تحميل رواية «الحارس الشخصي» PDF
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كنت شغال عند هانم أنيقة جميلة وغنية جداً، ورغم الثروة اللي تملكها إلا إن عمرها كان لا يتعدى الاتنين وتلاتين سنة. أنا كنت محظوظ إني لقيت شغل في فيلا الهانم اللي تشبه القصر. ياريت المقدمة دي متصورلكش إني كنت صديق شخصي ليها أو حتى مقرب وكل الهراء ده، أنا كنت مجرد حارس لازم أديها ضهري كل ما تمر من جنبي أو تعدي قدامي أو حتى تطلع صدفة في الشرفة، وده كان من ضمن شروط الشغل اللي أنا قبلت بيها، واللي سمحتلي إني أشتغل في الفيلا لأن الحراس بيتغيروا بسرعة بسبب الشرط ده. ممنوع تبص للهانم، ممنوع تتكلم معاها، و...
رواية الحارس الشخصي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسي
لما سانتا طلعت من المكتب، سيليا كانت بتفكر: معقول سانتا يكون قلبها دق للحارس؟ إزاي دا حصل وامتى؟
لكنها ابتسمت. تعرف إن سانتا هوايتها المفضلة اللعب، وإن لديها مزاجية متطرفة قد تدفعها لمتابعة نملة تمشي ببطء على إفريز الشرفة لتعرف إلى أين تذهب.
هذا الحارس الوغد غير مختلف، زي أي حارس غيره، هو بس حريص شوية مش أكتر.
لكنها تذكرت حوارها معه في المكتب، واللي ما كانش يخلو من بعض الثقافة والحيل الذكورية المقيته.
سانتا عندها فضول من الملل هو اللي خلاها تديله فرصة أكتر من غيره، لكن ليه؟
ابتسمت سيليا لأنه جريء.
أيوه، جريء فعلاً، رغم كونه خادم، لديه طريقة محببة، ولقيت نفسها بتختلق مبررات وأعذار وحوارات كتيرة.
صرخت: اللعنة! هو فيه إيه يا سيليا هانم؟
بدلت سيليا هدومها. بصت للمراية وضحكت. خرجت من الفيلا وطلبت الحارس الشخصي.
وصل. لما لمحتها عرفت إنها سيليا. سانتا قالت إنها هتخرج تتفسح.
"اشرح قلبي، الآن أقدر أتكلم بحرية. مش حرية كبيرة، لكن أقدر أعبر عن بعض رأيي من غير خوف.
و أنا عندي اعتقاد إني مهما أقول قدام سيليا مش هتسرب حوارنا لسانتا.
اتفضلي يا هانم."
فتحت باب العربية لسيليا بطريقة أوروبية تدربت عليها كتير.
"أنا لم أحط حاجة في دماغي ببقى ممتع ومبهر."
"على فين يا هانم؟"
سيليا ابتسمت بلطف. "سوق على النادي يا عم أحمد."
"قلت في نفسي: ماشي، التجاهل أحيان بيكون مفيد، وابتسامتها علامة سرية على إعجاب متخفي.
كنت متأكد إني مش بحاول أثير إعجابها.
آخر حاجة ممكن أفكر فيها في العالم إني أحاول إثارة إعجاب امرأة مهما كانت.
النساء تركض خلف من يتجاهلها ويدير لها ظهره، في الغالب يتركو من يركض خلفهم مثل كلب آليف ويركلونه على مؤخرته إلى أقصى الجحيم."
وبدرت مني نظرة المليجي ورفعت حاجبي بطريقة محببة دفعت سيليا تبتسم مرة أخرى.
العربية وصلت النادي. سيليا قالت: "خليك هنا يا عم أحمد، مش هتأخر."
"وتعمدت تجاهلي مرة ثانية."
نزلت من العربية ومشيت جنبها. أصل أنا مش خيال مأته.
