لم يأخذ حصانًا، ولم يرافقه أحد. هذه الرحلة لم تكن لمخلوقات أخرى غيره. سار بين الأشجار بخطوات ثابتة، عيناه تمسحان الطريق أمامه دون أن تتوقف. كانت الغابة في هذا الوقت مختلفة —أكثر هدوءًا، أكثر حذرًا، وكأنها تدرك أنه في طريقه إلى مكان لا يعود منه الكثيرون. لم يكن على عجلة، عرف أن الاستعجال في مثل هذه الأمور خطأ، وأن من يندفع بلا تخطيط لن يصل إلى حيث يريد.
عندما شعر أن الشمس بدأت تهرب بظلالها، توقف عند جدول ماء، انحنى وملاء راحته بمائه البارد وشرب ببطء. كان نوار معه داخل عقله، لكنه لم ينجح حتى الآن في معرفة أسرار باتريكا. الغريب أن باتريكا حضرت إلى القطيع منذ أكثر من عام واجتازت الاختبارات وأثبتت أنها ذئبة مطيعة، ولم يبدو عليها أي من أمارات التمرد. ولم تقم بأي رحلات خارجية سوى رحلة واحدة إلى مناطق ذئاب القطيع الصخري. هز رعد رأسه وهو يهمس: "كين.. كين؟
إذا ثبت أنه متورط، قتله لن يكن كافيًا بالنسبة لي؟ همس نوار: "أعرف العداوات التي بينك وبين كين، لكن كين بريء من تلك القصة." "آخر مكان رصدت فيه باتريكا كهف قديم مندس داخل الجبال يدعى كهف لازيخ." "كهف كانت تقطنه ساحرة قبل أن يقوم والدنا بقتلها أو هكذا يقولون، لأنها اختفت ولم تظهر مرة أخرى." "حسنًا، همس رعد، كن على اتصال معي ومع آدم." ثم أنهى الاتصال وانطلق بحوافره القوية.
ربما عليه زيارة كهف لازوخ، ربما عليه زيارة كين وتأديبه. وصل رعد أرض القطيع الصخري، لم يعترضه الحراس. سمحوا له بدخول القصر، وكان كين يتدرب مع قطيعه بعضلاته المنحوتة القوية. "أهلاً بالألفا،" همس كين بسخرية. ":لو كنت أعرف حضورك ربما كنت أعددت لك وليمة، لكن كما ترى فأنا مشغول." توقف رعد على جانب. لا يعرف ما الذي يمنعه من قتل كين. ربما مسؤوليته أمام القطيع واحترام القوانين التي تمنع قتل ألفا. "أين الفتاة؟ " سأل رعد بغضب.
"لماذا؟ " أجاب كين بملا مبلاة. "لأنني لازلت أسمع صوت صرخاتها كل ليلة." ابتسم كين. "اعتذر يا زعيم، لكن الميجا تمنحني نفسها بارادتها ولا أرغمها على شيء." "ربما أخطأت حدثك تلك المرة، وربما هي تستمتع بعذابي." "سأسمع ذلك من فمها يا كين، وأعرف كيف تتحدى أوامري!؟ من بين الصفوف خرجت فتاة هزيلة متعبه تمشي بترنح. كانت تعاني من سوء تغذية. "أنتِ كيا؟ "نعم ألفا،" ركعت الفتاة أمام رعد وقبلت ساقه. "هذا الألفا يعذبك؟
" همست كيا بضعف. "لا يا ألفا، أنا أمنحه نفسي بطيب خاطر." شعر رعد بالأسى. لا يعرف كيف يقبل شخص الذل من شخص يحبه. "سأمر الخدم بإعداد غرفة لك داخل قصري،" همس كين بسخرية. "ليس الآن،" صرخ رعد بصوت أراده صاخبًا. "أريد قصاص أثر يا كين." نظر كين تجاه قطيعه. "كما ترى يا زعيم، قطيعي مسالم ولا شأن له بالحرب." إلا أن ذئبة صغيرة خرجت من بين الصفوف وهمست: "يشرفني أن أكون في خدمتك يا ألفا."
كانت صغيرة، هكذا رآها رعد، لكنه كان يحتاج دليلًا. لذا سمح لها بتقبيل قدمه. رمق كين الذئبة بغضب، لكن لا يمكن له الاعتراض أمام رعد. انطلق رعد وركضت خلفه الذئبة الصغيرة، شعرها يرفرف فوق ظهرها. "أتعرفين طريق كهف لازيخ؟ صمتت الذئبة لحظة مترددة وبان عليها الخوف. توقف رعد. "ماذا هناك يا ذئبة؟ "الاتعرفين الطريق؟ "أعرف،" همست الذئبة بضعف. "لما التردد إذا؟ صوبت الذئبة
عيونها على الطريق وهمست: "لأنني في الفترة الأخيرة أسمع هناك أصواتًا مرعبة. أصوات ليست بشرية وليست ذئبية." لم تكن الفتاة ذئبة عادية، كانت ذئبة مستبصرة، هكذا فهم رعد. "ادليني على الطريق واتركي الباقي لسيدك." "حسنًا ألفا، أنا في خدمتكم." مع مرور الساعات، تغيرت طبيعة الأرض من تحت أقدامهم. لم تعد الغابة خضراء كثيفة، بل بدأت الأشجار تتباعد، والتربة أصبحت أكثر قسوة. عرف أنه يقترب من أرض الجبال.
الهواء هنا مختلف، أثقل، مشبع برائحة غريبة. الأرض نفسها بدت كأنها تراقبه. "من هنا،" همست الذئبة وهي تشير تجاه درب ضيق بين الصخور. ثم توقفت الذئبة وأغمضت عينيها. ارتعش جسدها وهمست بقلق. "هناك من يراقبنا." "إنه هنا وليس هناك." "لكني أرى عيونه ولا أرى جسده." "يا سيدي، أرى طريقًا للذهاب ولا أرى طريقًا للعودة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!