تحميل رواية «الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس الألفا حول المائدة المستديرة في مقاعد نُقشت عليها أسماؤهم وأسماء عائلاتهم في القاعة التي توسطت القصر القديم. خلف كل ألفا وقفت خادمة تلبي طلباته، وأمامهم رُصّت الأطباق وفناجين القهوة. كانوا يتهامسون عن عودة الألفا الملكي، الزعيم رعد، بعد شهور قضاها في العزلة بعد مقتل رفيقته. حيث رحل رعد إلى جبل بازيخ بعيدًا عن الناس، ليس معه أحد سوى خادمة صغيرة تدعى ماجي، وهبت نفسها لخدمة الألفا منذ نعومة أظافرها. كانت نظرات الترقب تطل من عيونهم، وهمسات الجنون تتحدث عن فقدان عقله، حتى البيتا الملكي آدم لم يكن...
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
جلس الألفا حول المائدة المستديرة في مقاعد نُقشت عليها أسماؤهم وأسماء عائلاتهم في القاعة التي توسطت القصر القديم.
خلف كل ألفا وقفت خادمة تلبي طلباته، وأمامهم رُصّت الأطباق وفناجين القهوة.
كانوا يتهامسون عن عودة الألفا الملكي، الزعيم رعد، بعد شهور قضاها في العزلة بعد مقتل رفيقته.
حيث رحل رعد إلى جبل بازيخ بعيدًا عن الناس، ليس معه أحد سوى خادمة صغيرة تدعى ماجي، وهبت نفسها لخدمة الألفا منذ نعومة أظافرها.
كانت نظرات الترقب تطل من عيونهم، وهمسات الجنون تتحدث عن فقدان عقله، حتى البيتا الملكي آدم لم يكن يعرف عنه أي شيء.
حتى وصلته الأوامر بالتحضير لاجتماع طارئ.
سمعت من بعيد خطوات تقترب، خطوات ثقيلة تشعر أنها تخرق الأرضية الخشبية.
ثم ظهر الألفا رعد بقامته المهيبة، جسده الضخم العملاق وعضلاته المفتولة.
كان يرتدي معطفًا أحمر وقبعة حمراء نُقشت عليها شعار عائلته، وعلى عنقه وشاح لبني يغطيه شعره الطويل ولحيته الكثة.
عيناه الزرقاء تلمع مثل ضوء مشعل.
ابتسم آدم لرؤية رعد، فقد كان صديقه قبل أن يكون الألفا الخاص به.
آدم، الذي عثر على رفيقته منذ شهر مضى أثناء غياب رعد.
وقد كان آدم شابًا قويًا ممشوق القوام، لكنه كان أقل قوة من رعد.
انحنى آدم أمام الألفا الملكي، وتبعه بقية الألفا.
جلس رعد على مقعده، ثم سمح لهم بالجلوس.
"ماذا فاتني أثناء غيابي؟ أيوجد هناك ما يستحق أن أعرفه؟"
همس الألفا بصوت واحد: "لا شيء، أيها الزعيم."
فتح آدم فمه ليتحدث، لكن رعد أوقفه بإشارة من يده.
"وهمس، وأنت يا كين؟ كين الألفا زعيم القطيع الصخري. أليس هناك ما تود إخباري به؟"
رفع كين رأسه: "لا شيء، يا زعيم."
لم يكمل كين كلمته، ففي لمح البصر وصل رعد عنده.
قبض على عنقه ورفعه ولصقه على الجدار بيد واحدة.
صرخ كين: "أنت تخنقني يا زعيم! ماذا فعلت؟"
فتح رعد فمه: "قد أسامحك لعدم بحثك عن رفيقتك، فأنت حر كيف تقضي حياتك. لكن أن تقوم بوسم ذئبة من قطيعك رغم عنها، فهذا ما لن أسمح به أبدًا. حرر الجاما يا كين، فأنا أسمع صراخها كل ليلة، حتى من مكاني البعيد كنت أسمع صراخها."
همس كين: "أمرك يا زعيم."
طوح رعد جسد كين على الأرض، وبسرعة الريح عاد إلى مقعده.
نهض كين الذي شعر بالخزي، وجلس على مقعده وهو يكن الحقد والغيظ لرعد.
"أهناك شيء آخر؟" صرخ رعد بقوة.
"لا شيء."
"إذا، يمكنكم الانصراف. أنتم تعرفون أنني أراقبكم."
ورعد الألفا الملكي، الذي يخضع له بقية الألفا.
والألفا يحكمون مناطقهم بطريقة منفردة وقطيعهم يدين لهم بالولاء، لكن الكل يخضع للألفا رعد ويخشى غضبه.
فقد عرف رعد بهمجيته ووحشيته.
كان الألفا في طريق رحيلهم يتهامسون عن جنون رعد وأنه فقد عقله.
وكان كين يعتقد أن رعد لا يصلح لقيادة القطيع بعد أن قتلت رفيقته أمامه.
"كيف حالك يا صديقي؟" همس البيتا آدم.
"رعد، كما ترى، كما أنا."
آدم، كان عليك أن تتجنب معاقبة كين أمام الألفا.
ما فعلته قد يغضب بقية الألفا ويدفعهم إلى التمرد.
نظر رعد إلى آدم وهمس: "دعهم يفعلونه. دعهم يحاولون."
ابتسم آدم: "كنت أظن أن شهور العزلة غيرتك؟"
همس رعد: "لا شيء قد يغير طبيعة المرء أكثر من الخيبات."
"حدثني عن جديدك يا آدم. أشم رائحة رفيقه."
ضحك آدم: "لا شيء يخفى عليك. لقد وجدت رفيقتي منذ شهر أثناء غيابك. كنت في جولة عمل عندما همس الذئب داخلي أنه يشتم رائحة رفيقتي. سألته عن مكانها. همس: بعيدة، لكن رائحتها قوية. هناك وجدتها تركض بين الأشجار وأحببتها من أول نظرة."
"وماذا فعلت؟" سأله رعد.
"أحضرتها معي طبعًا. مكنش ممكن أسيبها تقضي ليلة تانية بعيد عن حضني. هيا، تعالي أعرفك عليها."
دخل آدم ورعد القصر.
كانت تاهيلا تقف مع صديقتها البشرية سارة عندما دخل رعد.
اقترب رعد من تاهيلا وسحقه جمالها.
انحنى بأدب أمامها: "أهلاً وسهلاً سيدتي؟"
فتحت تاهيلا عيون زرقاء باتساع حبة برقوق ونظرت لآدم تسأله من هذا.
قال آدم: "هذا..."
لكن رعد أوقفه وسد فمه بيده، ثم همس: "أنا خادمك رعد. سعيد بلقائك."
وطبع قبلة على يدها.
ارتعشت تاهيلا. كانت هيئة رعد مزرية، شعره، لحيته، كأنه متشرد.
لكن الذئبة داخلها اشتمت قوته. قوة جبارة مهولة، أضخم من قوة آدم.
تحرر آدم من يد رعد وهمس: "أقدم الألفا رعد."
ارتعش جسد تاهيلا. طول عمرها تسمع عن رعد، لكنها لم تتخيل أنه يقف أمامها الآن.
ربما خدعها الاسم، لكنها كانت تظنه شخصًا آخر.
انحنت تاهيلا على ركبتيها. إنه الألفا تبعها، تجب عليه الطاعة واحترامه.
لكن شيئًا آخر تحرك داخلها.
"أهلاً وسهلاً سيدي."
وطبعت قبلة على يد رعد.
التصقت سارة البشرية بالجدار. كانت سمعت عن رعد ووحشيته وهمجيته.
اقترب رعد منها حتى التصق بها وتشمم جسدها.
تجمد جسد سارة. تعرف أن رعد قادر على شقها بضربة من يده.
ثبت رعد نظره على سارة دقيقة قبل أن يطلق ضحكة ويقول: "مالك؟ أظننتي أنني سآكلك؟"
ثم خرج وهو يضحك وغادر القصر.
"أنا افتكرته هياكلني بجد." تنهدت سارة بخوف وهي تنظر إلى تاهيلا.
لكن تاهيلا كانت في عالم آخر. كانت عيونها تتابع رعد وهو يغادر مع آدم يتهامسان بصوت خافت.
همس رعد: "سعيد من أجلك يا آدم."
قال آدم: "وأنت أيضًا ستجد رفيقتك يا رعد."
ابتسم رعد بسخرية: "لا تضحك على نفسك يا آدم. تعرف أنني لن أجد رفيقة أخرى. لقد قتلت رفيقتي، ومن تقتل رفيقته تحل عليه اللعنة. تلك قوانين القطيع منذ عصور طويلة."
"لكن أنت يا رعد مختلف. أنت ألفا ملكي."
قال رعد بحزن: "القانون هو القانون. أتعرف يا آدم، الذئب داخلي اختفى يوم مقتل رفيقتي ولا يتحدث إلي. أشعر أنه رحل إلى الأبد."
وصل كين ألفا القطيع الصخري قصره.
اقتحم القصر بغضب.
وهرب الخدم من أمامه.
"سلم حل عندما يكون كين غاضب. الهرب من أمامه."
صرخ: "أين هي؟"
ثم ركض تجاه المطبخ ووجد كيا تمسح الأرضيات.
صرخ كين: "تعالي هنا."
ثم جرها من شعرها على السلم قبل أن يحملها في حضنه ويدفع باب غرفته ويلقي بها على السرير.
تكوّمت كيا على نفسها. تعرف الألم الذي ينتظره.
لم يرحمها كين. مزق ملابسها واستولى عليها.
صرخت كيا، كان كين يعاملها بقسوة.
صرخت حتى ارتجت جدران القصر والمقاطعة.
انتهى منها كين وألقاها على الأرض تحت السرير.
ثم صرخ: "نطفي نفسك يا فتاة."
ثم برقت عينيه بغضب وهو يتذكر رعد: "وأنت أعدك أن تتمنى رحمتي يا رعد."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
داخل قصر البيتا ادم.
كانت أصداء ضحكات رعد تتلاشى في أرجاء القصر القديم، تاركة وراءها شعورًا غريبًا من التوتر في الهواء.
وقفت تاهيلا بجانب سارة التي كانت ما زالت ملتصقة بالجدار، أنفاسها متقطعة وكأنها تحاول استيعاب ما حدث.
نظرت تاهيلا إلى صديقتها البشرية نظرة عميقة، عينيها الزرقاوان تخترقانها مثل سهام حادة. كان في وجهها مزيج من الفضول والغموض، وكأنها تحاول فك شيفرة ما حدث للتو.
تاهيلا: “أظن أنك شعرتِ بقوته، أليس كذلك؟”
سارة: (بصوت متلعثم) “أنا… نعم، بالطبع. كيف يمكن ألا أشعر؟ وكأنه عاصفة دخلت الغرفة.”
ابتسمت تاهيلا، لكنها لم تكن ابتسامة كاملة، بل أشبه بشيء يحمل في طياته سرًا دفينًا.
رعد ليس كأي ألفا قد تقابلينه، قوته ليست فقط في جسده العملاق أو نظرته التي تحرق الأرض… بل في شيء أعمق، شيء يخشاه الجميع، حتى من يتظاهرون بعدم خوفه.
لقد سمعت عنه الكثير لكن عندما حضرت لم يكن هنا.
تاهيلا: (تهمس بنبرة مستمتعة) “إلى الآن لا أتخيل أنه انحنى وقبل يدي؟ رعد الوحش الذي تخضع له جميع الألفا يقبل يدي؟”
سارة: (بهمس وهي تحاول استجماع شجاعتها) “لكن… لماذا نظر إليّ بتلك الطريقة؟ ولماذا ضحك وكأنه يسخر مني؟”
اقتربت تاهيلا من سارة بخطوات بطيئة، وكأنها تختار كلماتها بعناية.
تاهيلا: “ربما لأنه رأى فيكِ شيئًا لم يراه أحد فيكِ من قبل.”
سارة: (بنبرة متوسلة) “ماذا تقصدين؟ … أنا مجرد إنسانة بشرية.”
تاهيلا: “البشر دائمًا يثيرون انتباه الوحوش. ربما يفكر في أكلك.”
ارتجفت سارة من كلمات تاهيلا وهمست…
سارة: “تاهيلا لا ترعبيني من فضلك، لازلت أشعر بقبضة رعد حتى بعد رحيله.”
ثم نظرت سارة إلى الخدم الذين كانوا يتحركون في القاعة بخطوات حذرة، عيونهم تخفض إلى الأرض، وكأنهم يخشون حتى النظر إلى الأعلى.
سارة: “لكن… لماذا الجميع يخافه؟ حتى أنتِ تبدين متوترة حين يتحدث.”