سيليا قالت: "بتعمل إيه؟"
قلت بنبرة متزمتة لا تقبل جدال: "بنفذ تعليمات سانتا هانم إني أحميكي من المتطفلين والمتلصصين وسارقي القلوب."
سيليا قالت: "متخفيش، أنا أعرف أحمي نفسي كويس."
قلتلها: "يا هانم، أرجوكي لا تقللي من خبراتي، أنا فاهم شغلي كويس.
وأقدر ألمح حاجات حضرتك لا يمكن تعرفيها.
شايفة مثلاً الشاب الأنيق اللي قاعد هناك ده ومدينا ضهره؟"
سيليا قالت: "ماله؟"
"مهتم بيكي يا هانم. أول ما دخلنا ولمحنا بص عليكِ مطولاً وابتسم.
أعتقد في أقل من عشر دقايق هيسيب مكانه ويقرب منك يحاول يلفت نظرك."
سيليا قعدت وأنا فضلت واقف جنبها. قالت: "مفتكرش إنه مهتم بيا ولا حاجة.
ده صديق ريري وهيتخطبو قريب. يعني مفيش منه خوف."
"غلط يا هانم، غلط. هما دول أصل الخيانة. الواحد منهم لما يملك واحدة يعني إنه انتهى منها ويفكر في غيرها."
كانت مرت خمس دقايق ولاحظت إن سيليا كانت بتبص على ساعتها، وأيقنت إنها قبلت التحدي.
الشاب خلص مشروبه ونهض من مكانه يتمشى وهو بيبص في التليفون. عمال يلف ويدور حوالينا، حيل مريضة تعبانة أفهمها جيدًا.
أول ما وصل سيليا، بص باندهاش. قال: إيه يعني؟ مستغرب إن شافها.
ابتسم ولوح لسيليا وقال: مرحبًا.
قلتلها: "مترديش يا هانم."
سيليا قالت: "بس دي تعتبر وقاحة؟"
قلت: "متقلقيش يا هانم، هيمشي لحد ما يقف قدامك ويسلم عليكِ.
ويصدعك باسطوانة حمضانه أحفظها عن ظهر قلب.
تبدأ: بسيليا ازيك، إيه الصدفة الجميلة دي؟ أنا مكنتش متوقع إني ممكن أشوفك هنا.
ثم يتجرأ ويجلس دون أي اعتبار للحارس الواقف جنبك، إلى هو أنا.
ويكلمك عن المدعوة ريري خطيبته المستقبلية ويقولك إنهم كانوا جايبين سيرتك النهارده يمكن من ساعة مش أكتر."
قبل ما أخلص كلامي الشاب وصل عندنا.
بص لسيليا باندهاش. "إزيك سيليا عاملة إيه؟"
قعد على الترابيزة وقبل ما يبدأ وصلت الشعر.
قلت بصرامة: "سيليا هانم، حان وقت انصرافنا."
سيليا بصتلي بغضب وكانت هتفتح بقها توبخني.
وكأن سيليا أول مرة شخص يخاطبها باللهجة دي، وكانت مترددة بين إنها تشتميني أو تشوف أنا هعمل إيه.
لكنها موقفتش من مكانها. اضطريت إني أمسك إيدها وأسحبها على العربية.
وهي بتقول بغضب: "انت بتعمل إيه يا مجنون؟"
"بحميكي يا هانم، بنفذ تعليمات سانتا هانم إلى أئتمنتني عليكي.
اركبى العربية من فضلك، النزهة خلصت."
"يا غبي؟ مظهري؟ شكلي؟"
قلت بنبرة صارمة: "في الفيلا ممكن نناقش كل ده. دلوقتي من فضلك التزمي بالتعليمات."
رواية الحارس الشخصي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسي
داخل السياره صرخت سيليا بغضب:
"انت انسان غبى ومعندكش ريحة الدم!"
التزمت الصمت، مردتش عليها.
