اضطر رافت يقعد في اجتماع مع رقيه ورفعت، كل واحد منهم قاعد في مكان بعيد عن التاني تمامًا. رقيه بحده وهي باصه لرفعت: "بنفكر إحنا لازم نتصرف قبل ما البنك يحجز علينا وسمعتنا تتدمر في السوق." رافت بوجع ونبره محمله بكل معاني الأسى: "ودا هانعمله إزاي وكل اللي باقي من مهلة البنك أقل من 48 ساعة." رفعت: "هانروح كلنا مع بعض ونحاول نجدول القرض، وأكيد هانلاقي حل." رافت: "إزاي وحضرتك سحبت كل السيولة ولا هانضرب الأرض تطلع فلوس؟
رفعت بتوضيح: "لأ، ممكن ناجل الدفعة الأولى أو ناخد قرض نسدد منه الدفعة الأولى لحين وصول المركب، ووقتها كل حاجة هاتتحل." رافت بضحكة سخرية: "ودا إزاي؟ حضرتك خدت القرض بضمان كل الأصول، يعني مفيش أي ضمان ممكن نقدمه تاني للبنك، ولا حضرتك نسيت عملتك السودة؟ رفعت بص لرقيه بتردد. رقيه: "قول اللي عندك على طول، إحنا قاعدين علشان نلاقي حل للكارثة اللي انت وقعتنا كلنا فيها، مش علشان نقعد نبص ونتأمل في بعض." رفعت: "هو في حل؟
يعني إحنا ممكن ناخد القرض وندفع زي اللي بيدفعوا، ويبقى ضربنا عصفورين بحجر، سددنا الدفعة الأولى وحلينا الأزمة لحين وصول المركب، وبعد كده نقدر نسدد القرضين مع بعض من المكسب." رقيه: "لأ، فهمني كده بالراحة وواحدة واحدة، قصدك إيه بكلامك دا؟ رافت قام منطور من مكانه بعصبية: "انت إيه يا أخي! مشبعتش وسخة وشغل عوج؟ " وبص لرقيه بحدة وصوت
علي وهو بيشاور على رفعت: "البيه قصده إن إحنا نقدم على قرض بدون ضمان وندفع من تحت الترابيزة رشاوي، يعني لو قدمنا على القرض 100 مليون، حضرتك هتاخديه 70 أو 80 مليون عشان من غير ضمان، فهمتي يا محامية يا أستاذة القانون البيه قصده إيه؟ لسه شغال لف ودوران، متعظتش من اللي حصل دا كله ولا الهباب اللي عم علينا كلنا؟ رقيه بتفكير وتجاهلت كل كلام رافت وكأنه لم يكن: "طب وهو دا ممكن ينفع ونقدر نعمله؟ يعني إزاي بالظبط؟ عرفني."
رافت بجنون: "انتوا بتفكروا في إيه؟ بدل ما تبقى كارثة هتبقى كوارث! أنا مش موافق على كل العك اللي انتوا بتقولوه دا، ولا بتعملوا ولا اشتركت ولا هشارك فيه عشان بس تعملوا حسابكم." رفعت بمحاولة
لكسب استعطاف رافت ورقيه: "يا رافت، إحنا لو معملناش كده هنخسر كل حاجة. أنا بقول دا بس مجرد حل مؤقت لحد ما المركب توصل مصر، وعلى ما توصل الباقي هيكون سهل. إحنا هنا لينا علاقات قوية نقدر نمشي بيها الدنيا، إنما هناك ملناش علاقات ولا لينا كلمة عليهم إلا بتدخل حكومات، ودي حلني بقى على ما تقدر تاخد فيها إجراءات، إلا بعد وقت تكون الدنيا خربت أكتر ما هي خربانة أصلًا."
رافت هز راسه برافض: "ما يخصنيش وماليش دعوة بكل اللي انت بتقول عليه دا، واعمل حسابك انت وهي، اللي انت بتقوله دا لو حصل أنا اللي هبلغ عنكم وعنهم بنفسي، فاهم؟ وسابهم وطلع وهو مخنوق ومش طايق نفسه من بشاعة وطمع أخواته. مر اليومين ورافت رافض رفض قاطع برغم محاولات رقيه ورفعت لإقناعه، والبنك بعت إنذار بالحجز عليهم. رقيه خدت الإنذار وراحت لرافت المكتب ودخلت عليه وهي كلها أمل فيه: "ارجوك يا رافت، إحنا لازم نتصرف بسرعة."
