"لا تبااااالي” قد يسوق إليك الله قدرًا يبكيك ساعةً، لئلا تبكي بعدها دهرًا. قد يسوق إليك تأخيرًا لأمرٍ كسنةً، لئلا تتوقف بعدها الخيرات عنك دهرًا. قد يأخذ منك مقدار حبةٍ من خردلٍ من رزقٍ، ليغمرك بمِداد البحر أجرًا. قد يذوقك ألم الوحشة ليلًا، ليفتح على قلبك بابًا للأنس به لا ينقطع سرٌّ مدًا. قد يباعِد بينك وبين ما تمنى قلبك حينًا، ليختبر صبرك فيتركه لك أبدًا. قد يقطع عنك رسائلهُ أمَدًا، ليأتي بك إليه جرًا.
قد يتركك تنادي طويلًا ظانًا أن صوتك لا صدى له عنده، لتُطيل النداء فيزداد الدعاء فيعظم العطاء. قد يكتب عليك قدرًا لم تتصور أن يكتبه عليك يومًا، لأنه يخبئ لك بعده رزقًا لم تتوقعه أيضًا. قد يقطع أسبابك كلها فتظنه يعجزك، وهو الذي يرفعك لدرجة المضطر فيجيب حينها دعاءك ويلبي حاجتك. قد يتركك للأيام تأكل جدران قلبك يأسًا دون إجابة، لأنه يعلم مدى حلاوة الجبر بعد اليأس من النصر، فيكتب لك أجر الصبر وحلاوة الجبر.
قد يراك نائمًا قانطًا من رحمته ساخطًا على قدره، ثم يوقظ عبدًا صالحًا من عباده في ثلث الليل يذكرك فيدعو لك غيبًا. قد يفعل الله لك شيئًا تتعجب: "لماذا حدث؟! " و"لماذا في هذا التوقيت بالتحديد؟! قد يحتار عقلك، بل حتمًا سيحتار عقلك في فهم كثير من الأحداث، إلى أن يؤذن لك برؤية الله في أقداره، رؤية آثار رحمة الله في قضائه، رؤية يد الله التي تعمل في الخفاء.
"وما كان الله ليضيع إيمانكم.. إن الله بالناس لرؤوف رحيم.. لرؤوف رحيم.. لرؤوف رحيم" *** بداخل تل أبيب. كان أدهم يجلس بداخل غرفة قديمة، عصبت عينيه بشريط أسود اللون حتى لا يرى شيئًا. سمع صوتًا قائلًا: "وأخيرًا لقد وقع الفهد الأسود." ابتسم أدهم بسخرية ولم يهتف بأي شيء. ابتسم ديڤ قائلًا: "أنت لم تعرفني، سوف آخذ منك كل ما أريد وسوف تريني." ضحك أدهم أكثر. غضب ديڤ وأردف قائلًا:
"هيا أيها الجنود قوموا بإمساكه جيدًا وأعطوه أول جرعة من المخدر، وسوف نرى قدرته على تحمل هذا الألم إلى متى؟! قاوم أدهم ولكنه فشل، وبالفعل قاموا بحنقه. مر يومان. فعل ديڤ المستحيل حتى يجبر أدهم على الحديث ويعطيه المعلومات، ولكن أدهم صامت لا يتحدث. دلف إليه ديڤ قائلًا: "معي المصل المضاد، إذا أردت أخذه فعليك أن تمدني بالمعلومات التي أريدها." أمر أحد الجنود بفك عصابة عينيه.
فتح أدهم عينيه بضعف ووهن، فقد تغلب المخدر على جسده. ابتسم ديڤ قائلًا: "هيا أدهم، معي المصل المضاد لينهي لك كل هذا الألم، بمجرد أن تأخذه يومين فقط وسيخرج مفعول هذا المخدر من جسدك وتعود كما كنت." ابتسم أدهم قائلًا بوهن: "الأفضل لك أن تقتلني يا ديڤ، فلم تتمكن من أخذ شيء مني." فرك أنفه بقوة وهو يجاهد البقاء واعيًا، قائلًا: "أنت لم تعرف من هو الفهد الأسود." رغم ضعف أدهم، أكمل قائلًا بثقة: "أنا الجحيم بحد ذاته."
