الو فاء قصة بأعماق القلوب.. فهو الجزء الأصعب في كل حكاية. الو فاء لا يمكن أن تعطيه على جرعات. فالمرء إما أن يكون وفياً مخلصاً أو لا يكون. لطالما آمنت أن صفة "الوفاء" من أعظم الصفات التي قد يحملها الإنسان. الوفاء الذي يبقي الذكريات الطيبة حية في داخلك وإن طال الزمان.. الذي يحثك على حفظ المودة وإن تباعدت المسافات. الذي لا يجعلك تتنكر لمن مد لك يده يوماً. هذه الصفة هي رأس الأخلاق النبيلة. في فيلا سامح الأنصاري..
بداخـل جناحه كان يجلس على التخت شارداً. اقتربت منه آسيا قائلة: مالك يا سامح؟ تنهد سامح وأردف قائلاً: سلامتك يا آسيا. هي الساعة كام دلوقتي؟ ابتسمت آسيا وأردفت قائلة: لو خبيت على الدنيا كلها لا يمكن تقدر تخبي عليّ يا حبيبي. رفعت يديها ورتبت على ظهره بحنان قائلة: أنت قلقان علشان مسافر ومعاك خديجة صح؟
أومأ لها برأسه قائلاً: فعلاً. رغم إني خايف وقلقان على أدهم، بس خوفي الأكبر علشان خديجة مش تستحمل تشوف أدهم كده، وبنفس الوقت لازم تكون جنبه. أردفت آسيا قائلة: كله خير يا سامح. ربنا قادر على كل شيء. إيه رأيك تاخد شاور وننزل نتسحر ونصلي الفجر سوا زي زمان. ابتسم لها سامح وقام بتقبيل جبهتها. بعد مرور بعض الوقت نزل سامح إلى الأسفل ومعه آسيا. وجد الجميع جالسون على مائدة الطعام. جلس بجانبهم وبدأوا في تناول الطعام.
بعد قليل، وعند إذن صلاة الفجر، أردف قائلاً: "إيه رأيكم لو نصلي كلنا هنا؟ هلل الصغار، وبالفعل وقف سامح في الأمام وخلفه أولاده وأحفاده الذكور، وخلفهم النساء والفتيات. بعد أن أنهى صلاة الفجر، جلس في الأرض وبجانبه الجميع في حلقة ذكر. أردف يزن قائلاً: "جدو، بما إن النهارده ليلة وترية، إيه رأيك تحكي لنا عن فضل ليلة القدر؟
ابتسم سامح وأردف قائلاً: "ليلة القدر ليلة من الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وهي غير محددة بليلة معينة، إذ ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه -أن النبي -عليه الصلاة والسلام -قال: (التمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر) ." وقد اختصها الله -تعالى -بشأن عظيم، فأنزل القرآن الكريم فيها في مرحلة من مراحل نزوله، قال الله -تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر) . وهي ليلة مباركة يقدر الله
-تعالى -فيها ما سيكون في العام، إذ قال: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم) . وأجر العمل الصالح فيها أفضل من أجر العمل مدة ألف شهر، قال -عز وجل (ليلة القدر خير من ألف شهر) . وقد كان الرسول -عليه الصلاة والسلام -يتحرى ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، ويجتهد فيها بالعبادات والطاعات ما لا يجتهد في غيرها، فقد ورد عنه أنه قال:
(من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه) . وبهذا يجدر بالمسلم بذل الوسع في المسارعة لأداء الأعمال الصالحة والعبادات في ليلة القدر، لما لها من عظيم الأثر الحسن في الدنيا والآخرة." أردفت آسيا الصغيرة قائلة: "إمتى بيكون ميعادها بالظبط يا جدو؟ أردف سامح قائلاً: "الأقوال اختلفت في تحديد ليلة القدر وتعيينها. فقيل إنها في الليالي الفردية من العشر الأواخر، استدلالاً بما روي عن أم المؤمنين عائشة
-رضي الله عنها (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: تحروا ليلة القدر في الوتر، من العشر الأواخر من رمضان) . وقيل إنها في الأيام السبع الأخيرة من رمضان، لما ثبت من رواية الإمام البخاري عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما (فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) . وقيل إنها منتقلة، دون تحديدها بالليالي الفردية، أو الزوجية." أردف سامح ماهر قائلاً: "إيه هي علامات ليلة القدر يا جدو؟
