ليه فسخ خطوبتنا. ابتسمت مريم بسخرية وأرادت تفهميها حتى لا يخيل لها أنه لها. تمام مصطفى خطبك لما سالم رفض أنه يبقى أعزب وسطهم. تعالت ضحكات نوال بسخرية عندما فهمت أنها كانت مجرد سلمة. حلو قوي، قوليلي تعرفي الزبالة؟ أنا أزبل منها، أنا بجد حقيرة وأستاهل. هزت مريم رأسها تنفي وصف نوال عن نفسها، هي لم تكن تقصد إهانتها. منين جالك الإحساس ده؟ بعدين اللي أقوله لك دلوقتي إني كل أما بشوفك بتتغيري بنسى.
نظرت إليها نوال باستغراب، أحقاً مريم تتناسى أخطاءها؟ يا لها من محظوظة، فهذا القلب الطيب من حقها. مش معقول، هو انتي ممكن ترجعي صاحبتي زي الأول؟ ياريت يا مريم، وأنا أقسم لكِ هتعدل ومش هبص للي في إيد غيري. نظرت لها مريم لتلمح الصدق في عينيها، ولكن كان يتملكها القلق، فالمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين. ترددت أن تصارحها بما في قلبها. أنا مين يا نوال؟
أنا صاحبتك اللي جيتي عليها زمان، افتكري دي قوي وافتكري إني ممكن أفعصك تحت رجلي. لو اتعدلتي يبقى خير لينا. ارتبكت نوال. ها، لا أبداً. تعملي إيه في سالم؟ ابتسمت مريم لها بخبث وغمزت. الخطوة الجاية عندك انتي يا نوال. اتسعت حدقة عيني نوال بخوف وهلع. انتي مش ناوي تقابليه تاني؟ طب كده هيشك. تعالت ضحكات مريم والشر يرتسم على وجهها. وإيه يعني؟ أنا عايزاه يشك ويحس إن كلنا خداعين. هزت نوال رأسها بمكر وأصرت أن توعي مريم جيداً.
انتي لازم تعتذري له عن اللي حصل وتبيني إنك مظلومة. تعصبت مريم، فهي مرت بالمشهد الأخير بصعوبة ولن تتحمل. انتي مجنونة يا نوال، أنا عمري ما هعتذر له، افهمي بقى، هو اللي لازم يطيب خاطري. جحظت نوال بعينيها، فهي لن تتخيل أن سالم سيعتذر عن ذنب لم يقترفه، خاصة لمريم طليقته. يا مريم، انتي قلتي قدامه ليها إنه مش فارق معاكي، وده ممكن يخليه يحس إنك مش عايزاه. اسمعي مني.
هزت مريم كتفيها بعدم اكتراث، كأنها كانت متشوقة لقول هذا الكلام أمامه لكي يعرف مقداره أمامها، أنه لا يساوي. يلا خلينا نشوفه وهو مذلول ومكسور، واتنين ستات مش لازمهم. أنا عارفة إنها مش عايزاه، هي عايزة الأرض وبس. اتسعت حدقة عيني نوال بذهول، فدائماً مريم تفاجئها بتغيرها المطلق الغير متوقع يوماً ما، وأنها لا تبالي غضب سالم بل تذله.
يخرب بيتك يا مريم، ده انتي كده ضربتيه بالجزمة القديمة، بس تعرفي يستاهل، قال بيقول عليا خرابة بيوت، على أساس إنه ديماً عامر. مطت مريم شفتيها بلا مبالاة ورفعت كتفيها بعدم أهمية، فهو لا يعني لها شيئ حتى لم تعتبره يوماً أنه والد ابنها وتشعر أن ابنها كذلك لم يقبله. عادي يا نوال، ها هتروحي له ولا لا؟ هزت نوال رأسها بإذعان لطلب مريم. وأنا مجنونة أقول لأ، حاضر يا مريم. ربتت مريم على رجلي نوال بامتنان قائلة.
تسلميلي يا نوال، عمري ما هنسى لكِ ده. انشرح قلب نوال حيث ذكرتها مريم بأيامهم. مريم، أنا نفسي آكل بط من إيدك، هتأكليني زي زمان. تعالت ضحكات مريم بصخب لأنها أدركت أن نوال تغيرت. ماشي يا نوال، بس كده أحسن دكر بط هيتعمل عشانك كمان. في المكتبة كانت تقف شارده لدرجة لفتت انتباه بهيرة وهي تمر من جوارها. مالك يا ولاء؟ شكلك تعبانة. طب تعالي، أنا راحة أطمن على البيبي، تعالي معايا.
