى لو اعتذروا ليكي يا بهيرة. كادت أن ترد عليه، ولكنها انتبهت إلى صوت هاتفها، وعندما رأت اسم مريم ينير شاشته، قطبت جبينها، فهي لا تهاتفها إلا في أشد الأمور: -مالك يا مريم؟ ارتبكت مريم قائلة: -محبوسة في الأوضة، ومفيش مفتاح. عقدت بهيرة ما بين حاجبيها قائلة: -مخبياه فين آخر مرة؟ وفين محمد؟ تذكرت مريم
أمر محمد وانتحبت قائلة: -سالم حبسني وأخد الولد، نزله تحت، تعالي خرجيني. سرعان ما هبطت لها بهيرة ضاربة بفرارات محمد بعرض الحائط، وما إن فتحت لها، حتى ارتمت مريم في أحضانها تسرد عليها ما حدث: -وده يخليه يحبسك؟ هزت مريم رأسها بالنفي: -لا، هو خاف لأثر على عمي. ابتسمت بهيرة بسخرية ولويت شفتيها: -يبقى عبيط، هو مش عارف عمي بيحبه قد إيه؟ اندهشت مريم لاستسلام بهيرة للموقف وعدم ضيقها:
-بقي أنا بحكيلك علشان تحاولي تلحقيه، تقوم تستلمي خالص؟ تنهدت بهيرة وزفرت أنفاسها بقلة حيلة، فهي في عالم آخر من العذاب: -يا مريم، أنا في إيه ولا في إيه؟ وبعدين هو عمره ما هيحجز على الأملاك. مطت مريم شفتيها، فلا أحد يعلم سالم غيرها، فهي زوجته، تشعر بأنفاسه التي تود إحراق الجميع: -هيحجز يا بهيرة، ومحدش هيقدر عليه، ولا عمك هريدي نفسه، ربنا يستر ميجرالوش حاجة بسببه.
انتفضت بهيرة وتحدثت مع مريم، ولأول مرة بجرأة لدرجة استغربت منها مريم، كأنها ترى بهيرة أخرى: -ولا حتى أبوكي. على فكرة، لو حصل حاجة زي دي، هيبقى أبوكي السبب، لأنه العقل المدبر لسالم، بس بكرة تشوفوا سالم هيعمل فيكم إيه. كادت مريم أن ترد عليها لولا طرقاً على الباب، لتظهر والدة أزواجهم تدلف بمحمد، والذي من أن رأته بهيرة، حتى جذبته إليها لتدلله قائلة: -تعالي يا مرات عمي، ادخلي. دلفت عائشة من الباب قائلة:
-حد منكم ينزل يجهز الأكل. اعترضت بهيرة وهي تدلل محمد: -يا مرات عمي، محمد حلفان عليا مش أنزل. تنهدت عائشة وهي تنظر إلى مريم بحزن: -حقك عليا يا بهيرة، أنا عارفة إنه بيضايقك. ربتت بهيرة على كتف عائشة وقبلتها قائلة: -إذا كان عليا نفسي أنزل، بس أنتي عارفة اللي بيحصل. هبطت مريم وقامت بإعداد الطعام في صمت مطبق، تتذكر ما حدث في الصباح، وما إن أتى موعد الطعام، قامت بتحضير السفرة والتف الجميع عدا مصطفى.
سأل محمد عن مصطفى قائلاً: -أومال مصطفى فين؟ العادي إنه بيبقى أول واحد. زم سالم شفتيه بضيق، لأن محمد يقصده بالتأخير: -كان هنا من شوية، بس لمح البت نوال جارتنا، خرج يكلمها. كادت أن توبخه والدته، لولا دلوف مصطفى عليهم، لتشعر مريم أن سالم صادق: -مساء الخير عليكم جميعاً. معلش اتأخرت عليكم، كنت عند جارنا الحاج منعم بشوفه. رد عليه الجميع، والكل مختلف في نظراته، وعلى رأسهم سالم، كانت نظراته خبيثة، أما البقية كلها استفهام:
-مساء النور. انتبه إلى ردهم جميعاً، وانتبه أيضاً لعدم ردها، فتحدث لوالدته وهو ينظر صوب مريم: -كان واحشه بنته اللي بعدت عنه بقالها أسبوع، وكان عايزني أشوفلها حل في الجامعة. ردت عليه عائشة بوهن، حيث كانت في ملكوت آخر، يعصفها التفكير عصفاً في موضوع الإرث: -وأنت هتعمل إيه يا ابني؟ أنت مسكين أنت وأخوك محمد، متعلمين آه، بس غلابة، ما باليد حيلة يا ابني. قطب مصطفى جبينه وأخذ ينظر إلى محمد نظرات استفهام، لعله يفهمه، ولكن لن
يوجد عند محمد أدنى فكرة: -مالك يا أمي؟ الموضوع بسيط. أنتي عارفة الدكاترة أصحابي، ولولا إني مش حابب، كان زماني رئيس قسم هناك. وبعدين هي كمان صعبان عليا مرمطتها كل أسبوع سفر وسكن مش مضمون في القاهرة، ودي بنت ووحيدة لوحدها، فهتوسط ليها إن شاء الله. انتبهت مريم لإصراره على مساعدة نوال، لتبتلع غصة مريرة بحلقها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!