انتبهت عائشة لما قالته بعد أن نظرت إلى أعينهم، خاصة عيني هريدي وعين سالم الذين رمقوها بازدراء، فعدلت حديثها. -لا يا حبيبي، ما قصدتش. أنت طبعًا كبير في المقام في الجامعة. أقصد يعني بلاش تتحشر البت دي، أنا مش برتاح لها من يوم ما سكنت جنبنا. رد مصطفى: -لو على البنت فهي كويسة. هنا انتبهت مريم لدفاعه عن نوال لتسأل عائشة: -وليه يا ماما عيشة انتي مش بترتاحي ليها؟ تنهدت عائشة بتعب وزفرت بحنق:
-أنا بشوف كتير حلاوتهم بتزورها. ومتأكدة إنها بتدفعها تقرب من مصطفى. شعرت بهيرة أن الأمر سيزداد سوءًا فأردفت قائلة: -يمكن بتجيب لها قماش أو هدوم، كلنا عارفين إنها تاجرة. تأفف هريدي من مناقشتهم وأراد إيقاف حديثهم قائلاً: -كل واحد حر في حاله. هنسيب اللي ورانا واللي أهم ونشغل نفسنا بغيرنا. رأت بهيرة أن هريدي صائب في إنهاء هذا الموضوع، هي لا يهمها شئ سوى رغبتها. -فين محمد يا مريم؟
من ساعة ما عطيته لكِ بعد ما خلصتي طبيخ وأنا مش سامعة له صوت. تضايق محمد من سؤال بهيرة المتكرر عن محمد الصغير مما ينتج عنه من نظرات الشماتة في عين سالم. -كل أما بتنزلي تحت مفيش حاجة في دماغك غير محمد يا بهيرة؟ ده مش ابنك عشان تقلقي عليه كل شوية، أمه موجودة. غضبت بهيرة من أسلوبه معها أمام الجميع واعتبرتها إهانة ومعايرة لها بعدم الإنجاب. انتبهت إلى نظرات الجميع لها.
-خليك في حالك يا محمد. أمه نفسها بتسيبه معايا طول النهار وهو خلاص بيناديني ماما وأنا بعتبره ابني اللي ما خلفتوش. أنا مش هزعل منك على فكرة. زفر محمد ورد عليها بغيظ: -الحق ما يزعلش يا بهيرة، بدل ما تسمعيها من غيري. انتفضت بهيرة من مكانها تصيح وتفرغ عما بداخلها: -أنا هسيب لك الدنيا وطالعة، هو في إيه؟ أنا ما غلطتش لما سألت. نهض محمد هو الآخر يجذبها بعنف أمامهم مما أثار دهشتهم.
-مالكيش حتى الحق إنك تسألي عنه ولا تقلقي عليه، هقولها تاني، ده مش ابنك. قاطعهم هريدي بصوت زلزل جدران البيت وهو يصوب نظره الحاد نحوهم: -بس منك ليها، هو في إيه؟ محدش مالي عينكم؟ واشمعنى دلوقتي يا سي محمد عرفت إنه مش ابنكم؟ زفر محمد بحنق وضيق من والده، فهو المتسبب الأكبر في هذا العراك من معايرته المستمرة لبهيرة. -إيه يا والدي؟ كأنك مش السبب في اللي بيحصل واللي لسه هيحصل قدام. وانت يا سالم أنا بوفر عليكم المعايرة.
اندفعت بهيرة لتوقفه حتى لا تزداد الأمور سوءًا، خاصة عندما رأت سالم يتضجر من حديثه ويقوم برمي فوطة السفرة. -أنا محدش عايرني يا محمد، كل اللي قلت لك ده مجرد إحساس وده عشان أدفعك إننا نجرب كمان ونعمل العملية، ده حقي. مط هريدي شفتيه بعدم اهتمام، كل ما يهمه الآن هو سحب الغضب من بينهم حتى لا يكون معضلة لتنفيذ قراره مع سالم، رغم أنه أكبر فرصة لديه. -حقك عليا يا بنتي. ثم استطرد بغضب: -وانت من امتى لسانك سو كده؟
زفر محمد بحنق حيث أنه أصبح الخاطئ. -حقك عليا يا بابا. حقك عليا يا بهيرة. حقكم عليا. رفض هريدي اعتذاره وأخذه حجة قوية ليريه الأسوأ. -حق إيه بقي؟ ما خلاص البنت بتتهزق في بيتي وأنا واقف. استغرب محمد من دفاع هريدي، ولأول مرة، عن بهيرة زوجته. -يا بابا، اللي بدافع عنها دي لسه شاكية عليك الصبح أنت وسالم. واسألها. تنهد هريدي بنفاذ صبر لأنه علم جيدًا أنه سيدخل في صراعات لا نهاية لها.