قلت: "اطلع يا عم احمد."
بصلى عم احمد بنظره متعاليه من تلك النظرات التى يخص بها احد الصعاليك، أصله مش متعود ياخد أوامره مني.
صرخت: "بقلك اطلع يا عم احمد بسرعه؟"
الراجل المسكين داس على البنزين وانطلق بالعربيه بسرعة الصاروخ.
عندما اغضب تلمع عيني وتتغير ملامح وجهي.
صرخت سيليا المنفعلة: "انت حيوان مبتفهمش، لكن هنتظر ايه من واحد زيك؟"
كنت قاعد جنب عم احمد السواق، بصيت عليها لورا بنظره سلطويه تحكميه.
"نابوليون!"
بلاش تتفوهى بالحماقات يا هانم، متنسيش انك سليلة عائله عريقه ميصحش تنطق الألفاظ دى.
بسخرية قالت سيليا: "انت هتعلمنى اتكلم ازاى كمان؟"
قلت وانا لسه باصص عليها: "لما يتعلق الأمر بيا، هعلمك تتكلمى ازاى. لو بقط نطق بأى شتيمه او لفظ خارج متعرفيش هعمل فيكى ايه."
سيليا كانت مترددة، نبرتي كانت لا تحتمل الشك، قالت: "انت اتجننت؟ خالصورحمة ابويا دا هيكون اخر يوم ليك فى الفيلا."
"طيب يا سيليا هانم طالما اخر يوم خليه يعدى على خير عشان انا ايدي طرشة."
ضحكت سيليا بسخرية اكبر: "انت."
وأشارت بيدها علامة الاحتقار والتصغير: "هتضربني كمان؟"
صرخت: "سيليا؟"
وتركت الكلمة تلف وتدور في الهواء زهاء نصف دقيقة قبل أن أقول وأنا أضغط على الحروف: "هانم!"
"من حقك تلتزمي الصمت لحد نوصل الفيلا، بعدها نشوف سانتا هانم هتقرر ايه. أنا بنفذ التعليمات، هوصل الأمانة وهي براحتها."
قالت سيليا بنبرة ساخرة: "أمانة؟ يلا، انت فاكر نفسك ايه؟ انت حتت عيل شغال حارس عندنا."
رفعت يدي ولطمتها على وجهها بكل قوتي، قلت: "اسكتي، اقفلي بقك اللي بينقط زفت ده."
تحت وقع الصدمة، صمتت سيليا، يدها على خدها من قوة الضربة.
ثم سقطت دموعها من الوجع.
كنت عايز أضغط أكتر، انتقم من كل الإهانات التي تعرضت لها في تلك الفيلا اللعينة.
لكنها صمتت.
حل السكون داخل السيارة، عم أحمد كان متأكد أنني اتجننت.
واني شخص متهور غير قادر على التحكم في تصرفاتي.
سيليا، دموعها بتنزل، وشها مليان غضب، تتمتم بكلمات كثيرة لكن مش قادر أسمعها.
تحب المرأة أحيانًا أن ترغم على أشياء لا تحبها.
توقفت السيارة داخل الفيلا، سيليا نزلت ورزعت الباب وطلعت جري على المكتب وأنا طلعت وراها.
فتحت باب المكتب، سانتا كانت قاعدة في مكانها.
ابتسمت لسانتا: "الأمانة وصلت يا هانم بسلام."
سانتا شافت الدموع على وش اختها واتصدمت: "حصل ايه؟ فيه؟"
سيليا صرخت: "الكلب ده ميقعدش ولا دقيقة هنا."
تنهدت: "احترمي نفسك يا هانم، لو عندك أي شكوى قوليها لسانتا هانم. هي اللي طلبت مني آخد بالي منك."
سانتا بتبص بتبلم مش عارفة ترد تقول إيه.
لاحظت غمزة من عين سيليا.
