تحميل رواية «البريئة» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تُ طفلة صغيرة لم اتجاوز التاسعة من عمري مرضتْ والدتي مرضا شديدا حتى انهك جسدها وتغيرت ملامحها وبهتت كوردة بالربيع لم يدركها المطر حتى ذبلت تماما رغم ان عمرها آنذاك كان ثمانية وعشرون سنةكان والدي يحبها جدا ولكن لاأعلم وقتها إلا أن إحداهن كانت تعمل بنفس مكتبه أخذت تسلب عقله وتفتنه شيا فشيئا مستغلة مرض أمي الحبيبةلاأعلم كيف استطاعت الوصول واختر.اق حرمة بيتنا الهانىء وسرقت قلب والدي حتى استحلت غرفة والدتي تحديدا بعد أن تزوجها أبي بينما أمي طريحة الفراش في غرفتيشهر حتى فارقت جنتي الحياة للآسف!لم يكن...
رواية البريئة الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
تقول عندما كنتُ طفلة صغيرة لم اتجاوز التاسعة من عمري مرضتْ والدتي مرضا شديدا حتى انهك جسدها وتغيرت ملامحها وبهتت كوردة بالربيع لم يدركها المطر حتى ذبلت تماما رغم ان عمرها آنذاك كان ثمانية وعشرون سنة
كان والدي يحبها جدا ولكن لاأعلم وقتها إلا أن إحداهن كانت تعمل بنفس مكتبه أخذت تسلب عقله وتفتنه شيا فشيئا مستغلة مرض أمي الحبيبة
لاأعلم كيف استطاعت الوصول واختر.اق حرمة بيتنا الهانىء
وسرقت قلب والدي حتى استحلت غرفة والدتي تحديدا بعد أن تزوجها أبي بينما أمي طريحة الفراش في غرفتي
شهر حتى فارقت جنتي الحياة للآسف!
لم يكن المرض من قت.ل أمي لقد قت.لها مافعله والدي بزواجه وتجاهل تعبها ودون مراعة شعورها إذا لم يصبر حتى وفاتها على الأقل لا بل ضحكات تلك المرأة الخبي.ثة تملي آرجاء البيت حيث اصبحت الآمرة والناهية لكل شيء!
لقد مسحت أمي على شعري قبل وفاتها وقالت لي جملة مشهورة جدا لن انساها ماحييت اصبحت شابة ومازالت الكلمة تنخر بخلايا عقلي احفظها كما احفظ ساعة ويوم وفاتها..
عندما قالت لي : ياصغيرتي تأكدي أنني لم امت من الرصاصة
لكنني متُ منذ رآيت مطلقها اعتقد أن الرصاصة هي زوجة أبي
فعندما تزوجها واختر.قت بيتنا كرصاصة قت.لت سكينته وبدلت طمأنينته وسعادته ككابوس مرعب واصابت قلب أمي المسكينة وفتته تحسرا وألما على بيتها وزوجها كيف
وكأنما سيل جرفه بغمضة عين وقتل سعادتها أمام عينيها ثم قتلها ندما هل لو كانت سليمة معافية كان سيقترف ذات الشيء! المرض غلبها وشدة اختارها الله له لإنه احبها
لحسن الحظ كنت وحيدة لا أخ ولا أخت لدي وإلا كانوا عاشوا مثلي تحت رحمة المرأة الغاشمة هذه التى لاتملك ذرة واحدة من الرحمة إذ كانت تعاملني وكأنني آسيرة عندها من عدوها وتعذ.بني بغياب والدي وتضربني وتأنبني على آشياء بسيطة لاتذكر!
مرات عدة ذهبت مشتكية لأبي الذي كان يغيب كثيرا عن المنزل بسبب عمله فتتصدى لي وتقول له أمور غريبة تخترعها لم اكن افعلها أبدًا!!
وتجعل قلب أبي كمن يصب الزيت على النار بعد أن تحشو دماغه عني فأصبح كمان ذهب ليشتكي وقبل أن ينهي كلامه فينال صفعة غافلة تنسيه كل ماذهب لأجله تفتت ماتبقى من الروح رغم اني طفلة!
كل همي اللعب والكتب وتزين الدمى فقط الا انها حرمتني من ابسط حقوقي وقامت برميها بالقمامة وكانت تجعلني اقوم باعمال المنزل وعندما يقترب قدوم أبي تقف بالمطبخ وتبدو وكأنها عملت لساعات متواصلة وتبدأ بالنواح بعد وصوله تشتكي وجع ظهر واوجاع لا وجود له لتكسب حنينه
ماابرعها بالتمثيل لقد فات دور السينما والتلفاز ممثلة ببراعة زوجة أبي لقد كنت اشاهد وأعي ماتفعله كله بغيابه
كيف تتحول كالحرباء وترتدي لباس الاوجاع فجأة امامه
وبغيابه تضحك وتحتسي القهوة مع صديقاتها وتأكل الفواكه تشاهد الافلام وتتكلم بالساعات على جوالها غريب
آشياء كثيرة يعجز اللسان عن وصفها كانت تقترفها بحقي
اذا اتلفت كتبي ومنعتني أن اكمل تعليمي بحجة أنني كسولة
وأنها تتعب بتدريسي هكذا ببساطة كذبت على والدي
وقالت له أن لافائدة مني وأن المعلمة تشتكي تقصري
فقام بفصلي بالصف الخامس الابتدائي حتى اساعدها بالمنزل لم يكن لدي وقت لاكتب واجباتي ولا لحفظ دروسي لأن طلباتها لم تكن تنتهي اصلا
واعمال المنزل الشاقة وغيرها وكنت انام من فرط التعب لاذهب باليوم التالي وتوب.خني المعلمة دون ان تستمع لمعاناتي هي الاخرى قبل الفصل!
كانت تمنعني أن اخرج من المنزل حتى لايرى أحد اثار التعذ.يب والصفعات على وجنتي فاكتفي بمراقبة الفتيات الصغيرات اللواتي من سني يلعبن بالحي من نافذة غرفتي
وتقت.لني الحسرة والندم على طفولتي وعلى أمي ودموع عيني تكفن وجهي كل يوم تلفحني نار الخيبة وأتأمل السماء بصمتٍ شديد
كم تمنيت لو أن لي جناحين وأطير من هذا المكان المظلم والبيت البارد المو.حش بعد وفاتها لكن بكل مرة كنت احاول الطيران كانت زوجة والدي تقص لي اجنحتي ببراعة يالله
حاولت سابقًا أن اخبر معلمتي عنها ولم تسمعني لقد ظنت أني كاذبة
رواية البريئة الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
كبرت وأصبحت شابة بعمر العشرين حقًا، لكن قلبي شاب منذ رحيل والدتي وغزاه البياض. يرتعد بداخله صوتي المكبوت الذي لم يتقبل أحد أن يسمعه، وكلماتي العالقة بحنجرتي عن الظلم وسوء المعاملة من امرأة أبي. كيف تقلب الأدوار أمامي وتظلمني مرات ومرات بسببها. تقدم لي أكثر من شاب وتجعل والدي يرفضهم لحجج غريبة عندما يسألون عن عروس بالحي.
يوماً، رن جرس الباب بينما زوجة والدي نائمة وأنا أعد الطعام. فتحت الباب فإذا بامرأة بشوشة تقف على الباب تشتكي من وجع بالظهر، تريد أن تأخذ الحقنة.
كانت زوجة أبي عادة تعطي الإبر الحقن العضلية لنساء الحي لخبرتها بذلك. فقلت لها أن تتفضل ريثما تستيقظ الخالة لوحدها، لأنني أخاف أن أقترب من غرفتها أو أن أقطع نومها الهانئ، فتحل علي كارثة.
استغربت المرأة من كلامي وقالت: "هل ستتركيني للإحتمالات يا ابنتي؟ هل إلى هذه الدرجة تخافين منها؟ وإلى متى سأنتظر ياترى؟"
وأخذت تسألني عن حياتي ونفسي وأمي، فرويت لها باختصار ما أعيش به هنا ببيتنا من جحيم. بالرغم إني اعتدت الكتمان ولا أفضل فكرة البوح لأي أحد، حتى لا أتلقى أي صفعة خذلان جديدة.