تاهيلا: (تبتسم ابتسامة باردة) “لأنني أعرف ما هو قادر عليه. رعد ليس مثل آدم، رغم أنهما صديقان، آدم قد يحكم بقلبه أحيانًا، لكن رعد؟ هو قوة الطبيعة بعينها، لا يلين، ولا يرحم. الجميع يعرف أنه متوحش.”
كانت سارة على وشك طرح سؤال آخر، لكن تاهيلا وضعت يدها على كتفها ونظرت إليها نظرة تحذير.
تاهيلا: “نصيحتي لكِ يا سارة؟ ابقِ بعيدًا عن طريقه، فالألفا مثل رعد لا ينظرون إلى أمثالكِ إلا إذا أرادوا… تدميرهم أو امتلاكهم وإخضاعهم.”
شعرت سارة أن الغموض يزداد تعقيدًا، عينيها تابعت الخدم الذين بدأوا بترتيب القاعة بهدوء، لكنها لم تستطع نزع الشعور بأن شيئًا مرعبًا ومحببًا قد حدث للتو، كانت رائحة رعد لازالت عالقة في شعرها وعيونه الزرقاء اللامعة تخترقها ولم ترحل.
“يعني إيه يا تاهيلا يمتلكني ويخضعني؟”
همست تاهيلا وكأنها تحدث نفسها، “يمتلك يا فتاة، تصبحين ملكه يفعل بكِ ما يشاء.”
***
داخل قصر الألفا رعد.
كانت الرياح تعصف بخفة فوق سطح القصر، تحرك أوراق الأشجار المحيطة، وتنقل معها برودة المساء. جلس رعد على المقعد، عينيه الزرقاوين كانتا مثبتتين على البحيرة أسفل القصر، تتلون مع الغروب بلون النار.
لم يكن قد عاد إلى هذا المكان منذ شهور، بعد اختفائه في جبل بازيخ. الشائعات حول عزلته وخلوته مع الجبال كانت تملأ القطيع، لكن القليل فقط كان يعرف السبب الحقيقي.
عندما قتلت رفيقته شعر أن حياته تتحطم وظن الجميع أنه انتهى لكنه عاد مرة أخرى، عاد بلا روح.
فألفا تقتل رفيقته أمر غير مسبوق. ثم إنه ليس ألفا عادي، إنه ألفا ملكي.
من خلفه، تقدمت لينا، خطواتها خفيفة لكنها لم تخفَ عنه، فرعد لديه القدرة على سماع أبسط الأصوات.
يسمع صوت حفيف أوراق الشجر، صوت الريح، صوت أمواج البحيرة والأوزات التي تسبح داخلها. إنه يسمع أي شيء وكل شيء.
لينا: “همست لينا: رعد، مضى وقت طويل…”
لم يلتفت رعد، ولم يبدِ أي إشارة أنه استمع كلماتها، كأن جسده كالصخر، لا يتحرك ولا يجيب.
لينا: “كنت في بازيخ، وحدك؟”
وكانت لينا تعرف أن ماجي كانت رفقة رعد، خادمته الشابة المطيعة التي تلتصق به في كل مكان.
قالت بصوت منخفض، لكنها لم تكمل عندما قاطعتها نبرة رعد الباردة كحد السيف:
رعد: “ليس من شأنك، لينا، توقفي عن التدخل فيما لا يعنيك.”
تصلبت ملامحها للحظة، لكنها تماسكت، لم تكن غريبة عن جفائه.
لينا: “أنا هنا لأساعدك.”
التفت نحوها ببطء، نظرته كانت صارمة، نظرة قد تقتل شخصًا عاديًا، كأنه يختبر صبرها.
رعد: “لا أحتاج مساعدتك ولا أحتاج وجودك هنا، عودي غرفتك يا لينا واجهي مهامك بدلًا من مطاردتي.”
لينا: “رعد…؟” صوتها ارتجف قليلًا، لكنها تابعت بثبات: “أنت لست بخير وأنا لا آخذ الأوامر منك.”
رفع حاجبه بسخرية طفيفة وابتسامة تزين فمه.
رعد: “أنتِ هنا لأنكِ لا تعرفين متى تتوقفين عن التدخل في شؤني، لكنني سأقولها مرة أخيرة: اذهبي.”
لم تستجب، بدلاً من ذلك، أخرجت حقيبة صغيرة من قماش كانت تحملها، وضعتها أمامه وفتحتها لتكشف عن أدوات حلاقة قديمة.
لينا: “إذا كنت ستعاملني ببرود، فليكن، لكن لن أتركك بهذا الشكل. انظر إلى نفسك، رعد؟ أنت تبدو كأنك خرجت للتو من كهف. مظهرك متوحش، ألا يكفي ما تبثه من رعب في قلوب القطيع؟”
عقد حاجبيه بلوم، وبدا كأنه على وشك طردها بالقوة، لكنه لم يتحرك.
اقتربت لينا ببطء، وكأنها تعلم أنها تسير على حافة الخطر، وضعت يدها على كتفه، دفء لمستها كان غريبًا في مواجهة البرودة التي تجتاح صدره.
لينا: “اسمح لي.”
تردد لثوانٍ، ثم أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، لم يقل شيئًا، لكنه سمح لها بالبدء.
جلست خلفه، وسحبت مقعدًا خشبيًا صغيرًا لتجلس عليه، أمسكت بالمقص أولاً، وبدأت بقص شعره الطويل المشابك، كانت حركاتها دقيقة لكنها حذرة، كأنها تخشى أن تطعن جزءًا من روحه المكسورة مع كل خصلة تسقط.
لينا: “شعرك أطول مما توقعت…” تمتمت بخفوت، لكن رعد لم يرد، عينيه ما زالتا متعلقتين بالغروب.
بعد أن انتهت من قص الشعر، بدأت بتمرير شفرة الحلاقة على لحيته، ملمس وجهه القوي تحت أصابعها كان بارزًا، وكل حركة كانت مدروسة لتجنب أي خدش.
لينا: “أنت أفضل بكثير مما تظن، رعد.” قالت وهي تزيل الطبقة الأخيرة من اللحية.
رد عليها أخيرًا، صوته منخفض لكنه لا يزال قاسيًا.
رعد: “توقفي عن الحديث، لينا، إنه مجرد شعر.”
عندما انتهت، تراجعت خطوة للوراء لتتفحص عملها.
لينا: “ها أنت ذا نظيف وجاهز. تبدو جميلاً ومذهلاً.”
انهض من مكانه، مرر يده على وجهه وشعره، ألقى عليها نظرة قصيرة قبل أن يتجه نحو السلالم المؤدية للأسفل.
رعد: (وهو يتمتم) “مهما فعلت لن أغفر لك أبدًا.
كنت شاكرًا أنني اسمح لك بالعيش داخل القصر.”
شعرت لينا أن الدموع ستساقط من عيونها، لازال آدم يحمل والدها مسؤولية قتل عائلته، إنه يعرف أن لا ذنب لها.
حتى بعد أن رحلت عائلتها خوفًا من انتقام رعد قررت البقاء في القصر وتعيش قربه.
ركضت لينا نحو غرفتها.
غرفتها داخل القصر تفوح منها رائحة الهدوء والعزلة، ليست غرفة مترفة كغرف الأخريات، بل هي غرفة ذات طابع فخم لكن غير مبهر، تقع في ركن هادئ بعيد عن باقي أرجاء القصر. جدرانها مغطاة بألوان دافئة من البني الداكن والذهبي، مع نافذة كبيرة تطل على الحديقة التي تمتلئ بأشجار الورد والنباتات العطرية. الأثاث بسيط ولكنه ثمين، يكسوه الطابع الملكي من الدرجة الأولى، مع مراعاة أنها تفضل الجمال البسيط.
بداخل الغرفة، تجد رفوفًا تحتوي على كتب قديمة ودروع وعناصر تذكارية تخص عائلتها. سريرها عميق، تغطيه أغطية ناعمة لونهما مزيج من الأزرق الداكن والفضي، مما يضفي على الغرفة جوًا من السكينة. وعلى الطاولة الصغيرة بجانب سريرها، هناك دائمًا وعاء صغير يحتوي على الزهور المقطوفة من الحديقة، التي تحرص لينا على الاعتناء بها بنفسها.
القت لينا بجسدها على السرير وراحت تشهق وتبكي.
لينا: “أن المستقبل الذي ينتظرها قاتم مثل الماضي ولا جديد يذكر.”
***
في أحد أبراج المدينة الزجاجية العالية، وقف “آدم”، مدير الشركة، أمام طاولة الاجتماعات الفاخرة، المقاعد كانت فارغة، لكن الملفات كانت جاهزة، والتوتر كان واضحًا.
آدم: “هذا الاجتماع يجب أن يكون مثاليًا. لدينا شراكة جديدة نحتاج لإتمامها بأي ثمن.”
بينما بدأت الحاضرين بالتوافد، لم يكن أحد يعلم أن القرارات التي ستُتخذ في هذا المكان ستؤثر على عالم الظلال والوحوش أكثر مما يتخيلون.
لكنهم كانوا يعرفون أن وحش الاقتصاد الذي يدمر أي شركة تقف أمامه سيكون حاضرًا اليوم.
اكتسب رعد شهرته من جبروته ووحشيته، في الفترة الماضية اختفى الكثير من منافسيه في ظروف غامضة. والنتيجة العثور على جسد مهشم ورأس مهروس.
آدم: “فين، كان البيتا ادم يتحدث مع رعد الذي أوقف سيارته الفخمة تحت مقر الشركة ومنح الحارس المفتاح ليضعها في الجراج.”
رعد: “أنا براجع حاجة على التليفون يا آدم وهكون عندك خلال دقائق. ابدأ أنت الاجتماع.”
كان رعد يعاين هاتفه غير منتبه للطريق عندما اصطدم بفتاة شابة تمشي مسرعة.
سقطت الفتاة على الأرض وتبعثرت الملفات على الأرض. شعرت أن يدها كسرت وأنها خبطت في جدار وليس جسد بشري.
تفاجأ رعد لكنه انحنى بسرعة يساعدها.
الفتاة: “ابتعد عني، انتبه لطريقك يا أخي. أنت إيه؟ حيوان!؟”
نهض رعد يكتم غضبه لم ينسى أنه في عالم البشر.
راقب الفتاة بغضب ثم همس.
رعد: “أنا آسف.” ومد يده يساعدها على الوقوف.
ترددت ليندا لحظة لكن رعد قبض على يدها وجذبها بسهولة لتتفاجأ ليندا أنها التصقت بصدر رعد.
ابتعد رعد عنها بسرعة وهو يهمس.
رعد: “أنا آسف، لم أقصد ذلك. لقد جذبتك بسهولة.”
ثم أخذ طريقه نحو الدرج.
ليندا: “صرخت ليندا: أنت وغد جدًا! لو كنت في الشارع كنت هعلمك شغلك!”
تركها رعد ترغي والذئب بداخله يهمس: “لابد أن أؤدبها. أحضرها إلى عالمي.”
لم يكن أحد في الشركة يعرف أن هذا الشخص هو رعد نفسه، صاحب الشركات، الوحش الذي يتحدثون عنه.
وصل رعد مقر الاجتماع وجلس على مقعد بعيد يتابع آدم وهو يلقي التعليمات ثم شعر بالملل. نظر من الشرفة ولمح ليندا تعبر الطريق. ترك قاعة الاجتماع وخرج، ربما على أن ألقنها درسًا في الأدب.
يتبع….
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
وقفت ليندا عند الإشارة تنتظر عبور الطريق، ما زال قلبها ينبض بسرعة من اصطدامها بذلك الغريب المتعجرف.
كانت تمسك بمعصمها الذي بدأ يؤلمها، وتهمس بغضب:
“وقح! كيف يمكن لشخص أن يكون بهذه الصلابة؟ كأنه جدار وليس إنسانًا؟!”
من خلفها، كانت أنفاس هادئة تقترب.
“هل أنتِ دائمًا بهذه الفظة؟”
تجمدت للحظة قبل أن تستدير، لتجد رعد يقف خلفها مباشرة، يداه في جيبي سترته، وعيناه الزرقاوان تراقبانها ببرود.
كانت ابتسامة خافتة تلامس طرف شفتيه، لكنها لم تكن تحمل أي دفء.
تراجعت ليندا خطوة، تحدق فيه بحدة:
“هل تتبعني الآن أيضًا؟ أم أنك قررت مضايقتي بعد أن كدت تكسر يدي؟”
رفع رعد حاجبًا، وكأنه يستمتع بمقاومتها.
“أنا فقط أردت الاعتذار مجددًا… لكن يبدو أنكِ لستِ ممن يقبلون الاعتذارات بسهولة.”
عقدت ذراعيها أمام صدرها، متجاهلة الألم في معصمها:
“أنت محق. بعض الأخطاء لا يكفيها مجرد اعتذار.”