نظر سامح إلى الجميع ووجد كلاً من ونس وخديجة في عالم آخر. تنهد وأردف قائلاً: "جاوب إنت يا ونس." أردفت ونس قائلة: "طلوع الشمس دون شعاع في صباح اليوم التالي لها. فقد ورد عن أبي بن كعب -رضي الله عنه (وآية ذلك أن تطلع الشمس في صبيحتها مثل الطست، لا شعاع لها، حتى ترتفع) "تاني حاجة من علامات ليلة القدر:" "اعتدال الجو فيها، فلا يوصف بالحرارة، أو البرودة، إذ روي عن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما
(ليلة القدر ليلة سمحة، طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيقة حمراء) "تالتًا:" "النقاء والصفاء، فقد روي في أثر غريب عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه (أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة كأن فيها قمرًا ساطعًا ساكنة سا جية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب يرمى به فيها حتى تصبح، وإن أمار تها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ)
"رابعًا: نزول الملائكة أفواجًا، فقد قال -تعالى (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) وروي عن أبي هريرة -رضي الله عنه (وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى) أردفت ملاك قائلة: "إيه الحكمة من إخفاء ليلة القدر؟! وجدوا مالك يرفع يده، فرح الجميع. جاء مالك بورقة وقلم وكتب فيها:
"يعلل سبب إخفاء ليلة القدر وعدم تحديدها بغاية ترغيب وتحفيز العباد على الاستمرار والمداومة على العبادة والمثابرة عليها والمبالغة فيها طوال العشر الأخيرة من رمضان، ولئلا يقتصروا على العبادات والطاعات في ليلة واحدة. ولذلك كان جديرًا بالمسلم تحري الليالي العشر الأخيرة من الشهر المبارك كاملة، وقيامها، والمواظبة فيها على ذكر الله، والدعاء، والصلاة، وقراءة القرآن، وبذلك يشغل العبد نفسه ووقته كله في طاعة الله -تعالى."
فرح سامح والجميع بمشاركة مالك معهم. كم تمنى بأن الله يريح قلبه ويرجع له صوته. أردف قائلاً وعيناه تلمعان بالدموع: "برفوا عليك يا حبيبي." أردف يوسف قائلاً: "إيه أحب الأعمال اللي ممكن نعملها في العشر الأواخر يا جدو؟! نظر سامح إلى ماهر وأردف قائلاً: "جاوب أنت يا ماهر." أومأ ماهر برأسه وأردف قائلاً: "يفضل الإكثار من قراءة القرآن والدعاء والأذكار والتسبيح وسؤال الله -تعالى
-العتق من النيران والتعوذ منها. فالدعاء فيها مستجاب، والاجتهاد فيه مرغوب، ولذلك يتسابق العباد ويحرصون على التوبة والفوز برضا الله -عز وجل -وتوفيقه ونيل المنزلة الرفيعة. قال سفيان الثوري: 'الدعاء في ليلة القدر أحب إلي من الصلاة'." "وأفضل ما يدعو به المسلم في ليلة القدر العفو والمغفرة من الله -سبحانه -، إذ روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها -أنها قالت: (قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟
قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) "وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله -: 'لا سبيل للعبد إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته -جل وعلا -وأنه رهين بحقه، فإن لم تتغمده بعفوه ومغفرته، وإلا فهو من الهالكين لا محالة، فليس أحد من خلقه إلا وهو محتاج إلى عفوه ومغفرته كما هو محتاج إلى فضله ورحمته'."