بعدها صرخت سانتا: "امشي من هنا دلوقتي لحد ما أشوف هببت إيه."
صرخت سيليا: "الكلب ده يطرد من هنا، أنا هطلب النجدة."
قلت وأنا باخد خطوة لقدام: "احترمي نفسك."
قلت: "أنا مش عبد عندك ولا عند غيرك، هتشتمي تاني؟!!"
ولوحت بيدي.
صرخت سانتا: "إسماعيل انت اتجننت؟"
قلت: "امشي من هنا بسرعة."
"حاضر يا هانم."
قفلت باب المكتب وخرجت، روحت على غرفتي لميت هدومي كلها وحطيتها في الشنطة.
ولعت سيجارة وأنا ببتسم: "لدي من النقود ما يكفي لشراء لفافات التبغ والقهوة لشهور كثيرة قادمة دون الحاجة للنظر في وجه أي فتاة لعينة."
كنت متأكد أن سانتا مش هتتخلى عن اختها ولا يمكن أن تغفر أني قمت بلطمها على وجهها.
جلست أنتظر، فقط، نداء عبد المعين النحيل القذر: "انت مرفود اطلع بره."
***
داخل مكتب سيليا.
سانتا: "فيه إيه يا سيليا أنا مش فاهمة حاجة، أنا مقلتش إنك هتخرجي في نزهة ولا إن الحارس ده هيكون معاكي."
قالت سيليا بغضب: "أنا اللي قلت كده."
وحكت لسانتا إيه اللي حصل بالضبط وسانتا مندهشة.
سيليا القوية تعرضت للضرب؟
كان نفسها تضحك أحيانًا لكن الموقف برمته كان غريب.
قالت سانتا لسيليا: "هو الحماية والاهتمام ممكن يدفع شخص إنه يعمل كده؟"
سانتا التي افتقدت حماية الأب وتوجيهاته لم تكن تعرف كيف يحافظ شخص على شخص آخر.
أن يقوم بحمايته حتى من قلبه، أن يدافع عنه ويسيطر عليه.
"سيليا أنا قلتله فعلاً يحافظ على سيليا ويحميها، لكن الحمار ده ساق فيها. هو فاكر نفسه إيه؟"
قالت: "سانتا، لكن ده كان بينفذ تعليماتك بالحرف الواحد مغلطش."
سيليا بغضب: "انتي بتقولي إيه، بقلك الحيوان ده ضربني."
قالت سانتا: "لكن انتي شتمتيه يا سيليا ودا مش مقبول."
صرخت سيليا: "سانتا أنا مش ناقصة كلامك ده، من فضلك اخرجى من الموضوع أنا هعرف أربيه كويس."
"ورحمة بابا هبهدله."
خبط باب المكتب ودخل عبد المعين.
"أنا آسفة يا هوانم لكن فيه حاجة غريبة حصلت لازم تعرفوها."
صرخت سيليا بغضب: "فيه إيه؟"
عبد المعين برعب: "الحارس إسماعيل موسى قدم استقالته من الشغل. وده أول مرة تحصل في الفيلا. إحنا طول عمرنا بنرفد الموظفين، لكن موظف يقدم استقالته دي حادثة مدهشة."
صرخت سيليا: "فين الحيوان ده؟"
عبد المعين بتردد: "شايل شنطته على كتفه، مولع سيجارة ماشي ناحية مخرج الفيلا."
رواية الحارس الشخصي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسي
سيليا بغضب:
دا مش ممكن يحصل، هو فاكر نفسه إيه؟ ما فيش شخص يرحل من الفيلا غير بمزاجي، ولازم يسمع كلمة "أنت مرفود".
عبد المعين:
نعم يا هانم.
سيليا:
أجري وقف المجنون ده، متسمحش ليه يغادر الفيلا مهما حصل.
عبد المعين:
لكنه مصر يا سيليا هانم.