كانت تظن أنه سيغضب أو ينصرف، لكنه ظل واقفًا، ينظر إليها.
ثم، بخطوة بطيئة، اقترب أكثر، مما جعلها تشعر بعدم الارتياح.
“ما رأيكِ في تعويض؟”
رفعت حاجبيها بدهشة:
“تعويض؟ هل تظن أنك صدمت سيارتي؟ لقد كدت تكسر يدي يا رجل! بحق الله من أين لك بمثل تلك القوة؟”
همست ليندا في سرها بصوت خافت، لكن رعد سمعها، حتى لو كان صوتها خافت فأنه يسمعه، حتى لو كانت مجرد أفكار لم تترجم لكلمات فأنه يعرفها.
ابتسم رعد، تلك الابتسامة التي جعلت قلبها ينبض بطريقة لم تفهمها.
ثم، وقبل أن ترد، أخرج بطاقة من جيب سترته ومدها نحوها.
“هذا رقم مساعدتي. أخبريها بأي شيء تحتاجينه كتعويض، وسأهتم بالأمر.”
نظرت ليندا إلى البطاقة بريبة، ثم إلى وجهه، محاولة تحليل نواياه، لكنها قررت عدم إظهار ارتباكها.
بل خطفت البطاقة منه، نظرت إليها سريعًا، ثم أعادتها إليه بتحدٍّ.
“لا حاجة لذلك. سأتعلم فقط أن أكون أكثر حذرًا في المرات القادمة حتى لا أصطدم بأشخاص متعجرفين مثلك.”
راقبها رعد بصمت، ثم أمال رأسه قليلًا وقال بهدوء مخيف:
“أتعرفين، ليندا؟”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها عندما نطق اسمها، رغم أنها لم تخبره به أبدًا. كيف عرف؟ ومن هو هذا الرجل أصلًا؟
لكن قبل أن تتمكن من سؤاله، استدار ببساطة واختفى وسط الزحام، تاركًا إياها واقفة هناك، تحمل أسئلة أكثر مما يمكن لعقلها استيعابه.
نظرت ليندا إلى البطاقة. مساعدته؟ من قد تكون مساعدته؟ وما هذا الاسم الغريب، ماجى؟
كيف اختفى بتلك السرعه دون أن ألحظه؟
***
داخل قصر الألفا رعد.
عندما دخل رعد القصر، كان المكان هادئًا على غير العادة.
لم يكن هناك سوى صوت حفيف الريح عبر النوافذ، وأصوات خفيفة لحركة الخدم.
تجاهل الجميع، متجهًا إلى جناحه الخاص، لكن قبل أن يصعد السلالم، ظهرت ماجي من الظلام، تمسك بصينية عليها كوب من القهوة.
“رعد، القهوة خاصتك.”
توقفت خطواته ونظر إليها، عيناه كانتا غامضتين.
أخذ الكوب من يدها دون أن ينبس بكلمة، لكنه لم يتحرك، بل ظل يراقبها للحظة.
كانت ماجي تقف بظهر مستقيم، عيناها مخفضتان كعادتها، لكنها شعرت بالقلق من صمته الطويل.
“هل هناك أمر تود قوله لي، سيدي؟”
رفع الكوب إلى شفتيه وارتشف رشفة صغيرة، ثم قال بصوت منخفض:
“رأيت اليوم شيئًا… مثيرًا للاهتمام.”
رفعت ماجي رأسها قليلاً، لكن ملامحها بقيت جامدة، كما لو أنها تعلم أن أي تعبير خاطئ قد يثير غضبه.
“هل تريد مني البحث عن شيء ما، سيدي؟”
أدار رعد الكوب في يده ببطء، وكأنما يزن أفكاره، ثم همس:
“ليس بعد.”
ثم، دون كلمة أخرى، صعد السلالم، تاركًا ماجي تحدق في أثره، وعقلها يعمل بسرعة لفهم ما يعنيه.
عادت ماجى التواصل عقليا مع رعد، حاولت أن تتلصص على عقله ربما يسمح لها، لكنها وجدته مغلق مثل صخرة تسد فتحة كهف.
همست ماجى: “هل من الممكن أن يكون رعد قد نسى رفيقته؟”
***
في مكان آخر، بعيدًا عن ضوضاء المدينة والقصر، حيث تتشابك الأشجار الكثيفة وتحجب السماء، كان كين يتدرب.
داخل ساحة قتال سرية تقع تحت الأرض، كان الصوت الوحيد الذي يُسمع هو ضربات سريعة وقوية تلامس كيس الرمل المعلق في السقف، وأنفاس متقطعة تخرج من صدره مع كل لكمة.
كانت يداه ملفوفتين بضمادات خشنة، وقدماه تتحركان برشاقة قاتل محترف، لا يخطئ هدفه أبدًا.
كين لم يكن مجرد مقاتل ماهر، كان شخصًا لديه هدف، وطموح يحترق في عروقه كالجمر.
منذ أن كان صبيًا، عرف أن مكانه الحقيقي ليس تحت ظل الألفا، بل فوقهم.
كان يرى نفسه أقوى، أذكى، وأكثر جدارة بالسيطرة، لكنه كان يعلم أن القوة وحدها لا تكفي، بل يحتاج إلى خطة، إلى صبر، إلى ضربة واحدة مميتة تسقط رعد من عليائه.
ألقى نظرة على المرآة العاكسة في زاوية الساحة، شعره الداكن كان يتعرق، وعضلاته المشدودة تتحرك بسلاسة.
نظر إلى نفسه كما لو كان يختبر قوته، ثم ابتسم ابتسامة باردة.
في زاوية الغرفة، جلست كيا، عيناها زائغتان، يداها مكبلتان بالأصفاد الحديدية.
كانت فتاة جاما من القطيع، جميلة رغم الهالات السوداء التي أحاطت عينيها.
لم تكن تعرف عدد الأيام التي قضتها هنا، ولا السبب الحقيقي الذي جعل كين يحتفظ بها، لكنها عرفت شيئًا واحدًا: أنها لم تكن هنا بمحض إرادتها.
كان كين ينظر إليها بين الحين والآخر كما لو كانت شيئًا لا يخصه، لكنه في الوقت نفسه لم يكن مستعدًا لتركها ترحل.
كان وجودها جزءًا من خطته، وربما، في لحظة ما، ستكون هي السلاح الذي يستخدمه ضد رعد.
“هل ستقتلني في النهاية؟” همست بصوت جاف.
لم ينظر إليها كين، بل واصل تمارينه، جسده ينطلق في الهواء قبل أن يسدد ركلة جانبية قوية حطمت لوحًا خشبيًا إلى نصفين.
ثم استدار نحوها ببطء، عيناه باردتان كالجليد.
“هذا يعتمد عليكِ، كيا.”
ارتجفت. لم يكن تهديده مباشرًا، لكنه حمل ما يكفي من المعاني لجعلها تبتلع ريقها بصعوبة.
اقترب منها كين، ركع أمامها، ورفع ذقنها بأصابعه، ثم همس:
“هل تعرفين ما يجعل الشخص قويًا؟ أنه لا يتردد عندما يحين وقت اتخاذ القرار.”
نظرت إليه بعينيها الواسعتين، وداخلها ألف سؤال لم تستطع نطق أي منها.
“ورعد؟” سألته بصوت مرتجف.
ضحك كين، ضحكة قصيرة لكنها كانت تحمل سخرية مريرة.
“رعد؟ سيسقط.، قريبًا جدًا.”
وقف مجددًا، وعاد إلى التدريب، بينما بقيت كيا في زاويتها، لا تعلم إن كانت مجرد قطعة شطرنج أخرى في لعبته… أم أنها ستصبح شيئًا آخر تمامًا.
تعرق كين وراح يسعل، كان انتهى من تدريبه وجلس جوار كيا.
وضع رأسه في حضنها وهمس:
“أعرف أنكِ تكرهينني، وأنه إذا سنحت لكِ الفرصة لقتلي ستفعلينها دون تردد، لكنني الألفا خاصتكِ وأنتِ مجبرة على طاعتي.”
همست كيا بضعف: “أعرف.”
“الآن ستمنحينني نفسكِ كيا مرة أخرى دون أن أجبركِ.”
ارتعش جسد كيا وهمست: “ارحمني.”
تقلص جسد كين وشهق ثم تغير لون عينيه إلى الأخضر الفاتح وتغير صوته.
كان ذئبه قد تمكن من السيطرة على كين والظهور.
رفع رأسه ونظر إليها.
ثم وضع يده على خدها، انتفضت كيا بخوف لكن كين همس: “إنه أنا، كين. محبوس في الداخل. لا تخافي مني.”
سمحت له كيا أن يقترب عندما شعرت بالحنية في صوته.
“أعرف أن كين يعاملكِ بقسوة. أنا آسف.”
ثم همس بغضب: “أنظر إلى ما فعلته بها؟”
ارتاحت كيا في حضن كين، عرفت أن ذئبه من يتحدث الآن.
“أعتذر كيا. أعدكِ أن أبذل قصارى جهدي لمنع كين من إيذائك.”
همست كيا: “لماذا لا تكون أنت دائمًا؟ أنا أكره كين الآخر.”
“أحدنا يسيطر على الآخر يا كيا. إنها فترات. أنا آسف، آسف.”
شهق كين مرة أخرى وتغير لون عينيه.
كانت كيا في حضنه عندما دفعها بغضب وصرخ: “اغربى عن وجهي.”
***
خرج نوار، أخ رعد، من ركن الغرفة المظلم.
كان نوار أخ رعد غير الشقيق ويتمتع بذكاء خارق ويقدم النصح إلى رعد ويدرس أوضاع القطيع.
“رعد… نحتاج أن نتحدث.”
همس رعد: “ليس الآن. نوار، عقلي متعب وأرغب بالنوم.”
“هناك أمر ملح يا رعد يجب أن تراه وشخص عليك مقابلته، وكلام لابد أن تسمعه.”
ألقى رعد جسده على السرير، “تصرف أنت يا نوار، لقد انتهيت من كل ذلك الهراء.”
اختفى نوار في الظلام مثلما ظهر.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
أشعل رعد لفافة تبغ وهو يقف في الشرفة بصدر عارٍ. أمامه كانت تمتد الخضرة الواسعة، وهناك كانت البحيرة تغني وتسبح فيها الأوزات بسلام. لسعته نسمة هواء باردة وشعر بانتعاشه.
حدق رعد بالعشب النامي في حديقة القصر الملكية، ثم قفز على الأرض وتحول لذئب. منذ شهور لم يركض في الخلاء، حتى كاد أن ينسى طبيعته الحقيقية. عليه، كقائد للقطيع، أن يعرف أسرار شعبه.
ركض رعد داخل الغابة بكل سرعته، يمر بين أشجار الغابة كالريح. ركض بمحاذاة البحيرة ثم توقف بعد أن تصبب جسده عرقًا. قابلته بعض الذئاب، لكنها لم تتعرف عليه. سلالة رعد الملكية تمكنه أن يتجول بين هيئتين: ذئب عادي وذئب ضخم ملكي.
جلس على جانب البحيرة يستمع للغابة والطبيعة، مغمض العينين، يدندن ترانيم القدماء. سمع صوت خطوات تقترب من خلفه وهمس يدور بين ذئبتين.
"أنت؟" همست واحدة من الذئبات. "أيمكنك أن تبتعد عن الصخرة؟"
"لما؟" أجاب رعد بعيون مغلقة.
قالت الذئبة: "لأننا نجلس هنا دومًا وأنت تحتل مكاننا."
رفع رعد ساقه. "أعتذر، لكن لا يمكنني التحرك."
"أن" قالت الفتاة بعصبية. "لكن شاطئ البحيرة طويل، اختر مكانًا آخر!"
قال رعد: "يمكنكِ أنتِ أيضًا أن تختاري مكانًا آخر يا سيدتي."
قال صوت رقيق خافت: "لكننا نحب هذا المكان. من فضلك تنحي جانبًا؟"
"سمعًا وطاعة" همس رعد وهو يزيح نفسه، لكن ليس بصورة كاملة بما يكفي لجلوس شخص واحد.
قال صوت رفيع: "أترغب مني أنا، ناجينا، ابنة سيد الغابة، أن أجلس جوار ذئب حقير مثلك؟"
"دعينا نرحل يا ناجينا" همس صوت ناعم. "سنجد مكانًا آخر بعيدًا عنه."
"ذئب وقح!" صرخت ناجينا وهي تهز ذيلها الناعم وتمشي جوار لونتانا.
اشتمهم رعد. عرف أنهم مجرد فتاتين تحولتا لذئبتين للتو، وكان يشعر بالضيق والملل، فقرر أن يتلاعب بهما.
يمكن لرعد أن يتحكم في بعض عناصر الطبيعة. الغابة تخضع له، والظلال.