هزت ولاء رأسها ودموعها تتدفق بين مقلتيها، تضرب على قلبها تحاول إيقافه. منك لله، منك لله، مش بتعرف تسكت أبداً، خسرتني قوتي، خليته يمرمطني عشان بحبه. قطبت بهيرة جبينها تحاول أن تفهم ما تقصده ولاء وهي تجلد قلبها وهو يدق من أجله. ليه كل ده؟ عمل فيكِ إيه؟ ممكن يكون زهق منك بالسهولة دي؟ ما أعتقدش، استهدي بالله. تنهدت ولاء بتعب وحزن، تعلم أنها ظنت به خطأ، ولكن تشعر بالخزي من نفسها أمامه.
انتي عمرك جربتي تحبي حد وأخيراً يحبك، بس تفضلي شاكة فيه ولما تواجهيه تطلعي غلطانة. فهمت بهيرة ما ترنو إليه ولاء وما تشعر بها، ذكرها بموقفها مع محمد يوم ما وجدته يربت على مريم. هيحصل إيه بعد كده؟ أكيد هيعتذر، وانتي لازم تقبلي وتبطلي تشكي فيه، انتي حاطة في دماغك إنه بتاع بنات. شعرت ولاء أن حديث بهيرة صحيح، ولكنها ترفض مصالحته لأنها متوقعة عتابه والذي سينتج عنه قرارات.
بجلد نفسي من امبارح يا بهيرة، عارفة إنه بقى محترم وعايز يتجوزني، بس خايفة أقوله خلاص يعاتبني إني معملتش كده تاني. استمعت ياسمين إلى صراخ ولاء حيث كانت في مخازن الكتب وركضت نحوها تحاول أن تفهم ما بها لأن عادل لم يخبرها بما حدث. مالك يا ولاء؟ انتي كويسة؟ حتى عادل جه امبارح متأخر قوي ودخل نام، ملحقتش أعرف آخر الأخبار وصحيت الصبح لقيته نزل. هو في إيه؟ اتسعت عيناها. إيه يا ياسمين؟ رجع متأخر؟ استغربت ياسمين سؤال ولاء.
مالك؟ زعلتي ليه لما عرفتي إنه رجع متأخر؟ لا طبعاً، وأنا هازعل ليه؟ طب نزل الصبح بدري ليه؟ قطبت ياسمين جبينها. ليه شاغلة نفسك؟ مش يمكن عشان موضوع حلاوتهم؟ لا لا طبعاً، أكيد في حاجة تانية، أنا مش هبلة، أنا فاهمة وعمري ما هضعف وأروح أصالحه. نظرت ياسمين لولاء باستغراب، أما عن بهيرة فقد زفرت بحنق على رأس ولاء اليابس، ومن ثم تركوها لتطلق العنان لأفكارها العنيدة. كان سبب خروج عادل مبكراً هو سالم حيث هاتفه.
عاوز حاجة يا حاج سالم؟ استغربت إنك بتقول عايزني. فاجئه سالم بطلب جعل عادل يفتح عينيه على مصرعيهم. كنت بسأل على شقة جمب شقة الست ثريا، يا ترى فيه فاضي. قلق عادل من سؤاله وقرر أن يرواغه لكي يخرج ما ببرأسه. انت عاوز شقة الست ثريا نفسها ولا اللي جمبها؟ عشان اللي جمبها اتأجرت. ابتسم سالم بخبث على سؤال عادل كأنه يفهم ما يجول برأسه، ولكن تريث قائلاً. أنا بقى عاوز الشقة اللي اتأجرت، حاول تفضيها ولك الحلاوة، عارف إنك مصلحجي.
بالرغم من عادل ومساوئه، إلا أنه في هذه النقطة لا يبالي ولا يهمه المال، يحب مساعدة الغير. ما تحترم نفسك يا سالم، انت مفكر كل الناس زيك؟ أنا يهمني مين هيسكن جمب مين عشان المشاكل. نظر سالم إلى عادل بكل غضب وكاد أن يهرسه أرضاً، ولكن تماسك حتى لا يصدر ضوضاء، يكفيه ما حدث. أنا محترم غصبن عنك يا زبالة انت، أنا عارف إنك مش راضي تأجرلي عشان تفضل جمبها، بس ده بعدك، دي بتاعتي.