لقد بدت لي إنسانة طيبة وبشوشة، وأحزنها أمري جداً. عرضتْ عليّ طلباً استغربته، أرادت أن تخلصني به من ظلم هذه المرأة، وهو أن أقبل الزواج بابنها الوحيد. أخبرتني أنها تبحث له عن عروس منذ مدة بعد وفاة زوجته وهي تلد. ولكن بسبب الطفلة المسكينة، كان يأتي طلبها بالرفض من كل عروس تطلبها له لعدم تقبل مسؤولية الرضيعة.
فقالت لي: "إن وافقتِ على تربية الطفلة ورعايتها، سآتي مع ابني لأخطبك من والدك قريباً على سنة الله ورسوله. لأنها لم تعد تقدر على الاعتناء بالطفلة لوجعها، ولأنها علمت بمعاناتي مما قصصته عليها. فأدركتْ أنني لن أكرر مثل هذا الظلم على ابنة ابنها ذات الأربع شهور، وسأكون أم حنونة لها ومربية فاضلة لا تقبل الظلم نفسه."
كانت حكيمة جداً باختيارها. شعرت وكأنها ملاك هبط من السماء على قلبي بطلبها، وكأن الله أرسلها لي لأ انتهي من ظلم زوجة أبي، التي اعتقد أنها ستقبل وتقنع والدي كونها لا تريد لي حظاً جميلاً وتتمنى لي الأسوأ.
وافقت على طلبها فوراً ودون تفكير، وتمنيت أن يوافقوا عليه لأنتقل للعيش مع هذه المرأة وابنها والصغيرة، لا يهم المهم هو أن أغادر هذا البيت بأي طريقة. كان كل همي هو أن أنتهي مما أنا فيه، ولم أفكر بأي عواقب بقدر ما فكرت كيف سأعوض الصغيرة عن والدتها وكيف سأكسب الأجر بتربيتها.
لكن يبدو أن الألم له ثأر معي ويريد أن يفتك بالروح ماتبقى من قوة.
استيقظتْ أخيراً ودخلت الغرفة وطلبت أن أحضر لها القطن والمعقم لتعطي المرأة الحقنة.
فقالت لها الزائرة متسائلة وكأنها لا تعي شيئاً عني ولا كلامي لها منذ لحظات: "أهذه الفتاة الجميلة ابنتك؟"
كانت تقصدني بينما أنا أرتب درج الأدوية وهما خلفي تتحدثان بتمتمة شبه مسموعة.
فضحكتْ وهمست بخباثة: "علي جميلة؟ هههه، لا إنها ابنة زوجي، لكنها كما ترين لا جدوى منها. هي لا تقرأ ولا تفقه من الحياة شيئاً، أغلب وقتها على التلفاز أو معتزلة في غرفتها."
استكثرتْ عليّ حتى كلمة جميلة من المرأة الغريبة. وأخذت تُكذب كعادتها عني. غصت الدموع بعيني، وابت من كبريائها النزول أدراج وجنتي أمام السيدة. خفت أن تبدل رأيها بخطبتي لابنها.
ابتلعت الغصة تلو الغصة وخرجتُ من الغرفة بسرعة. لكني وقفتُ بالقرب من الباب لأول مرة أتقصى باقي كلامها عني. لأحد رغم إنها ليست من عادتي أن ألقي السمع لثرثرة زوجة أبي للزائرات التي لا تنتهي عني، ولكن هذه المرة الأمر يهم حريتي وإطلاق سراح اعتقالي الذي طال بسجن الحياة.
فقالت لها: "أريد أن أطلبها لابني، هل يقبل زوجك أن يزوجها لابني الأرمل ولديه طفلة من زوجته السابقة؟"
ضحكتْ بخبث: "هههههه، قلتي: أرمل؟ مسكين وكيف توفت رحمها الله؟"
واكملت قائلة: "سأخبره إن كنت جادة، ربما تعقل وتتعلم الحياة وتفيد بشيء عديمة الجدوى هذه."
يا الله، والله لو كان القتل محللاً شرعاً لدخلت فقتلتها وأخذت بثأري منها لي ولأمي ولبيتنا هذا.
وحقاً شاورت أبي وأقنعته بالموافقة على الشاب، دون أن تأخذ برأيي ظناً منها أني سأرفض الزواج به لسبب الطفلة، لكنها تفاجأت بموافقتي دون أي شرط ولا طلب مع كامل الإصرار حتى قبل أن أرى وجه الشاب نفسه.
رواية البريئة الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد بلوغهم الموافقة مني، حضرت الخالة لخطبتي مع ابنها. بدا لي شابًا وسيمًا بلحية سوداء وخجولًا جدًا، ولم يرفع نظره باتجاهي أبدًا. وأنا لم ألمحه إلا قليلًا، لأن ظلم زوجة الأب كان يلازمني حتى ذلك اليوم.
ما جعلني أغسل الصحون وأبقى بالمطبخ كل الوقت. ولم ألمحه إلا عندما قدمت له القهوة على عجلة من أمري. ولم أدقق بتفاصيله، إذ لم يهمني غير أن أنال إعجابه وأن ينتشلني من جحيم.
لكن لم أعلم ما به، بدا غير مرتاح لي ومرتبكًا للغاية وقتها. لابد أني كنت مخطئة، وربما العريس يتوتر حقًا هكذا يوم خطبته. رحت أحدث نفسي وأهون عليها بشرود تام يفقدني ما تبقى بي من صلابة، رغم كل ما حدث لي بحياتي.
لكنني جميلة الروح والملامح، ويتمنى قربي كل شاب، ولا عيب خلقي بي. لكن هل سيرفضني؟ والله وددت لو أدخل ولو لمرة واحدة فأحتضنه وأتوسل إليه أن لا يرفضني. تخيلوا كم وددت لو أنه يرى ما في قلبي ويدرك نيتي في تربية الرضيعة، رغم ما بداخلي من وجع دفين. والله، لكن أشفق علي ووافق دون أي تفكير منه حتى.
كم وكم من الأمنيات والأحلام تموت ظلمًا وقهرًا وندمًا. ياترى ما به؟ ماذا وراء صمته؟ يقال أن ما كان لك ستناله رغما عنك، وماليس مقدر لك لن تناله ولو بشق الأنفس. وكأنه قدر الله ساقه إلي بيتنا. لم أصدق موافقته بهذه السرعة.
وأخيرًا سمعته قال لأبي: "إذا العروس موافقة، نحدد العرس يا عم، وعلى بركة الله." وأكمل: "فأنا أريد الزواج مباشرة وخلال أيام فقط، لأن الطفلة بحاجة للرعاية ووالدتي كما ترى لم تعد تستطيع ذلك. وبيتي جاهز ولا حاجة للتأخير بالخطبة، ولتأخذ العروس بضع أيام لتجهز مهرها وأغراضها، ومن ثم نحدد يوم العرس، ما رأيك يا عم؟"
مشاعر كثيرة اختلطت بروحي، بينما أذني تتوسد باب غرفة الضيوف بالخارج، مستمعة بكل تركيز لما يقوله الشاب. وكأنه يتلو على قلبي شيئًا من سكينة بحديثه. وددت أن أقول له: "لا أريد شيئًا، أريد حريتي، أرجوك أنقذني." لكن كل ما بي وكأنه أصابه الصم من الفرحة. صمت كل شيء إلا عيناي، انفجرت بالبكاء كالشلال. لا أعلم ما أصابني، إلا أنني أبكي عمرًا كاملًا من الألم.
يعز علي أن أتزوج هكذا وبهذه السرعة ودون أمي، ولشاب متزوج سابقًا لن يتسنى لي معرفته عن كثب بسبب الوقت القليل. لكنه كان كقطرة الندى المتبقية لوردة على وشك الذبول. وحقًا كأني بحلم طويل الأمد، الانتظار وتحقق. بل هو عوض ربي حل، وإرادته وقدره الذي لا يظلم عند ربي مثقال ذرة أحدًا.
وجاء يوم زفافي المخطط له أخيرًا بعد أسبوع كامل من التحضيرات. نظرت بخجل إلى العريس وهو يجلس بجانبي. وددت أن أخبره أنك العوض بعد كل هذا التعب. لكنه في عالم غير عالمي، بدا لي حزينًا وباهتًا جدًا. إذا كان منذ أن خطبني يعاملني برسمية غريبة لم أستطع فهم ما يجوب بباله. يبدو وكأنه نادم، موجوع. لم أعرف ما به ولا سبب حزنه.