رافت: "أيوه اتصرف، أعمل إيه دلوقتي؟ ما انتوا اللي عكيتوها واللي كان كان، جايين تقولولي اتصرف بعد إيه؟ بعد خراب مالطا؟ رقيه: "لأ، عايزينك تيجي معانا البنك ونشوف هنعرف نحلها ونجدولها إزاي. ما تنساش إن برضه لسه في مشاريع في السوق ممكن نقدر نلم منها السيولة نسدد أول دفعة لحد ما المركب توصل." رافت بنفخة: "حاضر يا رقيه، أنا جاي معاكم لما أشوف آخرتها معاكم إيه. يلا بينا."
سحب جاكيت البدلة بتاعه من على الكرسي ولبسه ونزلوا كلهم وراحوا البنك مع بعض. دخلوا الثلاثة مباشرة لمدير البنك. رفعت: "يا محمود بيه، إحنا جايين النهارده وعشمانين في حضرتك إننا نلاقي الموافقة منك، إحنا عايزين نجدول القرض أو ناجل أول دفعة بس حتى ولو شهرين." محمود: "والله يا رفعت بيه، أنا ما أقدرش آخد القرار دا لوحدي. على العموم أنا هشوف أعضاء مجلس الإدارة وهارفع الموضوع، ولو وافقوا وأنا هحاول معاهم برضه هبلغ حضرتك."
رفعت: "ما ينفعش ما يوافقوش أو أتمكنت؟ أنا جاي وكل أملي في حضرتك، وما تنساش إحنا برضه شركات كبيرة ولينا اسمنا في السوق واسمنا لوحده كفيل إن يكون ضامن." محمود: "طبعًا أنا عارف كل الكلام دا، بس برضه دي إجراءات بنك أنا ما أقدرش أتخطاها ولا أتجاوزها، حضرتك كده تبقى بتأذيني وبتضرني."
رافت: "لأ يا محمود بيه، إحنا أكيد ما نقبلكش الضرر ولا الأذى ليك. إحنا بنحاول نلاقي حل وسط علشان نسدد فلوس البنك وفي الوقت نفسه نحافظ على اسمنا وسمعتنا في السوق، لأن إحنا تعاملاتنا مع البنك عندك مش قليلة، إحنا بنتعامل بمئات الملايين، يعني مبلغ زي دا أنت عارف إن كده كده إحنا هنسدده." محمود: "طبعًا عارف يا رافت بيه، والله سمعتهم طول عمرها زي الفل وطول عمركم تعاملاتكم معانا كويسة جدًا."
وبص لرفعت بتذكر: "هو أنا عندي بس استفسار بسيط ليك يا رفعت بيهممكن يحل الموضوع بسهولة كمان." رفعت بلهفة: "خير يا محمود بيه، إيه هو؟ قول بسرعة لو كان فيه الحل." محمود: "هو حضرتك تقرب للباشمهندس هارون المالك؟ رفعت هز راسه بأبو محاولة تذكر: "قصدك على مين بالظبط؟ محمود: "الباشمهندس هارون صاحب شركات MHM، دا مشهور جدًا واسمه أشهر من نار على علم." رقيه: "أيوه، وإيه علاقته بينا يعني؟ مش فاهمه، انت عايز توصل لإيه يا محمود بيه؟
يا ريت تقولنا على طول من فضلك، ممكن يحل الأزمة دي إزاي؟ لأنك شايف الموقف لا يحتمل أي لعب بالأعصاب." محمود: "أنا أقصد يا فندم إن هو لو ليكم صلة بيه، خصوصًا مع تشابه الأسماء، إن هو ممكن يضمنكم هنا في البنك، وسيولة شركاته معلش ممكن تغطي قيمة القرض بتاعكم بمراحل وزيادة." كلهم بصوا لبعض بصدمة، وكان أول واحد فاق منها هو رافت: "قصدك هارون مين؟ وتشابه إيه دا اللي حضرتك بتتكلم عنه؟ محمود وهو بيعمل سيرش على اللاب
