في فيلا سامح الأنصاري.. داخل جناحه كان يجلس على السرير شارد. اقتربت منه آسيا قائلة: "مالك يا سامح؟ تنهد سامح واردف قائلاً: "سلامتك يا آسيا. هي الساعة كام دلوقتي؟ ابتسمت آسيا واردفت قائلة: "لو خبيت على الدنيا كلها، لا يمكن تقدر تخبي عليّ يا حبيبي." رفعت يديها ورتبت على ظهره بحنان قائلة: "أنت قلقان علشان مسافر ومعاك خديجة صح؟
أومأ برأسه قائلاً: "فعلاً. رغم إني خايف وقلقان على أدهم، بس خوفي الأكبر علشان خديجة مش تستحمل تشوف أدهم كده، وفي نفس الوقت لازم تكون جنبه." اردفت آسيا قائلة: "كله خير يا سامح. ربنا قادر على كل شيء. إيه رأيك تاخد شاور وننزل نتسحر ونصلي الفجر سوا زي زمان؟ ابتسم لها سامح وقام بتقبيل جبهتها. بعد مرور بعض الوقت، نزل سامح إلى الأسفل ومعه آسيا. وجد الجميع جالسين على مائدة الطعام. جلس بجانبهم وبدأوا في تناول الطعام.
بعد قليل، أذن لصلاة الفجر. اردف قائلاً: "إيه رأيكم لو نصلي كلنا هنا؟ هلل الصغار، وبالفعل وقف سامح في الأمام وخلفه أولاده وأحفاده الذكور، وخلفهم النساء والفتيات. بعد أن أنهى صلاة الفجر، جلس في الأرض وبجانبه الجميع في حلقة ذكر. اردف يزن قائلاً: "جدو، بما إن النهاردة ليلة وترية، إيه رأيك تحكي لنا عن فضل ليلة القدر؟
ابتسم سامح واردف قائلاً: "ليلة القدر ليلةٌ من الليالي العشرة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وهي غير محددة بليلة معينة؛ إذ ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه -، أن النبي -عليه الصلاة والسلام -قال: (فَالْتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ، والتَمِسُوهَا في كُلِّ وِتْرٍ) . وقد اختصها الله -تعالى -بشأن عظيم؛ فأنزل القرآن الكريم فيها في مرحلة من مراحل نزوله، قال الله -تعالى
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) . وهي ليلة مباركة يُقدّر الله -تعالى -فيها ما سيكون في العام؛ إذ قال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) . وأجر العمل الصالح فيها أفضل من أجر العمل لمدة ألف شهر، قال -عز وجل (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) . وقد كان الرسول -عليه الصلاة والسلام
-يتحرى ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، ويجتهد فيها بالعبادات والطاعات ما لا يجتهد في غيرها، فقد ورد عنه أنه قال: (مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) . وبهذا يجدر بالمسلم بذل الوسع في المسارعة لأداء الأعمال الصالحة والعبادات في ليلة القدر؛ لما لها من عظيم الأثر الحسن في الدنيا والآخرة." اردفت آسيا الصغيرة قائلة: "أمتى بيكون ميعادها بالظبط يا جدو؟
اردف سامح قائلاً: "الأقوال اختلفت في تحديد ليلة القدر، وتعيينها؛ فقيل إنها في الليالي الفردية من العشر الأواخر؛ استدلالاً بما روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ) . وقيل إنها في الأيام السبع الأخيرة من رمضان؛ لما ثبت من رواية الإمام البخاري عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما
(فمَن كانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأوَاخِرِ) . وقيل إنها مُنتقلة، دون تحديدها بالليالي الفردية، أو الزوجية." اردف سامح ماهر قائلاً: "إيه هي علامات ليلة القدر يا جدو؟ نظر سامح إلى الجميع ووجد كلاً من ونس وخديجة في عالم آخر. تنهد واردف قائلاً: "جاوب أنت يا ونس." اردفت ونس قائلة: "طلوع الشمس دون شعاع في صباح اليوم التالي لها؛ فقد ورد عن أبيّ بن كعب -رضي الله عنه
