-نعم! -أنتِ هتقفي كده كتير يا بنتي؟ خدي الصينية من إيدي! -أنا مش هنزل يا ماما! واللي بتفكري فيه ده مش هيحصل، انسي... مش هتجوزه. -خدي الصينية من إيدي يا إيمان ونزليها للراجل. -مش هنزل يا ماما. قلتها بعند، ونبرة أمي ونظراتها بتتغير بين الحدة واللين. حطت أمي صينية الأكل وجذبتني من هدومي فخفت. زعقت لي: -ارحميني، أنا نفسي أعرف أنتِ عايزة إيه؟ -مش عايزة حاجة والله. قلتها بخوف، فسابتني أمي، ورفعت إصبعها في وشي تحذرني:
-والله وبالله يا إيمان لو ما سمعتِ الكلام ونزلتِ الأكل ده لحاتم لأخلي أبوكي يجوزك ابن عمك ونخلص منك. عارفة إني بابا مش بيرفض طلب لماما، وهو أصلاً بيحب ابن عمي اللي أنا مش بطيق أتنفس من الهواء اللي بيتنفس منه، فشلت الصينية وقلت بقلة حيلة: -ولا تزعلي يا ماما، هنزل أفطر وأتغدى معاه لو ده يرضيكِ. ابتسمت أمي، فبصيت لها بشك، وشاورت لأخويا اللي كان بيسمع حوارنا بابتسامة مستفزة، ونزلنا لحاتم وأنا زهقانة، وصوت أمي واصلني:
-ربنا يهديكِ يا بنتي ويجعله من حظك ونصيبك. رد أخويا بابتسامة: -آمين... آمين. ونزلنا وأنا مستغربة اللي بيحصل. خبط أخويا على الباب بحماس، ولما شافنا حاتم ابتسم وسلم على أخويا، بينما كنت واقفة ساكتة ونظراتي طبعًا بتعبر عن رضايا. حمحم حاتم وأخذ الصينية من إيدي وهو بيقول: -تعبة نفسك ليه يا إيمان؟ أنا قلت لطنط إني مش هفطر دلوقتي. سكت، وحمدت ربنا إن النقاب بيخفي تعبيرات وشي. قال: -كان نفسي أقول لك اتفضلي لكن معلش بقى هـ...
وقبل ما يكمل تبريره، قاطعته: -أنت إنسان متربي عشر مرات... روح ربنا يبارك لك. قلتها وطلعت السلم بخطوات واسعة، وسبته واقف جنب أخويا وهما بيبصوا لبعض، وأخويا بيقول: -أنا هفطر معاك. دخلت للشقة أنفاسي عالية، وقفلت الباب ورايا وبمجرد ما شافتني أمي قالت: -يا بت مفطرتيش معاه ليه؟ خلعت النقاب، وقلت بابتسامة: -موافقش يدخلني يا ماما. -ومالك مبسوطة كده ليه؟ -مش مبسوطة بس مش عارفة بوقي مبتسم ليه!
بحاول أبين قد إيه أنا زعلانة ومتأثرة لكن بوقي مش مديني فرصة. قلتها بابتسامة عريضة، ومختفتش إلا لما حدفتني أمي بالمخدة في وشي. وقالت بزهق: -والله لأقول لخالتك تيجي تتصرف معاكي أنا تعبت... والله تعبت. ورنت على خالتي تشتكيني ليها. هو أنا يعني عملت إيه!! سمعت جملة أمي وهي بتقول: -ماشي هاتي بودي وتعالي اقعدي معانا يومين! هستناكي. اتصدمت وقلت بقلق: -بودي جاي!!
بصيت لأوضتي وبلكونتي وزرع النعناع، خفت يرويه بودي من مائه الجاري زي ما عمل قبل كده. لبست النقاب وجريت وحطيته على حتة عالية، وقلت: -ربنا يعديها على خير. سمعت أخويا بيناديني من بلكونة حاتم، قال: -نزلي السبت بعودين نعناع عشان نشرب شاي بالنعناع. نفذت اللي قاله وأخذ حاتم النعناع، قال بابتسامة: -شكرًا. -عفوًا. قلتها ودخلت لأوضتي.... وبعد فترة رجع أخويا للبيت، وقف ورا الباب يحك رأسه، وهو بيقول: -شكلي كده عكيت الدنيا!