توب اللي قدامه عدل نضارته: "اسمه هارون أحمد شافع المالكي، دا مفيش حد في مصر كلها ما يعرفوش، صاحب البرج الأيقوني وشركته اللي ماسكة مشروع رأس الحكمة مع شركات الشبراوي جروب والورداني جروب على ما أتذكر، لأن اعتمادهم البنكي هنا عندنا ودول تعاملاتهم مع بعض بالمليارات." رفعت بص لرقيه بصدمة، ورافت بص للاثنين وهو مذهول، بس قدر يتملك أعصابه عشان محدش يشك فيهم،
وبص لمحمود: "تمام يا محمود بيه، هنشوف. وبرضه حضرتك هننتظر ردك في موضوع جدولة القرض زي ما قولنا، نستأذن إحنا." طلعوا الثلاثة وكل واحد منهم واخد أكبر صدمة في عمره، مش عارف يستوعبها ولا قادرين يفوقوا منها، لحد ما روحوا وكل واحد منهم شارد في وادي وبيحاول يصدق اللي سمعوه، هو مش معقول مجرد تشابه أسماء رباعي، والكل أجزم إن هو هارون ابن أخوهم اللي رموه من سنين. رافت دخل بيته وهو شارد وقعد على الكنبة وعنيه ثابتة على
الحيطة قدامه وهمس لنفسه: "ياه، معقولة السنين عدت وجريت بسرعة قوي كده، وابن أحمد ربنا كرمه." وابتسم براحة: "يااااه، على كرمك يا رب. عشت طول عمري شايل همهم وانت كنت أحن عليهم مني، وكرمك عليهم أكبر من أي حد يارب." وغمض عينيه براحة: "الحمد لله يارب." رفعت روح مع رقيه الفيلا بتاعتها ودخلوا قعدوا قدام بعض. رفعت بص لرقيه وهو ليه على صدمته: "معقولة اللي إحنا سمعناه ده يا رقيه؟ بقى ابن صابرة هو صاحب الشركات اللي واكلة السوق؟
البلطجي الصايع بقى بيزنس مان بيتعمله ألف حساب؟ رقيه: "سيبك من كل الهبل اللي انت عمال تقوله ده دلوقتي، المفروض نفكر هنعمل إيه مع الواد ده عشان نحل موضوع البنك." رفعت: "إزاي بقى؟ والأكيد إن الولد ده مش هيقبل يساعدنا أصلاً، ده هيقف يتفرج ويشمت فينا، دي فرصته وجاتله لحد عنده." رقيه: "يبقى لازم نفكر ونخطط بسرعة إزاي نضمنه في إيدينا بأي طريقة، لأن الوقت مش في صالحنا خالص." رفعت بص لها بعينين
بتلمع وفرقع بصوابعه: "في فكرة خطرت في بالي ولو صابت يبقى ضربنا أكتر من عصفور بحجر واحد في نفس الوقت." رقيه بصتله بفضول: "طيب ما تقولي إيه اللي جاه في دماغك يا رفعت؟ إحنا طول عمرنا مع بعض وانت اللي عكتنا في العكة دي والوحلة دي من الأول، فيا ريت تتكلم دوغري بقى كده وبسرعة عشان إيه الوقت مش هيساعدنا خالص، لازم الكلام يبقى على المكشوف، يمكن أقدر أساعدك فيه وألاقي لك حل كمان، ليه متنساش إن دماغي مش سهلة برضه."
رفعت: "بصي اللي في دماغي يا رقيه، لو اتنفذ صح هنكسب من كل ناحية، أولها إننا هنسد دينا للبنك، والثاني إننا نقدر نرجع عيالنا لحضننا تاني، وتالتها إننا نضمن السوق كله في إيدينا ونبلعه كمان واحنا مطمنين." رقيه بحنين: "ياه، تفتكر ينفع يا رفعت بعد ما مرت السنين دي كلها؟ رفعت: "آه هينفع يا رقيه، وينفع بالقوي كمان." رقيه اتعدلت في قعدتها: "لأ، افهم بقى اللي في دماغك." رفعت: "تؤ، هفهمك بعدين." رقيه بحده: "رفعت، اخلص!