(وآيةُ ذلك أنْ تَطلُعَ الشَّمسُ في صَبيحتِها مِثلَ الطَّستِ، لا شُعاعَ لها، حتى تَرتفِعَ) تاني حاجة من علامات ليلة القدر: اعتدال الجوّ فيها؛ فلا يوصف بالحرارة، أو البرودة؛ إذ روي عن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما (ليلةُ القدْرِ ليلةٌ سمِحَةٌ، طَلِقَةٌ، لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ، تُصبِحُ الشمسُ صبيحتَها ضَعيفةً حمْراءَ) ثالثاً: النقاء والصفاء؛ فقد روي في أثر غريب عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه
(أمارَةَ ليلةِ القدْرِ أنها صافيةٌ بَلِجَةٌ كأن فيها قمرًا ساطعًا سا كنةٌ سا جيةٌ لا بردَ فيها ولا حرَّ ولا يحِلُّ لكوكبٍ يُرمى به فيها حتى تُصبِحَ، وإن أمارَتها أنَّ الشمسَ صبيحتَها تخرُجُ مُستويةً ليس لها شُعاعٌ مثلَ القمرِ ليلةَ البدرِ ولا يحِلُّ للشيطانِ أن يخرُجَ معَها يومَئذٍ) رابعاً: نزول الملائكة أفواجاً؛ فقد قال -تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ)
وروي عن أبي هريرة -رضي الله عنه (وإن الملائكةَ تلك الليلةَ أَكْثَرُ في الأرضِ من عَدَدِ الحَصَى) اردفت ملاك قائلة: "إيه الحكمة من إخفاء ليلة القدر؟ وجدوا مالك يرفع يده. فرح الجميع وجاء مالك بورقة وقلم وكتب فيها:
"يُعلل سبب إخفاء ليلة القدر، وعدم تحديدها؛ بغاية ترغيب وتحفيز العباد على الاستمرار والمداومة على العبادة، والمثابرة عليها، والمبالغة فيها طوال العشر الأخيرة من رمضان، ولئلا يقتصروا على العبادات والطاعات في ليلة واحدة؛ ولذلك كان جديراً بالمسلم تحري الليالي العشر الأخيرة من الشهر المبارك كاملة، وقيامها، والمواظبة فيها على ذكر الله، والدعاء، والصلاة، وقراءة القرآن، وبذلك يشغل العبد نفسه ووقته كله في طاعة الله -تعالى."
فرح سامح والجميع بمشاركة مالك معهم. كم تمنى بأن الله يريح قلبه ويرجع له صوته. اردف قائلاً وعيناه تلمع بالدموع: "برفوا عليك يا حبيبي." اردف يوسف قائلاً: "إيه أحب الأعمال اللي ممكن نعملها في العشر الأواخر يا جدو؟ نظر سامح إلى ماهر واردف قائلاً: "جاوب أنت يا ماهر." أومأ ماهر برأسه واردف قائلاً: "يفضل الإكثار من قراءة القرآن والدعاء، والأذكار، والتسبيح، وسؤال الله -تعالى
-العتق من النيران، والتعوذ منها؛ فالدعاء فيها مستجاب، والاجتهاد فيه مرغوب، ولذلك يتسابق العباد، ويحرصون على التوبة، والفوز برضا الله -عز وجل -، وتوفيقه، ونيل المنزلة الرفيعة، قال سفيان الثوري: 'الدعاء في ليلة القدر أحب إليّ من الصلاة'. وأفضل ما يدعو به المسلم في ليلة القدر العفو والمغفرة من الله -سبحانه -، إذ روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها -أنها قالت: (قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟
قال: قولي اللَّهمَّ إنَّك عفُوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي) وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله -: 'لا سبيل للعبد إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته -جل وعلا -وأنه رهين بحقه، فإن لم يتغمده بعفوه ومغفرته، وإلا فهو من الهالكين لا محالة، فليس أحد من خلقه إلا وهو محتاج إلى عفوه ومغفرته كما هو محتاج إلى فضله ورحمته'. وقراءة
القرآن في ليلة القدر: يستحب للمسلم تلاوة آيات القرآن الكريم وترتيلها في شهر رمضان، ولا يشترط ختمه كاملاً في تلك الليلة، إلا أنه ينال أجراً عظيماً، وفضلاً كبيراً إن ختمه؛ فالقيام لا يقتصر على الصلاة، بل يكون بأداء مختلف أنواع العبادات، قال النبي -عليه الصلاة والسلام
(مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) الصلاة في ليلة القدر: تؤدى صلاة القيام ركعتين ركعتين كما ثبت في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما
(أنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن صَلاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً واحِدَةً تُوتِرُ له ما قدْ صَلَّى) وقيام ليلة القدر من أسباب مغفرة الذنوب، وتكفيرها عن العباد."