أغمض رعد عينيه. ولم تمضِ سوى لحظات حتى شعرت الفتاتان بأقدام ذئب ضخم تتحرك بين الأشجار.
لم تبالِ ناجينا، لكن لونتانا شعرت بالخوف وهمست: "ماذا لو كان ذئبًا ضخمًا وأخضعنا؟"
قالت ناجينا: "نحن ذئبتين ويمكننا أن نقاتل وندافع عن أنفسنا."
لكن الذئب الذي ظهر أمامهم لم يمنحهم الاختيار.
ذئب عملاق جعلهم يركضون برعب نحو رعد.
همس رعد عندما اقتربوا: "لماذا عدتم؟ غيرتم رأيكم؟"
قالت لونتانا بنبرة رقيقة: "نحن متأسفتين سيدي، لكننا نحتاج مساعدتك. من فضلك انقذنا من الذئب الضخم."
قال رعد: "لما أفعل ذلك؟ كنت ذئبًا وقحًا قذرًا منذ لحظات؟"
قالت ناجينا: "خُفّف قلبك كبير أيها الذئب المحترم، فنحن مجرد شابتين متهورتين."
راح رعد يضحك في سره وهمس: "حسنًا، إذا كنتما ترغبان في التخلص من الذئب الضخم، أغمضا عيونكما، فأنا لا أريد أن تشاهدا ما سأفعله به."
أغمضت ناجينا ولونتانا عيونهما. وعندما أمرهما رعد بفتحهما، كان لا يزال جالسًا على الصخرة مثلما تركوه. لكن الذئب الضخم كان قد اختفى.
صرخت ناجينا: "كيف فعلت ذلك بتلك السرعة؟"
"أنا ساحر" همس رعد بصوت واثق. "والآن عودا إلى بيتكم، إلى قصر والدك ملك الغابة."
همست لونتانا: "أنا خائفة. هل يمكنك أن ترافقنا إلى القصر؟"
قال رعد: "حسنًا، قودا الطريق. سأسير خلفكم."
قالت ناجينا: "لا، حينها يمكنك أن تراقبنا وتراقب جمالنا. سر أنت أمامنا."
في تلك اللحظة، تواصلت ماجي، خادمة رعد، معه. أخبرته أنها تلقت اتصالًا من فتاة تدعى ليندا تسأل عنه وتطلب مساعدته.
أمرها رعد أن تتولى المسؤولية، أن تساعدها نيابة عنه وتلبي كل طلباتها.
وهو يسير داخل الغابة، شعر رعد بأمر غريب. كان نوار يستدعيه على وجه السرعة لأمر هام.
عندما لمح رعد قصر الفتاتين، تركهم بعد أن طلب منهم أن يرسلوا تحياته لوالد ناجينا، ملك الغابة.
"قولي له رعد يرسل تحياته."
وقبل أن ينصرف، لمح ذئبة شابة تقف فوق التلة تصوّب عينيها عليه. الذئبة التي ركضت نحوه بكل سرعة. وعندما وصلت، صرخت في ناجينا: "هل ضايقكم هذا الذئب الأحمق؟"
همست لونتانا: "لا."
همست الذئبة وهي تتشمم رعد وشعرت أنها أقوى منه، لأن رعد كان في هيئة ذئب عادي. ثم صرخت: "ارحل من هنا، وادعُ الله أن لا أراك مرة أخرى."
قال رعد: "ماذا سيحدث إذا رأيتني مرة أخرى؟"
قالت الذئبة: "سأقطع عنقك."
أطلق رعد ضحكة وهمس: "سمعًا وطاعة." ثم اختفى داخل الغابة.
كان نوار يجلس في القبو رفقة ذئبة متمردة تمتلك أجمل شعر رآه آدم في حياته. كانت أمامهم خريطة وقماشة وبعض الأعشاب الغريبة.
نهض نوار بسرعة أمام رعد. كان رعد ينظر تجاه الذئبة عندما همس نوار: "باتريكا تقول إن لديها معلومات عن رفيقتك."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
حدّق رعد في الذئبة الجالسة أمام نوار، عيناها تلمعان بحدة، وشعرها الأسود الطويل ينسدل بحرية فوق كتفيها.
كانت مختلفة، واثقة، وعلى وجهها لمحة من الغموض الذي لا يحبّه.
باتريكا، الاسم وحده لم يعجبه، لم يكن يثق في الذئاب التي تمتلك الكثير من الأسرار، ثم إن هناك شيء غريب حول تلك الذئبة.
لا يستطيع رعد قرائتها، لأنه ذئب ملكي يمتلك القدرة لاختراق عقول الجاما، لكن تلك الذئبة وجد في عقلها حائطًا يصده.
تقدّم ببطء حتى صار أمامها ثم همس:
"أي معلومات لديكِ عن رفيقتي؟"
ابتسمت باتريكا ابتسامة خفيفة، ولم ترد فورًا، وكأنها كانت تستمتع بتعذيبه.
ثم رفعت يدها فوق القماش الممتد أمامها على الطاولة، ومرّرت أصابعها على الخريطة كأنها تداعب صدر رجل عارٍ.
"أعرف أين كانت آخر مرة قبل أن تختفي."
شعر رعد بأنفاسه تتباطأ للحظة.
لا أحد يعرف أين ذهبت، لا أحد وجد أي أثر لها، منذ أن رحلت، كان كل شيء غامضًا، فارغًا، خانقًا، مميتًا، لكنه لم يكن مستعدًا لإظهار أي ضعف أمام باتريكا.
"تكلمي."
مرّت لحظة من الصمت، ثم انحنت باتريكا قليلًا للأمام وهمست:
"لكن المعلومات ليست مجانية."
كانت الجملة كافية ليشعر رعد برغبة في تحطيم الطاولة بينهما، في سحق جمجمتها اللعينة.
"تريدين صفقة؟"
سألها بصوت هادئ، لكنه كان ممتلئًا بالتحذير.
"ليس صفقة بالضبط." قالت وهي تميل برأسها قليلًا، وهى تراقب ردة فعله، اعتبرها خدمة صغيرة.
"تفعليها من أجلي، أخبرك بكل شيء."
نظر نوار بينهما، مستشعرًا التوتر في الهواء.
"وما الذي تريدينه؟"
ابتسمت باتريكا ببطء، ثم أشارت بإصبعها إلى بقعة صغيرة على الخريطة.
"أريدك أن تحضر لي شيئًا من هنا، لا تسألني لماذا، فقط افعلها."
نظر رعد إلى النقطة التي أشارت إليها، كانت في عمق أراضٍ لم يجرؤ أحد على دخولها منذ سنوات، مكان كان محرمًا، حتى على الذئاب الملكية.
ثم رفع رعد عينيه إلى باتريكا، لكنه لم يقل شيئًا.
حدّق في النقطة على الخريطة، ثم في عيني باتريكا.
كانت تراقبه بتركيز، تنتظر قراره.
نوار لم يكن مرتاحًا، ولم يكن عليه أن يقول شيئًا حتى يدرك رعد ذلك، لكنه لم يقاطع، فقط ظل يراقب بصمت.
"أراضي الغرباء؟" همس رعد أخيرًا بنبرة صوت باردة.
"أراضي المهجرين." صححت باتريكا وشفتيها ترسمان شبه ابتسامة.
لم يعجبه المصطلح، لكنه لم يناقشها فيه، كل ذئب يعرف أن من يعيش هناك ليس له ولاء، ليس له انتماء، فقط مجموعات مشتتة، ضائعة، تعيش على الحافة، ولا تثق بأحد، هناك حيث تعيش حتى كائنات لم يسمع عنها أحد، أرض ضياع مهجورة وموحشة.
"ماذا يوجد هناك؟"
"شيء يخصني، هذا كل ما تحتاج معرفته."
نوار زفر بصوت خافت، ثم استقام واقفًا:
"هذه ليست لعبة يا باتريكا."
"ولا أنا هنا للعب يا نوار." قالت بهدوء، ثم عادت لتنظر إلى رعد، الذي لم يكن قد قال نعم بعد، لكنه أيضًا لم يرفض.
كان بإمكانه أن يرفض، ببساطة، كان يمكنه أن يخرج من القبو ويدعها تغرق في أسرارها، لكنه لم يفعل، لأن اسم رفيقته قيل على لسانها، ولأن حتى أضعف خيط قد يقوده إلى إجابة.
مرّر أصابعه فوق الطاولة، فوق الخريطة، فوق النقطة التي أشارت إليها.
ثم رفع عينيه وقال:
"كم لديّ من وقت؟"
ابتسمت باتريكا.
"خمسة أيام."
كانت باتريكا صبورة، لم تستعجل رعد ليقبل، لكنها أيضًا لم تخفِ ارتياحها حين سأل عن الوقت، هذا يعني أنه سيذهب، أو على الأقل يفكر بالأمر.
أخرجت من جيبها صورة مطوية، وضعتها أمامه ببطء، لم تكن صورة واضحة، مشوشة بالأبيض والأسود، وكأنها مأخوذة من كاميرا مراقبة رديئة.
"أريد هذا الرجل."
نظر رعد إلى الصورة.
كانت لشخص يقف في زاوية شارع ضيق، ملامحه غامضة، لكنه بدا بشريًا تمامًا، لا شيء يوحي بأنه ذئب أو أنه يشكل تهديدًا واضحًا.
رفع رعد عينيه إلى باتريكا، ينتظر تفسيرًا.
"إنه هناك، في أراضي المهجرين." قالت وهي تضغط بأصابعها على الصورة، "وأريده حيًا."
نوار عبس، بدا مستعدًا للاعتراض، لكن رعد سبقه بسؤال آخر:
"لماذا؟"
هنا فقط، للمرة الأولى منذ بداية الحديث، تلاشت ابتسامة باتريكا.
تراجعت في جلستها قليلًا، نظرت إلى الصورة نظرة قصيرة قبل أن تعود إليه.
"هذا ليس من شأنك."
راقبها رعد بصمت، لم تعجبه الإجابة، ولم تعجبه الطريقة التي تفادت بها النظر إليه بعد قولها، كان بإمكانه أن يسحقها، أن يعذبها حتى يحصل على المعلومات، لكنه لم يفعل.
ليس الآن.
"خمسة أيام؟" كرر ببرود.
"خمسة أيام." أكدت باتريكا.
وقف رعد، التقط الصورة ووضعها في جيبه، ثم استدار نحو الباب.
قبل أن يخرج، أضاف دون أن يلتفت إليها:
"إذا كان هذا الرجل يستحق العناء، فعليه أن يكون حيًا حين أصل إليه."
ثم غادر.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
كان واضحًا أن باتريكا لا تريد أن يعرف أحد عن المهمة، وهذا وحده جعل رعد أكثر حذرًا.
لكنه لم يسألها المزيد، ليس بعد.
هناك أشياء تُكتشف في وقتها، وهناك أشياء يفضل المرء ألا يعرفها أبدًا.
حين خرج من القبو، كان الليل قد حلّ، وكانت الرياح تحمل معها رائحة الأرض المبللة.
استنشق الهواء بعمق، ثم أخرج الصورة من جيبه وتأملها مجددًا.
لم يكن هناك الكثير ليُرى—مجرد رجل يقف عند زاوية شارع ضيق، وجهه غير واضح، لكن هناك شيئًا في وقفته جعله يبدو مختلفا.
لم يكن مجرد شخص عابر، لم يكن يبدو مريحًا في مكانه، وكأنه يعرف أن هناك من يراقبه.
أعاد رعد الصورة إلى جيبه، ثم سار في اتجاه الغابة، خطواته هادئة لكن ذهنه لم يكن كذلك.
إذا كان هذا الرجل مهمًا بما يكفي لتخاطر باتريكا بإشراكه في الأمر، فهذا يعني أنه ليس مجرد بشري عادي.
رعد لم يكن ساذجًا ليصدق أن الأمر بسيط.
لم تكن باتريكا لتطلب منه إحضار رجل مجهول من أراضي المهجرين، سِرًا، وحيًا، دون أن يكون لهذا أهمية بالغة.
بعد يومين، وبينما كان يستعد للتحرك، جاءه نوار بخبر لم يكن يتوقعه.
"الرجل في الصورة ليس بشريًا."
توقّف رعد عن ترتيب أغراضه وحدّق في نوار.
"ما الذي تقصده؟"
وضع نوار أمامه نسخة أخرى من الصورة، لكنها لم تكن مشوشة مثل تلك التي أعطتها له باتريكا.
في هذه النسخة، كان بإمكانه رؤية تفاصيل أكثر، الملامح كانت بشرية... لكن العينين؟
كانتا سوداوين بالكامل، بلا بياض، بلا تعبير.
"ما هذا؟" سأل رعد بهدوء، رغم أن داخله كان ممتلئًا بالأسئلة.