ما أنا مش هسمح لك توحلنا ونحله أنيل من اللي إحنا فيها أصلاً، فأنْجِز وخلي الكلام بينا على المكشوف، مش هاشحته منك شحاتة، فاهم؟ رفعت بنفخة: "حاضر يا رقيه، منا عارفك مش هاتنزلي من على دماغي انهاردة إلا لما تعرفي. بصي، انتي مش قلتي إن انتي عارفة طريق العيال؟ رقيه: "أيوه، قاعدين في شقتي أنا وعماد الله يرحمه اللي في مصر القديمة."
رفعت: "كده حلوة قوي. أنا هبعت حد من معارفي أو حبايبنا اللي في السوق ياخد ميعاد مع ابن أحمد أخوكي، وهو في الأول والآخر ابن أخونا، والضفر عمره ما يطلع من اللحم." رقيه بتريقة: "لأ والله؟ وده من إمتى ده؟ بص يا رفعت، الكلام ده تروح تضحك وتلعب بيه على حد تاني غيري، ماشي؟ خلي كلامك معايا على المكشوف." رفعت: "بصي يا رقيه، اللي هيفيدنا أوي وينفعنا مع العيال هو رافت، لا أنا ولا انتي خالص." رقيه: "مش فاهمه، اشمعنى رافت بالذات؟
وانت عارف إنه أكتر واحد هيرفض." رفعت: "يبقى ما فهمتيش اللي في دماغي يا رقيه. أنا بقول لك مع العيال، مش مع ابن أخوك. العيال طول عمرهم بيحبوا رافت وبيحترموه وبيعتبروه كبيرهم وقدوة ليهم، وليه كلمة مسموعة عليهم وبيعرف يقنعهم باللي عايزه. تقدري تقولي عارف وحافظ دماغهم." رقيه: "تمام، عارفة الكلام ده كله. برضه هيفيدنا بإيه رافت دلوقتي؟ إحنا بنتكلم على أولاد أحمد مش عيالنا إحنا."
رفعت: "تعالي معايا عند أخوكي ونتكلم كلنا هناك، وانتي هتفهمي. بس عايزك تسانديني وتساعديني وتأمني على كلامي اللي هقول عليه مهما كان." رقيه: "ماشي، ولو إني ما بحبش إني أمشي عمياني، بس خليني معاك لحد الآخر لما نشوف دماغك دي فيها إيه وهاتودينا بيها لحد فين تاني." طلعوا وراحوا فيلا رافت، دخلو وقعدوا قدامه. رافت: "خير، جايين لي مع بعض بربطة المعلم كده ليه؟ رفعت بصله بكسوف مصطنع: "انت ناوي على إيه مع ابن أخوك يا رافت؟
رافت بابتسامة ما تجاوزتش حدود شفايفه: "يااااه، دلوقتي بقى ابن أخوك؟ ما انتوا طول عمركم بتقولوا عليه ابن صابرة. إيه اللي جد في الدنيا يا ولاد؟ رفعت: "مش يمكن آن الأوان إننا يتلم شملنا ونتجمع من تاني." رافت بصله سنده راسه على إيده: "بقولك إيه يا رفعت، بلاش لف ودوران وهات من الآخر، أصله محليش دلوقتي في عينك إلا لما عرفت إن بقى معاه فلوس. فهات آخرك معايا واتكلم دوغري."
رفعت: "لأ والله، انت ظالمني يا رافت. أنا عايز ألم الشمل ونويت، واسأل حتى اختك إني عايز أرجع لهم حقهم. وبيني وبينك العيال كلهم وحشوني قوي وسراج فراقه مقطع قلبي." رافت: "والنبي إيه؟ ومن إمتى الكلام ده؟ والعيال غايبين بقى لهم أكتر من سنتين؟ افتكرتهم دلوقتي بعد ما مر الوقت ده كله؟ كان فين كلامك ده قبل كده؟
وانتا بتقول بكرة ييجوا لما يتبهدلوا. يا ريت تتكلم عن المكشوف أحسن يا رفعت وبلاش اللف والدوران والوش اللي انت لابسه، لأنه مش لايق عليك خالص، ولا أنا بالغباء اللي مصورهولك عقلك عشان يخليني أصدق البقين اللي انت جاي تطرشهم في وشي دول. دا اللي ربى خير من اللي اشترى، وإحنا كلنا عارفين بعض كويس أوي."