اردف سامح قائلاً: "ربنا سبحانه وتعالى أعطى لنا فرص كتير للرجوع إليه والتكفير عن ذنوبنا، لازم الإنسان يستغل كل ده ويتوب عن كل معصية. ربنا رحمته وسعت كل شيء وباب المغفرة مفتوح في كل وقت." نظر سامح إلى ساعته واردف قائلاً وهو ينظر إلى خديجة ومالك: "اطلعوا يلا جهزوا نفسكم. هنتحرك بعد نصف ساعة." *** داخل جناح سامح وآسيا..
داخل غرفة الملابس، خرج سامح من الحمام. سمع صوت شهقات علم ببكاء آسيا وهي تحضر له حقيبة ملابسه. تنهد بألم ودلف إلى الداخل. صدم عندما وجد دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها. اقترب منها يضمها بحنان شديد قائلاً: "ليه الدموع يا حبيبتي؟ زادت شهقاتها. حزن سامح وأمسك يديها وخرج بها إلى الخارج. أجلسها على إحدى الأرائك وجلس بجانبها يحاوط كتفها قائلاً: "مش قولتلك بلاش دموع يا حبيبتي؟ أنا مش بستحمل أشوف دموعك."
رفع يده وقام بمسح دموعها. اردفت قائلة: "خايفة عليكم يا سامح. الأوضاع هناك صعبة. إحنا كل يوم بنسمع في الأخبار عن استشهاد المئات منهم، وأنت رايح هناك ومعاك خديجة ومالك، لا وكمان أدهم وعمار وجمال هناك. صعب أوي يا سامح، صعب صدقني."
أخذها سامح في أحضانه يرتب على ظهرها بحنان قائلاً: "سيبها على الله يا آسيا. وبعدين إحنا هنكون في مقر تبع جهاز المخابرات. ملناش اختلاط مع جنود الاحتلال الإسرائيلي. وبعدين يلا بقا اضحكي متخلنيش أسافر وأنا قلقان عليكي." خرجت من أحضانه ونظر إليها لتلمع عيناه بالحب والعشق. مهما كبرت فهي دائماً وجهها يشع نور ونضارة شديدة الجمال بأنفها ووجهها شديد الاحمرار، فكانت مثل قطعة الكرز. اردف قائلاً
بمرح: "اللهم إني صائم. قوم يا آسيا الله يرضى عنك كملي تجهيز الشنطة." خجلت آسيا وابتسمت له ابتسامة خطفت قلبه. أمسك كف يديها وقام بوضع قبلة قائلاً: "ربنا يديمك ليا يا آسيتي." اردفت قائلة بنبرة عاشقة هائمة: "ويديمك ليا يا نور عيوني." وانتصبت واقفة وسارت باتجاه غرفة الملابس لتكمل تجهيز الحقيبة. *** بعد مرور حوالي أربعة ساعات..
خرج سامح ومعه خديجة ومالك من مطار الأردن. وجد عنصرين من جهاز المخابرات الأردنية بسيارة وبعض الرجال بناءً على تعليمات المخابرات المصرية. استقل السيارة وركب في الخلف وهو معه خديجة، أما مالك فركب في الأمام بجوار السائق. *** في إحدى المناطق القديمة في غزة، في منزل مكون من غرفتين. داخل إحدى الغرف..