انتهى حفل الزفاف بلمح البصر، وتوجهنا لبيته الذي يسكنه مع والدته والطفلة. إذا كان بالدور الثاني، بينما والدته تسكن الدور الأرضي معنا. أوصلنا أصدقاؤه وأقرباؤه ومضوا، وأنا وحيدة. لم يكن لي لا صديقات ولا مؤنسات ولا قرابات من جهة أمي ولا أبي، لأننا بغير دولة أساسًا. وأقرباء أهلي بعيدون جدًا. كل الناس يومها بدا لي غرباء، حتى وجه أبي. وحتى هذا الشاب الواقف بجانبي. تمنيت لو يطل وجه أمي فيغنيني عنهم أجمعين. لكن أمي يا وجع القلب، رحمك الله. صغيرتك اليوم تمنيت للحظة لاحتضنها فأقول لها كم أنا سعيدة بحريتي، كما كنت أعتقد. علها تفرح لفرحي وتراني وأنا أرتدي فستان زفافي الجميل هذا.
دخلت أسبقه بخطواتي، بينما هو يودع صديقًا له على باب البيت. واستقبلتني أمه بالزغاريد، تحمل بيدها الطفلة. كانت الصغيرة رائعة الجمال بعيون زرقاء متلألئة، وكأن البحر تجمع داخل عينيها. وكان اسمها بحر.
lehcen Tetouani. اسم على مسمى، سبحان من جمالك يا بحر. ووقفت أتأمل تفاصيلها الرائعة الملفتة وأناملها الصغيرة. وودت لو تعطيني إياها لأحملها، لكن الجدة قالت لي: "لاحقًا."
ودخل العريس أخيرًا، وما زلت أداعب يدي الصغيرة بلطف. وقام وأغلق باب المنزل بكل ما أوتي من قوة، حتى أنه أرعبني. فاستدرت نحوه ونظرت إليه بخجل وقلبي يرتجف. تقدم بخطواته إلينا، وقف يتأمل عيني الطفلة لثوان. فضحكت له وهمست بتأتأة تخطف القلب. لكنه ركض بسرعة وصعد الدرج المؤدي للطابق العلوي. ولم يكترث بي ولا بالصغيرة، وأنا أتأمل طريقة صعوده الغريبة وكيف تركني وحيدة هكذا ومضى. تحجرت الدموع بمقلتي، يبدو أن الألم له ثأر معي.
لحظات صمت لم أعلم إن كان لي حقًا بقول شيء ما. فأنا من اخترت هذا وقبلته بكامل إرادتي. أشعر أن كراماتي ستهان، لأني أرخصت نفسي وقبلت به بهذه السرعة، وهو يعلم كيف كانت حياتي قبله. فالذي لم يكترث لي ولوجودي منذ أولى اللحظات، فكيف ستكون حياتي معه. لكن ما زلت أجهل السبب.
رواية البريئة الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
عندما دخل العريس ركض بسرعة وصعد الدرج المؤدي للطابق العلوي ولم يكترث بي ولا بالصغيرة.
وأنا اتأمل طريقة صعوده الغريبة وكيف تركني وحيدة هكذا ومضى.
شرّدت وصمت.
أحدث نفسي: "لابد أنها حرب حياة جديدة، لا تشبه تلك الحرب ببيت أهلي. كيف يفعل هذه الحركات الغريبة شاب بيوم زفته؟"
فقالت لي أمه بضع من الكلمات هدأت نفسي وروعي قليلاً.
وأن أراعي نفسية ولدها وأن أصبر على طبعه الذي تبدل منذ وفاة عروسه السابقة.
وأشارت لي أن أصعد خلفه وأن لا أحزن بهكذا يوم.
حملت الصغيرة بين يدي قليلاً، فجهشت بالبكاء فورًا.
أودّت أن أستلم مهمتي التي لأجلها تزوجني أساسًا.
لكن الجدة كانت تريد أن أعيش يومي مع ابنها كأي عروس بيوم زفافها.
فأخذتها مني وقالت لي:
"الصغيرة لاحقًا يا ابنتي، جففي دموعك واتبعيه. هيا لا تفسدي جمال عينك بالبكاء، فإنها أجمل ليلة بالعمر ولا تتكرر."
فقلت بنفسي: "لكنه بتصرفاته أفسد يومنا الذي لن يكرره العمر إلا بذكره فقط، وبدت لي أنها ستكون من أتعب ليالي عمري معه!"
حملت ثوبي وسرت بتعثر.
لا أعلم ما ينتظرني بالأعلى.
صعدت الدرج خلفه بتعب.
ورغم سهولة الصعود عليه، لكن كنت أشعر وكأنني أتسلق جبل شاهق الارتفاع ومهلك.
كم تمنيت لو أن هذا الدرج لا ينتهي، أن لا تقع عيني بعينه، أشعر أن خاطري مكسور.
وصلت الطابق العلوي.
حملت ثوبي وسرت أستكشف المكان والغرف واحدة تلو الأخرى.
أتساءل كم من الصور ستكون لعروسه المتوفية على الجدران.
لكني لم ألاحظ شيء، لا صور لها بتاتًا.
يبدو أنه أزالها لأجلي.
فإذا به يخرج من إحدى الغرف التي يبدو أنها ستكون غرفتنا معًا، حاملاً بيده بجامة نومه وغطاء.
مكثت بمكاني أنظر إليه بصمتٍ.
على ماذا ينوي ياترى؟
فسار ورمى ما بيده على الأريكة بغضب.
وجلس بعد أن أشعل سيجارته وهو لم يكلمني أبدًا.
يخرج الدخان من فمه بطريقة غريبة.
ارتعش جسدي.
وأشار بيده إلى الغرفة ذاتها فقال:
"تلك هي غرفتك وبها سرير للصغيرة تنامين بها وتعتنين بالطفلة. أنتِ أمام الناس وعلى الورق زوجتي، وإياك أن تعلم بذلك أمي، لا أريدها أن تحزن لهذا الأمر أبدًا. أما هنا أنا لن أكون زوجًا لك ولا حبيبًا ولا أي شيء. لن المسك، أتفهمين؟ ولن ينقصك شيئًا أبدًا. لحسن التطواني، أعلم أن ما أقوله صعب عليك، ولكنها الحقيقة وخارج عن إرادتي كرجل. فلستُ هنا لإثبات رجولتي مع امرأة بمثل هكذا يوم، أنا رجل شبهُ ميت، فاعذريني. عندما أخبرتني أمي عنك قبلت لأجل أن تعتني بالصغيرة فقط ولتخرجي من جحيم زوجة والدك. لكن أنا شخصيًا لا أريد الزواج لا منك ولا من غيرك، فهمتي؟"
وآردف قائلاً:
"إن أعجبك ماسمعته فابقى، وإن لم يعجبك عودي إلى بيت والدك، أنتِ حرة ولست مجبرة على أي شيء. والبقاء هنا ليس حكرًا عليك، ذلك خيرًا من السعادة الزائفة التي سأمنحك إياها بالقرب مني."
وأكمل سيجارته.
ومازلت واقفة كمن يقف بين نارين، لا شبرا واحدًا لجنة بينهما.
غص الكلام بحنجرتي وكأنما بداخلي صراخ كغصة عالقة بقلب أخرس.
وكأنني بحلم مزعج.
أفكار كثيرة تطارد شكلي الثابت وبركان على وشك الانفجار بعقلي الذي بدا له هادئًا.
كل شيء بي منهار تمامًا.
جدار روحي يكاد أن ينقض لهول ما أسمعه.
وانهمرت بالبكاء وركضت وجلست أمامه.
حاولت أن أمسك يده لكنه رفضني وقال:
"ابتعدي عني بسرعة."
قلت له:
"أرجوك لا تفعل هذا بي. قل لي أنه حلم. لماذا ترفضني وتكسر بخاطري؟ أرجوك فأنا عشت من الألم ما يكفي، لا تظلمني أنت الآخر. هل بي عيب ما؟ هل لم يعجبك شكلي بربك قل لي؟ لا تترك النار الشك تأكل فكري، لا تترك ندوب يصعب الشفاء منها بروحك. تلك التي عذبتني بها زوجة والدي بجسدي. أعلم أنك مجروح لفراقها، رحمها الله، لكن أنا ما ذنبي؟"
لكنه صرخ بوجهي قائلاً:
"ابتعدي من أمامي، اتركيني وشأني. لا تذكريها على لسانك مرة ثانية."
وقام بسرعة وفتح النافذة وكأن هواء المكان لم يعد يكفيه.
لم أستحمل كل هذا الجفاء منه ومعاملته القاسية بحقي.
هل أعود إلى نار أهلي أو أبقى بجحيم زوجي الآن؟
حملت ثوبي وركضت باتجاه الدرج.
