وقف إلياس مصدومًا وعيناه معلقتان على السيدة الجالسة بجانب أفنان، تتحدث بابتسامة وهدوء وكأن الأمر طبيعي تمامًا مرددة: لأ يا جلبي، إنتي بس حوصلك حادثة بسيطة اكده وإلياس جابك المستشفى. وإنتي وهو متجوزين بجالكم خمس سنين، بس يمكن إنتي ناسية بسبب الحادثة ال حوصلتلك. نظرت أفنان إليها بتوتر وعدم تصديق يكسو ملامحها وهتفت: طيب… وإنتي مين؟ إحنا عندنا ولاد ولا لسه؟ تنهد إلياس بضيق وهمّ ليتحدث، و لكن قاطعته السيدة بسرعة ولهفة:
طبعًا يا حبيبتي، عندكم بنت زي الجمر ما شاء الله عليها ربنا يحفظها ليكم يارب وأنا ابجي أم. اتسعت عينا إلياس من الصدمة، وكأنه تلقى صفعة مفاجئة. لم يستطع أن يتحمل أكثر من ذلك، فأشار للسيدة بالخروج فورًا. وبعد دقائق، كان يقف أمامها، ملامحه مشتعلة بالغضب وصوته يرتفع شيئًا فشيئًا مرددًا: إزاي يعني؟! إي الكلام ال بتجوليه ده؟!
إحنا اكده بنكدب عليها… يا حجة بالله عليكي كفاية. أنا أصلًا مش فاهم إنتي بتخططي لإي عاد، بس ال بتعمليه ده غلط. نظرت السيدة إليه بضيق، ولكن كلماتها خرجت بحزم: ال بعمله ده هو الصوح!
حفيدتي لازم يكون ليها أم، وأفنان هي ال هتكون أمها. وإن شاء الله مش هترجعلها الذاكرة، وهنجولها إنكم انفصلتوا بسبب أي حاجة غلط مثلا هي عملتها. وبعدين ترجعوا تتجوزوا من أول وجديد، عادي جدًا. وإنت وعدتني، يوم ما بنتي نسمة ماتت، إنك مش هترفضلي طلب. كفاية إني خسرت بنتي… مش عايزة أخسر حفيدتي كمان يا إلياس. وقبل أن تنهي السيدة حديثها، قاطعها إلياس بصوت يملؤه الغضب واردف: إزاي يعني؟!
إنتي عايزاني أخليها تعيش في وهم وحياة مش بتاعتها أصلا…. وكمان أتجوزها بالكدب؟! وبعدين دي أكتر واحدة بتكرهني.. وأنا كمان بكرهها! دي صاحبة رقية المقرّبة، يا حجة سميرة فكري في ال انتي بتجوليه بالله عليك. تنهدت سميرة وردت بحدة، دون أن تهتز لكلماته: أفنان غير رقية، وأنا عارفة إنها بنت كويسة. دي الوحيدة ال هأمنها عليك وعلى حفيدتي. وإنت وعدتني، ومش هقبل أي اعتراض. من النهارده، أفنان هي ال هتكون معاك وانتهينا بجا علي اكده.
ألقت سميرة كلماتها وغادرت بخطوات حاسمة، تاركة إلياس يصرخ بغضب لا يستطيع احتواءه، صرخات تملأ المكان لكنها لا تجد من يسمعها. وفي المساء، وفي إحدى المستشفيات الخاصة بالأمراض النفسية، وقفت رقية في غرفة فارغة لا تحتوي إلا على فراش وحيد، وهي تصرخ بجنون: يا ناس… حد يخرجني من اهنيه… حرام عليكم! بتعملوا فيا اكده ليه؟! إلياس، بالله عليك، خرجني… خرجني من اهنيه ابوس يدك. تكمل رقية كلماتها حتى دخلت سيدة غريبة الغرفة، فـ تراجعت
رقية للخلف وهي تهتف بتوتر: انتوا عايزين مني إي؟ ابعدي عني! أوعي تلمسيني! والله العظيم هصرخ وألمّ عليكي الناس كلها! سيبوني في حالي بجا، حرام عليكم. ولم تتمكن رقية من إنهاء حديثها إذ قاطعها دخول وائل، الذي ركض نحوها ليحتضنها بحماس مرددًا: رقية… واحشتيني جووي. متخافيش، أنا معاك اهه. نظرت رقية إليه بدموع… قبل أن تهتف بلهفة: إنت لسه عايش؟! الحمد لله… الحمد لله!