فتح عينيه بضعف ووهن. يفرك بأنفه بشدة. جسده ثقيل من شدة أثر المخدر. كان يحلم بها تنادي عليه، يسمع صوتها تنادي باسمه ولكنه لم يرها. ظل يسمع إلى أن اختفى الصوت نهائياً. صرخ بصوتها: "خديجة! انتفض من نومه يفتح عينيه ببطء. وجهه يتصبب عرقاً غزيراً. نظر حوله وجد جمال وعمار جالسين بجانبه. اردف قائلاً بضعف وهو يحك ذراعه بجنون: "أنا فين؟ تألم جمال على حال صديقه واردف قائلاً: "أنت في أمان يا أدهم اطمن."
أغمض عينيه بكسرة على ما وصل إليه قائلاً: "ليه يا جمال رفضت تموتني؟ كنت ريحتني من اللي أنا فيه." اردف جمال قائلاً: "خلي عندك ثقة بالله. وبعدين هتسيب اللي وراك لمين؟ وضع يده داخل جيبه وأخرج هاتفه وقام بتشغيل الفيديو ثم قربه منه قائلاً: "قبل كل شيء شوف الفيديو ده يا أدهم."
أمسك أدهم الفيديو بيد مرتعشة. نظر بألم وحزن عندما رأي خديجة شاحبة الوجه دموعها تنهمر بغزارة. شد خصلات شعره بعنف. لمعت عيناه هو أيضاً بالدموع. لقد وصلت إلى هذه المرحلة بسببه هو فقط المسؤول، هو من جعلها في هذه الحالة. شعر بوخزات شديدة في قلبه على ما وصلت إليه. ظل ينظر إليهم وإلى أولاده حنين اشتياق. أغمض عينيه بألم وفتح ببطء وأعطى الهاتف إلى جمال. كاد أن يتحدث ولكن دلف عامر قائلاً:
"اللواء سامح ومعاه الرائد خديجة وصلوا فلسطين." دق قلبه بعنف وأصبح جسده ثقيل جداً. وجهه يتعرق بشدة. اردف قائلاً: "مش لازم خديجة تشوفني وأنا كده." "قال إن فيه مصل تقدر تحصل عليه يا عامر؟ تنهد عامر بحزن إلى ما وصلوا إليه. "الفهد الأسود." اردف قائلاً بثقة: "أقدر أحصل على مصل غيره بس مفعوله هيبقى أقل يعني مش قبل أسبوعين يكون التعافي."
حاول أن يكون ثابتاً أمامهم من شدة الألم الذي هاجم جميع أنحاء جسده. يشعر بالبرد الشديد. يحك ذراعه بشدة. هو يريد هذا المخدر بأي طريقة. اردف قائلاً بضيق وكسرة: "أنا جسمي كله وجعني ومش قادر اتحكم في نفسي. موتني يا جمال وارحم عذابي." دارت عيناه في المكان ولم يجد عمار. اردف قائلاً: "فين عمار؟ اردف عامر قائلاً: "عمار رايح يستقبل اللواء سامح والرائد خديجة ويوصلهم لبيت أبي الشيخ عابدين. وأنا لازم أروح أطمن عليك دلوقتي حالا."
اردف أدهم قائلاً: "أنا عايز أقابل اللواء سامح لوحده يا عامر." أومأ له عامر برأسه قائلاً: "تمام يا فندم بعد إذنك." أخرج من جيبه حقنة قائلاً: "الحقنة دي مهدئ قوي ومش بتضر. ممكن لو لقيت نفسك مش قادر تستحمل وجع جسمك، خلي المقدم جمال يديهالك؟ *** في غزة.. في إحدى الأحياء المزينة بزينة رمضان، بداخل منزل الشيخ عابدين في ردهة كبيرة كان يجلس الشيخ عابدين ومعه خديجة ومالك وعمار. لم يستطع عمار التحدث عن حالة أدهم بوجود خديجة.
دلف إليهم عامر قائلاً: "السلام عليكم. فلسطين نورت." وقام بتسليم عليهم. اردف سامح قائلاً: "فلسطين منورة بشعبها وأهلها الطيبين." اردفت خديجة بشوق: "أدهم عامل إيه وهو فين دلوقتي؟ ليه مش موجود معاكم؟ تنهد عامر قائلاً: "المقدم أدهم كويس جداً بس هو حابب يشوف اللواء سامح الأول." اردف الشيخ عابدين: "قوم يا عامر نادي على إحدى النساء تاخد الرائد خديجة تستريح فوق لحد موعد الفطار." نظرت إلى والدها وأومأت له برأسها بأن تذهب.
