على سرير نايم شاب زي القتيل. صوت خبط على الباب بطريقة مفزعة. دخلت بنت من غير ما تستنى يصحى، وهزته بطريقة جامدة. هنا بحدة وصوت عالي: يا هارون قوم، أخوك هايروح فيها. هارون بعدم فوقان: يا بت اتهدي، عايز أنام، جاي وش الصبح هلكان. هنا بزعيق: قوم العيال تحت متكاترين على أخوك ونازلين طحن فيه. هارون قام منطور من على السرير: بتقولي إيه يا بت يا مخبولة؟ أخو مين اللي أخويا، أنا مين اللي أمه فقدته في يومه ويستجرأ يعملها. هنا:
عملوها، إنت لسه هاتحكي وتتحاكي. هارون زقها وميل سحب سنجة طويلة من تحت السرير وطلع جري. هنا: استنى البس حاجة أستر بيها جسمي. هارون متلفتش وكمل نزول السلم حافي وسحب أخوه زي اللي بيسحب شعرة من عجينة. وزقه على جنب ووقف في نص الحارة لابس بنطلون شروال أسود ونص الفوقاني عريان بيبين جسم عريض لشاب في أواخر العشرينات من عمره. هارون بصوت عالي وهو بيلوح بالسنجه في الهوا بطريقة مرعبة وصوت يحبس الأنفاس: إيه يا حارة ما فيهاش راجل؟
إيه حارة مرة تربية مرة؟ ده لسه ما خلقتوش ربه ولا أبوه فرك في ليلته عشان أمه تجيبه ويقف قدامي اللي يدوس على طرف حد من بيت أهله. هارون المالكي يا حارة. غجر اللي شايف نفسه الحكومة كتبت له دكر في البطاقة صح ما اتطبعتش خطأ مطبعي يوريني نفسه وأديني واقف أهو. وخبط على صدره بحدة وبص لأخوه بعينين بتقدح شر. هارون: إيه اللي حصل يا ضنايا؟ حسام بص للي كان بيتخانق معاهم، شاف الرعب موشوم في عينيهم ورجع بنظره لأخوه:
مفيش خناقة شباب، حاجة هايفة. هارون بزعيق: اسمع وأنا اللي أحدد، مقولكش لسه الريالة نازلة. حسام بخوف من منظر أخوه وصوته اللي جايب آخر الشارع: صدقني مفيش. هارون اتلفت للشباب اللي كان بيتخانق معاهم أخوه: هو منطقش وأنا مسمعتش. وميل رأسه ناحية كتفه اليمين: يبقى مفيش غير حاجة من اتنين، يا تنطقوا يا تاخدوا لسانكوا تذكار متعلق في رقبتكوا. واللي نفسه يتيم عياله ويرمل إن عياله يتدخل.
وخبط السنجة على الأسفلت سابت أثر في الأرض مع شرار وصوت خلى كل اللي واقفين اتفزعوا. الشباب كلهم بصوا لبعض وبصوا لحسام يعتذروا بعنيهم. حسام فهم نظراتهم وقرب من هارون: خلاص بالله عليك، لما نطلع أما هاحكيلك. هارون بصوت رج الشارع: أنا شوفتك في الشارع واتضربت في الشارع، يبقى أسمع وأحكم في نفس الشارع. ومش هارون المالكي اللي حد يخصه يتعلم عليه، ما بالك بقى بأخوه. وكمل بصوت ولا فحيح التعبان اللي بيجهز نفسه لالتهام فريسته:
تنطق إنت ولا أنطقهم أنا بمعرفتي. قال كلامه وخبط بالسنجه على كف إيده. نطق بسرعة واحد من الشباب الواقفين علشان ينجد نفسه: الواد عبده خيري كان جاي من الدرس وحسام وقفه يسأله على نمرة الموبايل بتاع المستر اللي بياخد عنده. قاله ميستنضفش يدخل بلطجية وسوابق عنده، ده مبيخدش إلا ولاد ناس. كلمة من حسام وكلمة منه مسكوا في بعض لما حسام خرشمه بعت جاب أهله.