لا أعلم أين أتجه، أين أنا وماذا أفعل هنا إلا أن تهان كرامتي بهذا الشكل.
حتى لو كان هذا البيت قصرًا، ولكن لم يرغب لوجودي وسيحرمني أبسط حقوقي كزوجة.
رغم إنه قبل بي لأجل ابنته فقط، خابت ظنوني وصفعتني توقعاتي بما قاله.
أنا بشر أيضًا، مجبولة من مشاعر، وثقب قلبي كلامه.
رواية البريئة الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
حملت ثوبي وركضت باتجاه الدرج. لا أعلم أين أتجه، أين أنا، وماذا أفعل هنا إلا أن تهان كرامتي بهذا الشكل.
نظرت للأسفل وكأن دوارًا أصابني، أكاد من تعبي أهوي من هذا الدرج الشاهق الارتفاع. متعبة جدًا، وكأنني منذ خلقت أركض ولم أنعم بالراحة قط.
جلست على الدرج وأجهشت بالبكاء. لم يكترث لأمري، ولا لبرودة الجو، ولا الأرض التي أجلس عليها.
استرجعت شريط ذكرياتي، وأمي، وزوجة أبي، وحياتنا، ومآسي طفولتي كلها.
شعرت أن الألم هذه المرة أشد توغلًا بروحي، ألم مختلف لا يشبه شيئًا إلا ألم الكي بوسط القلب بأداة حارقة وحادة. كأنني أُطعن مرات متتالية ولا أموت.
قمت بعد تفكير طويل من مكاني. ظننته سيلحق بي، لكن لا فائدة.
ودخلت للشقة أريد أن أبدل ثوبي على الأقل. لكني لم أجده، لا بالصالة ولا بغرفة نومنا.
يبدو أنه خرج للشرفة، لكن الجو عاصف يومها. وكأنه يغسل أحزانه بالخارج، أو وجع مدفون لا يعلم به أحد.
دخلت للغرفة التي أشار لي عليها سابقًا، وأقفلت الباب من خوفي، وبدلت ثوبي المتسخ من الجلوس على قارعة الدرج. فالوقت متأخر جدًا.
وتكوّرت على نفسي ونمت وحيدة من فرط التعب. لا أريد شيئًا، لا أريد أن أعرف. كنت أريد أن أرتاح وأنام مطولًا فقط.
وكأنني عائدة للتو من حرب بُتر بها أعز ما يجعلني على قيد الحياة، ألا وهو قلبي.
وعندما أشرقت الشمس، شعرتُ وكأنني بشقة مهجورة ليس بها أحد غيري. لبست وفتحت الباب ورحت أبحث عنه. لم أجده مطلقًا.
لابد أنه نزل لشقة الوالدة.
تجهزت لأعود لبيت والدي، لأنه كان صعبًا أن أخرج بالليل وحدي البارحة.
فنزلت إلى شقة الخالة لكي أودعها على الأقل. فوجدتها تعد الحليب للصغيرة.
بخطوات متعبة تمشي بالمطبخ، وصرخات بحر بالغرفة تبكي بحرقة.
لقد أوجعتني صرخات الطفلة وعلقت بروحي، وتعثر هذه الجدة الحنونة التي بالكاد تستطيع المشي. لا يوجد من يعتني بهما. كل شيء بدا باردًا وموحشًا هنا، وكأن لا حياة بهذا المنزل.
ألقيت تحية الصباح عليها، بعد أن وضعت حقيبة صغيرة بها بعض ملابسي على أسفل الدرج.
فقلت لها: "دعيني أكمل إعداد الحليب عنك، فإنك تبدين متعبة!"
لم تسألني أي شيء.
فقلت: "اذهبي وارتاحي يا أمي."
نظرت إلي والدموع تكاد تنفجر من مقلتيها. بنظراتها اقشعر بدني وانتفض الدم بعروق جسدي. لقد شعرت بذنب عظيم أن أترك هاتين العينين وأمضي هكذا دون رحمة.
فاقتربتْ مني وضمتني كأم حنونة، وربتت على كتفي ومضتْ بصمت.
انتهيت من إعداد الحليب بسرعة وتوجهت لغرفة الصغيرة، فإذا به يجلس ويحملها بين يديه، ودموعه تنزل بغزارة على الطفلة.
وعندما لمحني استدار ومسح دموعه على عجلة خوفًا أن ألمحه. فوضع الصغيرة من يده وهرب للخارج.
لا يبكي الرجال إلا للشدائد. أي ألم يسكن قلب هذا الشاب؟ كم من الحب يكن لفقيدته ويحن للطفلة؟ هل سمعتم عريسًا يبكي بصباحية عرسه؟ أي وجع دخل لهذا البيت حتى غدى كل سكانه بهذا الألم.
كم كنت أريد أن يجيبني أحد، ولكن كنت كمن وقع ببئر عميق. مدركة أنه لم يسمعني أحد. سكت كل الكلام.
حملت الصغيرة، حاولت أعطائها زجاجة الحليب، لكنها تبكي بحرقة وكأنها خائفة مني.
ناولتها لجدتها، حملتها وهدأتها، وأعطتها الحليب فسكتت أخيرًا.
لم أستطع رغم ما قاله لي يوم أمس بعد الندم، أن أغادر بعد كل ما رأيته من وجع هنا حل بهم الجميع.
فتراجعت عن قراري فورًا وصعدت الشقة وأعدت حقيبتي وملابسي للخزانة، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
سامحني يا الله. أخاف أن أظلم أحدًا بوجودي غصبًا عنه.
أيام عدة مرت ونحن كالغرباء تحت سقف واحد! لا يحادثني ويهرب دوما عند وجودي، وبتحاشى التقاء نظره بنظري.
إذا أراد أن يقول أي شيء يخص البيت والطفلة، أدركت حقًا أنه لن يتزوجني وأنه جاد بما قاله.
صارت الصغيرة تتعود علي شيئًا فشيئًا حتى صارت تضحك لي، فبضحكاتها كانت تنسيني همي وتعبى وغربة الروح بهذا البيت الهادئ.
وكنت آخذها لشقتي دومًا وصرت أعتني بها وأحممها باستمرار، وألبسها وأسرح شعرها الخفيف، وأهتم بنظافة البيت بادواره الاثنان.
واشتريت القليل من شتلات الورد والزينة والجوري، وزرعتها بحديقة البيت الخارجية وكنت أداوم على رعايتها وسقايتها حتى تفتحت منها الأزهار بألوان زاهية ورائحة فواحة.
فرحت الخالة جدًا، وكانت تحب أن تشرب القهوة معي هناك. إذا نسمات عليلة وزقزقة العصافير تنسيك همك.
لقد حاولت أن تدب الحياة ولو قليلًا بهذا البيت.
لكنها مرضت بعد شهر ولازمت الفراش.
رواية البريئة الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد شهر مرضت الخالة ولازمت الفراش. كنت أحاول أن أعينها لتخرج للحديقة لتنعم بشيء من الأوكسجين، وأهتم بها وببحر معا وأنام بغرفتها خوفًا أن تحتاج لشيء وأنا بالأعلى بشقتي. كم ذكرتني بمرض أمي وكل تلك التفاصيل.
أما هو، كان يدخل بهدوء يراني أحتضن بحر وأغفو بنومي والخالة نائمة، ثم يغلق الباب بعد أن يقترب ليقبل رأس الصغيرة. لكني كنت أمثل النوم غالبًا، فكنت أشعر بأنفاسه عندما يقبل رأسها ويتأملنا معًا. لكن كبرياءه يمنعه من الاقتراب مني ليكمل ما اتفقنا عليه أمام والدته. فيرتجف جسدي كل مرة أشعر بقرب أنفاسه.
كان يحبها جدًا. وبنفس الوقت أحيانًا أشعر أنه لا يريد أن يسمع بكاءها بالبيت. لا أعلم السبب، تناقض غريب. لابد أنها تذكره بفقيدتهم.
مضى شهران ونحن على نفس الحال. ويومًا كنت قد انتهيت من تقديم الفطور للجدة وصعدت أحمل الصغيرة لأحممها بشقتي. وإلتقينا على الدرج، وهو يهم بالنزول لعمله. فقال بعد أن اقترب ليقبل الصغيرة كالعادة:
"إياك أن تتعلقي بالصغيرة كثيرًا. سيأتي يوم وأضعها بدار الأيتام.. أو.."