الشاي ده كان فيه حاجة أكيد! سألته: -إيه اللي حصل؟! اتنفض، ووسعت عينيه وقال بارتباك: -لـ... لا... مفيش يا... مفيش حاجة أبدًا. قالها وفتح باب الشقة وجري على تحت، لويت بوقي بذهول، وقلت بقلق: -استر يا رب. صلوا على خير الأنام. *** "لو أذنبت كل ثانية وفي أخر يومك عدت واستغفرت الله، لغفر لك ولا يبالي، وإن علم الناس بذنب واحد اقترفته على حين غفلة لن يغفروه ولن يغفلوا عنه...
وقف "أكرم" قصاد بيت ميسرة يناديه، فقامت تسنيم تصحي أخوها، هزته برفق وقالت ساخرة: -قوم صاحبك المحروس بينادي عليك. قال بخمول: -قوليله كان عنده شيفت وسهران طول الليل ونايم. -أنا مش هطلع قوم قوله بنفسك. -خلي ماما تقوله يا توتو... سيبيني أنام. -ماما نزلت السوق... قوم قوله وابقى نام. -مش قائم سيبيه ينادي. قالها بنفاذ صبر، وحط المخدة على رأسه، فقامت تسنيم وطلعت من الأوضة وهي بتقول: -طيب خليه بقى ينادي.
قعدت على الأريكة، وهي سامعة صوت أكرم، وبتحاول تتجاهله، لكنها قامت في النهاية وهي بتنفخ بضيق، لبست حجابها وهي بتقول لنفسها: -عادي يعني هطلع أقوله ميسرة نايم... ميسرة نايم. كررت آخر جملة وهي بتقرب من البلكونة. بلعت ريقها بارتباك وخرجت. مشافتش أكرم من سنتين بعدما اتقدم لخطبتها ورفضته. وسافر للعمل خارج مصر ومطلبهاش مرة تانية ولا اعترض طريقها أو ظهر قدامها صدفة حتى على تطبيقات التواصل الاجتماعي...
أخذت نفس عميق وتأكدت على نفسها أنها هتقوله إن ميسرة نائم وتدخل فورًا.. ولما بصلها "أكرم" هربت الحروف من راسها، وتصنمت مكانها، أنقذها قوله: -إزيك يا تسنيم؟ آآ... أومال فين ميسرة؟ -آآ... نام، نايم، كان عنده شيفت بالليل ونام... -طيب ماشي لما يصحى قوليله إني عديت عليه. قالها وابتسم وهو يرميها بنظرة عتاب خفية، وغادر...
وقفت تسنيم مكانها ساكتة وسرحانة بتبص لمكانه الفارغ، شكله اتغير مظهره وبقى أنحف من الأول حتى ملامحه تغيرت وازدادت هيبته! لكن لا زال قلبها رفضه نهائي. بدأت نظرها تراقبه وهو يبتعد بخطى واسعة، مبينة أثر الأيام في شخصيته قبل مشيته وملامحه! وبعد ما مشي ظهرت والدتها شايلة أكياس من الخضروات والفواكه فنزلت بسرعة تساعدها. وبعدما ارتاحت والدتها من السلم وخلعت حجابها قالت: -أم أكرم قابلتني في السوق النهاردة...
بتقول إنه رجع من السفر. هزت تسنيم رأسها وقالت: -أمممممم... عرفت كان جاي عايز ميسرة... -بيقولك ربنا فتح عليه أوي وبنى بيت كامل لنفسه... مصمصت والدتها شفتيها بحسرة، وأضافت: -يا خسارة! مش لو كنتِ وافقتِ عليه كان زمان عندك بيت لوحدك. -إيه يا ماما! خلاص الموضوع انتهى من زمان. قالتها تسنيم ودخلت المطبخ عشان متشوفش نظرات اللوم والعتاب المتكرر، بينما رددت والدتها بسخرية: -ده أنا بختي مايل في عيالي...