اتسعت حدقة عيني عادل وتدلت شفتيه إلى الأسفل على ثقة سالم المفعمة بأن مريم ملكه، ليشعر أن مصطفى كان صائباً. زبالة مين ده؟ انت اللي زبالة صحيح، اللي خلفك مقدرش يربيك زي ما ربي أخواتك، ولما هي بتاعتك، رمتها هي وابنك ليه؟ هنا لم يتحمل سالم وانقض عليه، خاصة عندما قارن بينه وبين أشقائه الذين هم سبب معاناته في الحياة، دائماً يوقرون ويحترمون. انت اتجننت يا عادل؟ هي حصلت؟ انت مفكر نفسك مين؟
انت مجرد صاحب بيت، واتقي شرى، يا أما هتشوف لون عمرك ما شفته. ابتسم عادل بسخرية، فسالم من الشخصيات التي تهدد ببزخ لطالما لم ينفذه تهديده، وعادل لم يكن يوماً من الشخصيات التي تخاف من أحد. هتعملي إيه يعني مثلاً؟ تعالت النيران في صدر سالم. هفرجك، هريدي الحمش رباني ازاي. فتح عادل صدره بكل أريحيه بكل شجاعة. فرجني كرامات الحاج هريدي عليك يا أخويا. تفاجئ سالم من جرأة عادل، ليمسكه عادل من ياقة قميصه يهدده.
انت عاوز من مريم إيه يا سالم؟ قبل ما تجاوب افتكر انت بالنسبة لها إيه. أنزل سالم يد عادل يحاول تمالك أعصابه حتى لا ينفلت غضبه ويخسر معركته. هرجع مريم، كان ممكن ما أحتاجش الشقة، بس بعد اللي حصل النهارده، بقى صعب. هنا جاء مصطفى، حيث أن عادل أخبره بمقابلته مع سالم من قبل أن تحدث. اختنقت الدماء بعيني سالم ليصيح قائلاً. ربنا ياخدك، انتي إيه؟ مش بتغوري بعيد عننا أبداً؟
مريم هتبقى مراتي أنا، ولو قربت منها تبقى جنيت على روحك يا سالم. استغرب سالم من وجود مصطفى في هذا التوقيت لأنه لم ينتهي عمله بعد، فنظر إلى عادل بشك، ليبتسم الآخر بخبث ليصيح. مراتك إزاي يعني؟ هي مجنونة؟ دي لسه الصبح مواجهة حلاوتهم قدام عيني وحلفت إنها هترجع لي وهترجع لي يا مصطفى. نظر مصطفى وهو مفتح العينين باتساع رهيب يمتلكهم الغضب، فلم يتصور أن الأمر سيتم بهذه السرعة، فأخرس سالم بصفعة.
اخرس، قطع لسانك، وإياك أشوف خلقتك تاني هنا في الشارع، والله لو حصل لأكون رازعك علقة ترقدك في الجبس سنة قدام. ومن ثم نزع مصطفى حزام بنطاله الذي كان يرتديه ليرفعه في وجه سالم، لتكون ردة فعل سالم هو أنه أسرع بالخروج من مدخل العمارة قائلاً. خلاص خلاص يا مصطفى، بس افتكر الحق هيكون لمين فينا. لم يتحمل مصطفى برود سالم أكثر من ذلك، انتزعه من ملابسه. هو إيه اللي خلاص؟ خلصت روحك انت؟ شكلك عايزة تقضي عليها.
أزاحه سالم بعيداً عنه بكلتا يديه وبكل غضب، ليختفي بروده قائلاً بقوة. شكلي هقضي على روحك انت يا مصطفى، اصبر عليا شوية أيام وهخلصك. تدخل عادل لأن سالم مازال يزيد العيار ولا يرحل، ويخشى أن يرتكب مصطفى شيئاً. ما تغور بقى من هنا، إيه انت ما صدقت؟ انت مش عندك ست تروح لها بدل ما تقلق عليك.