هارون بص لعبده وأخوه اللي واقفين ركبهم بتخبط في بعضها وقرب بخطوات بتهز الأرض من تحت رجله وميل على عبده: بقى عبده أنبوبة بيلقح على سيده وتاج رأسه؟ ورفع وشه وبصوت سمع كل اللي حواليه: عبده أنبوبة ابن خيري الدجال اللي ممسوك مرتين ودلوقتي في أبو زعبل بيقول على أخويا بلطجي وسوابق؟ طيب بص لأهل بيتك يا بيت سايب أبوك نصاب وأمك اللي ماشية البيت، يعني يا ضنايا البيت اللي تحكمه مرة ميتبقاش فيه راجل. وبص لعبده وكمل: ولا قصدك أنا؟
وهز رأسه: عندك حق، والبلطجي بيعمل إيه؟ وخبطه بالرأسية خلى منخيره طرطشت دم وقرب من أخوه اللي يعلم عليك علم على عيلته وكمل بصوت عالي: اللي يرش أهلي بيتي بالمية مش هارشه بالدم، لاء هارش الشارع بدمه هو وأهله. ورمي عبده وقرب بخطوات ثابتة ناحية سالم اللي واقف بيحاول يكون ند لهارون. هارون طقطق عضم رقبته وابتسم بسخرية:
والله الزمن جرّى والأيام عدت، الواد اللي كان ماشي ريالة مغرقة وشه والدبان عافف عليه كبر وبقى عايز يناطح المعلم هارون وأنا ميرضنيش. سالم بحقد: لو فاكر البوقين دول هدوني ولا خوفوني تبقى غلطان، وزي ما علمت على أخوك بكلمة مني أعلم عليك جمبه منه، ومتنساش إنت نفر بطولك. وشاور حواليه بإيده: واحنا قد الطاق عشرة. هارون بص حواليه ونظرة سخرية بانت على وشه وخبط على صدره: وأنا أهو، الدكر اللي شايف نفسه راجل يهون مني.
وعمل حط بالسنجه على الأرض. سالم بغل: طلبتها وهاتنولها يا ابن. وكمل بتهكم: الأكابر، وعلى صوته: اشهدي يا حارة، هارون هو اللي بدأ وجر الشكل ونهارده نهاية المعلم هارون. نطقها بسخرية وشاور لأصحابه. وفي أقل من ثواني وكان أكتر من عشر شباب اتلموا عليه. وقبل ما يهجموا كان الشارع اتقفل برجالة هارون. هارون بشخطه:
ولا حد يقرب، الحق ده يخصني، واللي هايتدخل يعتبر نفسه معادي. أما نشوف العيل ابن امبارح اللي شنبه لسه خاطط أخضر في وشه ها يعمل معايا إيه. وبدأت خناقة الكل واقف مترقب. هنا واقفة حاطة إيدها على قلبها، الكثرة تغلب الشجاعة. وجنى واقفة خايفة جنبها. وحسام في موقف لا يحسد عليه. والشارع كله واقف على رجله والستات والعيال ماليين البلكونات.
هارون وقف زي الأسد اللي مستعد، وفي أقل من ربع ساعة كان مكومهم على الأرض وكل اللي طاله كام خربوش وكدمات بسيطة. خلص منهم ونفض إيديه. وقرب من سالم ورفع كفوفه بعد ما رمى السنجة من إيده: كده عداني العيب، حتى رجالتى محدش اتدخل. والمعلم هارون اللي يفكر يرفع إيده عليه يقطعها، فما بالك باللي استجرأ ورفعها. وشاله وهبده على الأرض. هارون بسخرية: تؤتؤتؤ، لا لا لا، كده أزعل، ده أنا لسه بقول يا هادي، تقع من زقة يا ضنايا.
وقبل ما سالم ينطق كان البونية منيماه على الأرض. هارون ميل وسحبه: لا أصلب طولك كده، أومال دانتا يومك طويل، خناقة وبعدها مستشفى، وبعون الله كفيل أخليهم يحتاروا يدخلوك قسم العظام ولا قسم الجراحة الأول، وأخلي الدكاترة تحتار تجبس فيك إيه ولا تخيط فيك إيه ولا إيه. وخبط على صدره بحدة وهو بيوصل رسالة لكل اللي حواليه إنه لا بيتهد ولا بيتهز. وشاط سالم بالشلوت كومه على الأرض.