بعد خروج خديجة، اجتمع سامح والشيخ عابدين ومالك الجالس حزين شارد يسمع فقط، وعامر وعمار لمعرفة كيفية علاج أدهم. حزن سامح بشدة على ما وصل إليه. فهو عنده حق من عدم رؤية خديجة له بهذا الشكل وطلب من عامر أن يذهب إليه حالاً. ولكن رفض الشيخ عابدين أن يخرج قبل أن يفطر معهم، فباقي أوقات قليلة ويأذن صلاة المغرب. وأثناء شرود مالك سمع صوت ينادي قائلاً: "مالك، مالك، تعال هنا. بدك أزعل منك؟
انتصب واقفاً ينظر بذهول إلى مصدر الصوت. تعجب سامح من وقوف مالك بهذا الشكل واردف قائلاً: "مالك يا حبيبي فيك حاجة؟ وفجأة اقتحم الغرفة صغير يلهو وهرول إلى حضن الشيخ عابدين قائلاً: "جدي عابدين، بدي أختبئ يا جدي." قهقه الشيخ قائلاً: "وبدك تخبي ليش يا مالك؟ شعر مالك بدقات قلبه وهو ينظر إلى ذلك الصغير. كذلك انصعق سامح، وهو ينظر إلى ذلك الصغير فهو صورة طبق الأصل من مالك ابنه في صغره.
اقترب منه مالك وابتسم له ليجد الصغير يبتسم له أيضاً. اردف الشيخ عابدين قائلاً: "تعرف يا مالك؟ هذا الرجل اسمه مالك مثلك." اقترب الصغير من مالك واردف قائلاً: "أنت اسمك مالك مثلي؟ أومأ مالك برأسه وهو يأخذه في أحضانه ويرتب على ظهره بحنان. سمعوا صوت قادم قائلاً: "مالك وينك انت؟ أكيد بداخل عند عمي عابدين." ودلفت إلى الداخل واردفت: "تعال لهون يا مالك."
رفع مالك نظره وانصدم عندما وجدها رحيل تقف أمامه ومعها طفلة أخرى تمسكها بيديها. ليقترب منها وهمس: "رحيل!!! وقفت أمامه مصدومة. كيف جاء إلى فلسطين؟ دارت بعينيها وجدت أيضاً عمار واللواء سامح يقف ينظر إليهم بفرحة عندما سمعوا صوت مالك. اقترب سامح قائلاً بفرحة: "صوتك رجع لك يا حبيبي." ابتسم له مالك قائلاً: "الحمد لله يا بابا." اقترب مالك وقف أمام رحيل قائلاً: "طيب إزاي إنت هنا وإزاي بتعرفي تتكلمي مصري كويس؟
اردف الشيخ عابدين قائلاً: "اهدي يا مالك يا ابني. رحيل بتكون بنت أخي الراحل ووالدتها بتكون مصرية." اقترب الصغير مالك وهو يشد ثوب والدته قائلاً: "أمي هاد الزلمة اسمه مالك مثلي." أغمضت رحيل عينيها ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها. دارت عيون مالك بين رحيل وبين ذلك الصغير، وكذلك تلك الصغيرة التي كانت تختبئ خلف والدته. ليذهب إليها مالك الصغير قائلاً: "تعالي يا ملاك، بدك أعرفك على عمو مالك."
سحبها مالك الصغير ووقف بها إلى مالك سامح الذي كان ينظر بذهول وصدمة. اردف مالك الصغير قائلاً: "دي ملاك أختي يا عمو مالك. تؤمر؟ نظر بذهول، دق قلبه بعنف وهو ينظر إلى الأطفال. اقترب من رحيل بسؤال تترعش، لعل ما فهمه يكون غير صحيح. حاول إخراج صوته واردف قائلاً وهو ينظر إليها بضعف: "أوعي يكون اللي فهمته صح، وإن دول يكونوا ولادك." رحيل: ــــــــــصامتة لا ترد، فقط دموعها من تتحدث.