خرج سالم من مدخل العمارة ليصعد مصطفى بخطوات سريعة نحو منزل مريم، بينما يراقبه عادل يشعر بانتصار عظيم، يعود إلى المكتبة ومعه كل التسجيلات لهذا المشهد. أما في الأعلى، وبالتحديد أمام شقة مريم، طرق مصطفى الباب. على الجانب الآخر، كانت تقف في المكتبة تلهي حالها لتجده يدلف عليها، فتصنعت أن معها اتصالاً هاماً. حاضر يا بنتي، حاضر، ما تطولي بالك بقى يا غتتة، قلت لك الكتب هتكون عندك بعد بكرة، إيه مفيش صبر؟
انتزع الهاتف من على أذنها ليضعه على أذنه ليجد أنه تمثيل، فابتسم بسخرية ونظر إليها لتشيح بوجهها جانباً. مفيش حد معندوش صبر قدك، بس أنا عندي، يا ترى هتنفع تصبر معايا ولا مش هينفع؟ كنت مفكر نفسك طويل. احمرت وجنتا ولاء تنظر إلى الأرض سريعاً بضيق، ليقترب بيده من وجهها ويرفعه لكي تكون النظرات مقابلة بينهم. يعني أنا جايلك لحد عندك وقلت التليفون مش هيقرب ما بينا عشان تودي وجهك الناحية التانية، بصيلي وواجهيني بعينيكي.
من أول ما وقعت عينيها في عينيه، وكأنها سكنت وهدأت وتناست كل شيء افتعلته وافتعله، ودت أن تحضنه بعينيها، فقد اشتاقت له. مشتاقة ليك قوي يا عادل. عادل، أنا عارفة إني غلطانة، بس صدقني غصبن عني، وأوعدك مش هتتكرر، بس بليز قلل من مقابلاتك ليها. يعلم كم الغيرة التي تقطع نياط قلبها، ولو كان الأمر بيده لكان ابتعد عن الأخرى وبات ساكناً في أحضان معشوقته التي تمناها يوماً بنفس الصورة. رد بهيام. عادل، مقدرش أتحمل أكتر من كده.
شعرت أنها ترى عادل آخر غير الذي كان بالأمس. حاسة إني أعرفك لأول مرة. حاسة إنك غايب ووحشتني. ود أن يحتضنها غير مكترث بمن حولهم، تهمه هي فقط. أنا من امبارح تايه، كاره نفسي على اللي عملته فيكي. فاق كلاهما على صوت ياسمين وهي تمصمص شفتيها. طب ما أجبلكم بوليس الآداب؟ ولا حرام؟ هو المأذون يلم الليلة. التفت إليها عادل وابتسم بمرح وهو يغمز إلى ولاء بكل حب قائلاً. الله! انتي طلعتي منين؟
والله ما حاسس إنك هنا أصلاً، يا ريت المأذون فوراً. تعالت ضحكات ياسمين وهي ترفع حاجبيها لولاء كأنما تحدثها، أخيراً هدأتي. أومال إيه العكننة اللي إحنا فيها من الصبح دي يا ولاء؟ ده قربت أقطع شرايني. على الجانب الآخر، فتحت مريم الباب لتجد مصطفى أمامها ينظر إليها بغضب، فابتلعت ريقها. هنفضل واقفين قدام بعض كتير؟ ادخل يا مصطفى، ده حتى انت وحشت محمد خالص وبينده عليك.
دلف مصطفى لداخل الشقة ليجلس بالصالون، تقدم له ثريا واجب الضيافة وهو يلاعب محمد حتى تأتي مريم. هتفضلي عندك كتير يا مريم. انت بتعملي إيه؟ تعالي هنا، أهي بهدلة هتاكليها والسلام، أنا موجودة متخافيش، تعالي. كانت في هذه الأثناء تحادث ولاء تسرد لها لتخبرها ولاء بما حدث بين عادل وسالم ومصطفى، لتصرخ صرخة مكتومة. انتي هتستهبلي يا مريم ولا إيه؟
انتي يا دوب رميتيله الطعم وهو جه جري، وجبتي التانية عشان تخلصي منهم، اخرجي كده وخلّيكي أسد. غضب مصطفى. والله عال، عمالة تقويها يا مرات عمي، وأنا اللي فاكرك هتعقليها، يالا استحملوا هبل الزفت سالم لما يعملك فيها حاجة. رفعت ثريا حاجبيها، فهي ظنت أنه جاء عندما علم من عادل، ولكنها تأكدت أن الموضوع أكبر من كل هذا، فسألته بتوجس. مين المجنون اللي ممكن يقرب منها وأنا عايشة؟
اسمع يا مصطفى، مريم ما غلطتش، وكان لازم تعمل كده ومن زمان أوي. زفر مصطفى بغضب ووضع الطفل جانباً لينهض وهو يضغط على رأسه التي كادت أن تفور من الغيظ، يتذكر سالم ووقاحته وتهديده المقزز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!