"و قراءة القرآن في ليلة القدر يستحب للمسلم تلاوة آيات القرآن الكريم وترتيلها في شهر رمضان، ولا يشترط ختمه كاملاً في تلك الليلة، إلا أنه ينال أجرًا عظيمًا وفضلًا كبيرًا إن ختمه. فالقيام لا يقتصر على الصلاة، بل يكون بأداء مختلف أنواع العبادات. قال النبي -عليه الصلاة والسلام (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه)
"الصلاة في ليلة القدر تؤدى صلاة القيام ركعتين ركعتين كما ثبت في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما (أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم -عن صلاة الليل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) . وقيام ليلة القدر من أسباب مغفرة الذنوب وتكفيرها عن العباد."
أردف سامح قائلاً: "ربنا سبحانه وتعالى أعطى لنا فرص كتير للرجوع إليه والتكفير عن ذنوبنا. لازم الإنسان يستغل كل ده ويتوب عن كل معصية. ربنا رحمته وسعت كل شيء وباب المغفرة مفتوح في كل وقت." نظر سامح إلى ساعته وأردف قائلاً وهو ينظر إلى خديجة ومالك: "اطلعوا يلا جهزوا نفسكم هنتحرك بعد نصف ساعة.." *** بداخل جناح سامح وآسيا..
بداخل غرفة الملابس، خرج سامح من الحمام. سمع صوت شهقات، علم ببكاء آسيا وهي تحضر له حقيبة ملابسه. تنهد بألم ودلف إلى الداخل. صدم عندما وجد دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها. اقترب منها وضَمَّها بحنان شديد قائلاً: "ليه الدموع يا حبيبتي؟ زادت شهقاتها. حزن سامح وأمسك يديها وخرج بها إلى الخارج. أجلَسها على إحدى الأرائك وجلس بجانبها يحاوط كتفها قائلاً: "مش قولتي بلاش دموع يا حبيبتي؟ أنا مش بستحمل أشوف دموعك."
رفع يده وقام بمسح دموعها. أردفت قائلة: "خايفة عليكم يا سامح. الأوضاع هناك صعبة. إحنا كل يوم بنسمع في الأخبار عن استشهاد المئات منهم، وإنت رايح هناك ومعاك خديجة ومالك. لا وكمان أدهم وعمار وجمال هناك. صعب أوي يا سامح، صعب صدقني."
أخذها سامح في أحضانه يرتب على ظهرها بحنان قائلاً: "سيبها على الله يا آسيا. وبعدين إحنا هنكون في مقر تبع جهاز المخابرات، ملناش اختلاط مع جنود الاحتلال الإسرائيلي. وبعدين يلا بقا اضحكي، متخلنيش أسافر وأنا قلقان عليكي." خرجت من أحضانه ونظر إليها لتلمع عيناه بالحب والعشق. مهما كبرت، فهي دائمًا وجهها يشع نورًا ونضارة، شديدة الجمال بأنفها ووجهها شديد الاحمرار، فكانت مثل قطعة كرز. أردف قائلاً
بمرح: "اللهم إني صائم. قومي يا آسيا الله يرضي عنك، كملي تجهيز الشنطة." خجلت آسيا وابتسمت له ابتسامة خطفت قلبه. أمسك كف يديها وقام بوضع قُبلة قائلاً: "ربنا يديمك ليا يا أسيتي." أردفت قائلة بنبرة عاشقة هائمة: "ويديمك ليا يا نور عيوني." وانتصبت واقفة وسارت باتجاه غرفة الملابس لتكمل تجهيز الحقيبة. *** بعد مرور حوالي أربعة ساعات..
خرج سامح ومعه خديجة ومالك من مطار الأردن. وجد عنصرين من جهاز المخابرات الأردنية بسيارة وبعض الرجال بناءً على تعليمات المخابرات المصرية. استقل السيارة وركب في الخلف ومعه خديجة، أما مالك فركب في الأمام بجوار السائق. *** في إحدى المناطق القديمة في غزة في منزل مكون من غرفتين. بداخل إحدى الغرف..
فتح عينيه بضعف ووهن. يفرك بأنفه بشدة، جسده ثقيل من شدة أثر المخدر. كان يحلم بها تنادي عليه، يسمع صوتها تنادي باسمه ولكنه لم يرها. ظل يسمع إلى أن اختفى الصوت. صرخ بصوتها: "خديجة! انتفض من نومه، يفتح عينيه ببطء. وجهه يتصبب عرقًا غزيرًا. نظر حوله فوجد جمال وعمار يجلسان بجانبه. أردف قائلاً بضعف وهو يحك ذراعيه بجنون: "أنا فين؟ تألم جمال على حال صديقه وأردف قائلاً: "إنت في أمان يا أدهم، اطمن."