أردف قائلًا بغضب: "لنرى متى ستصمد، أيها الجندي كثف له الجرعة." كان يجلس أرضًا يلهث من فرط حركاته الثائرة، ليبدأ بالاسترخاء حين دث ذلك الجندي بحنقه بمحقن غليظ اخترق عروق أدهم. هدأت حركاته الثائرة لينظر إلى ديڤ الذي ابتسم بنصر قائلًا: "هيا أدهم، معي المصل وسينهي لك كل هذا الألم." أغمض أدهم عينيه بضعف، بل ذهب في عالم آخر اختار الظلام له وحده. *** في فيلا أحمد العاصي.
أثناء تناول الإفطار بعد أن جاء أحمد وجمال من صلاة المغرب، جلست مكة على ساقه وبدأ يطعمها بحنان شديد، بينما جلست فاطمة على ساق أحمد العاصي وجلس أحمد الصغير على ساق سلمى. لمعت عيناه بسعادة وهو يرى أطفاله، ما أجمل عوض الله، تمنى طفل ولكن رزقه الله بأربعة، فهو يعتبر جمال ابنه أيضًا. أردف أحمد العاصي قائلًا: "هتعملوا إيه يا جمال بعد ما عرفتوا إن أدهم أسير في تل أبيب؟ تنهد جمال قائلًا: "هنسافر طبعًا ومعانا اللواء سامح."
أردف أحمد قائلًا بقلق: "بس كده فيه خطورة عليكم وعلى سامح أكتر." أردف جمال قائلًا: "مش عارف هو مصمم على السفر معانا وكمان عايز مالك بالأخص." تعجب أحمد قائلًا: "ومالك يفهم إيه في شغلكم؟ المهم السفر إمتى." حزن جمال وهو ينظر إلى سلمى الصامتة تنظر له بخوف. أردف قائلًا: "لسه الوقت ما تحددتش بس أكيد في أقرب وقت." أردفت فاطمة قائلة بحب أبوي حقيقي:
"ربنا معاكم يا جمال، تروحوا وتيجوا بسلامة، وبإذن الله ربنا ينصركم وترجعوا ومعاكم أدهم." ابتسم لها جمال قائلًا: "الله يسلمك يا أمي، دعواتك." أردف أحمد الصغير قائلًا: "بابي ممكن بعد الفطار نروح عند جدو سامح علشان ألعب معاهم؟ ابتسم جمال قائلًا: "حاضر يا عيون بابي." بعد انتهاء الفطار، حملت العاملات الأطباق وساعدتهم سلمى التي قامت بإعداد القهوة وقامت بإخراجها إلى والدها وزوجها في حديقة المنزل.
وضعت القهوة على الطاولة وذهبت بدون أن تتحدث كلمة واحدة. نظر إليه جمال بحزن. أردف أحمد قائلًا: "روحي اتكلمي معاها يا جمال، هي أكيد خايفة عليك." تنهد جمال قائلًا: "حاضر بعد إذنك." انتصب جمال واقفًا ودلف إلى داخل الفيلا ثم صعد إلى جناحه، وجدها تجلس تبكي على التخت. زفر بغضب وجلس بجانبها وأخذها في أحضانه قائلًا: "ليه الدموع يا حبيبتي بس، إنتِ مش عارفة إن دموعك غالية عندي يا سلمي." شدت سلمى من احتضانه قائلة:
"خايفة عليك يا جمال، غصب عني والله." رفع يده ولمس شعرها بحنان: "سيبيها على الله يا سلمى، الرب واحد والعمر واحد، وبعدين بقى هنقضيها كده؟ أنا ما صدقت إن عيالك مش موجودة، أنا مش عارف العيال دي كل ما أقرب لكِ بتطلع ليا منين." ابتسمت له قائلة: "أنا بحبك أوي أوي يا جمال، ربنا يخليك لنا." ضمها إليه وأردف قائلًا: "وأنا بعشقك يا قلب جمال." ومال عليها يقبلها بنهم عاشق حتى النخاع، غرق في حلال الله. *** في فيلا سامح الأنصاري.
بعد أن أنهى سامح قصته عن نبي الله أيوب، أردف قائلًا: "عرفتوا إن رحمة ربنا كبيرة وإن بعد كل صبر جبر." لم يكمل حديثه عندما صدح صوت هاتفه. أخرج الهاتف وجده اسم المتصل اللواء صلاح. ابتعد عن الجميع وقام بالرد قائلًا: "أيوا يا صلاح، فيه جديد؟ اللواء صلاح: "آه، قدرنا نحدد مكان أدهم يا سامح ولازم في أقرب وقت السفر، لازم جمال وعمار يسافروا الفجر." تنهد سامح قائلًا: "تمام يا صلاح، أنا هتصل بجمال ونشوف هنعمل إيه."