-يا محمد براحتها تشتكي. أنا راجل ومقدر ظروفها. ربنا يرزقها الخلف الصالح. زفر محمد بحنق شديد يود أن يكمم فاه والده عند لفظه لهذه الدعوة لأنها تثيرها أكثر منه. -يووه يا بابا. قلت يا جماعة إن كل ده بأوان، افهموها بقي، ولا لازم تكونوا دكاترة ولا شيوخ عشان تفهموا. نظر هريدي إلى ابنه نظرة معاتبة على اتهامه له بالجهل، ولكن هو أصبح لا يهمه شئ سوى المحافظة على أمواله.
-لما تبقي أب وكبير زيي، أنت اللي هتفهم. على فكرة أنا استنيت كتير زيك، ويا ما أبويا سمعني كلام ولا طاهر أخويا. انتبهت مريم لما يقوله عمها، وأول ما بدر على ذهنها أنه ينتقم منها في شخص والدها. لعنت حياتها ووجودها في هذه الحياة. التفتت لتنظر إلى زوجة عمها الداعمة لها لتجدها تضع يدها على رأسها فصرخت قائلة: -مالك يا ماما؟ ردت عليها عائشة بوهن: -أنا تعبانة. الحقوني بموت.
بدأ قلب مريم ينبض بعنف، أحست بكامل جسدها يرتجف من مظهر عائشة. هرولوا بها سريعا إلى المشفي لتراهم نوال، فتملكها الحقد خاصة عندما شاهدت لهفة مريم على والد زوجها. مدت نوال شفتيها مع رفعة حاجبيها لتهمس: -ربنا يستر.
ذهبوا إلى المشفي ودخلت مريم مع عائشة غرفة الكشف. أما عن بهيرة، قررت أن تبقى بالخارج، وكي تتخلص من التوتر المسيطر على الأجواء، تمشت بالصغير بضع خطوات، أخذت تلعب معه وتهدهده وتصوره، ثم قامت ببعث صورة إلى والدتها. ودت أن يكون ابنها لتضعه بين يدي والدتها يومًا ما. هاتفت والدتها قائلة: -بصي يا ماما محمد كبر إزاي... انتظرت بهيرة رد والدتها ولكنها مازالت نظراتها تحمل الكثير من السلب تجاهها. -شايلاه ليه؟ ده مش ابنك...
رجعيه لأمه... صدمت بهيرة من ردها. -ماما، حسي بيا على الأقل، محمد جميل أوي يا ماما، حساه شبهي... هتفت سلوى بحزم تضغط على كل حروف كلماتها: -رجعيه لمامته يا بهيرة، وبلاش تتعلقي بيه زيادة عن اللزوم... فاقت عائشة من غيبوبتها على صوت مريم ولهفتها. -حمد الله على السلامة يا مرات عمي، حالا هدخلهم يطمنوا عليكي.
أوقفتها عائشة بإشارتها أنها لا تريدهم، فاحتارت مريم ماذا تفعل معهم. هاتفت مريم بهيرة لكي تأتي لها بمحمد. فأذعنت بهيرة لطلبها، ومن ان دلفت ووجدت عائشة قد أفاقت، عقدت ما بين حاجبيها قائلة: -حمد الله على السلامة. طب ليه ما بلغتهمش بره؟ دول قلقانين أوي. صمتت مريم فهي لا تعلم بما ستجيب بهيرة. نظرت بهيرة إلى عائشة. -مالك يا مرات عمي. انتي كويسة؟ ده محمد بره قلقان أوي وعمي كمان. أنا هدخلهم.
وما إن كادت تتوجه نحو الباب حتى أوقفتها عائشة بصوتها المبحوح وهي تتحدث بثقل: -تعالي هنا يا بهيرة. أنا مش عايزة أشوف حد منهم. خصوصًا عمك. كفاية اللي أنا فيه من أول اليوم. تنهدت مريم بتعب لأنها هي الأخرى تعاني منذ بداية اليوم ومعرفتها بخبر نقل الأملاك من عمها إلى زوجها. -اللهم اجعل تدبيرهم في نحرهم. يارب لا تشمت فينا عدو ولا حبيب يارب. إحنا كنا عيلة مترابطة. مش عايزين نتفرق.