حاول يزحف وينجد نفسه من غضب هارون، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. قرب هارون الكام خطوة اللي طارهم سالم بهدوء مميت ولعب بالأعصاب: تؤتؤتؤ، يا راجل، كده تزحف، مع إنه مقامك، بس مش خسارة فيك، كفاية إنك نولت شرف إن إيد المعلم هارون تعلم عليك. وقعد فوق منه وكمل فيه ضرب لحد ما قطع النفس. هارون سحب السنجة ومسك إيد سالم وكمل بجبروت:
إيدك دي اللي لمست سيدك وتاج راسك حسام المالكي ابن الأكابر، هاقطعها وأعلقها في رقبتك عشان كل ما تبصلها وتتحسر تفتكر إنتا مين وهو مين. ومسك إيد سالم بإيده الشمال ورفع السنجة لفوق بإيده اليمين بطريقة مفزعة، وقبل ما ينزل بيها لقي اللي ماسكه رجله وبتبكي بحسرة. سعاد أم سالم:
أحب على رجلك يا معلم هارون، عيل وغلط وأنا اللي محقوقالك لجل العيش والملح، ورحمة المرحومة أنا ماليش غيرهم، ربنا ابتلى بأبوهم وعيال ورثة منه قلة الأصل، بس عيالي ربنا نجاني منهم، متحرقش قلبي عليه، سويت عليك حبيبك النبي وأهل بيته، إنتا مهتحرقش قلبي، بس لاء، دانتا هاتحسرني على عمري اللي كسرته عليهم من بعد ما سبت أبوهم ونفدت بجلدي وهما على كتفي. هارون غمض عينيه وفتحها بسرعة وبحدة: ابنك غلط يا أم سالم، واللي غلط يتربي.
سعاد بدموع: يتربي وإنت ربيته وكسرته، وأنا كمان هاكمل عليه، بس أبوس إيدك أغزي الشيطان. هارون: لأجل خاطرك وخاطرك وبس. ورمي السنجة. وقبل ما تبتسم سمعت صوت كسر عضم ابنها. هارون اللي في نفس اللحظة اللي رمى السنجة لف نفسه جامد كسر إيده وصوت كسر عضمه سمع كل اللي حواليه. وقرب منه مسح بكفه الدم من على وشه وقرب من بيته اللي الخناقة كانت قدامه ووشم بالدم على ضلفة الباب اليمين.
وقرب من عبده اللي مرمي ووشه كله دم ومسح الدم من على وشه بكفه التاني ووشم بالدم على ضلفة الباب الشمال. وبصوت رج الحيطان: ده عشان اللي شيطانه يوزه يبص على باب البيت ويفتكر المعلم هارون ها يعمل فيه إيه. بصوت عالي رعب كل اللي حواليه: ولاد المالكي بره بدنتهم مالهوش غالي، واللي ييجي عليهم بينهشوه. وسحب السنجة من على الأرض وسحب أخوه في إيده وطلع البيت وكأنه مش لسه مسيح دم للركب تحته.
وأول ما طلع هارون كل اللي ليه عيل سحبه وطلع على المستشفى ومحدش قادر ينطقه. هارون دخل البيت وزق أخوه. هارون بصوت يرعب: إيه يا ضنايا، خيخه؟ مش عارف تقف لدقيقة؟ يعال هفأ. حسام بحزن: وإنت شايف إنك كده وقفت لهم؟ هارون بجبروت: اللي يدوس على ضلي أو ضل حد يخصني، أدوس على رقبته بأوسخ جزمة لحد ما تطلع روحه، وأحسب ربنا ما خلقه. حسام: وها تفضل عايش بالبلطجة والدراع لحد أمتى؟ هارون: لحد ما أموت يا ابن أبويا. جنى بدموع: ليه؟
ليه منعش زي باقي الناس؟ ليه نعيش والكل كارهنا؟ هارون بحزن جواه بس قدر بجداره تحسب ليه يداريه: عشان الناس تخاف منك أحسن ما إنت تخافي منهم، لما يعملوا لك حساب يخافوا يزعلوك أو يخونوك. وأوعي، سامعين؟ أوعوا تأمنوا لحد إلا لنفسك، ومطرح ما رجلك اليمين تأمن، مطرح ما الشمال تخون. حسام بص لجنى وسابهم ودخل أوضته. وجنى دخلت أوضتها المشتركة مع هنا. هارون اترمي على الكنبة. وهنا واقفة بصاله بجمود. هارون: إيه؟