أمسكها مالك من ذراعها وظل يهزها بعنف واردف قائلاً: "ردي عليّ." لهنا وقد طفح الكيل ليصرخ عامر. وقف أمام مالك وأبعده بعنف عن ذراع رحيل قائلاً: "بعد يدك عنها يا جدع أنت! نظر إلى رحيل قائلاً: "رحيل أنت منيحة؟ أومات له برأسها دون أن تتحدث. ليشعر مالك بغيرة شديدة في قلبه من هذا عامر ليصرخ قائلاً: "ابعد عن مراتي، أنت إزاي تتكلم معاها كده؟ اردف سامح بصوت حاد قائلاً: "اهدي يا مالك خلينا نفهم كل حاجة الأول."
تنهد ونظر إلى رحيل قائلاً: "رحيل يا بنتي ممكن تفهميني إيه اللي بيحصل هنا؟ ثم نظر إلى الصغار ونظر إليها وأكمل حديثه: "دول يبقوا أولاد مالك صح؟ أومأت له برأسها ونظرت إلى الأسفل واردفت قائلة: "أيوا يا عمي سامح؟! وقع مالك على أقرب كرسي. لم يستطع أن يتحدث أو يقف على ساقيه مرة أخرى. يفرح على أنه أصبح له أولاد أم يحزن على عدم معرفته بهم. أغمض عينيه بضعف ودموعه تنهمر بغزارة على وجنته. اقتربت منه تلك الصغيرة ملاك ورفعت يديها
وقامت بمسح دموعه قائلة: "ماما قالت إن مفيش رجال بتعيط." سحبها مالك داخل أحضانه يشدد من احتضانها. فهو من أخطأ ولكن لماذا هي لم تصبر عليه؟ لماذا مع أول عاصفة تركته وذهبت؟ وهو أخطأ واليوم يدفع الثمن. ولكن تذكر كل قصص والده عن الأنبياء والابتلاء والصبر. فحمد الله كثيراً على عوضه. أذن صلاة المغرب. طلب الشيخ عابدين من رحيل أن تذهب وتحضر خديجة. في الأعلى
كانت تجلس خديجة على إحدى الأرائك في الغرفة تقرأ كتاب الله العزيز وردها. سمعت طرقاً على الباب. صدقت وقامت بقفل كتاب الله ووضعته على الطاولة وقامت بفتح الباب. انصدمت حين وجدت رحيل أمامه. نظرت لها بذهول قائلة: "رحيل إنت هنا؟ طيب إزاي؟ ابتسمت لها رحيل قائلة: "بعدين أفهمك كل حاجة. بس الأول مش هتسلمي عليّ؟ وحشتني يا ديجو." فهي منذ معرفتها لم تناديها إلا ديجو. وأخذتها خديجة في أحضانها ترتب على ظهرها بحنان شديد.
بعد رجوع الرجال من صلاة المغرب، جلس الجميع تحت توتر شديد. كان ينظر إليهم مالك بحنين وحب واشتياق، ولكنه غضب حين وجد عامر يقرب منها. طبق بها طعام قائلاً: "رحيل هذا طبق السلطة تبعك." ابتسمت رحيل له قائلة: "شكراً عامر." وأخذته منه تحت نظرات مالك الغاضبة. بعد انتهاء هذا الفطار الذي كان شبه كارثة، ذهب سامح إلى أدهم الذي طلب منه عدم إحضار خديجة إلى هنا مهما حدث، وأن يخبرها بأنه سيصلي معها صلاة العيد بعد أسبوعين.