توقفت بهيرة عند تلك الجملة التي تعني دعوة من مريم بعدم الشماتة من عدو ولا حبيب. وتذكرت نظرات نوال لهم وما تحمله من شماتة. -قوليلي يا مريم هي مش نوال دي صاحبتك؟ ردت عائشة بألم، وذلك لصمت مريم بالفعل. نوال صديقتها. -عمك شكله ناوي يجوز نوال لمصطفى ولو ده حصل يبقى حلاوتهم هتدخل بيتنا. مطت بهيرة شفتيها بمعنى، وإن يكن، هذا ما علاقته بالحالة الذي أنتم عليها منذ الصباح. -وإيه يعني؟
واحدة بتزور صاحبتها زي ما نوال كانت بتزور مريم؟ وبعدين إيه علاقته باللي حصل؟ ردت مريم بحسرة لأنها تفهم مقصد عائشة أن لو صارت المقادير بيد سالم سوف يقوم بطرد مريم والزواج من حلاوتهم. -هقولك سالم زمان كان بيحب حلاوتهم وعايز يتجوزها وعمي رفضها. ولما أنا اتجوزته اكتشفت إنها صاحبة نوال كمان. نوال اتجرأت تيجي عندنا عشان مصطفى. حتى الشارع قسوته تحتمل، ولا تحتمل كلمة منه مبطنة بدنائته وخسته أنه لم يراها يومًا أنثى معه.
كانت تعلم أن معارضتها له لا تجدي نفعًا، ومع ذلك عارضته. يعاملها أمام الجميع بحنو بالغ كما لو لم يرتكب جرمًا بحقها. تذكرت كلماته جيدًا ليلة زفافهم. -دول فرضوكي عليا.
لولا الموقف والزمان والمكان لأضحكتها الكلمة مثلما كانت تضحكها نكاته وهم صغار، لكنها اكتفت أن تهز رأسها بذهول. هي لا تكذب تلك الحقيقة، هي فقط تستنكرها الآن. وضحت الرؤية وهو يريد أخذ حق شقيقاه الأن. شعر والده تجاهه أنه أب، أليس هو نفسه المستنكر له والمتباهي دائمًا بأخواته؟ وهو ذاته الذي هدده بمنع أمواله عنه، إذا لم يتزوج من مريم، وكأنه لا قيمة له. تذكرت يومها ردها على إهانته فقد كانت صارمة القرار، حاسمة القول.
-أنا بعفيك من الجوازة دي وهقولهم إني مش قادرة أكمل معاك يا سالم. كانت مريم صامتة بعد حديثها الأخير تنظر إلى ابنها المتعلق ببهيرة بشرود. خرجت من شرودها على صوت هاتفها وهو يرن، فأوقفته مدعية الأسف، وتقدمت من بهيرة تضع كف صغيرها في كف بهيرة لتقلق بهيرة من تصرفاتها وتسألها بتوجس. -مالك يا مريم؟ كبرى دماغك و خليكي في نفسك وفي ابنك، وأوعي تسمحي لحلاوتهم ولا نوال يهدموا ليكي حياتك. سالم بيحبك وأكيد عمي هيتراجع.
أوقفتها عائشة. -عمك هريدي كتب كل حاجة بيع وشرا لسالم النهارده وجوزك ومصطفى مالهمش حاجة، كله راح يا بهيرة. ولا يمكن هيرجع تاني أنا عارفه. نزل عليهم الخبر كالصاعقة وظلوا صامتين كما لم يوجد أحد بالغرفة، ولكن فجأة صاحت بهيرة. -لو عشان محمد بيخلف أنا ممكن أستحمل إن محمد يتجوز عليا، وعلى فكرة محمد لو اتجوز هيخلف، العيب مني أنا صدقوني. وأكيد عمي هريدي عمل كده بسبب تمسكه بيا. هزت عائشة رأسها وهي تبكي على حالة بهيرة.
-الموضوع مش عليكي خالص يا بهيرة. طب ما هو عندك مصطفى، أينعم مش عايز يتجوز، بس عمك لو عايز يجوزه هيعملها من الصبح. هزت مريم هي الأخرى رأسها. -لا مش هيقدر، عارفه ليه يا مرات عمي؟ عشان مصطفى مش بيجي بالغصب ولا بيهمه إنه يتحرم من الميراث. مصطفى مش بيتجوز بنات الناس غصب. نظرت إليها عائشة بألم.