بعد أن أنهى المكالمة، اقترب مرة أخرى للجميع، أردف قائلًا وهو ينظر إلى عمار: "عمار، اتصل على جمال خليه يجي حالًا." أردف عمار قائلًا: "تمام." وبالفعل قام عمار بالاتصال على جمال وأخبره بضرورة الحضور إلى فيلا سامح. بينما كانت خديجة تنظر بقلق إلى والدها. اقتربت منه قائلة بقلق: "بابا، إيه اللي حصل؟ أدهم كويس؟ نظر إليها سامح وابتسم لها: "اطمني يا خديجة، أدهم كويس بس لازم عمار وجمال يسافروا النهارده." أجابته خديجة قائلة:
"أنا لازم أسافر معاهم." أغمض سامح عينيه وأخذ نفسًا طويلًا وأخرجه ببطء شديد قائلًا: "للأسف الأوضاع صعبة حالًا، وكل دقيقة بتمر على أدهم خطر عليه، يبقى الأهم نفكر بعقلنا ونشوف الصح وكله هيبقى خير بإذن الله." بالفعل جاء جمال واجتمع مع عمار واللواء سامح وأخبرهم بماذا يفعلون ليكون التحرك فجرًا اليوم التالي. فجرًا اليوم التالي.
بعد مرور عدة ساعات، وصلوا إلى مطار الأردن. وجدوا فردًا من جهاز المخابرات يقف في استقبالهم ليدخلهم فلسطين عن طريق بعض الطرق والأنفاق. *** في فلسطين. وصل جمال ومعه عمار إلى مكان التجمع، وجدوا عامر في استقبالهم. رغم صغر سنه، إلا أنه ماهر في عمله، ملقب بذئب فلسطين، فهو يعلم بكل صغيرة وكبيرة في فلسطين، يخافه الجميع من قوات الاحتلال الإسرائيلي. صافحهم عامر وأردف قائلًا: "حمد الله على السلامة." رد جمال قائلًا:
"الله يسلمك يا عامر." نظر إلى عمار وأردف قائلًا: "أحب أعرفك على الرائد عمار." أردف عامر: "تشرفنا يا فندم." ابتسم عمار قائلًا: "الشرف ليا يا عامر." أردف جمال قائلًا: "عرفت تحدد مكان أدهم يا عامر؟ أردف عامر قائلًا: "طبعًا يا فندم، بفضل الكبسولة اللي بلعها المقدم أدهم في الوقت المناسب." ابتسم جمال وربت على كتف عامر قائلًا بفخر: "الفضل لك يا عامر في إننا نعرف أدهم عايش لحد دلوقتي بسبب فكرة الكبسولة، فكرة عبقرية."
أردف عمار قائلًا: "إمتى الهجوم؟ نظر عامر في ساعته قائلًا: "بعد حوالي ساعتين، يعني بعد السحور بحوالي نصف ساعة." أردف جمال قائلًا: "تمام يا عامر." أردف عامر قائلًا: "بعد إذنك يا فندم أروح أجهز السحور." أومأ له جمال برأسه قائلًا: "تمام." بعد حوالي ساعتين.
فعل عامر مع عمار وجمال مثل ما فعل مع أدهم وجمال في المرة الماضية، وأعطى لهم كبسولة تحدد أماكنهم في البر أو البحر. تم تفعيلها بواسطة عامر الذي قام بابتكارها، لم يستطع أحد اكتشافها حتى لو تم وضعه تحت أي جهاز أو اختبار. بعد مرور حوالي نصف ساعة.
دلفا عامر إلى نفق ومعه جمال وعمار. ساروا خلفه إلى أن وصلوا إلى ممر به عدة أجهزة. أخرج كل منهم مسدسًا ووضع به كاتم للصوت. بدأ كل منهم يقاتل بـشراسة، كلٌ منهم في مكان مختلف. شعر عامر بحركة غير منتظمة تصدر من إحدى الغرف. أمسك جهاز اللاسلكي المتصل بجمال وأردف قائلًا: "أنا محتاج دعم يا فندم علشان أقدر أقتحم." أردف جمال قائلًا: "تمام يا عامر، أنا جاي لك أنا وعمار."