ظبطي الشقة وجهزي نفسك يا بت لما نشوف هتطفشي العريس بتاع النهاردة إزاي. قالت تسنيم لنفسها: -كل شوية عريس!! دي الحياة بقت صعبة يا ريتني ما كبرت! استغفروا. بقلم آيه شاكر *** "يكفي أن يكرر المخادع في نفسه كذبة، ليقتنع بهراء وافتراء سولته له نفسه، ولم يكن." قبل ما تطلع "أسماء" من بيت أهلها، وقبل ما تفتح باب الشقة، سبقتها والدتها ودخلت، فسلمت أسماء عليها، قالت والدتها: -عارفة قابلت مين في السوق يا سمسم؟ -مين؟
-أم تسنيم اللي أخوكي كان عاوز يتجوزها. -تسنيم!! قلت لكم قبل كده تسنيم دي متكبرة ومغرورة... أما شروق أجمل منها بكتير ومتواضعة... والله الواد أكرم ده ما بيفهم! -القلب وما يريد بقى يا بنتي... بس خلاص أمها بتقول متقدملها عريس النهاردة وهتقابله. قالتها والدتها، فقالت أسماء بفرحة: -أحسن، صدقيني تسنيم دي بنت مش كويسة وبعدين رفضت أكرم يبقى خلاص انتهى يشوف غيرها... خليه يتقدم لشروق والله بنت قمر...
نفسي أفرح بيه وبيها، اقنعيه يا ماما عشان خاطري خليه يخطبها قبل ما يسافر. قالتها أسماء برجاء، ففكرت والدتها للحظة، وقالت بحماس: -والله شروق بنت حلوة وأنا أتمناها ليه، طيب سيبيني أزن عليه وربنا يقدم الخير. فرحت أسماء، وقامت باست رأس والدتها بسعادة وقالت: -والله أنتِ أحسن أم في الدنيا. ابتسمت والدتها وقالت: -أنتِ اللي أحسن بنت في الدنيا وأطيب قلب.
رجعت أسماء تقعد مكانها، والابتسامة على وشها، باصة قدامها وسرحانة، هي متأكدة إن والدتها هتقنع أكرم، وشروق اقتنعت خلاص، فأسماء ما كانتش بتسيب فرصة إلا وتتكلم عن أكرم بالخير وإزاي إنه اتغير وبقى راجل معاه فلوس، ولاحظت الهيام على ملامح شروق فأدركت اقتناعها بيه لما سألتها شروق عنه قبل أيام... دخل أكرم للبيت، كان سعيد عشان شاف تسنيم واتكلم معاها حتى لو كلمتين، ولما شافته أسماء قالت بخبث: -تعالى أسمع آخر الأخبار...