-أنا قلت له زيك كده يا مريم. قالي يبقى مش محتاج، كفاية عليه المكتب الهندسي اللي مفتوح بفلوسي ومحمد العيادة اللي برضو من فلوسه. فلوس العلافة. انتفضت بهيرة بخوف وهذت قائلة: -خلوني أحمل بس وأنا أقسم بالله هخلف أولاد صبيان كتير هيخلوا عمو هريدي يرجع في حسبته. ويرضى على الكل. ليه ياربي كده ليه؟ عائشة بحزن:
-اهدي يا بهيرة. لو محمد شافك كده هيطلقك بجد. وأنا مليش غيرك انتي ومريم في البيت ده. انتوا بناتي اللي ما خلفتهمش ويشهد ربنا إني حاولت. انسابت الدموع من عيني مريم. -أنا كمان حاولت وفشلت. سالم بقي يا جماعة. بس هتصرف مع بابا. زفرت عائشة بحنق لأنها تعلم أن السبب في كل هذا والد مريم. فأردفت: -مالوش لزوم يا مريم أصل أبوكي اللي زن على دماغ عمك عشان يعمل كده.
هزت مريم رأسها بعدم استيعاب كيف لوالدها أن يفعل ذلك وتذكرت أمرًا من الممكن أن يطيح بوالدها. -لا مستحيل بابا يعمل كده. سالم ملوش أمان حتى مع الكل. يا خوفي على بابا وعمي وعليكي يا مرات عمي. وما إن أنهت حديثها حتى خرجت لهم مسرعة تريد البوح بالسر الذي يقطن داخل صدرها والذي أرغمها سالم عليه. توجه هريدي نحوها ليطمئن على عائشة ويسأل لما ترفض رؤيته. -تعالي يا بنتي قوليلي مرات عمك كويسة ولا بتكذبوا عليا؟
ارتعشت مريم من قرب عمها فهي لم تشعر يومًا أنه أبًا لها. -عايزة أقولك على حاجة مهمة يا عمي تخص بابا واللي حصل النهارده. لوى هريدي ثغره وأظلمت عيناه بحقد دفين عند ذكرها لوالدها وما بدر اليوم. -خير يا مريم. ماله أبوكي. لسه حاسس إني سرقته في الصفقة الجديدة وعايز يخربها؟ تنهدت مريم بحزن وحسرة على علاقة الأشقاء والتي تتجدد في زوجها وأخواته مرة أخرى.
-يا عمي أنت معاك حق. أبويا عايز يخربيها بس من حتة تانية. هو اللي وز سالم يأثر عليك وتكتبله كل حاجة. عقد هريدي ما بين حاجبيه بعدم فهم واستغرب موقف مريم من قراره، أي امرأة بمحلها ستسر بما حدث وأن زوجها أصبح لديه كل شيء. -تقصدي إيه؟ ابتلعت مريم ريقها قائلة: -قصدي إن أبويا عايز يبيعك كل حاجة. نظر إليها بعدم تصديق وأردف بغضب: -أهبل أنا عشان أصدق إنك بتفتني على أبوكي؟ تنهدت بتعب وزفرت بحنق وأردفت برجاء:
-بس دي الحقيقة. بابا عرف إني عاملة توكيل لسالم. رفع سبابته يحذرها ويتوعد لها كما لو كان جلادها. -آخرسي خالص. توكيل إيه ده اللي انتي بتتكلم عن؟ انتحبت وتملك اليأس منها في محاولة إقناعه فهو مثل ابنه. -يا عمي بلاش أنا وأبويا بس حرام عليك محمد ومصطفى. انتبه سالم لمجادلتها مع والده واقترب من خلفها وسمعها ليديره نحوه. -انتي هتيجي على آخر الزمن تعلمي أبويا الحلال من الحرام؟ روحي علميه لأبوكي.
جزت مريم على أسنانها وتملك الغضب منها وقررت أنها لن تخرس لسانها هذه المرة. -انت اللي بدأت يا سالم لما مضتني على توكيل عام بالحاجات اللي كتبها ليا أبويا عشان انتوا ما تشاركونيش في الورث. استمع محمد لحديثهم وهو خارجًا من عند والدته بعد ما هاتفته بهيرة وأعلمته بما بدر من والده وأن عليه التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!