أنا كنت خايفة عليك جوي. بالله عليك يا وائل خرجني من اهنيه.. بالله عليك. ألقى وائل نظرة حذرة حوله، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض: صدّجيني كل ال بعمله ده علشان مصلحتنا إحنا الاتنين. سامحيني بالله عليكي.. أنا اسف. نظرت رقية إليه بدهشة، وقبل أن تستوعب كلماته، شهقت فجأة حين غرس وائل سكينًا في أسفل بطنها. ووقعت على الأرض وهي تحدق فيه بصدمة، لم تصدق ما حدث حتى فقدت وعيها. وفي صباح اليوم التالي…
كان إلياس يجلس على طاولة الطعام مع عائلته، شارداً بنظراته التي تجوب الوجوه حتى قاطعت شروده زينة التي تحدثت بضيق: أنا مش موافجة على ال بيوحصل ده و شايفة إنه حرام عليكم. ليه الظلم ده كله. نظر الجميع إلى زينة باستغراب وخصوصًا وليد، الذي رد بحدة: وانتي مالك؟ تعرفي هما عملوا إي أصلاً علشان تتكلمي اكده.. ولا هو أي كلام وخلاص. ردّت زينة بغضب:
لا معرفش، بس مهما عملوا، ميستاهلوش ال بيحصل فيهم… أي الافترا دا كله هو أي احنا مجرمين يعني. وقبل أن تكمل زينة كلامها، قاطعتها نادية بغضب مرددة: زينة! مدام متعرفيش، يبجى متتكلميش. بنتي ماتت بسببهم غير ال عملوه وانتي متعرفيش عنه حاجه ، وانتي جاية دلوجتي تدافعي عنهم بكل سهوله. نظرت زينة إليها بضيق، وقبل أن ترد، دخل الحارس فجأة، متوجهًا نحو إلياس وهو يلهث مردفًا: إلياس بيه… بنت حضرتك مش موجودة في البيت. اختفت!
وكمان أفنان هانم اختفت من المستشفى! نهض إلياس من مكانه، وقد ارتسمت الصدمة على وجهه. اردف الياس بصدمه :“بتجول ايه ياولد المركوب انت !! ابتلع الحارس لعابه برعب مرددًا: “يالياس بيه اني معارفش ده حوصل ازاي اا..” قاطعه الياس منقضًا عليه ممسكًا إياه من تلابيب قميصه واخذ يهزه بعصبية وهو على وشك فقدان عقله: “يعني ايه اختفو ! وانتوا كنتوا بتعملو ايه ! نايمين على ودانكم ”
صرخ بكلمته الأخيرة جاعلاً الحارس يشعر أن نهايته وشيكة على يد ذلك الماثل أمامه بهيئته الشيطانية تلك… الحارس برعب: “يا الياس بيه احنا منعرفش ايه ال حوصل اختفو فجأه يابيه ” التفت يدي الياس حول عنق الحارس بقوة ليصارع الحارس للتنفس محاولًا الفكاك، تدخل الجميع محاولين جذب إلياس بعيدًا عن ذلك الحارس. قام وليد بسحب إلياس بعيدًا عن الحارس بقوة مقيدًا حركته صارخًا بقوة: “اهدي ياالياس ، اهدي عشان نعرف نفكر ” الياس بغضب محاولًا
الفكاك: “هملني ياوووليد هملني ” وليد بعصبية: “مش ههملك غير لما تهدي وعشان نعرف نفكر ونتصرف ” نفض إلياس جسده من قبضة وليد يمرر أنامله في خصلات شعره يجذبها للخلف بقوة بجسد ينتفض من شدة الغضب. التفت للحارس الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة ناظرًا إليه بعينان مشتعلة بالغضب مرددًا: “فرغلي كاميرات المستشفى وكاميرات البيت ساعة واحدة بس واعرف مكانهم سااامع ” أومأ الحارس برعب مرددًا: “أمرك ياالياس بيه ”
أنهى الحارس كلماته ليفر هاربًا من أمام ذلك الوحش الواقف أمامه. وقف إلياس يجوب بعينيه في المكان قبل أن ينتفض راكضًا نحو الخارج وخلفه وليد يحاول اللحاق به. في مكان آخر… كانت أفنان فاقدة للوعي على تلك الأرض القاسية الباردة وبجوارها تلك الصغيرة النائمة لا تشعر بشيء.
فتحت عينها ببطء تزامناً مع انفتاح باب الغرفة لترمش في محاولة منها لوضوح الرؤية. ظلت على تلك الحالة بضع ثوانٍ حتى اتضحت الرؤية أمامها لتقع عيناها على ذلك الرجل الذي كان يتقدم نحوها بخطوات متمهلة. جلس القرفصاء أمامها لتقطب حاجبيها ناظرة إليه بتفحص لتزداد عقدة حاجبيها بعد أن شعرت بذلك الألم الشديد في رأسها. اردفت أفنان بألم: “انت مين ؟ اتسعت ابتسامة الجالس أمامها بخبث مرددًا: “جوزك ” نظرت إليه بعينان متسعة بعدم تصديق:
“انت كداب اني معرفكش جوزي هو ..” صمتت تتذكر اسمه يحاول عقلها تذكر اسمه ولكن لا تستطيع، دقائق حتى تذكرت حديث تلك المرأة لتردد ناظرة إليه بحدة: “الياس هو جوزي ” انتفض الماثل أمامها بتوتر ويتبع….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!