"لا نعرف." قال نوار، "لكن هناك شائعات في أراضي المهجرين. بعضهم يقول إنه ليس واحدًا منهم، وأنه ظهر هناك قبل أسابيع فقط، بلا تاريخ، بلا ماضٍ."
نظر رعد إلى الصورة مجددًا.
إذا لم يكن الرجل بشريًا، فماذا يكون؟ ولماذا تريده باتريكا حيًا؟
همس نوار: "تعرف أن أرض المهجرين ملعونه، أنصحك أن لا تذهب!"
"لقد أتيت على ذكر رفيقتي يا نوار دون خوف مني. قد تكون باتريكا متهورة لكن لا أعتقد أن تكون غبية لتبرم صفقة كاذبة مع الألفا الذي يحكمها."
"هناك شيء آخر." همس نوار وهو يتوارى بين الظلال كعادته.
"باتريكا ليست ذئبة عادية. هل رأيت العلامات على جسدها؟"
"أي علامات؟" تسأل رعد.
"علامات التعذيب يا رعد، لقد رأيت شكلها وقرأت عنها قبل ذلك."
"تلك العلامات كانت في عصور قديمة ولم أرها ولا مرة في حياتي وأنا لست مرتاحًا لباتريكا."
"ولا أنا.." همس رعد وهو يعانق أخاه، "لكن الأمر يستحق صدقني."
كانت الغرفة شبه مظلمة، سوى من ضوء الشمعة التي تتراقص ظلالها على الجدران الحجرية.
جلست باتريكا على الكرسي الخشبي القديم، ساق فوق الأخرى، تتلاعب بسيجارة لم تشعلها بعد، وعيناها مثبتتان على صورة الرجل التي وضعتها أمامها على الطاولة.
لم تكن بحاجة إلى النظر مجددًا، كانت تعرف ملامحه عن ظهر قلب.
مرّرت أصابعها فوق وجهه في الصورة، ببطء، كأنها تلمسه.
"كيف عدت؟" همست بالسؤال لنفسها، (أو له،)(أو للهواء من حولها).
لم تكن تتوقع أن تراه مجددًا، لم يكن مفترضًا أن يكون هنا، في هذا الزمن، في هذا العالم حتى.
شدّت على السيجارة بين أصابعها، ثم رمتها جانبًا ونهضت، تدور في الغرفة كذئب محاصر.
"إذا كنت حيًا..." توقفت، زفرت، وحدّقت في صورتِه من جديد.
لم يكن بشرًا ولم يكن ذئبًا.
كان شيئًا آخر.
شيئًا قديمًا.
شيئًا لم يكن يجب أن يعود.
عادت باتريكا إلى مكانها، جلست ببطء على الكرسي، عينيها تراقبان الصورة كما لو كانت تبحث عن شيء مختبئ فيها.
هناك شيء في وجهه جعلها تشعر بشيء غير مريح، شعور غريب بالانجذاب والتردد، كما لو كانت تقف على حافة شيء ما، شيء عميق ومظلم.
"ماذا كنت تفعل هناك؟" همست، بينما عينها لا تفارق تلك الصورة المشوشة.
كانت تعلم أنه ليس مجرد شخص ضاع في أراضي المهجرين.
كان جزءًا من شيء أكبر، أقدم، شيء يتحضر للعودة منذ أجيال مضت.
كان الرجل، إذا صح القول، حلقة مفقودة في سلسلة لم تكتمل بعد.
سلسلة بدأت منذ سنوات بعيدة، قبل أن ينقض العهد.
مرت يدها على حواف الطاولة الخشبية، وعينيها ترفضان ترك الصورة، فكرت في المرة الأولى التي رأته فيها، كان في تلك الزاوية الضيقة، يختفي في الظلال، لكنه كان يُراقبها كما لو أنه يعرفها.
لكن ما الذي يربطها به؟
أغمضت عينيها، كأنها تحاول استحضار لحظة تائهة في الذاكرة، لحظة قد تكون مفتاحًا لكل هذا، لكنها لم تستطع.
"هل أنا الوحيدة التي تعرف ما هو؟" قالت بصوت خافت.
ثم تذكرت اللحظة التي التقت فيها مع ذئبٍ قديم، ذئبًا ليس من جنسها، ربما من زمنٍ بعيد، وكان قد همس في أذنها قبل أن يختفي:
"إنه لا يُنسى، باتريكا."
ارتجفت قليلاً، وفتحت عينيها لتجد نفسها عائدة من التفكير في المجهول، لكنها كانت تعلم أن الرجل، مهما كان، ليس فقط جزءًا من ماضيها... بل جزءًا من مستقبلها أيضًا.
كان مهمًا لأنها كانت تعلم أنه إذا استطاعت أن تعيده، فهي أيضًا ستتمكن من تغيير الكثير.
ربما كل شيء.
"لك وحدك، إذا أردت." قالت بصوت هادئ، لكنها كانت تعني نفسها.
كان رعد يعرف أن أرض المهاجرين ليست أرضًا بالمعنى الذي يألفه الناس، بل شظية منسية من عالم لم يعد يعرف لمن ينتمي.
تمتد كرقعة شاسعة من التربة الجافة، مزيج غريب بين الرمال المتحركة والأرض الصلبة التي تعاند خطوات العابرين.
الهواء فيها ساكن، لكنه محمل برائحة قديمة، مزيج من الرماد والملح والعرق، كأنها احتفظت بذكرى كل من مروا بها دون أن يتركوا أثرًا.
لا طرق ممهدة هنا، فقط مسارات وُلدت من كثرة الأقدام التي مشت فوقها، تتغير مع الزمن كما لو كانت ترفض أن تنتمي لأحد.
في النهار، الشمس لا ترحم، تتسرب أشعتها إلى الجلد كإبر حادة، كأنها تريد محو كل ضعف ممن يجرؤون على البقاء.
وفي الليل، تتحول الأرض إلى كائن صامت، بردها قاسٍ كأنه يختبر صلابة العابرين، والسماء فوقها سوداء بلا نجوم، كأنها غطاء منسي فوق عالم لم يعد ينتظر ضوءًا.
كل ما سمعه رعد عن أرض المهاجرين وصله من عمه الهنطاع.
الذئب الملكى الذي رفض تولى حكم الذئاب وتركه لوالده.
كان الهنطاع ذئب مهيب يرفض الخضوع للقوانين وكان رعد يحبه ويركض اليه كلما عاد من أرض غريبه او رحله.
وكان الهنطاع يتحدث معه عن مغامراته الا تلك المره التى عاد فيها الهنطاع من أرض غريبه لم يصلها غيره.
كان صامت لحد بعيد وطويل الشرود حتى انه لم يحكى لرعد عن مغامرته.
لقد عاد الهنطاع ذئب اخر واختفى غروره وكان لا يتحدث مع أى ذئب او انسان.
داخل القصر كان الهنطاع يصرخ أثناء نومه ويهب مفزوع مرتعب.
ثم يتحدث لاطياف غير موجوده حتى فقد الهنطاع عقله وانتحر داخل النهر.
كان يظن أنها ارض وهميه حتى ظهرت باتريكا.
همس رعد: "اللعنه." ثم تحول لذئب ضخم وركض داخل الغابه.
كان كلما شعر بالغضب ركض مثل الريح ينفث عن غضبه.
عبرته نسمات الريح وهمسات الغابه حتى اشتم رائحتها.
كانت تلك الذئبه التى حذرته ان يظهر مره اخرى داخل مناطقه.
تخلى رعد عن هيئته الذئبية الضخمة، لم يرغب في إرعابها بسهولة.
كانت الذئبة تحفر بقدمها داخل الأرض وتضع علامتها.
راقبه رعد، ذئبه معتده بنفسها ومغروره، ثم خرج من بين الأشجار.
استدارت الذئبة، تلمع شعرها اللامع في أشعة الشمس.
"أنت؟"
لوحت الذئبة بسخرية: "ماذا تفعل هنا؟، لقد حذرتك."
كان أنفها دقيقًا واعتقد رعد أن عمرها ربما الخامسة والعشرين، العمر المحبب له.
قال رعد: "من حقي أن أتجوّل في الغابة كيفما أشآء."
ابتسمت الذئبة: "ابتعد عن هنا، لا تثير غضبي؟"
غرس رعد قدميه في الأرض وهمس: "دعينا نرى إلى أي مدى قد يصل بك غضبك."
كشرت الذئبة عن أنيابها وركضت تجاه رعد، الذي تفاداها بخفة وصفعها على مؤخرتها بطريقة مبتذلة.
اغتظت الذئبة وصرخت: "أنت ذئب ميت!" ثم قفزت نحو رعد الذي تلقفها في الهواء ثم طبع قبلة طويلة على فمها قبل أن يضعها على الأرض بيسر.
ارتعش جسد الذئبة، اشتم رعد أنوثتها، سمع الذئبة داخلها تتحرك.
اشتبكت الذئبة مع رعد الذي كبل يديها بسهولة وأجبرها أن تظل ملتصقة به.
حتى ظهرت ماجي بين الأشجار، كانت ماجي ذئبة متمردة، ذيلها طويل مفرود.
تواصلت مع رعد: "اعتذر عن مقاطعتك يا زعيم، لكن الفتاة البشرية ترغب برؤيتك."
"ليندا؟" سأل رعد.
"أيوة ليندا."
همس رعد: "استضيفيها داخل القصر وأحسني ضيافتها. لن أراها الآن. لدي مهمة أقوم بها."
لم تسأله ماجي إلى أين سيذهب، ولم يكن عليها ذلك، كانت تعرف أن الرحلات التي يقوم بها وحده لا يجب أن يعرف عنها أحد.
"هل أحضرتِ ما طلبته؟" سألها بصوت منخفض.
أومأت ماجي، ثم أشارت إلى الحقيبة الجلدية الثقيلة التي وضعتها على كتفها.
ترك رعد الذئبة المصدومة تسقط على الأرض في لمح البصر.
وصل ماجي.
أمسك الحقيقة وفتحها وتفحص محتوياتها:
خريطة قديمة، ليست لأي أرض يعرفها، ولكنها الدليل الوحيد إلى المكان الذي يقصده.
سكين ذو مقبض منحوت، أقدم من أي سلاح آخر يملكه، له قصة لا يرويها لأحد.
قارورة زجاجية صغيرة تحتوي على سائل قاتم، هدية من نوار، لم يسأل عن مكوناته، لكنه يعرف أنه سيحتاجها.
قطعة قماش سوداء كانت تخص رفيقته الراحلة، لا تفيده بشيء مادي، لكنه لم يستطع تركها.
ارتدى رعد معطفه الداكن، ثم ربط الحقيبة حول جسده.
كان على وشك المغادرة حين همست ماجي: "هل ستعود؟"
نظر إليها للحظة، ثم قال دون أن يدير رأسه: "إذا لم أعد، فأنتِ تعرفين ماذا تفعلين."
ثم اختفى في الظلام، تاركًا وراءه قصرًا يعرف أنه قد لا يعود إليه كما كان وخادمه تملأها الشكوك وذئبه متمرده تحدق بذهول.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
لم يأخذ حصانًا، ولم يرافقه أحد.
هذه الرحلة لم تكن لمخلوقات أخرى غيره.
سار بين الأشجار بخطوات ثابتة، عيناه تمسحان الطريق أمامه دون أن تتوقف.
كانت الغابة في هذا الوقت مختلفة—أكثر هدوءًا، أكثر حذرًا، وكأنها تدرك أنه في طريقه إلى مكان لا يعود منه الكثيرون.
لم يكن على عجلة، عرف أن الاستعجال في مثل هذه الأمور خطأ، وأن من يندفع بلا تخطيط لن يصل إلى حيث يريد.
عندما شعر أن الشمس بدأت تهرب بظلالها، توقف عند جدول ماء، انحنى وملاء راحته بمائه البارد وشرب ببطء.
كان نوار معه داخل عقله، لكنه لم ينجح حتى الآن في معرفة أسرار باتريكا.
الغريب أن باتريكا حضرت إلى القطيع منذ أكثر من عام واجتازت الاختبارات وأثبتت أنها ذئبة مطيعة، ولم يبدو عليها أي من أمارات التمرد.
ولم تقم بأي رحلات خارجية سوى رحلة واحدة إلى مناطق ذئاب القطيع الصخري.
هز رعد رأسه وهو يهمس: "كين.. كين؟ إذا ثبت أنه متورط، قتله لن يكن كافيًا بالنسبة لي؟"
همس نوار: "أعرف العداوات التي بينك وبين كين، لكن كين بريء من تلك القصة."
"آخر مكان رصدت فيه باتريكا كهف قديم مندس داخل الجبال يدعى كهف لازيخ."
"كهف كانت تقطنه ساحرة قبل أن يقوم والدنا بقتلها أو هكذا يقولون، لأنها اختفت ولم تظهر مرة أخرى."