سيليا:
اتصرف يا عبد المعين! أنت مش بتقبط فلوسك عشان تقول "مش عارف".
ركض عبد المعين بجسده النحيل على الدرج تجاه مخرج الفيلا وهو يصرخ:
أستاذ اسماعيل، وقف من فضلك.
لحقني عبد المعين بره الفيلا وهو يلهث، قال:
انت لازم ترجع، الهانم رفضت استقالتك.
قلت له:
مش راجع.
أقمني عبد المعين بنظرة منكسرة:
انت كده هتقطع أكل عيشي، عشان خاطري ارجع معايا بعد كده روح مكان ما انت عايز.
في الشرفة، سيليا كانت واقفة هي وأختها سانتا بيبصوا علينا. بصتلهم بصه طويلة بتناحر:
ارجع يا عبد المعين للهانم وقلها إسماعيل موسى مش هيرجع غير بشروطه.
عبد المعين كأنه تلقى بلطة على دماغه صرخ:
انت بتقول إيه؟ انت كده بتبوظها أكتر.
قلت له:
ارجع يا عبد المعين ومضيعش وقتي، اها هدخن سيجارة هنا على بال ما توصلها الرسالة.
قعدت على الأرض وولعت سيجارة، عبد المعين ملقيش فايدة. رجع يجر أقدامه على مكتب سانتا.
ضحكت سيليا، كركرت:
والله عال، بقا ده عايز يشرط علينا؟
سانتا:
سيليا أختي، انت كنتي مقررة تطرديه، خلاص سيبيه يمشي؟
سيليا بغضب:
بقلك ضربني على وشي، ضربني! لازم يتعاقب عقاب شديد، يتذل، يخضع، يستجدي عشان أغفر له.
صرخت من بره الفيلا:
عبد المعين، أنا مش هقعد هنا كتير، عايز الرد بسرعة.
بصراحة، كنت مستبيع ومش عايز أرجع تاني، وكنت بحط العقده في المنشار عشان يرفضوا وأخلص.
صمتت سيليا شوية:
ماشي يا عبد المعين، خليه يجي، هنقعد مع بعض نشوف شروطه إيه.
رواية الحارس الشخصي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسي
كنت ماشي بين الموظفين بفخر. نفسي أصرخ: لقد تخلصت من الميثاق، القانون اللي سانتا اخترعاه عشان تدوسوا على رقبتكم.
وأخدني الغرور ومشيت وسطيهم مزهو وأنا بدخن سيجارة. نسيت إني كنت واحد منهم من مدة بسيطة، وكنت برتعش لما أشوف سانتا وأحط إيدي على قلبي، لحسن تكلمني.
مقدرش أتهم شخص منهم بالجبن. الأوضاع اللي بتمر بيها البلد خلت كل الناس البسيطة بتجري ورا أرزاقها وبتتحمل إهانات كتير عشان لقمة العيش.
قعدت أشرب فنجان قهوة واتخيلت نفسي روبن هود، وإني ببعض الإصرار والمثابرة يمكنني أغير ميثاق الفيلا.
ضربت كف على كف. الدنيا دي غريبة، كل ما تمسك فيها تتخلى عنك، ولما تديها ضهرك تحترمك. مش تماماً، لكن نوع ما بالتأكيد.
سانتا بتكرهني، وسيليا أكتر. أنا متلهف أعرف هيعملوا فيا إيه، ومعاملتهم هتكون شكلها إيه؟
أنا مش مضطر أتحمل كتير. اللي في دماغي نفذته. لما أشعر بضغطة، هستقيل ومش هرجع هنا تاني.
وأنا خارج من صالة الأكل ناحية غرفتي، كان باب المكتبة مفتوح ولمحت سيليا بتبص علي. لكنها مكنتش غضبانه أو منزعجة. شاورتلي بإيدها ونزلت المكتبة.
غيرت طريقي ناحية المكتبة. نزلت درج السلم. سيليا كانت قاعدة بتبص علي.