أغمض عينيه بكسرة على ما وصل إليه قائلاً: "ليه يا جمال رفضت تموتني؟ كنت ريحتني من اللي أنا فيه." أردف جمال قائلاً: "خلي عندك ثقة بالله. وبعدين هتسيب اللي وراك لمين؟ وضع يده داخل جيبه وأخرج هاتفه وقام بتشغيل الفيديو ثم قربه منه قائلاً: "قبل كل شيء، شوف الفيديو ده يا أدهم."
أمسك أدهم الفيديو بيد مرتعشة. نظر بألم وحزن عندما رأى خديجة شاحبة الوجه، دموعها تنهمر بغزارة. شد خصلات شعره بعنف. لمعت عيناه هو أيضًا بالدموع. لقد وصلت إلى هذه المرحلة بسببه هو فقط. المسئول هو من جعلها في هذه الحالة. شعر بوخزات شديدة في قلبه على ما وصلت إليه. ظل ينظر إليهم وإلى أولاده، حنين واشتياق. أغمض عينيه بألم وفتح ببطء وأعطى الهاتف لجمال. كاد أن يتحدث ولكن دلف عامر قائلاً:
"اللواء سامح ومعه الرائد خديجة وصلوا فلسطين." دق قلبه بعنف وأصبح جسده ثقيل جدًا. وجهه يتعرق بشدة. أردف قائلاً: "مش لازم خديجة تشوفني وأنا كده." "قال إن فيه مصل تقدر تحصل عليه يا عامر؟ "تنهد عامر بحزن إلى ما وصلوا إليه. الفهد الأسود، أردف قائلاً بثقة: "أقدر أحصل على مصل غيره، بس مفعوله هيبقى أقل، يعني مش قبل أسبوعين يكون التعافي."
حاول أن يكون ثابتًا أمامهم من شدة الألم الذي هاجم جميع أنحاء جسده. يشعر بالبرد الشديد، يحك ذراعيه بشدة. هو يريد هذا المخدر بأي طريقة. أردف قائلاً بضيق وكسرة: "أنا جسمي كله بيوجعني ومش قادر أتحكم في نفسي. موتني يا جمال وارحم عذابي." دارت عيناه في المكان ولم يجد عمار. أردف قائلاً: "فين عمار؟
أردف عامر قائلاً: "عمار رايح يستقبل اللواء سامح والرائد خديجة ويوصلهم لبيت أبي الشيخ عابدين. وأنا لازم أروح أطمنهم عليك دلوقتي حالا." أردف أدهم قائلاً: "أنا عايز أقابل اللواء سامح لوحده يا عامر." أومأ له عامر برأسه قائلاً: "تمام يا فندم بعد إذنك... أخرج من جيبه حقنة قائلاً: "الحقنة دي مهدئ قوي ومش بيضر. ممكن لو لقيت نفسك مش قادر تستحمل وجع جسمك، خلى المقدم جمال يديهالك؟! *** في غزة..
في إحدى الأحياء المزينة بزينة رمضان، بداخل منزل الشيخ عابدين، في ردهة كبيرة كان يجلس الشيخ عابدين ومعه خديجة ومالك وعمار. لم يستطع عمار التحدث عن حالة أدهم بوجود خديجة. دلف إليهم عامر قائلاً: "السلام عليكم. فلسطين نورت." وقام بتسليم عليهم. أردف سامح قائلاً: "فلسطين منورة بشعبها وأهلها الطيبين." أردفت خديجة بشتياق: "أدهم عامل إيه؟ وهو فين دلوقتي؟ ليه مش موجود معاكم؟
تنهد عامر قائلاً: "المقدم أدهم كويس جدًا، بس هو حابب يشوف اللواء سامح الأول." أردف الشيخ عابدين: "قوم يا عامر نادي على إحدى النساء تاخد الرائد خديجة تستر يح فوق لحد موعد الفطار." نظرت إلى والدها وأومأ لها برأسها بأن تذهب.