بيقولك تسنيم متقدملها عريس النهاردة وهتقابله ومقتنعين بيه. انطفى وشه ووقف مكانه للحظة يستوعب اللي نطقت به أسماء، سأل بلهفة: -مين قالك؟! -أمها كانت معايا في السوق وقالت لي... قالتها والدته، فقامت أسماء وطبطبت على كتف أكرم وقالت: -صدقني تسنيم مش لايقة عليك، وشروق بتحبك يا أكرم. تجاهلها أكرم وقعد جنب والدته، وقال: -هنفطر ولا إيه يا ماما؟! بصت له أسماء، وحست أنها هتنجح المرة دي وهتجوز أكرم لشروق قريب جدًا. *** "إيمان"
بالليل… كنت قاعدة في أوضتي، بكلم صاحباتي رسايل في جروب م "سمر ونجمة وهمسة ونسمة"، بنشجع بعض على الدين قبل الدنيا، نفكر بعض بالأذكار ونتكلم في كل حاجة. الواحد دايمًا محتاج حد يفوّقه، يقوله إن الدنيا دي رحلة… طريق سفر طويل وشاق، بيجمع فيه متاعه اللي هيفضل معاه في الآخرة، وأحلى وأغلى متاع في الدنيا هو القرآن. فجأة باب أوضتي اتفتح، ولقيت أمي واقفة جنب خالتي، الاثنين باصين عليا بحاجب مرفوع. استأذنت صحابي وقفلت التليفون
قبل ما أقول بصوت مهزوز: -خير إن شاء الله؟ قالت خالتي وهي بتشد مناخيري لقدام: -خير! هو أنتِ وش خير؟ ده أنتِ وش فقر يا أم مناخير! قلت وأنا ببعد إيدها: -بالراحة يا خالتي! وبعدين هو أنتِ يعني ما عندكيش مناخير؟ -عندي بس مسمسمة… مش زيك! ضحكت هي وماما عليا باستهزاء، فبصيت على شكلي في المراية… والله ملامحي حلوة! حتى مناخيري اللي دايمًا يتريقوا عليها، والله مش بالوحاشة اللي بيقولوا عليها. تنهدت وقلت برضا:
-الناس من آدم، وآدم من تراب... كله آخره واحد. الطويل والقصير، التخين والرفيع، الأبيض والأسود... ومفيش حد أحسن من حد إلا بالتقوى. بصوا لبعض، وفي اللحظة دي أخويا دخل ومعاه بودي اللي كان بيضحك. قمت سلمت عليه وبوسته، وخالتي كانت بتهمس لماما بحاجة، وأنا براقبهم بطرف عيني، لحد ما خالتي قالتلي بنبرة هادية ونظرة كده كلها تودد: -إيمان... يا حبيبتي. بصتلها مستنية تكمل، فحطت قدامي علبة هدايا وقالت: -حاتم... قصدي الدكتور حاتم...
عيد ميلاده النهارده و... فهمت على طول وقاطعتها: -وعايزاني أروح أقوله كل سنة وإنت طيب وأديله الهدية... صح؟ ماما هزت راسها، وخالتي وراها بابتسامة واسعة. قلت بسخرية: -أيوه وماله... ما هي كده بقت بطاطا خالص. بودي قال: -أنا عايز بطاطا. خالتي ردت: -بكرة يا بودي هجيبلك. اقتنع وقعد يلعب مع أخويا، وخالتي بدأت تقنعني بكل الطرق... وبعد شد وجذب قالت: -ما إنتي مش هيجيلك فرصة زي دي تاني... بمناخيرك دي! قلت وأنا
بضغط على الكلام بسخرية: -عسل يا خالتي... إنتي عسل. فصرخ بودي: -أنا عايز عسل. ردت خالتي متنرفزة: -بكرة يا بودي هجيبلك... قام دبدب الأرض وهو بيعيط: -لا... دلوقتي! ماما قامت جابتله العسل، وخالتي فضلت تلح عليا طول الليل... بس على الفاضي. وقبل الفجر قلقت وأنا نايمة، وسمعت خالتي بتهذي: -الهدية يا إيمووون... عشان يتقدملك تاني يا به... ضحكت، ودعيتلها ربنا يهديها. قمت صليت ركعتين استخارة وطلبت من ربنا يوريني علامة...
أي إشاره. مقدرتش أنام بعدها، وقعدت مستنية الفجر، شميت ريحة الهوا اللي قبل الصلاة... ريحة مميزة وجو هادي. وقفت في البلكونة... لقيته واقف في بلكونته ماسك المصحف، بيحفظ بتركيز وخشوع... وبعدها دخل أوضته. مسكت الهدية، بقلبها في إيدي وأنا سانده على سور البلكونة. رجع حاتم تاني للبلكونة... وقف شوية، وفجأة بص لفوق... فشافني وابتسم... حسيت إن قلبي ساب مكانه، اتلخبطت، وإيديا ارتعشت... والهدية وقعت مني!
حطيت إيدي على بقي بكتم شهقتي، وعنيا وسعت لما شفته بيلقطها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!