قالت: تعالي، اقعد.
مرت بي لحظة شك قبل ما أقعد. توقعت إنها هتوبخني أو تعاقبني، وإن انتقامها بدأ.
ابتسمت سيليا، ابتسامة مخضرة جميلة، كأن الصبح شقشق والعصافير غردت، وخرير نبع ماء قريب داعب أذني.
"إنت عرفت إزاي إن الشاب في النادي هيعمل كده؟"
حطيت كفة إيدي على ركبتي. "كان واضح يا هانم. حركاته كانت متوقعة. أنا شاب زيه، ولو في نفس إمكانياته وموقفه، مش ممكن أشوف قمر زيك وما أحاولش أقرب منه."
"الصراحة يا هانم، أنا كنت بتوقع نفسي، وإيه اللي كنت ممكن أعمله لو كنت مكانه. كنت بقرا نفسي."
استمرت ابتسامة سيليا الرقيقة. ولأنكم معايا من أول القصة، لازم تعرفوا إن ابتسامة سيليا غير عادية، وإنها تشبه تفجر سلة زهور في وجهك ساعة صبحية باردة والندى يقطر من العشب.
وسمحت لنفسي إني أتأمل عينيها ووجهها، كأني أهم برسمها. واختفت ضجة المطعم والعالم من حوالي. وتحولت كل كتب المكتبة لحراس يحملون شعلات مضيئة يحيطون بي أنا وسيليا ونحن جالسين في حديقة مفتوحة تطل على نهر.
"وعدت لوجه سيليا بقسماته الدقيقة مرة أخرى، أنا آسف إني صفعتك يا سيليا هانم. أنا عايز حضرتك تعرفي إن الضرب مش من طبعي، وإني بلجأ ليه في حالات نادرة لما ملاقيش كلمة تقدر تعبر عن إهانة تعرضت ليها."
مررت سيليا يدها على خدها المصفوع، وتألمت أنا! تألمت لأني قمت بضربها، تألمت لأني لست كفؤ لها، تألمت لأني لا أستطيع أن أحادثها إنسان إلى إنسان، ند لند بما يطوف بداخلي.
قلت: "أنا لازم أستأذن بعد إذنك يا سيليا هانم."
"خليك، استنى شوية. إنت دايمًا عصبي كده؟ يا أخي اللي يشوفك في النادي والعربية يقول إنك اشتريتني. أنا كنت مصدومة جداً وأنا بسمع أوامرك ونبرتك السلطوية القوية. بتعمل كده دايمًا؟"
"لو شخص مهم ليا، أعمل كده وأكتر. أقولك سر يا هانم؟"
"قول يا سيدي قول!"
وشعرت بحلاوة الحكي، وذابت كل الفوارق بيننا. في علاقاتي لا أقبل إلا أن أكون مسيطر.
"تصعبت سيليا. كل الرجالة كده، إيه الغريب؟"
ولعت سيجارة ضاربًا بكل المحاذير عرض الحائط. "أنا مختلف يا هانم عن غيري."
"مختلف؟ كيف مختلف؟"
"أنا يا هانم بلا فخر، انتزع أحقيتي بالسيطرة ولا أفرضها. لازم أخلي الشخص اللي معايا يسلم لي بقيادتي وسيادتي ويقتنع بيها، ويشعر أنني أستحقها، بل ويطلبها مني."
"إنت مغرور جدا."
"مش غرور، أنا قولتلك سر مش أكتر."
"سيليا هانم؟"
"نعم يا إسماعيل!"
"ما أنتم بتتكلموا زينا أهو وبتعرفوا تتحاوروا. لازمتها إيه تذلوا اللي خلفونا بالأوامر والمواثيق؟"
وغيرت نبرتي لنبرة مضحكة وأنا بسخر وبقلد عبد المعين.