رفعت: "والله أبداً يا رافت. طيب بص، أنا هجيبها لك كده واحدة واحدة. كل اللي عليك إن انت تحاول تلين قلب العيال وتعزمهم وتجيبهم هنا، وأنا هتواصل مع ولاد أخوك، ويا سيدي الكلام هيبقى قدام الكل، وما حدش هيطلع من القاعدة دي إلا وكله راضي ومرضي كمان. ما تنساش إنهم في الأول والآخر ولاد أخونا وإحنا أعمامهم، والضفر عمره ما يطلع من اللحم." رافت: "يا راجل قول كلام غير ده، اومال زمان ليه الظفر طلع من اللحمة ورميتوه على طول؟
دراعكم لما رميتوا ولاد أخوكم ومراته في الشارع من غير ما يرفلكم جفن حتى ولا تفكروا حتى في عضم التربة." رفعت: "يا رافت، إحنا بنحاول نلاقي حل يرضي الكل، فبالله عليك بلاش تقلب وتنـبش في اللي فات، خلينا في الوقت الحالي عشان منوجعش بعض." رافت واقف منطور بحده: "بص بقى، انت واختك علشان أنا قاريكوا وحافظكم كويس قوي، وأنا مش هقبل ولا هسمحلكم إنكم تستغلوا أولاد أحمد تاني، كفاية اللي انتوا كوشتوا عليه وأخذتوه منهم أولاني."
رقيه بلوي بق وهو: "إحنا خدنا منهم إيه أولاني يا حسرة؟ رافت بص لها بحده وبغيظ: "لأ يا رقيه، خدته منهم كتير أوي. أخدتوا منهم كل حاجة وما سيبتلهمش أي حاجة من مالهم لبيتهم، حتى حياتهم. فخلي الطابق مستور أحسن، فاهم؟ رقيه قررت إنها تلعب على الوتر الحساس وبدموع تماسيح نزلت من عينيها: "إيه يا رافت، هو انت عيالك موحشكش؟ طب انت لو عيالك موحشكش، أنا عيالي وحشوني ووحشوني قوي يا رافت. أنا مالحقتش أشبع منهم واتحرمت منهم طول عمري."
رافت بتهكم: "لأ واضح كلامك قوي يا رقيه، ودليل على كده إنك ما سألتيش عليهم بقالك أكتر من سنتين." رقيه بصدق مع نفسها لأول مرة: "والله العظيم يا رافت، عيالي عمرهم ما غابوا عن بالي ولا حتى عن عيني. ولو عايز تعرف كل تفاصيل يومهم من أول يوم طلعوا من هنا لحد وقتنا الحالي هذا، أنا على استعداد أقوله لك بالتفصيل. كلمة كلمة وحركة حركة عملوها عيالنا كلهم، مش عيالي أنا بس." رافت قعد بتعب واستسلام: "عايزين مني إيه؟
وعايزين توصلوا لإيه بكل اللي عمالين تقولوه وتغنوه وتردوا على بعض؟ انتوا الاتنين هاتولي من الآخر يا رقيه، لأن أنا حرفيًا تعبت وجبت آخري من كل حاجة حواليا ومش قادر مناهدة أكتر من كده." رقيه: "مش مطلوب منك كتير، ولا حتى هتتدخل في موضوع ابن أخوك. إحنا كل اللي عايزينك بس إن انت تتوسط بينا وبين العيال، وإن انت تحاول تجيبهم هنا، واحنا هانتصرف في الباقي." رافت: "اشمعنى أنا بالذات؟ وليه ما تروحوش انتوا؟
مهما عيالكم انتوا كمان زي مهما عيالي." رقيه: "إحنا ما ينفعش، لأن ببساطة انت كنت أقرب للعيال مننا، وليك كلمة مسموعة عندهم، وطول عمرهم بيحبوك من صغرهم." رافت: "الكلام ده كان زمان، قبل ما يعرفوا اللي عرفوه يا رقيه. ولا انتي نسيتي دول بقالهم سنتين ما رفعوش حتى سماعة التليفون عليا من يوم ما بعدوا، وبقى كل يوم عن يوم ياخدوا صدمة أبكر من اللي قبلها. فمظنش لسه المكانة اللي انتي بتتكلمي عليها لسه موجودة."