بعد خروج خديجة، اجتمع سامح والشيخ عابدين ومالك الجالس حزين شارد يسمع فقط، وعامر وعمار لمعرفة كيفية علاج أدهم. حزن سامح بشدة على ما وصل إليه، فهو عنده حق من عدم رؤية خديجة له بهذا الشكل. وطلب من عامر أن يذهب إليه حالًا، ولكن رفض الشيخ عابدين أن يخرج قبل أن يفطر معهم، فباقي أوقات قليلة ويأذن صلاة المغرب. وأثناء شرود مالك، سمع صوتًا ينادي قائلاً: "مالك، مالك، تعال هنا، بدك أزعل منك."
انتصب واقفًا ينظر بذهول إلى مصدر الصوت. تعجب سامح من وقوف مالك بهذا الشكل وأردف قائلاً: "مالك يا حبيبي، فيك حاجة؟ وفجأة اقتحم الغرفة طفل يلعب وهرول إلى حضن الشيخ عابدين قائلاً: "جدّي عابدين، بدي أختبئ يا جدي." قهقه الشيخ قائلاً: "وبدك تخبي ليش يا مالك؟ شعر مالك بدقات قلبه وهو ينظر إلى ذلك الطفل. كذلك انصعق سامح وهو ينظر إلى ذلك الصغير، فهو صورة طبق الأصل من مالك ابنه في صغره.
اقترب منه مالك وابتسم له ليجد الصغير يبتسم له أيضًا. أردف الشيخ عابدين قائلاً: "تعرف يا مالك، هذا الرجل اسمه مالك مثلك." اقترب الصغير من مالك وأردف قائلاً: "إنت اسمك مالك مثلي." أومأ مالك برأسه وهو يأخذه في أحضانه ويرتب على ظهره بحنان. سمعوا صوتًا قادمًا قائلاً: "مالك وينك أنت؟ أكيد بداخل عند عمي عابدين." ودلفت إلى الداخل وأردفت: "تعال لهون يا مالك."
رفع مالك نظره وانصدم عندما وجدها رحيل تقف أمامه ومعها طفلة أخرى تمسكها بيديها. ليقترب منها وهمس: "رحيل!!! وقفت أمامه مصدومة. كيف جاء إلى فلسطين؟ دارت بعينيها، وجدت أيضًا عمار واللواء سامح يقف ينظر إليهم بفرحة. عندما سمعوا صوت مالك. اقترب سامح قائلًا بفرحة: "صوتك رجع لك يا حبيبي." ابتسم له مالك قائلًا: "الحمد لله يا بابا." اقترب مالك ووقف أمام رحيل قائلًا: "طيب إزاي إنت هنا؟ وإزاي بتعرفي تتكلمي مصري كويس؟
أردف الشيخ عابدين قائلًا: "اهدي يا مالك يا ابني، رحيل دي بنت أخي الراحل، وأمها بتكون مصرية." اقترب الصغير مالك وهو يشد ثوب والدته قائلًا: "أمي، هاد الزلمة اسمه مالك مثلي." أغمضت رحيل عينيها ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها. دارت عيون مالك بين رحيل وبين ذلك الصغير، وأيضًا تلك الصغيرة التي كانت تختبئ خلف والدتها. ليذهب إليها مالك الصغير قائلًا: "تعالي يا ملاك، بدك أعرفك على عمو مالك."
سحبها مالك الصغير ووقف بها إلى مالك سامح الذي كان ينظر بذهول وصدمة. أردف مالك الصغير قائلًا: "دي ملاك أختي يا عمو مالك، تؤامي." نظر بذهول، دَق قلبه بعنف وهو ينظر إلى الأطفال. اقترب من رحيل بسؤالٍ ترتجف، لعل ما فهمه يكون غير صحيح. حاول إخراج صوته وأردف قائلًا وهو ينظر إليها بضعف: "أوعي يكون اللي فهمته صح، وإن ده يكون ولادي." رحيل: ــــــــــ صامتة لا ترد، فقط دموعها هي التي تتحدث.