"حسنًا، همس رعد، كن على اتصال معي ومع آدم."
ثم أنهى الاتصال وانطلق بحوافره القوية.
ربما عليه زيارة كهف لازوخ، ربما عليه زيارة كين وتأديبه.
وصل رعد أرض القطيع الصخري، لم يعترضه الحراس.
سمحوا له بدخول القصر، وكان كين يتدرب مع قطيعه بعضلاته المنحوتة القوية.
"أهلاً بالألفا،" همس كين بسخرية.
":لو كنت أعرف حضورك ربما كنت أعددت لك وليمة، لكن كما ترى فأنا مشغول."
توقف رعد على جانب.
لا يعرف ما الذي يمنعه من قتل كين.
ربما مسؤوليته أمام القطيع واحترام القوانين التي تمنع قتل ألفا.
"أين الفتاة؟" سأل رعد بغضب.
"لماذا؟" أجاب كين بملا مبلاة.
"لأنني لازلت أسمع صوت صرخاتها كل ليلة."
ابتسم كين.
"اعتذر يا زعيم، لكن الميجا تمنحني نفسها بارادتها ولا أرغمها على شيء."
"ربما أخطأت حدثك تلك المرة، وربما هي تستمتع بعذابي."
"سأسمع ذلك من فمها يا كين، وأعرف كيف تتحدى أوامري!؟"
من بين الصفوف خرجت فتاة هزيلة متعبه تمشي بترنح.
كانت تعاني من سوء تغذية.
"أنتِ كيا؟"
"نعم ألفا،" ركعت الفتاة أمام رعد وقبلت ساقه.
"هذا الألفا يعذبك؟" همست كيا بضعف.
"لا يا ألفا، أنا أمنحه نفسي بطيب خاطر."
شعر رعد بالأسى.
لا يعرف كيف يقبل شخص الذل من شخص يحبه.
"سأمر الخدم بإعداد غرفة لك داخل قصري،" همس كين بسخرية.
"ليس الآن،" صرخ رعد بصوت أراده صاخبًا.
"أريد قصاص أثر يا كين."
نظر كين تجاه قطيعه.
"كما ترى يا زعيم، قطيعي مسالم ولا شأن له بالحرب."
إلا أن ذئبة صغيرة خرجت من بين الصفوف وهمست: "يشرفني أن أكون في خدمتك يا ألفا."
كانت صغيرة، هكذا رآها رعد، لكنه كان يحتاج دليلًا.
لذا سمح لها بتقبيل قدمه.
رمق كين الذئبة بغضب، لكن لا يمكن له الاعتراض أمام رعد.
انطلق رعد وركضت خلفه الذئبة الصغيرة، شعرها يرفرف فوق ظهرها.
"أتعرفين طريق كهف لازيخ؟"
صمتت الذئبة لحظة مترددة وبان عليها الخوف.
توقف رعد.
"ماذا هناك يا ذئبة؟"
"الاتعرفين الطريق؟"
"أعرف،" همست الذئبة بضعف.
"لما التردد إذا؟"
صوبت الذئبة عيونها على الطريق وهمست: "لأنني في الفترة الأخيرة أسمع هناك أصواتًا مرعبة. أصوات ليست بشرية وليست ذئبية."
لم تكن الفتاة ذئبة عادية، كانت ذئبة مستبصرة، هكذا فهم رعد.
"ادليني على الطريق واتركي الباقي لسيدك."
"حسنًا ألفا، أنا في خدمتكم."
مع مرور الساعات، تغيرت طبيعة الأرض من تحت أقدامهم.
لم تعد الغابة خضراء كثيفة، بل بدأت الأشجار تتباعد، والتربة أصبحت أكثر قسوة.
عرف أنه يقترب من أرض الجبال.
الهواء هنا مختلف، أثقل، مشبع برائحة غريبة.
الأرض نفسها بدت كأنها تراقبه.
"من هنا،" همست الذئبة وهي تشير تجاه درب ضيق بين الصخور.
ثم توقفت الذئبة وأغمضت عينيها.
ارتعش جسدها وهمست بقلق.
"هناك من يراقبنا."
"إنه هنا وليس هناك."
"لكني أرى عيونه ولا أرى جسده."
"يا سيدي، أرى طريقًا للذهاب ولا أرى طريقًا للعودة."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
لم يرد رعد فورًا، لم يكن أحمق ليسلّم بشروط لم يفهمها. كان بإمكانه الإحساس باللعبة التي تُلعب هنا. الساحرة لم تكن تطلب مجرد دم، بل شيئًا أعمق. شيئًا قد يغيره إلى الأبد.
جود الذئبة الصغيرة همست بخوف: "يا سيدي… لا تفعل."
لكن رعد لم يتحرك. حدّق في عيني الساحرة، يبحث فيهما عن أي إشارة… أي دليل على ما تخطط له.
"ما الذي سيحدث لي إن أعطيتك دمي؟" سأل أخيرًا.
ابتسمت الساحرة، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال بالذات. "ستُفتح عيناك."
"ماذا يعني ذلك؟"
رفعت إصبعها، وأشارت إلى قلبه. "الدم ليس مجرد حياة… إنه ذاكرة، إنه قوة. دمك يحمل إرثًا أقدم منك، وأقدم من أبيك. إن أعطيتني جزءًا منه، ستتذكر… وستعرف ما حاولوا إخفاءه عنك."
ستتذكر رفيقتك لكنها لن تعيش معك. ستتذكر والدك والآخرين.
حتى لو كان الثمن لحظة واحدة، فأنه مستعد أن يدفع الثمن.
أن أطول الجراح شفاء على الإطلاق هي جراح الحب والفقدان.
سنبهر إلى مدى قد يبقى الحب في قلب إنسان.
ورغم أن رعد لم يكن من النوع الذي يصدق القصص بسهولة، لكنه شعر أن كلماتها لم تكن مجرد تهديدات غامضة. شيء داخله… شيء لم يكن واعيًا له من قبل، بدأ يتحرك.
"وإن رفضت؟"
الكيان المظلم هو من أجاب هذه المرة، صوته كان أشبه برياح تعصف في سرداب مغلق: "ستظل عالقًا في الظلام. هي ستبقى لي، وأنت… ستبقى جاهلاً، تمامًا كما يريدونك أن تكون."
ضاقت عينا رعد.
"من هم؟"
الساحرة ابتسمت، لكنها لم تجب.
نظر إلى كارا، التي ما زالت تحدق إلى الفراغ، نصفها في هذا العالم، ونصفها في عالم آخر. تستحق روحها أن تنال حريتها.
لم يكن أمامه خيار آخر.
مدّ يده، وقام بجرح راحة يده بأنيابه. الدم انساب منها ببطء، وقطر إلى الأرض.
لكنه لم يسقط في الفراغ—بل تحرك.
كأن الكهف نفسه امتصه.
وفجأة… أظلم كل شيء.
عندما فتح رعد عينيه، لم يكن في الكهف. كان في مكان آخر. أرض من الظلام، سماء بدون نجوم. من حوله، لم يكن هناك شيء… إلا شخص واحد.
رجل.
كان يشبهه. لكنه لم يكن هو.
"أخيرًا، أتيت." قال الرجل بصوت يشبه صوته تمامًا.
رعد لم يرد. لم يكن يعرف ماذا يقول.
لكن الرجل الآخر ابتسم، ورفع يده.
"حان الوقت لتعرف الحقيقة."
ثم… رأى رعد كل شيء.
لم يكن ما رآه مجرد رؤى… بل كان ذاكرة، كأنها ليست له، لكنها كانت محفورة في دمه.
رأى نفسه واقفًا في غابة قديمة، لكن الأشجار لم تكن مألوفة. كانت أطول، أضخم، كأنها من عصر لم يعشه البشر. الهواء كان مشحونًا بطاقة غريبة، ورائحة الأرض كانت مختلفة—أقرب إلى العطر القديم منه إلى التراب.
أمامه، وقف الرجل الذي يشبهه تمامًا، عيناه تلمعان بشيء لا يمكن تفسيره.
"ما هذا؟" سأل رعد، لكن صوته لم يكن مسموعًا. كأن المكان لا يعترف بكلماته.
الرجل الآخر رفع يده، وأشار إلى الخلف. رعد استدار—ورأى الحرب.
ذئاب ضخمة، ليست كأي ذئاب عرفها، كانت أعينها متوهجة، وكأنها تحمل أسرار النجوم في داخلها. كانوا يتقاتلون ضد شيء لم يستطع رعد فهمه بالكامل، ظلال متحركة، كائنات لم تكن بشرية ولا وحوشًا، بل كانت شيئًا بينهما.
وفي قلب تلك الحرب، وقف رجل… ليس أي رجل. كان والده. لكن والده لم يكن كما يتذكره. كان مغطى بالجروح، ووجهه يعكس شيئًا لم يره رعد فيه من قبل—الخوف.
الساحرة كانت هناك أيضًا، لكنها لم تكن مشوهة كما رآها في الكهف. كانت واقفة في منتصف ساحة المعركة، عيناها ممتلئتان بغضب ناري.
ثم… تغير المشهد.
كان والده يقف فوق الساحرة، يده تقبض على خنجر أسود، مسنن كأنه قطعة من الليل نفسه.
"لا يمكنك قتلي." قالت الساحرة، بصوت لم يكن خوفًا، بل يقينًا.
"لن أقتلك." قال والده بصوت بارد.
ثم، فعل شيئًا لم يتوقعه رعد—طعن الخنجر في الأرض.
انفجرت موجة من الطاقة، والساحرة صرخت، لكن لم تكن صرخة موت… بل صرخة اختفاء. كأنها تم محوها، كأنها لم تكن هنا من الأساس.
المشهد بدأ يتلاشى، والرجل الذي يشبه رعد اقترب منه، وهمس في أذنه:
"لقد أخطأ."
أغمض رعد عينيه. وهناك رآها، كانت كارا تفتح يديها بعد أن عاد وجهها لصفائه. تفتح يديها إليه.
ركض رعد. كل ما يرغب به حضن واحد، حضن آخر من حبيبته. كان رعد يركض بسرعة خارقة. اقترب من حبيبته.
فتح ذراعيه.
ثم شعر رعد بأن روحه تُسحب إلى الوراء، إلى جسده، إلى الكهف…
وفجأة، وجد نفسه واقفًا في مكانه، والدم لا يزال يقطر من يده.
ارتج الكهف وراحت صخوره تنفجر. صرخت جود: "سيدي؟ الفا علينا الرحيل. سيدي إنها تتلاعب بك. لا تسمح لها بالانتقام."
ثم صرخت جود: "رعد!"
كان صوتها مثل عاصفة برق ضربت رأسه. طار جسده وسقط على الأرض بعيدًا عن الكهف وخلفه جود.
ارتطم جسد رعد بالأرض بقوة. زحفت الحصى والتراب من حوله بفعل السقوط العنيف، لكنه لم يشعر بالألم… كان لا يزال هناك، في المكان الذي رأى فيه كارا، في اللحظة التي كاد يلمسها فيها.
لكنها لم تكن حقيقة. لم تكن سوى وهم صنعته الساحرة، خدعة أخرى في لعبتها القديمة.
جود كانت بجانبه، أنفاسها متقطعة، نظرتها قلقة وهي تحدق في الكهف الذي بدأ ينهار، صخور ضخمة تتدحرج، وسحابة من الغبار ترتفع في الهواء.
"يجب أن نرحل الآن!" صرخت.
لكن رعد لم يتحرك. كانت عيناه لا تزالان معلقتين بالكهف، بقايا السحر تتلاشى في الهواء، كلماته الأخيرة تتردد في رأسه—"لقد أخطأ."
كان يعلم الآن أن والده لم يقتل الساحرة، بل حبسها، وأنه، بطريقة ما، أطلق سراحها. لكن لماذا لم تهاجمه؟ لماذا لم تأخذ انتقامها فورًا؟
نظر إلى يده، حيث لا يزال الدم الطازج يقطر.
ثم فهم. إنها ليست بحاجة إلى قتله. لقد تركته حيًا… كي يرى ما سيحدث بعد ذلك.
***
جود كانت صامتة معظم الطريق، وهو لم يسألها عن السبب. كان هناك شيء في نظرتها، في الطريقة التي كانت تحدق بها إلى الغابة كما لو أنها تراها لأول مرة، جعله يدرك أنها رأت شيئًا في الكهف لم تخبره به.
لكنه لم يكن بحاجة إلى أن يسأل. كان يعرف أن الإجابة ستأتي… عاجلًا أم آجلًا.
وحين ظهرت معالم أرض المهجرين أمامهم، أدرك أن الإجابة قد تكون هنا.