شلّ تفكيري ما قاله، وكأنه أطلق رصاصة غادرة بكلامه اللا منطقي أصابت قلبي مباشرة فثقبته من جديد.
وأردف قائلًا: "أو سيأتي من يأخذها من هنا إلى الأبد. ربما أقتله قبل أن يلمسها. لكن ما أخافه هو مشاعر أمي وحزنها وقتها. وبهذا يكون انتهى دورك وأنا سأسافر للبعيد."
كلماته كانت كصاعقة ضربت روحي وزلزلت كياني. ودب الرعب بقلبي، صدمني ما قاله وودت لو أصفعه على وجهه. أن أخرس حسه. وابتعدت بالصغيرة عنه للوراء شيئًا.
لقد عصف الخوف بي، فقلت له: "هل أنت مريض أيها الشاب أو مجنون؟ كيف تجرؤ على أن ترمي ابنتك وتكسر قلب أمك وقلبي بعد أن تعلقنا بها؟ أي قلب تملك أنت؟ أجبني؟ لما تحبها كل هذا الحب وتخاف عليها؟ فما هذه الدموع التي تذرفها يوميًا؟ أنا لا أجد تفسيرًا لتصرفاتك. استفق من غيبوبتك كفاك جنون. إن كنت تريد الرحيل، أرحل حيث تشاء. اتركنا لوحدنا. أنا سأبقى معها ومع أمك. اذهب أنت لا تتحجج بالصغيرة. وأمك المسكينة التي تتحسن فقط عندما تحمل الصغيرة بين يديها. ألا تتذكر؟ ثم لم ينتهِ العالم بفقدك لزوجتك ولا ببحر. هي أول طفلة تموت أمها بالولادة. لقد عشت اليتم هناك ببيت والدي بسبب زوجة أب ظالمة. لكن أنت لما تريد أن تحرمها من أم حنونة ولو كانت زوجة لك على الورق فقط؟"
لقد صمت وشرد لثوانٍ ثم هم بالنزول بسرعة وولى هارباً. استدرت إليه وناديته:
"عمر!"
تحجر بمكانه. إذا كانت المرة الأولى التي أنطق اسمه هكذا بكل عصبية، توقف دون أن يلتفت.
فقلت: "حرام ياعمر ما تفعله بطفلتك وبي. اتقِ الله. كف عن الهروب. لن يفيدك الندم بشيء. عندما تفعل ما تخطط له، ستنطفئ والدتك ويبرد بيتك وأذبل أنا. اغتنم حياتك وشبابك. لن يقف أحد ليراعي حزنك هذا."
فقال: "هل انتهيت؟" والتفت إلي، هو بالأسفل وأنا أقف على الدرج العلوي. فقال: "أحدهم سيكون بالدرك الأسفل من النار لأنه أحرق قلبي. وأنا سأحرق قلبه كما فعل بي." واستمر بالنزول بسرعة.
"ياربي!" احتضنت الصغيرة. بدا لي وكأنه مجرم فر من الحرب. من المقصود بكلامه؟ خفت جدًا عليها وكأنها قطعة من روحي. ودخلت الشقة من الخوف ووضعتها بسريرها وأقفلت باب الغرفة عليها بعد أن ألبستها ونامت.
والله لولا الخالة المسكينة العاجزة، فكرت أن أجمع أغراض الطفلة وأهرب بها لأحميها منه. لأنني أشعر أنه يخطط لانتقام ما. تكون هذه اليتيمة الطعم. رغم أنه شاب خلوق، كان يصلي وملتزم.
وبعد ساعتين عاد للبيت فوجدني أقرأ القرآن كعادتي لأشفي قلبي وروحي من مرارة الحياة. فأنا أعتقد أن لا شفاء لأرواحنا المتعبة إلا تدبر أحرفه والسكينة الموجودة بين أسطر آياته شفاء الروح.
فقال لي متسائلاً: "أريد أن أرى بحر. افتحي الباب عليها. لما هو مقفل؟"
رفضت بصمت. إذ لم أعير كلامه أي اهتمام.
فقال: "ما بك؟ افتحي الباب اللعين أقول لك مشتاق للصغيرة."
فقلت له: "عدني إنك لن تؤذيها. ثم إنها نائمة. دعها الآن مرتاحة."
فقال: "ما بك؟ هل جننتِ؟ كيف أؤذيها؟"
فقلت له وأنا لم أرفع نظري عن مصحفي: "ها. وكلامك ذاك على الدرج هل نسيته؟"
فقال: "لا لم أنسَ. لا تخافي. كنت واعيًا ومدركًا لما أقوله."
فقمت من مكاني وهممت بالانصراف وقلت بهدوء: "أهدأ. الصغيرة نائمة الآن. عندما تستيقظ أفتح لك الباب."
وكنت على أول الدرج بطريقي للنزول لشقة الجدة. فلحق بي وأخذ يصرخ أنه يريد المفتاح حالًا. فمسك بيدي. كنت أقاومه. يريد أن ينتزعه من يدي غصبًا.
فـهويت من أعلى الدرج إلى أسفله ويكاد يغمى علي. رغم أنه حاول الإمساك بي حتى لا أقع، لكن زلت قدمي.
فنزل عمر خلفي بسرعة يصرخ علي بخوف كبير:
"يا إلهي! لم أقصد ذلك. أنا آسف. هل أنتِ بخير؟"
رفع رأسي على قدمه من قساوة رخام الدرج. وأخرج هاتفه بسرعة واتصل لأحد أصدقائه وجاره بالحي. كان بيته مقابل بيتنا أن يجهز سيارته.
نهضت الجدة على صوتنا من مكانها وكانت تنادي: "ما بكم يا عمر؟" وهي بالطابق الأرضي.
قال لها أني وقعت وتعرضت للنزف. حملني بين يديه ليسعفني فورًا. والدماء تغطي وجهي. فقد أصابني نزف من الأنف والفم. وهمّ بالنزول.
كنت أستمع لضربات قلبه لأول مرة. ما بين الصحو والوعي. حتى غبت تمامًا عن وعيي.
رواية البريئة الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani
مر يومان وأنا متعبة بالمشفى. زارني والدي وسألني. قلت له: "زلت قدمي وهويت من أعلى".
لم أكن خائفة على بحر أن تؤذيها، لأن عمر قبل أن ينقلني للمشفى وضعها بسيارة صاحبه، ودخل وانتشل المفتاح الذي سقط من يدي عندما وقعت، وفتح الباب وأخذ بحر وأعطاها للجدة لتعني بها.
منذ دخولي وهو يقف باب غرفة المشفى أغلب الوقت، يذهب للبيت ليطمئن عليهما ويعود فوراً.
وبعد ثلاثة أيام رجعنا للبيت وصعدت للشقة، لكن بحر كانت نائمة عند جدتها.
قالت الجدة: "الحمد على سلامتك، اتركي بحر مطمئنة وغارقة بالنوم هنا، واصعدي لترتاحي ابنتي".
وبعد أن حل الليل، دق الباب مستأذناً الدخول بكل هدوء.
فارتجف قلبي وخفق ربما مئة مرة بالدقيقة.
عدلت من جلستي بسريري وتناولت ثوب صلاتي من جانبي ولبسته على شعري، فمنذ يوم زفافنا لم يلمحني ولو مرة بدونه أو دون حجاب آخر، لأنه اعتبرني غريبة ولا داعي أن يرى مني ما يفتنه أساساً، وربما ننفصل عما قريب.
كان يريد أن يطمئن عن حالي، إذ لم يكلمني بالمشفى أبداً.
يبدو أنه نادم جداً، بان ذلك من ملامحه ورجفة صوته ونظراته الشاردة باتجاه الأرض، إذ لم يرفع نظره باتجاهي أبداً.
فهم بالاعتذار فقال لي: "وأنت ما ذنبك ليحدث لك كل هذا بسببي؟ ألا يكفيك ما عشتيه بصغرك من عذاب؟ ما ذنبك لتبقين زوجة على الورق إلى هذه اللحظة مع شاب قلبه شبه ميت؟ كان سيقتلك لولا لطف الله ورحمته. أي صبر تتحملين أيتها الشابة الطيبة العفيفة؟ وما الذي يجبرك على كل هذا التحمل وبهذا الشكل يا ترى؟ أنا آسف لك، لا أستحقك. تباً لرجولتي التي تسببت لك ولو بدمعة واحدة. لحسن التطواني في جوف وظلام الليل وأنت وحيدة كل يوم تناجين الله لأجلي، فدعواتك الليلية تسربت من بين يديك، عبرت أذني واخترقت قلبي. نعم أنا أسمعك دوماً، أراقب تفاصيل تصرفاتك، دعواتك. والله أنا لست أبكم ولا أعمى، ولكن العمى أصابني بقلبي من قبلك بكثير، فأصم لساني ولم أكن لطيفاً معك حتى ولو بالكلام. أعتذر لك عن كل هذا الوجع الذي بات بك بسببي أيتها الفتاة الجبارة".