رقيه بحزن مصطنع ورجعت لطبيعتها مرة تانية في اللعب بالمشاعر بإسلوب الكلام الملتوي: "صدقني، أنا عارفة مكانتك في قلبهم. حاول بس ومش هتخسر حاجة، واهي محاولة. كلمهم، عرفهم إننا ناويين نرجع لأولاد عمهم حقهم كله على داير مليم، وهما أكيد مش هيرفضوا ومش هيعترضوا. صدقني، أنا عارفة أنا بقول لك إيه كويس أوي." رافت بتريقة: "اممم، وانتوا إن شاء الله ناويين ترجعوا لهم حقهم منين؟
والبنك حجز على كل حاجة ومبقيناش نحتكم على جنيه، يوحد ربنا. وكلها أيام والسوق كله هايعرف باللي حصلنا." رفعت بمحاولة مشتتة لإقناعه: "لأ، ما تقلقش انت وما تشغلش بالك. اسمع مني بس وخد الخطوة دي والكل هيطلع كسبان ومرضي. وما تنساش إننا ولاد المالكي، وجيب السبع ما يخلاش." رافت: "ولما هو جيب السبع ما يخلاش ومليان، وي ما بتقول، ليه ما كبتش على البنك وسددت القرض؟
رفعت بدفاع وهمي: "صدقني يا رافت، هتشوف بعينك إن قرض البنك هيتسد بعيد تمامًا عن ولاد أخوك أو فلوسهم كمان. بس أنا عايز دلوقتي ألم الشمل الأول، يا سيدي، ووعد مني ليك وكلمة شرف، أنا مش هاخد جنيه من ولاد أخوك، وكل حاجة هتبقى على يدك." رافت هز راسه بعدم اقتناع: "أفلح إن صدق ها." رقيه: "صدقني والله العظيم يا رافت، انت ظالمني." رافت بص لها بعدم تصديق
ولكن استسلم للأمر الواقع: "حاضر يا رقيه، هروح لما أعرف آخركم إيه. بس لو الكلام أو التصرف ما جاش على هوايا، اعرفوا إن أنا اللي ههدها فوق دماغكم كلكم، وهاعككم فيها أكتر ما انتوا معكوكين. وكده كده خسرانه، كده كده خسرانه، مش هخسر أكتر من اللي خسرته أساسًا، واعرفوا وتأكدوا إن عيني عليكم وواقفلكم بالمرصاد." رقيه ورفعت بصوا لبعض بانتصار في نظرة غابت عن عينين رافت اللي باصص في الأرض بشرود وتفكير في اللي جاي.
رقيه لفتت انتباهه: "على فكرة يا رافت، العيال موجودين في شقتي أنا وعماد الله يرحمه. عارفها طبعًا." رافت هز لها راسه بالسكوت. مشوا ورافت فضل قاعد مكانه وقت طويل متحركش، وطول الليل وهو سرحان وبيفكر وما غمضلوش عين لحد الصبح. تاني يوم، فضل قاعد مكانه بقلق لحد الضهر وهو ليه شارد وبيقلب كل الاحتمالات في دماغه. دلال قعدت جنبه بحزن: "مالك يا رافت؟ من امبارح وانتا عمال تتقلب، وانهاردة قاعد في البيت، ومروحتش الشركة زي عوايدك."
رافت بص لها ومتكلمش، وسابها وطلع أوضته، غير هدومه ونزل خد عربيته وراح لشقة رقيه وهو بيقدم رجل وبياخر رجل. فضل قاعد في عربيته أكتر من ساعة خايف وقلقان من مقابلتهم وبيحاول يجمع ويرتب أفكاره عشان يقدر يتكلم معاهم بصدق بدون لف أو دوران، وهو عارف إنه داخل على معركة صعبة. اتملك أعصابه وحسم أمره ونزل من العربية وطلع الشقة ورن الجرس ووقف خايف ومتردد زي التلميذ اللي عمل عمله خايف من أبوه. مهدي فتح الباب بصدمة.