كانت هذه الأرض مختلفة عن أي مكان آخر في المملكة. لا تنتمي إلى أي قطيع، ولا يحكمها أي ألفا. كانت موطنًا للذئاب التي نبذها الآخرون، أولئك الذين فقدوا منازلهم، أو عائلاتهم، أو أنفسهم في الحروب والصراعات. الذئاب التي لم يكن لها مكان في العالم.
عندما عبر رعد وجود الحدود غير المعلنة لأرض المهجرين، شعر رعد لأول مرة بمدى عزلة هذا المكان عن بقية العالم.
لم تكن الغابة هنا مثل الغابات التي عرفها، لم تكن كثيفة ولا نابضة بالحياة، بل كانت أشجارها طويلة متفرقة، جذوعها متشققة كأنها شهدت قرونًا من العواصف ولم تسقط، أوراقها رمادية مائلة إلى الفضة، تتمايل بصمت تحت رياح باردة لا تحمل معها رائحة الحياة، بل رائحة الذكريات المنسية.
الأرض كانت متشققة، لكن ليس جافة، بل أشبه بأرض غُمرت بالمطر ثم تُركت لتمتصه حتى صار جزءًا من نسيجها. كل خطوة على التراب كانت أشبه بالسير فوق ماضٍ مدفون.
في الأفق، لم تكن هناك قرى أو منازل، بل أنقاض صامتة، هياكل حجرية متآكلة، رموز قديمة محفورة على جدران نصف منهارة، وكأن هذه الأرض لم تكن مجرد ملجأ للذئاب المنفية… بل كانت شاهدة على زمن لم يعد موجودًا.
وهنا، في هذه الأرض المنسية، يختبئ الرجل الذي تبحث عنه باتريكا. لكن هل هو هنا بإرادته… أم أنه مجرد شبح آخر من أشباح هذا المكان؟
***
لم يكن ظهور الذئب الأول مفاجئًا، بل كان كما لو أنه كان ينتظرهم منذ البداية. ظهر من بين الضباب الرمادي الذي يغطي جزءًا من الأرض، طويلًا، هزيلًا لكن بطريقة مضللة—جسده لم يكن ضعيفًا، بل كأنه تجرد من كل شيء غير ضروري، حتى لم يبقَ فيه سوى العظام والعضلات المصنوعة للبقاء.
فراؤه كان خليطًا من الأسود والرمادي، خشنًا في بعض الأجزاء وكأنه لم يعرف الراحة لسنوات. لكن أكثر ما ميزه كانت عيناه… عينا لم تكن تحمل أي تعبير، لا خوف، لا عداء، ولا حتى ترحيب، مجرد نظرة فارغة، كأن صاحبها رأى أكثر مما ينبغي، وعرف أكثر مما يجب، حتى فقد الاهتمام بأي شيء آخر.
"لم يأتِ أحد إلى هنا منذ زمن طويل." قال بصوت خشن، كأنه نسي كيف يستخدم الكلمات.
رعد لم يرد فورًا. لكنه شعر أن هذا الذئب، رغم صمته، قد يكون أول مفتاح في رحلته داخل أرض المهجرين.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
نظر رعد إلى الذئب طويلًا، محاولًا تحليل نواياه. لم يكن يشبه أي ذئب قابله من قبل، لا في بنيته، ولا في صوته المحايد، ولا حتى في تلك العيون التي لا تحمل أي انفعال. كان أشبه بكائن خرج من صفحة منسية في التاريخ، كأنه نجا من زمن آخر وعاش هنا بلا هدف.
جود تحركت بحذر بجوار رعد، خفضت أذنيها قليلًا كأنها تشعر بشيء لا يراه هو.
“من أنت؟” سأل رعد أخيرًا.
الذئب لم يبدُ مستعجلًا في الرد، كأنه كان يقيس رعد بعينيه قبل أن يقرر إن كان يستحق الإجابة. ثم همس بصوت كأنه قادم من باطن الأرض:
“أنا… من بُتر عن القطيع، كما كل من هنا.”
لم تعجبه الإجابة، لكنها لم تكن مفاجئة. أرض المهجرين لم تكن مجرد منفى، بل كانت مقبرة للأحياء، مكانًا يُلقى فيه من لم يعد لهم مكان بين الذئاب.
“نبحث عن رجل.” قال رعد، متجاهلًا محاولة الذئب جعله يتوه في الألغاز. “أعرف أنه هنا.”
الذئب لم يغير تعبيره، لكنه حرك رأسه قليلًا وكأنه يقيّم صدقه.
“هناك كثير من الرجال هنا، بعضهم نسي أنه كان كذلك.”
“لكن هذا الرجل لا ينسى.” قال رعد بنبرة قاطعة. “اسمه ليس مهمًا لك، لكنني أريده، ولن أغادر حتى أجده.”
لأول مرة، ظهر شيء أشبه بابتسامة على وجه الذئب، لكنها لم تكن ابتسامة سعادة، بل نوع من السخرية الخفية.
“إذن ستبقى طويلًا، يا ألفا.”
ثم استدار، وبدأ يسير بين الأشجار.
“اتبعني… إن كنت تظن أنك مستعد لرؤية ما تخفيه هذه الأرض.”
لم ينتظر رعد طويلًا، تحرك خلفه، وجود بجانبه، وبينهما ظل الصمت… فقط خطواتهم تتردد على التراب الذي امتص آلاف الخطوات قبلهم، ودفن معها أسرارًا لم يُرِد أحد كشفها.
لكن رعد لم يكن مثل الآخرين.
لقد جاء ليكشف الحقيقة، مهما كانت سوداء.
كانت أرض المهجّرين مختلفة عن أي مكان وطأته أقدام رعد من قبل. لا تشبه الغابات التي نشأ فيها، ولا الجبال التي عبرها، ولا حتى الكهوف التي أخفته عندما كان هاربًا من ماضيه.
هنا، الهواء لم يكن مجرد هواء، بل كان يحمل ثقل الأرواح التي لم تجد لها موطنًا. كانت التربة رمادية، وكأنها فقدت لونها مع الزمن، والأشجار نمت بشكل غير طبيعي، كأنها حاولت الهروب من الأرض لكنها لم تستطع.
لم يكن هناك ضوء حقيقي، فقط توهج خافت يأتي من مكان غير معروف، كأن السماء نفسها لا تريد إلقاء نورها على هذا المكان.
تحرك الذئب أمامهما، صامتًا، لا ينظر للخلف ليتأكد إن كانا يتبعانه، وكأنه يعرف أنهما لن يجدا طريقهما إن تركهما وحدهما.
“هذه الأرض…” همست جود، صوتها كان خفيفًا لكنه اخترق السكون كطعنة خنجر. “إنها ليست طبيعية.”
رعد لم يرد. كان يشعر بنفس الشيء، لكن الكلمات لم تكن كافية لوصف هذا الإحساس.
ثم، من العدم، ظهرت حركة بين الأشجار.
لم يكن صوتًا واضحًا، بل أشبه بتموج خفيف في الظلام. شيء ما كان يراقبهم.
توقّف الذئب، نظر إلى الجانب، ثم همس:
“ابقوا خلفي.”
لم يكن رعد معتادًا أن يؤمر، لكنه شعر أن الوقت ليس مناسبًا للعناد. شيء ما في نبرة الذئب جعله يدرك أنه لا يحاول فرض سيطرته، بل ينبههم لشيء أخطر بكثير.
خرج الكائن من بين الأشجار.
كان ذئبًا، أو ما تبقى من ذئب.
جسده كان هزيلًا، مغطى بفراء متسخ ومتساقط في أماكن كثيرة. عيناه كانتا ميتتين، لكنهما لا تزالان تلمعان بضوء غريب. كانت أنفاسه بطيئة، كأنها تأتي من أعماق جسد مكسور.
لكن الأهم… لم يكن يتحرك كذئب.
تحرك بطريقة غريبة، كأنه ليس سيد جسده، كأن شيئًا آخر يقوده.
جود شهقت، وتراجعت خطوة.
“ما هذا؟”
الذئب الذي يقودهم لم يرد، لكنه انخفض قليلًا، كأنه يستعد للهجوم.
رعد لم يتحرك، لكنه أدرك أن ما يراه ليس مجرد ذئب آخر منفي.
هذا… كان شيئًا آخر.
شيئًا… لم يكن يجب أن يكون على قيد الحياة.
وقف رعد في مكانه، جسده متحفز، أنفاسه بطيئة، لكن عينيه لم تبتعدا عن الذئب الهزيل الذي يحدّق بهما كأنه يرى من خلالهما شيئًا لا يدركانه بعد.
تحرّك الذئب الغريب خطوة، لم يكن صوت قدميه طبيعيًا، بل كان كصوت العظام تحتك ببعضها، كأن الجسد نفسه يحتجّ على وجوده.
“ما هذا بحق القمر؟” همست جود، صوتها مرتعش رغم أنها حاولت أن تخفي توترها.
أجاب الذئب الذي يقودهما، صوته كان ثابتًا لكنه يحمل حذرًا شديدًا:
“هذا… من بقي هنا أكثر مما يجب.”
نظر رعد إليه، حاجبُه ينعقد: “ماذا تعني؟”
لم يجبه الذئب فورًا. لكن الذئب الهزيل تحرك مرة أخرى، وعندها، رأى رعد شيئًا جعله يتصلّب.
كانت هناك علامات على جسد الذئب الهزيل—ندوب، محفورة بطريقة غير طبيعية، وكأنها لم تكن بفعل معركة، بل بفعل شيء آخر. رموز… كأنها كُتبت على جلده عن قصد.
“إنه ليس ميتًا… لكنه ليس حيًا أيضًا.” قال الذئب المرافق لهم، وعيناه تراقبان الكائن بعناية.
رعد لم يجب، لكنه شعر بذلك. الذئب الهزيل لم يكن يلهث كذئب طبيعي، لم ترفّ أذناه حتى مع نسمات الهواء، وكأنه لا يشعر بما حوله.
ثم، فجأة…
ابتسم.
رعد لم يرَ ذئبًا يبتسم من قبل. ليس بهذه الطريقة.
كانت ابتسامة فارغة، بطيئة، شقّت شفتيه الجافتين لتكشف عن أنياب طويلة، أطول مما يجب.
ثم… تكلّم.
“أنت… أتيت أخيرًا.”
صوتُه كان مزيجًا بين الهمس والتنهيدة، كأنه صوت شخص نسي كيف يستخدم الكلمات لكنه يحاول تذكّرها.
جود تشبثت بذراع رعد دون أن تدرك، لكن رعد لم يبعد عينيه عن الذئب.
“من أنت؟” سأل، نبرته كانت ثقيلة.
الذئب لم يجب فورًا. لكنه أمال رأسه، ثم قال بصوت منخفض:
“لم يعد لذلك معنى بعد الآن.”
ثم، نظر إلى رعد مباشرة، وعيناه كانتا تشعّان الآن بشيء لم يكن هناك قبل لحظات.
“لكنني أعرف من أنت.”
رعد لم يتراجع. لكنه شعر أن الهواء من حوله تغيّر.
“ما الذي تريده؟”
الذئب الهزيل ابتسم مرة أخرى، لكن هذه المرة، كانت ابتسامته… حزينة.
ثم همس بشيء جعل الدم في عروق رعد يتجمّد.
“أريدك أن تتذكر.”
لم يكن رعد بحاجة إلى أن يسأل “تذكر ماذا؟” لأن الكلمات التي همس بها الذئب الهزيل كانت كأنها مفتاح لقفل ظلّ مغلقًا في أعماقه.
شعر بنبضات قلبه تتباطأ، كأن الزمن حوله فقد إيقاعه الطبيعي، الهواء صار أثقل، رائحة أرض المهجرين—المزيج الغريب بين العفن والرماد البارد—تسللت إلى رئتيه ببطء، ولم يعد متأكدًا إن كان لا يزال واقفًا في هذا المكان… أم أنه انتقل إلى مكان آخر تمامًا.
رأى نفسه صغيرًا… أصغر مما يتذكر. طفلٌ في السادسة أو السابعة، يركض وسط غابة كثيفة، أنفاسه متقطعة، قدماه العاريتان تضربان الأرض الرطبة بسرعة، أغصان الأشجار تخدش ذراعيه، لكنه لا يتوقف.
“رعد!” صوت أنثوي يناديه من الخلف، لكنه لا يلتفت.
كان خائفًا… لكن ليس بسبب ما يطارده. بل بسبب ما تركه وراءه.
كانت هناك نار. صرخات. أضواء تشتعل في السماء كما لو أن النجوم تسقط على الأرض لتحترق.
ثم… شيء أمسك به. يد قوية سحبته من الخلف، رفعته عن الأرض كأنه لا يزن شيئًا. ركل، حاول الهرب، لكن اليد لم تتركه.