فقلت له: "لا تعتذر يا عمر ولا تخف، كان حادثاً وقضاءً وقدراً. والله اختارني وقدر ذلك من حياتي ليمتحن صبري وصلابتي، ولو لم أكن قادرة على تحمل هذا الأمر ما وضعني الله بصلب المشهد حتى منذ صغري. لكني متأكدة ومتيقنة أن الله معي في كل مرة ومرة. وهنا يسكن ويطمئن قلبي، ولم أفقد الأمل بحياة طيبة رغم كل ما يحدث معي، لإن الله كريم وتعويضاته مذهلة. وإذا أعطى أدهش. ثم إني أنتظر العوض من الله وحده، ليس منك يا عمر. أنا أدعو الله بثقة وباليقين ليعاملني بالمعجزات".
مشى إلى النافذة وفتحها يترقب السماء بشرود.
لابل يتنفس. أعلم أنه يختنق من أمر ما. شعرت أن شيئاً ما يخنقه، فقلت له بروية: "عمر، أرجوك لا تفعل هذا بنفسك، لست مذنباً".
فقال: "أنت ما ذنبك أن تتحملي عناء تربية طفلة ليست من رحمكِ و......" سكت فجأة.
فقلت: "عمر أكمل. وماذا؟ أرجوك لا تعاملني غريبة، تذكر أنا زوجة لك شرعاً حتى ولو لم تلمسني إلى الآن".
وأكملت: "لقد حفظت طفلتك وأمك وبيتك، ألا أحفظ سرك هذا الذي تخفيه ويكاد يخنقك؟ تكلم، لا تجعل شيئاً بداخلك. تكلم، ألقِ كل ثقل قلبك هنا بقلبي، والله لن أخذلك، لن يفيدك أن تبقى هارباً من الألم، سيطارك أينما التفت، وحتى ولو ذهبت لأقصى الأرض. يا عمر، هل نفكر كنحن نغير المكان لنرتاح؟ لكن الألم صدقني والندم سيرافقك ما حييت".
أخذ يضرب على الشباك حتى جرح ونزفت يده.
قلت: "عمر"، نهضت مسرعة من مكاني إليه.
فقال: "ابق مكانك، اتركني".
تقدمت بخطواتي نحوه ومسكت يده وهو يرتجف، فرفض. فأخذتها غصباً ورحت أمسح الدماء بالمناديل، وأخذت قطعة من الزيف عن الطاولة وضمدت له جرحه.
فقال: "وجراح القلب من يضمدها؟" واجهش بالبكاء.
فقلت: "ياربي، عمر يا روحي، تبكي؟ لا تقولي لي يا روحي، أرجوك، لقد قتلت روحك معي بدلاً أن أحييك بقربي، أجرمت بحقك".
فأسندت رأسه المتعب على كتفي وقلت له: "لا تجعل شيئاً بداخلك، اصرخ وابكي حتى يبتل قلبك".
فاحتضنني بين يديه بشدة، لأول مرة، واضعاً رأسه على كتفي، شعرت أن جسدي يرتعش من قربه ودموعه.
شعرت وكأنه طفل صغير بين يدي، وكل ما كان يفعله رغماً عنه ودون إدراك ووعي.
وفجأة ابتعد عني ونظر إلي. كانت مجرد نظرة، ولكن وكأنه اخترق كل المجرات الكونية التي بداخلي، عقلي وقلبي وروحي وعيني عبر عينيه الدامعة، وكأنما وقعت بحبه حقاً بهذه اللحظة التي لا نحسد عليها، لا بل هي المودة والرحمة التي وضعها الله بيننا منذ كتبت على اسمه وجعلنا هكذا. لم أرد أن يكون حلماً فيثقب قلبي فيتسرب منه، كنت أريده حقيقة.
فأشاح بنظره فقال: "سأحكي لك سراً، لكن أرجوك أن لا يعلم به أحد سوانا. لا أريد أن تعرف بهذا أمي المسكينة".
لم أصدق أنه سيخبرني ذلك بعد مرور ثلاثة شهور على زواجنا، وقلت له: "الحمد لله، وأخيراً، أنا كلي أذن صاغية، تكلم يا عمر، لا عليك، تكلم، أرجوك تكلم".
رواية البريئة الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani
لقد استجمع عمر قواه المنهارة تمامًا وبدأ بالحديث قائلاً:
"كان زفاف الندم، الذي لطالما حلمت به معها، للأسف. لقد أحببت خطيبتي السابقة كما يحب الأب ابنته. كنت أخاف عليها حد الجنون، حتى من نفسي، وأغار عليها كشيء خُلق لي وحدي. أعطيتها الأمان والحب، وأغلى ما منحته لها كان قلبي، للأسف. أتدري كم كان غاليًا؟ كانت خطيبتي لسنة كاملة، لم أتجرأ أن أؤذيها بأي شيء، وتركت كل شيء لوقته، إلا بعض قبلات عادية وخاطفة عند استقبالها والوداع فقط، لا أكثر. مت بها حبًا، عشقتها بشغف، كنت أنتظر أن تصبح حلالي تحت سقف يضمنا جدرانه ودفء ما فيه. عملت صباحًا ومساءً لأكمل الطابق العلوي وأرممه بعد وفاة والدي، وجهزته بكامل الأثاث والمستلزمات كما ترين، كما هي أحبت وتحب أن يكون وعلى ذوقها وطلبها. كنت أشركها بكل صغيرة وكبيرة تخص بيتنا وأستشيرها. كل هذا التعب والإنفاق لا يهمّني، كنت أريد أن أعطيها روحي من فرحتي بها. سهرت لساعات متواصلة بالعمل وشغل إضافي فقط لأجلها. جعلتها أميرته قبل أن تدخله، وذلك باختيار الألوان وقطع الأثاث لحسن ذوقها. حتى سرير طفلنا الذي سيأتي لاحقًا كان أمنيتها. رغم أني قلت لها: 'سيأخذ حيزًا من المكان، دعنا نؤجله حتى نتزوج على الأقل، وسأحضره لك عندما يشاء الله ويرزقنا مولدنا الأول.' لكنها أصرت على السرير الصغير، كانت تريده وبشدة. لم أكسر بخاطرها أبدًا واشتريت هذا السرير الذي ترينه. أجلت امتحاناتي وفاتني الكثير لأجل أن أسهر معها ليالي الخطوبة وهي مريضة لسبب أجهله، قبل زواجنا بشهرين. كانت دوما متوعكة وتشكي من بطنها باستمرار. مرات عدة أردت أن آخذها للطبيبة، ووالدها كذلك، كانت ترفض وتقول إنها بخير. وبعد أن تعافت قليلاً، حددنا موعد الزفاف. وبعد انتهاء مراسيم عرسنا الذي كلفني الكثير أيضًا، لقد كلفني كل ما جنيته بشبابي مع البيت والمهر وغيره، ودعت الأهل وصعدنا هذه الشقة."
ثم صمت...
وقلت له: "يا عمر، وماذا أكمل؟"
"لقد قتلتني، قتلتني، دمرتني!" وأجهش بالبكاء. وجلس على ركبتيه يضرب الأرض بكلتا يديه. بدأ لي وكأنه ليس مجروحًا فحسب، بل أنه رجل حلت عليه لعنة ما، وبدلت فرحته ألمًا ومصيبة. رجل مخذول، والأصعب أن يخذله ويقتله من أفنى نفسه لأجله.
جلست أمامه وحاولت أن يتوقف على ضرب يده النازفة، ومسكت بكلتا يديه. "عمر، لا تصمت، لا تدع شيئًا بقلبك، تكلم، أفرغ هذا السم، أرجوك."
