فجأة حسيت إيد اتحطت على كتفي. جسمي انتفض وبصيت بسرعة. لقيت مراتي واقفة ورايا وبتقول بهدوء: "مالك يا خالد؟ في إيه؟ قلت لها وأنا لسه متلخبط: "ماعرفش. أنا شفت حاجة غريبة في الجواب ده." قالت: "جواب إيه؟ بصيت على إيدي. الجواب اللي كنت ماسكه اختفى. قلت لها: "الجواب اللي كان في ايدي راح فين؟ قالت له: "جواب إيه؟ أنا من وقت ما دخلت الأوضة ما شفتش أي جوابات. إنت كنت قاعد على المكتب وأنا بنادي عليك من بدري وإنت مش سامعني."
خالد توتر ونزل تحت المكتب يدور على الجواب. قلب المكان كله. فتح الأدراج وبص تحت الكرسي وما لقاش حاجة. وقف وهو متلخبط وقال لنفسه بصوت واطي: "أكيد تخيلات. أكيد أنا بتهيألي." قام بسرعة وفتح الشنطة. إيده كانت بترتعش. لقى الجواب جوه زي ما هو بالظبط. مقفول ولا كأنه اتحرك من مكانه. وشه شحب وقلبه اتقبض جامد وحس بنغزة باردة طلعت من صدره. مراته بصت له باستغراب وقالت: "مالك يا خالد؟ وشك متغير ليه؟ بلع ريقه وقال
وهو بيحاول يبان طبيعي: "مش عارف. يمكن تعبان شوية." مراته قربت خطوة وقالت بنبرة قلق: "فعلاً من وقت ما دخلت الشقة وإنت مش طبيعي. كأنك جواك حاجة ومش عايز تقول." لف وشه بعيد وقال بسرعة: "ضغط شغل بس كده." وسابها وخرج من الأوضة. في الصالة لقى ابتسام بنته قاعدة على الأرض بتلعب بعروستها. قعد جنبها. حاول يضحك ومسح على شعرها وقالها: "عاملة إيه يا حبيبتي؟
ابتسام رفعت العروسة وبصت له وابتسمت. الدنيا هديت شوية وقلبه بدأ يهدى. وفجأة ابتسام وقفت تضحك. عينيها وسعت شوية. وملامحها نشفت. وصوتها طلع مش صوتها. صوت تقيل مبحوح. نفس صوت الست العجوزة. وقالت: "الجواب لسه معاك يا خالد." خالد رجع لورا مفزوع. خبط في الترابيزة ووقعت الكوباية. ابتسام جريت عليه وقالت: "مالك يا بابا؟ إنت كويس؟ خالد قالها:
"مافيش حاجة يا حبيبتي. أنا بخير الحمد لله. بس من جوايا قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة. كنت حاسس إنه هيطلع من صدري في أي لحظة." قال لمراته: "هدخل أنام شوية علشان تعبان." بصتله بنظرة مش مطمنة وقالتله: "أنا خايفة عليك يا خالد." وقبل ما أقفل الأوضة ورايا قالتلي: "لو فيه حاجة احكيهالي قبل ما تنام. يمكن ترتاح." قلت لها بصوت مكسور: "لا. مافيش حاجة."
دخلت الأوضة وقعدت على السرير شوية بحاول أهدي نفسي. وبعدين فردت جسمي وغمضت عيني. أول ما الدنيا سكتت حسيت بحركة خفيفة ورايا. نفس تقيل قريب قوي من ودني. ريحة مش كويسة. جسمي اتجمد. حاولت أفتح عيني بالعافية. لفيت وشي واحدة واحدة وقلبي هيقف.
لقيت الست العجوزة نايمة ورايا لازقة في ضهري. عينيها مفتوحة على الآخر مبتغمضش. بتبصلي من غير رمش. وشها قريب قوي لدرجة اني كنت حاسس بنفَسها سخن على خدي. شفايفها اتحركت من غير صوت. وبعدين همست باسمي. "خالد." صرخت بأعلى صوتي وقفزت من على السرير ووقعت على الأرض. ولمّا قمت أبص على السرير كان فاضي. والصوت لسه بيرن في ودني.