"لو الهانمصبحت عليك لازم ترد، لو مردتش هتترفد. لو رديت هتترفد. مفيش موظف هنا كمل ٦ شهور أبداً."
"الصراحة قوانينكم مجحفة يا هانم وظالمة."
قالت سيليا: "لكن إنت كملت ٩ شهور أهو ومحدش رفدكوا، وكمان محدش تلككلك ولا حاجة."
"كنت محظوظ يا هانم. هقولك سر تاني، أنا كنت بهرب من أختك المتسلطة سانتا. كنت أرتب وردياتي بعيد عن وشها، وده اللي خلاني أكمل المدة دي."
"يااه أنا اتكلمت كتير يا سيليا هانم، ولازم أنام وأحضر نفسي لتلكيكات وعصبية سانتا هانم بكرة."
ومشيت وأنا مانع نفسي أتلفت وأبص عليها. بيقولوا إن اللي يتلفت ويبص على بنت أكتر من سبع مرات بتكون من نصيبه. لكن أنا بصيت ألف مرة في خيالي لحد ما رقبتي وجعتني، وقبضت على ملامح سيليا عشان تنام الليلة في حضني.
***
بعد ما الحارس مشي، سانتا مقدرتش تقعد في المكتبة. لم تطيق البقاء ولا لحظة. وتوجعت أكتر لأن كل الموظفين بيكرهوا سانتا. في الماضي ده مكنش مسبب ليها أي قلق إن حد يكرهها، لكن اللحظات اللي فاتت شعرت بضيق.
كان نفسها ينطق اسمها بطريقته المضحكة. وقعدت تفكر، هي سيليا أختها ليه كذبت عليه وقالت على لسانها هي، سانتا، إن سيليا هتخرج في نزهة وخلي بالك منها؟
في طريقها لغرفتها، شعرت بحلاوة في بلعومها، كأن كل الكلمات اللي سمعتها وقالتها كانت بطعم الكرز. وتذكرت إنها منذ زمن طويل جداً لم تخوض حديث شيق لتلك الدرجة.
رواية الحارس الشخصي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسي
في الصباح الباكر عندما استيقظت الديكة وصاحت، كنت نائمًا في سريري لم أستيقظ بعد. إلا أنني بطلوع الروح وعن طريق الصدفة السعيدة، وصلت السيارة قبل ظهور سانتا.
وصلت سانتا بوجه متبرم، وجه امرأة عانت من ليلة طويلة كئيبة في أحضان رجل لا تحبه.
فتحت الباب قبل ما سانتا توصل، ولاحظت أنها لابسة جزمة كعب عالي ماركة شانيل، تعلوها تنورة اسكتلندية جد قصيرة وقميص أبيض ضيق محشور داخل التنورة. وكان يفوح منها عطر باكو رابان. اختيار غير موفق لصبيحة كالحة.
انطلقت السيارة حتى وصلنا الشركة.
"تعالى ورايا" قالتها سانتا بنبرة متحكمة.
لما وصلنا المكتب قالت:
"ممكن تنتظر هنا"
دخلت سانتا المكتب وأنا فضلت واقف برا، وفكرت إن انتقام سانتا بدأ، وأنها هتعاملني بطريقة شرعية مهينة.
أربع ساعات بالضبط وأنا الحارس الشخصي أقف أمام مكتب الهانم. وكل شوية كانت بتبص ناحيتي وتبتسم.
أول ما خرجت من المكتب مكنتش شاعر بقدمي من الوقفة.
"الحمد لله هنرجع الفيلا وأريح شوية"
سانتا طلبت من عم أحمد يقود على النادي وأنا بحاول أفكر هي عايزة إيه.
وصلنا النادي ومشيت ورا سانتا لحد ما دخلنا. وكما توقعت، طلبت مني أن أظل واقفًا بجوارها.
جلست الهانم البغيضة على المقعد وراحت تسفح المشروبات خلف بعضها، وأنا أتمتم بسبات لعينة في حقها.