رفع عينيه الدامعة باتجاهي وقد تحجرت الدموع بها. لقد اخترق بنظراته قلبي وكأنه يشقه إلى نصفين من شدة ألمه القابع بروحه. فمسك بكتفاي وأخذ يهزني بعنف:
"قولي لي، أنا ما ذنبي لأحمل ذنبًا لم أقترفه؟ ما ذنبي ليضيع تعبي وحبي، وينهار سقف بيتي وأحلامي، وتتحطم آمالي، وأتحول لرجل ميت؟ ولماذا؟ بسبب خطأ غيري! آه لو تعلمي كم من الليالي بت أعمل وأعمل وأكد، كم من الحب والمشاعر بذلت لها حتى أصبحت بهذه القسوة بعدها. لقد استنزفت مشاعري وإحساسي كلها. ما ذنبي لأتحمل كل هذا الثقل ويذهب شبابي سدى بسبب نزوة غيري؟"
قلت به: "ماذا يا عمر؟"
قال: "نزوة."
"قالت لي: 'لقد كانت خطيبتي حاملًا أيتها الفتاة الطيبة، وكان ذلك كأن يطعن بقلبي مئة مرة ولا أموت.'"
"فقال": "لم أكن أنوي الزواج لأقضي شهوة رجل، لا والله، ما كنت بحاجة لإثبات رجولتي معها أبدًا. بهذه الليلة، ذلك كله لا يهمني، أنا اخترتها لتكملني، كروح تشاركني حياتي وتفاصيلها، أن نكبر معًا ونبني بيتًا هانئًا نعمره حبًا وسكينة. لم يكن موقف الزواج هو المحدد، ولا تلك الرغبات عند بعض الذكور. لكنها صدمتني. كل شيء أستطيع تحمله، كان شيئًا شبيهًا بخروج الروح من الجسد. شعرت بالاشمئزاز، شعرت بالقرف، باليأس. لقد قتلتني حيًا، ومع من؟ لقد خانتني! الخيانة شيء يشبه الموت، الخيانة شيء قذر لا يفعله إلا عديمي الضمير والخلق والدين، مع شاب قذر كان يحبها سابقًا بصغرها بفترة المراهقة، قبل أن أتعرف عليها وأخطبها، وكان قد عاد من السفر قبل زواجنا بشهرين فقط. ورغم أنها خطيبتي وعلى ذمتي، لكنها سلمته أغلى ما تملك، عفتها وحيائها، وأين؟ بوضوح النهار، بكلماته البسيطة ووعوده لها بأنه سيأخذها معه ويطلبها ويتزوجها. عندما استدرجها لبيته، للأسف، وضحك عليها من سذاجتها."
قالت لي: "إنه وعدها بالزواج منها لو تركتني، ولكنه كذب عليها بعد فعلته وتركها وهرب وسافر إلى غير دولة بعد أسبوع فقط مما اقترفه."
"كانت قد حملت منه بتلك الغلطة التي لا تغتفر، وتسترت على الطفلة التي تنمو بإحشائها. هرب هو وهي، وخافت الفضيحة. كان الأولى أن تخاف الله. خافت العار ولم تخف من الوقوف أمامي بليلة الزفاف. لم تخف من تأنيب الضمير بما سيحل بي، ولا من الكسر الذي لن تجبره أنثى بعد ما فعلته الذي خلفته بروحيك. كيف جعلت مني وحشًا غاضبًا؟ في وسط الغابة، أحيانًا، هنالك أخطاء كبيرة جدًا، مهما بلغ حبنا للشخص يسقط من قلبنا للأبد. هل يكره الشخص من أحب يومًا؟ نعم، نعم، أنا كرهتها وجدًا. فر النذل وتركها ليتبين نهاية الشهر حملها بالطفلة، واستنكر هو فعلته عندما اتصلت به وأخبرته. فقال لها: 'لا شأن لي برخيصة مثلك.'"
رواية البريئة الفصل التاسع 9 - بقلم Lehcen Tetouani
يكمل عمر ويقول:
صمت اعترى كل قواي وهي تقص ما جرى معها. شيء بداخلي يريد الخروج، كصراخ موجوع بقلب إنسان آخر.
بينما هي كانت زوجتي تتوسل لي أن لا أفضح أمرها وأن أستر عليها. وأخذت تبكي ودموعها لم تتوقف لساعات. وتقول لي: "اضربني، انبنني، اقتلني، افعل أي شيء، لكن لا تصمت هكذا!" لقد أرعبها الصمت الذي حل على جوارحي.
أخذت تتوسل إلي وتقول: "لا أريد أي حق، أرجوك، لكن لا تفضح أمري. سأكون خادمة لك ولأمك. ولا أريد منك أن تلمسني غصباً عنك. لا أريد منك إلا أن ألد فقط، ومن ثم سأذهب لبيت والدي لأربي الطفل."
والله حاولت أن أنزله. فصرخت بها: "ماذا كنت تودين قتل ما في رحمك أيضاً؟ لماذا تغيرتي هكذا؟ لماذا دمرتي حياتنا؟ أي قلب تملكين؟ كيف خدعتني كل تلك الفترة؟ كيف تجردتي من مشاعرك؟"
كيف لرجل أحبها لأكثر من سنة، وبعد كل ما فعلته بي، أن يرق قلبه لدموعها ولرجائها ولانهيارها؟ تبا لي ولقلبي الذي أحبها.
هذا كان اتفاقنا. أنها ستظل زوجة على ورق فقط حتى تلد، ثم تطلب الطلاق على أنها في خلاف معي. عشنا كغرباء تحت سقف هذه الشقة. لأكمل كلمتي كرجل وعدتها إياها، فالكلمة شرف.
مواقف كثيرة حدثت. حاولت التقرب والتودد مني، لكن دون جدوى. لم تجمعنا غرفة واحدة بعد ذاك الزفاف. كنت أراقب بطنها يكبر أمامي، كما يكبر الهم بقلبي أكثر فأكثر. وانتظر بفارغ الصبر أن ننتهي من هذه التمثيلية. كنت أراقب سعادتها بانتظار الطفلة، بينما أنا أدفن كل أحلامي وتوقعاتي، وأدوس يومياً على كرامتي ونفسي وقلبي، وأصبر.
ليته يعود لأشفي غليلي منه، لأنتقم لها ولحبنا، ولبحر، ولك، ولأمي المسكينة التي تظن لليوم أن الطفلة طفلتي. أنا لا يهمني ما سيحدث عقب انتقامي من هل، لأنني مجرد جثة تمشي على قدمين، مسلوبة الروح، تحضر أكفان دفنها بيديها. أنا الذي دفنتها ودفنت سرها معها وأحلامنا.
شعرت أن أجنحتي مبتورة ولساني أبكم وعيناي حائرة. بعد دخولها لغرفة العمليات، وأنا أتصنع الأبوة بعد سبعة أشهر ونحن غرباء هكذا، وأن الطفلة مني. وأترقب نظرات ودعوات أمي المسكينة التي تنتظر الصغيرة، ظناً منها أنها حفيدتها. حتى لأمي لم أحكي كل تلك الفترة، لم أفشِ سرها، لا والله. حاولت إخفاء ما بداخلي دوماً، لكن ملامحي كادت تفضحني.
شعرت أنه اليوم المرتقب أخيراً، أيام وأصبح حراً طليقاً بعد أن أطلقها، وتنتهي المسرحية وتذهب بصغيرتها لبيت أهلها، لأتنفس بعد أن كانت كل تلك المدة وكأنها حبل مشنقة التف حول عنقي بشدة.
وبدلاً أن أنام قرير العين يومها، نمت بجانب أخطائي مجدداً. بعد أن توفت خلال ولادتها، كان الخبر أشبه بصاعقة ضربت روحي وأفقدتني توازني.
بينما الطفلة خرجت سليمة معافية. وناولتني إياها الطبيبة وهي مستاءة وقالت لي: "أمها العمر لك، عوضك الله بهذه الملاك. للأسف لم نستطع إنقاذ الأم لجرثومة بالرحم."
شعرت بالعجز، إذ لم تقوى يداي على حملها رغم خفتها، وكأنني كنت أحمل طناً من الإسمنت وحدي. خفت أن تقع من رهبتي ورهابة المشهد، فتناولتها أمي من بين يدي فوراً. وهربت لخارج المشفى، والجو عاصف يومها بشدة. هربت، يصرخ كل ما بي إلا صوتي والحقيقة القاتلة.
وودت لو يغسل المطر أحزاني وماضي وحاضري. حتى تمنيت لو المطر يمطرها مجدداً، فتنشلني من هذه المصيبة ويرتاح بالي. تمنيت لو تبادلت الأدوار معها. ماذا لو كنت أنا الميت؟ لكن والله، لكن ذلك أرحم بكثير.