في كلمتين محشورين في زورك زي أخواتك لسه مقولتهومش؟ هنا بنفس الجمود: لأ، بس شايفة قدامي راجل طول بعرض اسمه بيرعب رجالة بشنبات وعضمه نشف وبقى عصب. بس شكله نسي تاره؟ التار اللي ناره قايدة بتحرق في روحي سنين وسنين؟ لما قرب ياكلني؟ التار اللي نسيته يا هارون؟ وشكله لما بات مات جواك. هارون وهو باصص قدامه بشر: مين قالك كده؟ هارون ابن الـ 16 سنة مش هو هارون دلوقتي، بس أخد الحق حرفه. وبص لأخته والشر قاد جواه:
لأ نسيت ولا سهيت ولا غفلت عن عيني لحظة، بس سايبالهم الحبل على آخره لحد ما يلفوه حوالين رقابيهم عشان لما أشده أشده مرة واحدة آخد فيها روحهم كلهم، ولا أخلي منهم ديار ولا نفاخ نار، لأن النار اللي ها تتفح ها تاخد في وشها الكل. اصبري، اصبري يا بنت صابرة، خليكي زي اسم أمك، خدت منابها من الصبر. هنا قعدت جمبه: ناوي على إيه؟ ريحني وبرّد ناريه. هارون:
ناوي أحرقهم بالبطيء، واحدة واحدة، وأنا واقف أتفرج، وأخليهم يلفوا حوالين نفسهم، ومحدش منهم يبقى عارف الضربة جايله منين ولا من مين. هنا بصت على أوضة أخواتها: وهما مش حقهم يعرفوه؟ هارون: لأ، مش وقته، لما ييجي وقته كل الدفاتر هاتتفتح. دخل أوضته ولبس تيشرت وكوتشي وخد مفاتيحه وموبيله ونزل خد الموتوسيكل بتاعه وساق بجنون لحد ما وصل عزبة الصفيح في الدويقة. دخل أوضة صفيح مفيهاش ملامح تدل على إنه ممكن إنسان يقدر يعيش فيها.
اتلفت حواليه وغمض عينيه بيحاول ياخد نفسه ووقف صالب طوله. من هنا بدأت الحكاية. هارون أحمد شافع المالكي، ابن أحمد شافع المالكي وصابرة عبد الرحيم الجوهري. أبويا عاش محبوب ومات محبوب، عاش عشان غيره وأول ما مات اللي عاش عشانهم نهشوا عياله. صابرة اسم على مسمى، صبرت وصبرت ولما ارتاحت الدنيا استكترت عليها الراحة ورجعت للصبر ومعاه العذاب. الضربه لما بتيجي من الغريب بتوجع، بس لما تيجي من أقرب قريب بتكسر.
وهنا اتكسرت وبرضه اتجبرت. وحلفت وعاهدت إن حقي راجع راجع مهما طال الزمن. وأخد نفس وبص لزاوية الأوضة، شاف طيف أمه بتفتح درعاتها ليه. جري زي العيل تاني واترمى في حضنها. صابرة: مالك يا ضنايا؟ هارون: تعبااااان. الدنيا أكلت وشربت من جسمي، لا القريب رحمني ولا الغريب سابني في حالي. صابرة: اصبر، اصبر يا ابني، ده بعد الصبر جبر. هارون: صبرت وصبرت كتيييييير أوووي، والصبر طال لحد ما اشتكى مني. صابرة: هاانت يا ابن عمري. هارون:
تعبت. صابرة بصتله بلوم: مينفعش، في أمانة في رقبتك، أوعي تضعف، تضيع معاك زرعة عمري يا هارون. هارون: عارف، وداه اللي ملجمني، بس مش ساكتين، شايفني وحش، الناس كلها شيفاني وحش أوووي وقاسي. صابرة: بكرة لما يعرفوا هيساعدوك، بس أوعى والظلم يا ابنيه. هارون: عمري ما ظلمت ولا جيت على حد إلا اللي ييجي عليا. صابرة ابتسمتله: راجل من ضهر راجل، قلبي وربي راضيين عليك يا ضنايا. فتح عينيه على رنة التليفون. هارون بهدوء: أيوه.
وسكت ثواني يسمعه. هارون: تمام، ساعة زمن وأكون عندك. قفل المكالمة واتلفت حواليه يشوف أمه راحت فين. اكتشف إنه نام مكانه وكل اللي شافه حلم، حلم جميل يتمنى يرجع تاني. تنهد وطلع بهدوء وكأنه كل النار اللي جواه انطفت تماماً. وقفل الباب وخد الموتوسيكل بتاعه وراح لطريقه. يا ترى تار إيه؟ وياترى ليه هنا بس اللي تعرف؟ وياترى مين اللي كلم هارون؟ يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!