رافت بصله بحنين واشتياق. مهدي برغم اشتياقه بس قدر يجمد قلبه لما افتكر كل الظلم اللي علموه، اتكلم ببرود: "خير يا رافت بيه، إيه اللي فكرك بينا بعد سنين؟ رافت بوجع: "رافت بيه إيه يا ابني، أنا أبوك." مهدي بضيق: "أظن الموضوع دا سبق واتكلمنا فيه ونهيناه من أكتر من سنة، فمظنش إن حضرتك جاي لحد هنا دلوقتي عشان نتكلم في مشاعر أبوه وبنوه، فياريت حضرتك تقولي جاي وعايز مننا إيه." رافت بحرج: "أنا جايلكم وعايز أتكلم معاكم ضروري."
طلع عادل وعاصم وسراج على الصوت وكلهم وقفوا مستمعين للي بيحصل. أول من اتدخل عادل بحده: "عيب كده يا مهدي، دا مهما كان أبوك والكلام مينفعش هنا على الباب، الجيران طالعين ونازلين وممكن يسمعوك، هايبقى منظرنا إيه. فتح الباب للآخر وشاورله بإيده: "اتفضل يا أونكل."
دخل رافت وهو بيتلفت في الشقة بإبتسامة بسيطة وبيفتكر كل ذكرياته هو وأحمد وعماد ورقيه فيها. غمض عينيه عشان ينفض الذكريات اللي بتهاجمه بشراسة. قعد قدامهم بخجل زي المتهم اللي قاعد قدام وكيل نيابة، هو بيفرك إيديه في بعض كأنه مش رجل أعمال محنك في السوق، كأنه تلميذ خيبان قاعد في امتحان صعب. مهدي بتنهيدة: "وبعدين حضرتك هتفضل تبصلنا كتير؟ أظن إنك قولت عايز تتكلم معانا مش تتفرج علينا، ياريت حضرتك تقولنا في إيه على طول."
رافت هز راسه: "ماشي يا ابني. بص من الآخر كده، وأحسن من اللف والدوران والمقدمات اللي لا هاتودي ولا تجيب ولا حتى تفيد. عمك رفعت وعمتك رقيه ناويين يرجعوا لأولاد عمك أحمد الله يرحمه حقهم ونصيبهم." سراج بعدم اقتناع: "ياااه، بالبساطة دي عايز تقنعنا إنكم أخيرا فوقتوا بعد سنين وقررتوا ترجعوا حق أخوكم وعياله؟ بانهي منطق وعقل عايزنا نصدق الكلام ده اللي ميدخلش عقل طفل صغير لسه بيلعب في الشارع؟
رافت: "والله يا ابني أنا بقولك الكلام اللي بلغوني بيه زي زيكم." مهدي: "تمام، وإحنا مطلوب مننا إيه؟ دول أخوك، وداه حقهم. إحنا علاقتنا إيه بالموضوع؟ رافت: "عايزين كلنا نتجمع ونتلم، ويكون الكلام قدام الكل." عادل: "ودا هايحصل إزاي يا أونكل؟ رافت: "خالك رفعت هايتواصل معاهم ويجيبهم الفيلا عندنا، ونقعد كلنا مع بعض عشان يتفقوا على نصيبهم وحقهم، وعايزينكم تحضروا معانا القعدة دي." سراج بلهفة: "هو حضرتك عرفتوا مكانهم؟
رافت: "آه، أبوك وعمتك عرفوا مكانهم، وزمانهم بيتواصلوا معاهم دلوقتي." كلهم بصوا لبعض بإستغراب، ما بين مقتنع ورافض. ورافت بيبصلهم ومنتظر ردهم على أحر من جمر. يا ترى هيوافقوا ولا هيرفضوا؟ يا ترى رفعت هايقدر يوصل لهارون؟ ياترى رفعت ورقيه هايقدروا يسدوا قرض البنك وينجحوا؟ ياترى حق هارون هايرجع ولا مجرد كلام وبس؟ ياترى اللي جاي مخبي إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!