أمسكها مالك من ذراعيها وظل يهزها بعنف وأردف قائلًا: "ردي عليَّ." لهنا وقد طفح الكيل، ليصرخ عامر، وقف أمام مالك وأبعده بعنف عن ذراعي رحيل قائلًا: "بعد يدك عنها يا جدع إنت." لينظر إلى رحيل قائلًا: "رحيل إنتِ منيحة؟ أومأت له برأسها دون أن تتحدث. ليشعر مالك بغيرة شديدة في قلبه من هذا العامر، ليصرخ قائلًا: "أبعد عن مرتي! إنت إزاي تتكلم معاها كده؟ أردف سامح بصوتٍ حادٍ قائلًا: "اهدي يا مالك، خلينا نفهم كل حاجة الأول."
تنهد ونظر إلى رحيل قائلًا: "رحيل يا بنتي، ممكن تفهميني إيه اللي بيحصل هنا؟ ثم نظر إلى الصغار ونظر إليها وأكمل حديثه: "دول يبقوا أولاد مالك، صح؟! أومأت له برأسها ونظرت إلى الأسفل وأردفت قائلة: "أيوا يا عمي سامح." وقع مالك على أقرب كرسي، لم يستطع أن يتحدث أو يقف على ساقيه. مرة أخرى يفرح أنه أصبح له أولاد أم يحزن على عدم معرفته بهم؟ أغمض عينيه بضعف ودموعه تنهمر بغزارة على وجنتيه. اقتربت منه تلك الصغيرة ملاك ورفعت يديها.
وقامت تمسح دموعه قائلة: "ماما قالت إن مفيش رجال بتعيط." سحبها مالك داخل أحضانه يشدد من احتضانها. فهو من أخطأ، ولكن لماذا هي لم تصبر عليه؟ لماذا مع أول عاصفة تركته وذهبت؟ وهو أخطأ واليوم يدفع الثمن، ولكن تذكر كل قصص والده عن الأنبياء والابتلاء والصبر. فحمد الله كثيرًا على عوضه. أذن صلاة المغرب، طلب الشيخ عابدين من رحيل أن تذهب وتحضر خديجة. في الأعلى.
كانت تجلس خديجة على إحدى الأرائك في الغرفة تقرأ كتاب الله العزيز. وردها سمعت طرقًا على الباب، صدقت وقامت بقفل كتاب الله ووضعته على الطاولة وقامت بفتح الباب. انصدت حين وجدت رحيل أمامها. نظرت لها بذهول قائلة: "رحيل إنتِ هنا؟ طيب إزاي؟ ابتسمت لها رحيل قائلة: "بعدين أفهمك كل حاجة، بس الأول مش هتسلمي عليَّ؟ وحشتيني يا ديجو." فهي منذ معرفتها لم تنادها إلا ديجو. أخذتها خديجة في أحضانها ترتب على ظهرها بحنان شديد.
بعد رجوع الرجال من صلاة المغرب، جلس الجميع تحت توتر شديد. كان ينظر إليهم مالك بحنين وحب واشتياق، ولكنه غضب حين وجد عامر يقرب منها، طبق بها طعامًا قائلًا: "رحيل، هذا طبق السلطة تبعك إنت." ابتسمت رحيل له قائلة: "شكرًا عامر." وأخذته منه تحت نظرات مالك الغاضبة. بعد انتهاء هذا الفطار الذي كان شبه كارثة، ذهب سامح إلى أدهم الذي طلب منه عدم إحضار خديجة إلى هنا مهما حدث، وأن يخبرها بأنه سيصلي معها صلاة العيد بعد أسبوعين.