وقف عامر وأشار بعينه في اتجاه الغرفة المجاورة، ثم فتح باب الغرفة بحذر شديد. هاجم كلٌ منهم وأصوات الرصاص تتطاير في المكان. أردف عامر قائلًا بعد أن نظر إلى ساعته: "مفيش وقت يا فندم، لازم نتحرك بسرعة." كان جمال يتفحص الغرفة بنظرات غاضبة، وقف مذهولًا ينظر كالصاعقة وهو يرى أدهم ينام جثة هامدة. أردف بغضب: "يا ولاد الكلب، يا ولاد الكلب عملتوا فيه إيه؟ فتح عينيه بضعف وهو يحاول تحريك جسده الثقيل. سعل بقوة وحك ذراعيه بجنون.
أردف قائلًا وهو ينظر: "جمال، أديني الحقنة بسرعة." صعق عمار مما استمع عندما جاء بعد أن قام بقتل مجموعة كبيرة من الرجال المسلحين. أردف قائلًا: "أدهم، عملوا فيك إيه؟ أردف أدهم قائلًا بوهن: "عمار، خديجة يا عمار." جاء عامر وهو يهرول قائلًا: "بسرعة، مفيش وقت، لازم نمشي، إحنا اكتشفنا." أردف أدهم قائلًا بألم: "جمال، اقتلني وخلصني من اللي أنا فيه." نظر جمال بشر وقام بضرب الجدار قائلًا:
"أنت مش ضعيف يا أدهم، أنت هتخرج من هنا وهترجع أحسن من الأول عشان خاطر مراتك وولادك، مراتك اللي كان عندها يقين إنك عايش والكل قال إنك مت." بالفعل قام جمال بحمل أدهم. أردف قائلًا بوهن: "فجروا المكان، ولا ترحم أحدًا." ثم فقد الوعي. أردف جمال وهو يخرج من الممر قائلًا: "نفذ الأمر يا عامر." أما عمار كان يقف ينظر بذهول غير مستوعب ماذا حدث مع أدهم. أهذا هو الفهد الأسود؟
أخرج سلاحه وظل يضرب في رؤسائهم. تحولت الغرفة إلى بركة من الدماء، وبالفعل بعد قتل الجميع قام عامر بتفجير المكان. بعد حوالي ساعتين، دلف جمال الذي كان يحمل أدهم ودموعه تنهمر بغزارة على وجنتيه، وبجانبه عمار وعامر. أردف عمار قائلًا بألم وهو ينظر إلى أدهم: "هنعـمل إيه يا جمال؟ شد جمال خصلات شعره وأخذ نفسًا طويلًا وأخرجه بغضب قائلًا: "مش عارف. أنا بقول نتصل باللواء سامح، بس الأول عايزين نفوق أدهم." تنهد عمار قائلًا:
"ربنا معانا إن شاء الله." وبالفعل قام جمال بالاتصال على اللواء سامح وأخبره بما حدث. *** في فيلا سامح الأنصاري. بعد رجوع الرجال من صلاة المغرب وجلسوا لتناول الإفطار، صدح صوت رنين هاتف سامح. انتصب واقفًا وابتعد عن الجميع وقام بالرد ليجده جمال الذي قص عليه ما حدث معهم وماذا حدث لأدهم. أخذ نفسًا وأردف قائلًا: "جمال، هبعت لك فيديو خليه أدهم يشوفه ضروري."
قام بإنهاء المكالمة وعاد مرة أخرى ينظر بشرود إلى أن انتهى من الإفطار في صمت. بعد مرور حوالي ساعة، أذن صلاة العشاء ليذهب الجميع إلى صلاة العشاء. وكمثل كل يوم، اجتمع سامح مع أحفاده بعد صلاة التراويح ليقص لهم قصص الأنبياء. أردف يوسف قائلًا: "إيه رأيك يا جدو تحكي لنا قصة نبي الله يعقوب الليلة، لأنه من فلسطين." ابتسم سامح وأردف قائلًا: "تمام يا يوسف." "نشأ وكبر سيدنا يعقوب -عليه السلام -مع والده إسحاق -عليه السلام
-في مدينة فلسطين، وقد أمرته أمه أن يغادر إلى خاله لابان في أرض حران؛ ليقيم عنده بعد أن حصل خلافٌ بينه وبين أخيه عيص، ومكث عند خاله مدة من الزمن، وتزوج من ابنته الصغرى ثم الكبرى، ويُذكر أن زوجته راحيل أنجبت له يوسف -عليه السلام -وأخيه بنيامين." أردفت ملاك قائلة: "كم عدد أبناء سيدنا يعقوب يا جدو؟ أردفت آسيا قائلة: "أنا عارفة أقول؟ لمعت عيون سامح بالسعادة وأردف قائلًا بحب: "طبعًا قولي يا آسيتي." خجلت آسيا وأردفت قائلة:
"رزق الله سيدنا يعقوب عليه السلام باثني عشر ولدًا ذكرًا وبنتًا واحدة، أقرب أبنائه لقلبه وأمهما، وهما نبي الله يوسف عليه السلام وأخوه بنيامين وأمهما راحيل بنت لابان، وهي ابنة خال سيدنا يعقوب عليه السلام." "ثانيًا/ روبين وهو الابن الأكبر لسيدنا يعقوب عليه السلام وإخوته يهودا، لاوي، شمعون، زبولون وياساكر والابنة الوحيدة لنبينا يعقوب عليه السلام دينا؛ وأمهم ليا بنت لابان، وهي بالطبع أخت راحيل وابنة خال يعقوب."