لكن لله ما أعطى ولله ما أخذ. كيف أخلف بوعدي الآن؟ ولمن أفشي السر الذي يقتلني؟ كيف أربي أخطاء غيري وأتحمل عناء الأبوة لطفلة ليست بطفلتي؟ إنها ليست مسؤولية، إنها جريمة ارتكبها بحق شبابي وتعبي، كمن يحكم عليه بالسجن طيلة عمره وهو بريء، ولم يجد من يسمعه أو يصدقه.
لقد اتصلت بوالد الرضيعة وأخبرته بوفاة أمها وبأمر الطفلة. لكنه استنكر، أغلق هاتفه لأيام. وبعدها بمدة اتصل فقال لي: "لن يصدقك أحد. ثم إنها توفت، ولن تستفيد شيئاً إلا إنك ستلحق العار بالطفلة وبك لتسترك عليها. وبي ثم سبعة أشهر وهي معك ببيت واحد، لن تسلم من السنة الناس."
تباً للناس، تباً لي ولما اقترفته. فقلت وقد اعتراني غضب شديد: "كان عليك أن تخاف الله قبل سمعة طفلتك وما فعلته أساساً بأمها أيها الجبان وهربت بعد فعلتك. لكنك لست... أنت مجرد ذكر عديم المسؤولية، أشبع غريزته كما الحيوانات، متجرد من المشاعر. لكنك ستقدم الآن وتحمل أخطائك. لكنك والله ستندم."
فقال غاضباً بعد كلامي: "بل أنت من سيندم يا عمر. سأجعلك تندم على كلامك هذا ولو آخر يوم من عمري." وأردف ضاحكاً: "ههه، هذه ليست طفلتي. أكمل أخطائك أنت وقم بتربيتها. أريد أن أتزوج وأعيش حياتي." وأقفل الخط.
رواية البريئة الفصل العاشر 10 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد انتهاء العزاء حاولت أمي مرات وضع الصغيرة بحضني. كنت أهرب مرات ومرات وتستغرب، تظن بسبب وفاة من كانت تظنها زوجتي.
إلى أن أرادت أمي أن تذهب يوما إلى الطبيب، لم تشأ أن تأخذ الطفلة معها. وبعد أن نامت الصغيرة، كنت أغفو بنوم عميق بغرفتي. وضعتها بجانبي وذهبت والدتي إلى مشوارها.
استيقظت على أصابعها الصغيرة تداعب خديّ. نظرت إليها، لقد سحرتني نظراتها وعينيها، تفاصيلها الصغيرة، رائحتها، وغمازتها. راحت تبتسم لي، ظناً مني أني ألعبها.
فقلت لها: "وأنتِ ما ذنبكِ؟"
ولكنها تضحك لي، وكانني حقاً والدها. لابد أنها شعرت أني أمانها الذي قدر الله أن تكون فيه.
فصرخت أنادي أمي، لكنها خافت، وراحت تبكي بحرقة، ظناً منها أني أصرخ عليها هي بصوتي الخشن. أدركت أن أمي ليست موجودة.
حملتها بين يدي، نظراتها تتوسد قلبي، وكأنها اخترقته، وكأنها قطعة مني أنا. ياله من شعور رائع، رغم أنه ليس بمكانه الصحيح، لكن الله اختارني لهذا الموقف ولن اخذلها.
وضممتها لصدري، وأجهشت بالبكاء عليها، وعلى نفسي، وعلى ما وصلنا له. حركت بي شعور الأبوة، وأعادت لي بابتسامتها ابتسامتي.
عندما هدأت بين يدي، شعرت إنه انجاز رائع قد فعلته، وكأنني ربحت الدنيا. مسحت على شعرها الخفيف، ووعدتها أن دموعها هذه لن تهطل إلا عند موتي.
أحببت الصغيرة، لا أنكر ذلك. أيام مرت رغم ذلك الحب والتعلق بتفاصيلها، لكني فكرت أن أضعها بدار الأيتام. لكن ماذا عن أمي؟ وكلام الناس؟ رمى ابنته؟ ماذا عن الخوف من الله؟ قبل كل هذا، أن أرتكب بحقها هكذا أمر، أن أحرم أمي منها، أو أن أحرمها أن تعيش بظل أب على الأقل.
مرت الشهور والطفلة كما ترين، أصبح عمرها خمسة أشهر. تناديني "بابا"، لا بل تخطف قلبي كلما تنطقها.
وترفع يديها لي، لا يطاوعني قلبي أن اخذلها كما فعلت أمها بي، لأني تجرعتْ من نفس الكاس، كأس الخذلان والتخلي. حاولت أن اعوضها وأن احبها كأبنة لي، لكني أيام كنت أنهار، لا أستطيع إكمال التمثيلية، ولم اجرأ على وضعها بدار الأيتام.
تعلقّت بها كما تعلقت بأمها قبل تلك الغلطة اللعينة. لكن ماذا إن جاء يوم واخذها مني بكل سهولة؟ ماذا اخبر امي المريضة؟ كانت تربي، كان الله يصبرني بكل مرة ومرة.
وبعد ان علمت بقصتك، عرفت من ذاقت المر والالم لن تعيده على طفلة ليست منها. فطلبت يدك، وكل يوم كنت تثبتين لي أنك افضل ما صنعته لاجل الطفلة. اشعر اني ظلمتك معي، أخفتك، وكدت اتسبب بقتلك، وكنت حنونة كل يوم علينا.
لقد ادركت بعد كلماتك الدائمة وصبرك ان عوض الله اذا حل ينسيك مر ما صبرت. كنت كل يوم أحبك......
وصمت.
"عمر؟"
قلت له: "ماذا؟ قلت: اتحبني؟"
قال: "نعم. لقد أحييتِ ما قتلته هي. بتصرفاتك، ضحكاتك، اهتمامك بأمي، بالطفلة، صبرك على الأذية وتحملك إلى أن تبقين إلى اليوم. أطهر من الطهر نفسه. رغم إنك زوجة لي شرعاً، لم تدفعك شهوة ولا غريزة لفعل أي علاقة معي. رغماً عني، وبالرغم من كثرة الفرص، أدركت بك أن أصابع اليد لا تتشابه. أحببت اختلافك، هدوئك، وصبرك. أحببتك واعترف."
"كانت أجمل كلمة ينطقها عمر. تمنيت لو يعيدها آلاف المرات. حقاً كل شيء أجمل وأنقى عندما يكون حلال."
فقلت وقد أدركتني دموعي: "يا عمر، الزواج ليس غصباً، والحب ليس رغبة جسد فقط. الزواج روح تحب سيئاتك، وتحبك وأنت في أسوء حالاتك. تحب جنونك، وتعشق تفاصيلك واهتماماتك. كنتُ أعلم أنه سيأتي يوما. فتحت لي ولنت لإن قلبك هش ورقيق، بان ذلك من دموعك التي تحاول إخفائها عني أيها الرجل الطيب. وأنا أحببتك كما أنت، أحببتك بكل ما بك من فوضى وارتباك وانهيار، يا عمر!"
فضمني لصدره وقال: "يا روح عمر، سامحيني، لكن امنحيني بعض الوقت بعد لأكون معك بكلي."
فسكت الكلام وصمت كلانا. دموع تزف دموع فقط. كلانا موجوع، كلانا مخذول، كلانا معذب ومتعب، وهاربا من أفكاره وماضيه، وخائفا من مستقبله.
فقال عمر متوعدا: "قريباً سيأتي، ولكنه سيندم. ستكون نهايته على هاتين اليدين."
ارتعش جسدي من كلامه، فابتعدت عنه مرتعبة. "ماذا يا عمر؟ لا أرجوك لا تفعل ذلك."
فقال: "بلى، يجب أن ينال عقابه. لقد علمت بقدومه بعد أسبوع إلى هنا."
فقلت خائفة: "يا عمر، أخاف عليك منه أن يؤذيك. لا تقص أجنحتي من جديد، أرجوك. أو بدخولك السجن بسببه. عمر، أنا وبحر وأمك نحبك وبحاجة جداً بجانبنا..."
فقال لي: "امنحيني وقتا لأخلص أموري مع والداها لأكون معك بكلي. سيأتي بعد أسبوع كما أخبرني باتصاله بي. يجب أن أراه وأنهي شبح الخوف الذي يثقلّ ظهري وروحي، وبات يتربع بقلبي وقلبك ويسلب أفكاري."
وأكمل كلامه: "ارتاحي الآن، أنت متوعكة."