مراتي والولاد دخلوا لقوني قاعد مكموش على الأرض وجسمي كله بينتفض. كان نفسي مقطوع ووشي لونه أصفر. مراتي قربت بسرعة وجابتلي كوباية مية وقعدت جنبي تحاول تهديني وهي بتقول: "احكيلي يا خالد. إيه اللي حصل؟ بصيتلها وكنت بحاول أجمع نفسي وقلت لها: "النهاردة حصل معايا حاجة عمري ما تخيلت في حياتي انها تحصللي." بصتلي بخوف وقالت: "احكيلي. حصل إيه؟ عينيا راحت ناحية ابتسام ونور كانوا واقفين عند الباب. قلتلهم بهدوء مصطنع:
"اطلعوا بره شوية." لما خرجوا وقفلوا الباب وراهم بدأت أحكي لمراتي عن الجواب والشقة بتاعت الست العجوزة. وعن الست اللي قالت إنها ماتت من عشرين سنة. مراتي حطت ايديها على بقها وقالت: "يا نهار أسود. قصدك إيه الكلام ده؟ حقيقي؟ قلت لها وأنا صوتي بيرتعش: "أنا مش فاهم حاجة. من وقت ما رحت الشقة دي وأنا بحس بحاجات غريبة." فجأة مراتي بصت حوالين نفسها كأنها حاسة بحاجة. وبصتلي بنظرة محاولة تطمّن وقالت:
"إنت محتاج ترتاح. ده أكيد ضغط شغل. نام دلوقتي وبكرة هتكون بخير." حاولت أصدقها وغمضت عيني ونمت غصب عني. تاني يوم صحيت وقلبي تقيل. بس حاولت أتعامل طبيعي. حضرت الشنطة زي كل يوم وروحت المكتب. طول الطريق كنت حاسس إن في حاجة غلط. بس مش عارف أحددها. دخلت الإدارة وأنا بطلع الجوابات المرتجعة. قابلت عبد الله صاحبي. أول ما شافني سكت شوية. وبعدين قال: "مالك يا خالد؟ شكلك مش مظبوط." قعدت جنبه وقلت له:
"لو حكيتلك اللي حصل مش هتصدقني." ضحك ضحكة خفيفة وقال: "احكي يا خالد. حصلك إيه؟ بدأت أحكيله كل حاجة من أول الجواب لحد الست العجوز. وصوت بنتي. وأنا بحكي لاحظت وشه بيتغير وعينيه وسعت. قاللي فجأة: "هو كلام عمي منصور بجد ولا إيه؟ وقفت مكاني مرة واحدة وقلبي دق جامد وقلتله: "مين منصور؟ عبد الله اتلخبط وبص حواليه وقال بصوت واطي:
"عم منصور واحد كان شغال عندنا هنا في البريد من فترة كبيرة قوي. وكان بيحكي نفس التفاصيل اللي إنت بتحكيها بالظبط. جواب وشقة قديمة وست عجوز بتيجي في النوم." وبعدها بأسبوع واحد بس قدم استقالته ومشي. ومن وقتها محدش يعرف عنه أي حاجة. بلعت ريقي وقلتله: "أنا عايز أعرف عنوان عم منصور دلوقتي." عبد الله بصلي شوية كأنه متردد. وبعدين قال: "استنى هنا." ونزل الأرشيف. وبعد دقائق رجع اداني الورقة وإيده بتترعش. وقال:
"ده آخر عنوان مسجل عندنا." خالد خد العنوان وخرج وهو حاسس إن رجليه تقيلة. وصل الشارع وبص على العمارة. طلع السلم وقف قدام الباب القديم. ورن الجرس. بعدين جه صوت تقيل مبحوح من ورا الباب: "مين؟ قلت: "حضرتك عم منصور؟ الباب اتفتح. وراجل كبير في السن ظهر. بصلي من فوق لتحت وقال: "إنت شكلك موظف من البريد." قلتله: "أيوه. وعايزك في كلمتين." قال: "اتفضل."
ودخلنا. وقفل الباب وراه. أول ما دخلت حسيت نفس الريحة القديمة اللي في شقة الست العجوزة. عم منصور قعد على كرسي وأنا وقفت قدامه. وبدأت أحكي كل اللي حصلي من غير ما أسيب تفصيلة واحدة. وكل ما أذكر الست العجوز أو الجواب كنت ألاقي وشه بيشد أكتر لحد ما لونه شحب. فجأة وقف مرة واحدة وقال بصوت عالي: "ليه يا ابني بتجيب سيرتهم تاني؟ الكلمة خرجت منه تقيلة. سألته: "قصدك إيه؟ قال وهوا بيتمشى في الأوضة بعصبية:
"ماكنش المفروض ترجع للشقة دي ولا تمسك الجواب ده." ولما قلتله ليه وقف قدامي وبص في عيني وقال: "لأن اللي شوفته ده لسه عايش ومش بيسيب حد يعرف حكايته." قلتله: "مين هما يا عم منصور؟ قال كلمة واحدة خلتني أتجمد في مكاني: "الله يكون في عونك في اللي هتشوفه." حسيت رجلي مش شايلاني. وقلتله وأنا متوتر: "هشوف إيه؟ كفاية اللي بيحصللي." عم منصور اتنهد تنهيدة طويلة وقال:
"الحكاية بدأت من واحدة اسمها فاطمة. ست ماكانش في قلبها رحمة. كانت بتعمل طقوس غريبة وحاجات محدش يقدر يستحملها. لدرجة إن جوزها وأولادها اختفوا في ليلة واحدة. ومن ساعتها محدش عرف راحوا فين ولا حتى لقوا أثر ليهم." فجأة الستارة اللي ورا عم منصور بدأت تتحرك لوحدها. رغم إن الشباك مقفول. والنور بدأ يطفي ويولع بسرعة. وصوت أنفاس تقيلة ملي الأوضة. حسيت بنفس قريب من ودني. فجأة عم منصور وقف وهو بيصرخ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!