"ثالثًا/ ابنيه دان وانفتالي وهما ابنيه من بيلها." "رابعًا/ ابنيه جاد وعشير وهما ابنيه من زيلفا." أردف سامح قائلًا: "برافو عليكِ يا آسيا." أردفت لين قائلة: "من هم قوم سيدنا يعقوب عليه السلام؟ أردف سامح قائلًا وهو ينظر إلى ماهر: "قول أنت يا ماهر." ابتسم ماهر وتذكر هذه القصص عندما كان يرفض أن يجلس مع الفتيات يستمع إلى والده، ولكنه كان يختبئ ويستمع له من بعيد. أردف قائلًا بثقة: "اتفق المفسرون على أن قوم سيدنا يعقوب
-عليه السلام -هو إسرائيل الذي ذُكر في القرآن الكريم، وبنو إسرائيل في زمن يعقوب -عليه السلام -جاء من نسلهم بنو إسرائيل، وهم ذاتهم الموجودين في هذا الزمان، فهم من نسل أبناء يعقوب -عليه السلام -الاثني عشر، ولذلك فإن الله -تعالى -حين خاطب اليهود في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -ذكرهم بما كان يفعل آباؤهم من قبل؛ لأنهم من نفس النسل، حيث قال الله تعالى:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) ابتسم سامح قائلًا:
"برافو عليك يا ماهر، واضح أنك كنت مركز زمان." أردفت تاج قائلة: "أنا عارفة يا جدو أن كل نبي كان عنده ابتلاء، إيه هو ابتلاء سيدنا يعقوب عليه السلام؟ أردف سامح قائلًا: "شاطرة يا تاج، سؤالك حلو قوي، واللي تجاوب عليه خديجة." رفعت خديجة الشاردة وجهها وأردفت قائلة: "كان سيدنا يوسف -عليه السلام -ابن يعقوب -عليه السلام -أحب أولاده إليه، وأعلاهم منزلةً في قلبه، فأراد الله -تعالى
-أن يبتلي صبره بفراق ولده مدة طويلة من الزمن، حيث كان إخوة يوسف الاثنا عشر يشعرون بالغيرة من أخيهم، ويرون أنه قد شغل قلب أبيهم عنهم، فأرادوا أن يتخلصوا منه؛ حتى يصفو لهم أبيهم، فدبروا لذلك مكيدة وحيلة، فأخذوا يوسف -عليه السلام -بحجة التنزه واللعب، ثم ألقوه في بئر عميقة، وأخذوا قميصه بعد أن لوثوه بدم كذب؛ حتى يقتنع والدهم بصدق روايتهم، وعندما أصبح يوسف -عليه السلام
-عزيز مصر، وجاء إخوته يستطعمونه عرفهم يوسف، فأراد أن يأتي بوالده وشقيقه إليه، فأحجم عن إعطائهم نصيبهم من الطعام حتى يأتوا بأخيهم الأخير، فلما حضر الإخوة ببنيامين شقيق يوسف، أبقاه يوسف -عليه السلام -عنده بالحيلة، ففقد الأب ولديه الاثنين، إلا أن غياب بنيامين لم يطل؛ لأن يوسف أخبر إخوته بحقيقة أمره، إلا أن غياب يوسف -عليه السلام -نفسه عن أبيه بسبب كل الظروف ظل ما يقارب أربعين سنة،
وقيل في رواية أخرى: ثمانين سنة، وقيل غير ذلك، وكان الأب يعقوب -عليه السلام -في كل السنوات صابرًا محتسبًا، فلم يفقد الأمل بعودة ولده، ولم يقنط من رحمة الله تعالى." نظر سامح إلى مالك وأردف قائلًا: "فعلاً سيدنا يعقوب كان عنده يقين بوعد الله -تعالى -، لم ييأس ولم يستسلم لخبر فقدان ابنه يوسف، بل علم يقينًا أنه سوف يراه ويلتقيه مجددًا لذلك ظل يحث أبناءه على تحسس خبر يوسف وأخيه بنيامين لإيمانه بوعد الله -تعالى -." أخذ نفسًا