أما مالك، لم يستطع البقاء في المنزل وخرج لصلاة العشاء، وأثناء دخوله المسجد وجد رحيل تصرخ. ذهب إليها مسرعًا ليفهم، وجد إحدى الرجال يعترض طريقها، فهذا الشخص يريد أن يتزوجها وهي لم تعطِ له وجهًا. ذهب إليها مالك وسحبها من يديها وأوقفها خلفه قائلًا بغضب: "إنت مين يا حيوان وعايز منها إيه؟ صرخ ذلك الشخص: "أنا هوريك من الحيوان." وقام بإخراج سلاح أبيض، وفجأة دون أن ينتبه مالك، قام بجرحه في يده. صرخت
رحيل باسمه قائلة بقلق: "مالك أنت كويس؟ أردف قائلًا: "أنا كويس، متخافيش." أردفت قائلة برعب: "كويس إزاي وذراعك بينزف؟ جاء عامر واقترب من ذلك الشخص قائلًا: "نزل السلاح يا مصطفى." ضحك مصطفى بسخرية: "بعد إنت يا عامر." ولكن في لحظة هجم عليه عامر وقام بضربه لكمات كثيرة في وجهه. وأثناء أخذ السلاح تم جرحه في كف يده. بعد قليل انتهت هذه المشاجرة وعادوا إلى منزل الشيخ عابدين. في غرفة المتواجد بها مالك. اقتربت رحيل
من مالك وأردفت قائلة بخجل: "اخلع القميص خلينا أغير لك على الجرح." ابتسم لها مالك بمكر وأردف قائلًا: "مكنتش أعرف إنك بتعرفي في الإسعافات الأولية." نظرت وأردفت قائلة بغضب: "وأنت كنت تعرف إيه عني؟ يلا خلينا أغير لك على الجرح عشان أشوف جرح عامر." شعر مالك بغيرة شديدة عندما نطقت اسم عامر. نظر إليها ورفع يده وحاول فك أزرار قميصه إلا أنه فشل من شدة الألم. تنهدت ورفعت يديها على استحياء تفك له أزرار القميص.
تحت خجلها الشديد ورعشة يديها، كانت تنظر له بعينيها. نظرة يملؤها الغرام زلزلت كيانه، أنفاسه لفحت برودته بشرتها. ظل يتأمل كل أنفاسها ويحفظ ملامح وجهها في قلبه. ثم نظر إلى شفتيها التي أطاحت بعقله، جعلته يفقد صوابه وهو يراها. شد يديها الاحمرار، أردف قائلًا بغضب وغيره: "مش عيب عليكي تكوني محجبة وحجابك طويل وحاطة روج."
تعجبت رحيل قائلة بغضب: "على فكرة الحمد لله، أنا بخاف ربنا وباحترم الحجاب اللي أنا لبسه ومش بحط لا روج ولا أي مكياج أصلًا." ابتسم مالك بخبث قائلًا: "يبقى أتأكد بنفسي." ومال عليها يقبلها برقة شديدة، لتزيد رحيل من لهيب شوقه لها وهي تهمس قائلة: "وحشتني يا مالك." تعمق في قبلته وشعرت بذراعيه يحاوط خصرها وجذبها إليه، ومال برأسه مستندًا جبهتها بجبهته، وقد تحطمت حصونهم التي ظلت بينهم كل هذه السنوات.
تعالت وتيرة أنفاسها وشعرت بناقوس الخطر يدق. غضبت من نفسها واستسلامها وكادت أن تبتعد إلا أن دخول عامر أنقذها. نظر إليهم عامر قائلًا بمكر: "هو إيه اللي بيحصل هنا؟ زفر مالك بغضب ولعن عامر في سره قائلًا: "مش من الذوق تخبط على الباب قبل ما تدخل علينا كده." رفع عامر حاجبه وأردف قائلًا: "على فكرة أنا عندي ذوق وخبطت كتير ومحدش رد، قولت يمكن تكونوا مشغولين بحاجة كده ولا كده." نظر إليهم وأردف بمكر: "أنا خارج وأسف للإزعاج."
وتركهم وخرج. استعادت رحيل وعيها الذي كانت على وشك أن تفقده معه. لملمت شتات نفسها وسارت للخارج بخطى مسرعة تنزل إلى الأسفل دون النطق بحرف واحد. أما مالك، بعد خروج رحيل ظل يلعن ويسب في عامر الذي قطع عليه أجمل لحظة في حياته. رفع يده ووضعها على شفتيه وابتسم حين تذكر تلك القبلة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!