عندما نظر إلى الأعلى، رأى وجه رجل لم يره من قبل… أو ربما رآه، لكنه لم يتذكره إلا الآن.
عيناه كانتا ذهبيتين، مثل عيون الألفا، لكن فيهما شيء أكثر ظلمة… شيء يشبه الفراغ.
“هذا ليس مكانك، صغيري.” قال الرجل، صوته لم يكن غاضبًا، ولا حنونًا. كان مثل صوت شخص يتحدث عن شيء محتوم.
ثم، انفتح شيء خلف الرجل.
فراغ، ظل، باب إلى مكان لم يكن يجب أن يكون موجودًا.
ورعد… سقط فيه.
شهق، وعاد إلى الواقع.
كان جسده مغطى بالعرق، رغم أن الطقس هنا كان باردًا حدّ التجمد. جود كانت تمسك بكتفه، تهزّه بقلق.
“سيدي! ماذا حدث؟”
نظر إليها، لكن عينيه لم تركزا عليها بالكامل. استدار ببطء إلى الذئب الهزيل، الذي لم يتحرك من مكانه، لكن ابتسامته تلاشت.
“لقد رأيت…” همس رعد، ولم يستطع إكمال الجملة.
الذئب أومأ برأسه ببطء، ثم قال:
“أنت لا تزال في البداية، أيها الألفا.”
ثم، ولأول مرة منذ أن رآه، تحرّك الذئب إلى الأمام… واقترب حتى صار وجهه على بُعد أنفاس من وجه رعد.
“لكن إن كنت ترغب حقًا في معرفة الحقيقة…”
خفض رأسه، وفتح فمه.
ثم، عضّ رعد.
لم يكن الألم عاديًا. لم يكن مجرد أنياب تخترق الجلد، بل كان كأنه شيء آخر، شيء أعمق—كأن الذئب لم يعض جسده فقط، بل عض روحه.
شهق رعد، جسده تصلب للحظة، ثم انفتح أمامه عالم آخر.
كان يقف في وسط مدينة غارقة في الظلام.
ليست مدينة بالمعنى الحقيقي، بل مجموعة من المباني الحجرية المتراصة بإهمال، ملتوية كأن الزمن عبث بها. الشوارع ضيقة، متعرجة، كأنها مصممة لمنع أي شخص من الخروج بسهولة. الهواء هنا أثقل، مشبع برائحة الرماد والرطوبة، كأن المكان كله تحت لعنة قديمة.
كانت هناك أصوات… همسات بعيدة، لكنها ليست بشرية. أصوات تهمس بأشياء لم يستطع فهمها.
“هذه هي أرض المهجرين.”
استدار، فرأى الذئب الهزيل يقف بجانبه. لكنه لم يكن كما كان من قبل.
لقد تغيّر.
وقف الآن على قدميه مثل البشر، جسده لم يعد هزيلًا، بل ممتلئًا بالقوة، بشرته داكنة كأنها امتصت ظلام المكان، وعيناه—عيناه كانتا ذهبيتين، تمامًا مثل عيون رعد.
“ما هذا؟” سأل رعد، لكن صوته لم يكن مرتجفًا، بل ثابتًا. كأنه يعرف الإجابة بالفعل.
“هذا هو المكان الذي لم يكن يجب أن تزوره أبدًا.” قال الرجل، صوته الآن ليس هامسًا، بل واضحًا، ممتلئًا بالقوة. “هذا المكان الذي بدأ فيه كل شيء.”
رعد نظر حوله.
“أين هم؟” سأل.
“المهجرون.”
ضحك الرجل، ضحكة منخفضة لكنها حملت وزنًا ثقيلًا.
“هم هنا.” قال، مشيرًا إلى المدينة حولهم.
رعد حدّق في المباني، ثم… رأى الحقيقة.
المباني لم تكن مجرد حجارة.
كانت جلودًا.
عظامًا.
أنفاسًا محتجزة في الجدران، كأن كل حجر كان كائنًا حيًا، كأن المدينة نفسها كانت كائنًا ضخمًا، نائمًا… أو مستعدًا للاستيقاظ.
“لماذا أتيت بي إلى هنا؟” سأل رعد، إحساس غريب بدأ يتسلل إلى قلبه، مزيج من الخوف والفهم في آن واحد.
الرجل، الذي لم يكن ذئبًا ولا بشريًا، ابتسم، ثم قال:
“لأن الشخص الذي تبحث عنه… ليس مفقودًا.”
تراجع رعد خطوة.
“ماذا تقصد؟”
الرجل أشار إلى صدره.
“لأنك كنت تحمله بداخلك طوال هذا الوقت.”
لم يصدق رعد الكلمات التي سمعها. لم يكن من النوع الذي يقبل الألغاز بسهولة، لكنه شعر بشيء ثقيل في قلبه، كأن الحقيقة التي يحاول تجنبها كانت تقترب أكثر فأكثر.
رمق الرجل الذي أمامه—ذلك الذي كان قبل لحظات مجرد ذئب هزيل، والآن يقف أمامه ككيان آخر تمامًا.
“أين هو؟” قال رعد، صوته منخفض لكنه محمل بالغضب.
الرجل لم يرد فورًا، بل أشار إلى المدينة. “هو هنا، لكن ليس كما تتخيل.”
رعد لم ينتظر تفسيرًا، بل بدأ يتحرك.
كانت الأزقة ضيقة، الجدران الحجرية تنبض بهدوء، وكأنها تتنفس. كلما تقدم، كان يشعر بشيء يراقبه. لكن لم يكن هناك أحد. لا ذئاب، لا بشر… فقط المدينة، وكأنها حية.
“كيف يمكن لشخص أن يختبئ في مكان كهذا؟” تمتم، وعيناه تمسحان الطريق أمامه.
وراءه، تبعته جود بصمت، خطواتها خفيفة لكنها متوترة.
“سيدي، هذا المكان… أشعر أنه يحاول إخفاء شيء عنا.”
رعد لم يرد. لقد شعر بنفس الشيء.
ثم، فجأة، انفتح الطريق أمامه على ساحة واسعة.
في منتصف الساحة، كان هناك بناء ضخم، أشبه بمعبد قديم، أبوابه نصف مفتوحة كأنها تدعوه للدخول.
توقف رعد عند العتبة، قلبه ينبض بقوة.
ثم نظر إلى جود.
“ابقي هنا.”
“لكن، سيدي—”
“هذا أمر.”
ترددت للحظة، ثم أومأت.
أخذ رعد نفسًا عميقًا، ثم دفع الباب بيده.
وانفتح العالم أمامه.
لم يكن داخل المعبد كما توقع. لم تكن هناك تماثيل ولا أعمدة حجرية، بل كان المكان… سماء سوداء. فضاء لا نهاية له.
وفي وسطه، كان هناك رجل يجلس على عرش من العظام.
كان ظهره منحنيًا قليلًا، عيناه مغمضتان، لكن رعد شعر أن الرجل كان واعيًا بوجوده.
اقترب، خطوته ثابتة، لكنه شعر بثقل غير مألوف كلما تحرك.
عندما صار قريبًا بما يكفي، همس:
“أنت من كنت أبحث عنه.”
فتح الرجل عينيه.
وكانت عيناه تشبهان عينَي رعد تمامًا.
ثم، بابتسامة غامضة، قال:
“لا، رعد… أنا من كان ينتظرك.”
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
حدّق رعد في الرجل أمامه، يحاول تحليل كل تفصيلة في وجهه، في جلسته، في تلك الابتسامة التي لم تكن سخرية، بل كانت شيئًا آخر… شيئًا لا يطمئنه.
كان المكان حولهما غريبًا—لم يكن مجرد فضاء مظلم، بل كان يتحرك، يتنفس، كأنهما داخل مخلوق حي، أو ربما داخل حلم شخص آخر.
لم يتحرك الرجل من عرشه، لكنه مال قليلًا للأمام، وعيناه الثابتتان على رعد لم ترمشا أبدًا.
“هل تعرفني؟” سأل رعد، محاولًا اختبار رد فعله.
ضحك الرجل، بصوت لم يكن مرتفعًا لكنه تردد في الفضاء كأنه صدى آلاف الأصوات.
“المعرفة كلمة مضللة،” قال، ثم أضاف: “لكن، نعم… أعرفك أكثر مما تعرف نفسك.”
لم يرد رعد على الفور، لكنه شعر أن هذه الإجابة لم تكن مجرّد لغز فارغ.
“ما علاقتك بباتريكا؟”
هذه المرة، لم يضحك الرجل، بل صمت لثوانٍ، كأنه يقيس كلماته.
“أنت ترى الأمور من منظور صغير، يا رعد ” أشار إلى الفراغ حولهما، وقال: “العالم أوسع مما تتخيله، وهناك أشياء أكبر من صراعات القطيع.”
“أنا لم أسأل عن العالم.” شدّد رعد على كلماته “سألتك عن باتريكا.”
ابتسم الرجل، وكأنّه أعجب بإصراره.
“باتريكا تحتاجني، لأنني آخر من يحمل ذاكرة هذا المكان.”
“أي مكان؟”
“عالمي، الذي دُفن تحت عالمكم.”
صمت رعد، لكنه شعر بقشعريرة تجتاح جسده.
“لماذا تحتاج ذاكرتك؟”
“لأنها تريد استعادته.”
كان قلب رعد ينبض بقوة.
“استعادته؟”
“هذا المكان… لم يكن كما تراه الآن، كان مدينة، كان وطنًا، كان مملكة قديمة قبل أن تتحول إلى سجن للمنسيين، وقبل أن يُحكم علينا بالاختفاء، أخفينا شيئًا هنا—شيئًا لا يجب أن يقع في اليد الخطأ.”
“وباتريكا تريد هذا الشيء؟”
“إنها تبحث عنه، لكن السؤال الحقيقي، يا رعد…” نظر إليه نظرة عميقة، “هل ستسمح لها بالحصول عليه؟”
رعد لم يجب.
كان يعلم أنه إذا أراد الحقيقة، فعليه أن يخطو خطوة أعمق داخل هذا اللغز.
كانت كلمات الرجل تتردد في عقل رعد، تترك خلفها صدى لا ينطفئ. مدينة قديمة؟ ذاكرة مدفونة؟ شيء لا يجب أن يقع في الأيدي الخطأ؟
لكن الأهم من ذلك كله… وعده لباتريكا.
لم يكن من النوع الذي يطلق وعودًا عبثًا، ولم يكن من النوع الذي ينكث بها.
أخذ خطوة للأمام، عيناه ثابتتان على الرجل الذي جلس كأنه ملك على عرش من الظلال.
“لا يهمني الماضي الذي تحاول إخفاءه.” قال رعد أخيرًا، نبرته كانت هادئة لكنها مشحونة بالقوة، “لقد منحت كلمتي لشخص، ولن أتراجع عنها.”
“وهل تعتقد أن كلمتك لها أي وزن هنا؟” سأل الرجل، صوته هادئ لكنه يحمل تحذيرًا خفيًا.
“كلمتي هي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أحد انتزاعه مني.”
للحظة، صمت الرجل، ثم انحنى قليلًا إلى الأمام، كأنه يحاول رؤية ما بداخل رعد، ما خلف قناعه، ما خلف غضبه.
ثم قال: “إذا كنت حقًا مصممًا على الوفاء بوعدك… فعليك أن تجدني أولًا.”
قبل أن يتمكن رعد من الرد، بدأ العالم من حوله ينهار.
الجدران الحية، الظلال المتراقصة، العرش نفسه—كل شيء بدأ يذوب، وكأنّه دخان يتلاشى في الريح.
رعد شعر بقوة غريبة تجذبه إلى الخلف، نظر حوله، بحث عن الرجل، لكنه كان قد اختفى بالفعل.
ثم—عاد إلى العالم الحقيقي.
شهقت جود وهي تراه يسقط على ركبتيه، العرق يتصبب من جبينه، عينيه متسعتان كأنه خرج من كابوس حي.
“سيدي!”
رعد تنفس ببطء، ثم نظر إلى جود.
“علينا العثور عليه.”
“من؟”
وقف، مشدودًا كوتر قوس.
“الرجل الذي تبحث عنه باتريكا.”
جود ترددت. “هل… هل تعرف أين هو؟”
رعد.. مسح العرق عن جبينه، وأخذ نفسًا عميقًا.
“ليس بعد، لكنه لن يختبئ مني طويلًا.”
رفع عينيه إلى الأفق، حيث تمتد أرض المهجرين أمامه—أرض لا تخضع لأي قوانين، حيث يختبئ المنفيون والمنسيون، وحيث تتلاشى الفوارق بين الأسطورة والواقع.
إن كان الرجل هنا…فلا شيء سيمنعنى من العثور عليه، كارا تستحق الأفضل وحتى لو مت وانا احاول فلن اكفر عن فقدانها