أما مالك لم يستطع البقاء في المنزل وخرج لصلاة العشاء. وأثناء دخوله المسجد وجد رحيل تصرخ. ذهب إليها مسرعاً ليفهم. وجد إحدى الرجال يعترض طريقها. فهذا الشخص يريد أن يتزوجها وهي لم تعط له وجه. ذهب إليها مالك وسحبها من يديها وأوقفها خلفه قائلاً بغضب: "أنت مين يا حيوان وعايز منها إيه؟ صرخ ذلك الشخص: "أنا هوريك يا حيوان." وقام بإخراج سلاح أبيض. وفجأة دون أن ينتبه مالك، قام بجرحه في يده. صرخت
رحيل باسمه قائلة بقلق: "مالك أنت كويس؟ اردف قائلاً: "أنا كويس متخافيش." اردفت قائلة برعب: "كويس إزاي وذراعك بينزف؟ جاء عامر واقترب من ذلك الشخص قائلاً: "نزل السلاح يا مصطفى." ضحك مصطفى بسخرية: "بعد أنت يا عامر؟ ولكن في لحظة هاجم عليه عامر وقام بضربه لكمات كثيرة في وجهه. وأثناء أخذ السلاح تم جرحه في كفه. بعد قليل انتهت هذه المشاجرة وعادوا إلى.. *** منزل الشيخ عابدين. في غرفة المتواجد بها مالك.. اقتربت رحيل
من مالك واردفت قائلة بخجل: "اخلع القميص خلينا أغير لك على الجرح." ابتسم لها مالك بمكر واردف قائلاً: "مكنتش أعرف إنك بتعرفي في الإسعافات الأولية." نظرت واردفت قائلة بغضب: "وأنت كنت تعرف إيه عني؟ يلا خلينا أغير لك على الجرح علشان أشوف جرح عامر." شعر مالك بغيرة شديدة عندما نطقت اسم عامر. نظر إليها ورفع يده وحاول فك أزرار قميصه إلا أنه فشل من شدة الألم. تنهدت ورفعت يديها على استحياء تفك له أزرار القميص.
تحت خجلها الشديد ورعشة يديها، كانت تنظر له بعينيه. نظرة يملؤها الغرام زلزلت كيانه. أنفاسه لفحت برودته بشرتها. ظل يتأمل كل انشاباته ويحفظ ملامح وجهها في قلبه. ثم نظر إلى شفتيها التي أطاحت بعقله جعلته يفقد صوابه وهو يراها شديدة الاحمرار. اردف قائلاً بغضب وغيره: "مش عيب عليكِ تكونِ محجبة وحجابك طويل وحاطة روج."
تعجبت رحيل قائلة بغضب: "على فكرة الحمد لله أنا بخاف ربنا وباحترم الحجاب اللي أنا لبسه ومش بحط لا روج ولا أي مكياج أصلاً." ابتسم مالك بخبث قائلاً: "يبقى أتأكد بنفسي." ومال عليها يقبلها برقة شديدة، لتزيد رحيل من لهيب شوقه لها وهي تهمس قائلة: "وحشتني يا مالك." تعمق في قبلته. شعرت بذراعه يحاوط خصرها وجذبها إليه. ومال برأسه مستنداً جبهتها بجبهته وقد تحطمت حصونهم التي ظلت بينهم كل هذه السنوات.
تعالت وتيرة أنفاسها وشعرت بناقوس الخطر يدق. غضبت من نفسها واستسلامها. وكادت أن تبتعد إلا أن دخول عامر أنقذه منها. نظر إليهم عامر قائلاً بمكر: "هو إيه اللي بيحصل هنا؟ زفر مالك بغضب ولعن عامر في سرّه قائلاً: "مش من الذوق تخبط على الباب قبل ما تدخل علينا كده." رفع عامر حاجبه واردف قائلاً: "على فكرة أنا عندي ذوق وخبطت كتير ومحدش رد. قولت يمكن تكونوا مشغولين بحاجة كده ولا كده."
نظر إليهم واردف بمكر: "أنا خارج وأسف للإزعاج." وتركهم وخرج. استعادت رحيل وعيها الذي كانت على وشك أن تفقده معه. لملمت شتات نفسها وسارت للخارج بخطى مسرعة تنزل إلى الأسفل دون النطق بحرف واحد. أما مالك بعد خروج رحيل ظل يلعن ويسب في عامر الذي قطع عليه أجمل لحظة في حياته. رفع يده ووضعها على شفتيه وابتسم حين تذكر تلك القبلة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!