وأكمل: "تربية سيدنا يعقوب عليه السلام لأولاده ظهرت صفات النبي يعقوب -عليه السلام -جليّةً في سورة يوسف، وذلك في العديد من المواقف التي كان فيها معلمًا لأبنائه، ومن تلك المواقف:" "حسن توكل يعقوب -عليه السلام -على الله تعالى، فبالرغم من أنه أرشد أبناءه للأخذ بالأسباب في دخول المدينة إلا أنه توكل على الله وحده في تفريج كربه، قال الله تعالى:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) "الإقبال والاعتماد على الله -تعالى -بقضاء الحوائج، وبث الحزن له وحده، حيث قال الله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) "حسن الظن بالله تعالى، حيث قال الله عز وجل:
(وَلا تَيأَسوا مِن رَوحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ) "وصية يعقوب لأولاده ذُكرت وصية يعقوب -عليه السلام -في القرآن الكريم؛ لعظمتها وفضلها، حيث أوصى أولاده بالثبات على دين الإسلام حتى لقاء الله تعالى، وهي في قول الله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
، وقال أيضًا في سورة البقرة: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أردف عبد الرحمن قائلًا: "كم عمر سيدنا يعقوب حين توفي؟ أردف سامح قائلًا: "توفي نبي الله يعقوب -عليه السلام
-وقد زاد عمره عن المئة عام، وكان ذلك بعد لقاء ابنه يوسف -عليه السلام -بسبع عشرة سنة، وكانت وصيته أن يُدفن عند والده إسحاق وجده إبراهيم عليهما السلام في فلسطين." بعد أن أنهى سامح قصة نبي الله يعقوب، نظر إلى خديجة وأردف قائلًا: "خديجة، حضري نفسك إنت ومالك للسفر معايا بكرة إلى الأردن." *** في فلسطين.
بداخل تلك الغرفة المتواجد بها أدهم، فتح عينيه بضعف. نظر حوله وجد جمال وعمار وعامر بجانبه. ابتلع لعابه وبدأ يفرك في ذراعيه بقوة وسعل بقوة أكثر. نظر إليه جمال بحزن لا يعرف من أين سيبدأ معه العلاج، ولكن سيبذل قصارى جهده حتى يجعله يسترد عافيته ولن يتركه ويفعل معه مثل ما فعل معه عندما أصيب في إحدى المهمات.
بلاشك، في مستشفى القوات المسلحة، حالة من الهرج والمرج سيطرت على المشفى وبالأخص تلك الغرفة التي كان يتواجد بها جمال عندما أصيب بطلق ناري في ظهره. أجمع جميع الأطباء على أنه لم يستطع التحرك مرة ثانية، سيبقى هكذا مدى الحياة. وعندما علم بذلك الخبر، ظل يصرخ إلى أن دلف إليه أدهم قائلًا: "أهدأ يا جمال." لمعت عيون جمال بالدموع وأردف قائلًا بكسرة وبألم: "أهدأ إزاي؟ أنا بقيت مشلول يا أدهم، عارف يعني إيه مشلول؟
حزن أدهم على حال جمال وأردف قائلًا: "أهدأ يا جمال، أنا بعت الأشعة والتحليل لدكتور بره مصر والرد جه إن فيه أمل تمشي تاني بعملية وعمل علاج طبيعي، بس خلي عندك إيمان وثقة بالله وصبر، لازم الصبر يا جمال." أغمض عينيه وأردف قائلًا: "ونعم بالله." وبالفعل لم يتركه أدهم ولو لحظة، ظل معه حتى تعافى ومشى مرة أخرى. أفاق على همس أدهم وكأنه يحلم. مسح دموعه واقترب منه قائلًا: "عمري ما هسيبك يا صاحبي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!