"هوا آخر ما ينقصني"
وصل ذلك الشاب اللعين ذاته الذي حاول أن يتحدث مع سيليا. ولما لمحها قرب من الطاولة اللي قاعدة عليها. لكن لما شافني تردد لحظة، بس سانتا شاورتله يقرب.
وقرأت في عينيها إنها بتحاول تذلني. قعد الشاب وراحوا يتضاحكون على مواقف فارغة وأنا بحاول أسد وداني.
بعد كده الشاب قال:
"أنا مضطر أسيبك يا سيليا"
هو مكنش عارف يفرق ما بينهم.
سألته سانتا:
"ليه؟"
قالها:
"فيه مسابقة ركض داخل النادي ولما مشارك فيها ولازم أكسب"
سانتا:
"يلا بينا أنا هتفرج عليك وأشجعك"
وبصت عليه وعينها رمشت.
وصلنا مضمار السبق. سانتا بصتلي وقالت:
"اقلع هدومك واستعد تشارك في السبق، أنت لازم تقتل نفسك وتكسب السبق ده"
قلت:
"آسف يا هانم أنا مش محضر نفسي للجرى، مش معايا ملابس رياضية"
سانتا قالت بهدوء:
"أنت تعمل اللي أؤمرك بيه مفيش نقاش، أنت شغال عندي وأنا هتصرف في الهدوم"
حدقت في عيونها.
"من حقك تأمريني أدخل السبق، لكن مش من حقك تحددي أكسب أو أخسر"
"موافقة" قالت سانتا وهي بتتحرك من مكانها. بعد شوية رجعت ومعاها ملابس رياضية وشاورت على الحمام.
غيرت هدومي ورجعت.
"هذه البعوضة القزمة القصيرة لا تملكني، سأشارك في السباق لكن مش هتحرك خطوة. هيجيني شد عضلي وهنام على الخط"
حول المضمار التف مجموعة من الأوباش وتحلق بعض الشبان المدللين يصرخون "بابا ماما". واستعد الحكم القصير الثخين الذي يملك أكبر كرش رأيته في حياتي لإطلاق صافرته.
ورأيت هذا الشاب ينظر لسانتا بثقة. الحقيقة أنا مكنتش حاسس برجلي من الوجع، لكن لما لمحت ابتسامة الشاب السمجة غيرت رأيي. أنا بغير رأيي بسرعة كبيرة لما حد يستفزني.
وانطلق السبق وركضت بكل سرعتي واشتد العزم وثابرت على وتيرة ركض قوية أبعدتني عن كل المتسابقين. ورأيت خط النهاية بعيني، ثم فكرت: "من أنت؟ من تكون؟ ماذا يعني أن تفوز بسبق؟ هل سيغير ذلك أي شيء؟ أنت لا شيء بين هؤلاء المتعجرفين، واحد منهم يستحق النصر أكثر منك."
توقفت عن الركض وأكملت السباق مشيًا، وكان ترتيبي الثالث.
انتهى السبق وروحت على الحمام غيرت هدومي ورجعت. سانتا كانت واقفة مع الشاب ده بتهنيه بانتصاره. ولم يسأل أي شخص من الأوباش المرفهين لماذا توقفت عن الركض قرب خط النهاية.
التفتت سانتا ناحيتي وقالت:
"أنت فشلت، انهزمت"
قلت:
"ثلثي الهزيمة مكسبك"
حديثي آثار اهتمامها وفضولها. قالت:
"إزاي؟"
قلت:
"البعض بعد الهزيمة يتوقف مكانه وهذا هو الخاسر الحقيقي. والبعض تدفعه الهزيمة للمحاولة مرة أخرى. والصنف الأخير هو الذي تدفعه الهزيمة لإعادة حساباته واختيار طريق آخر ينجح فيه. يعني الهزيمة أحيانًا بتكون مكسب. وأنت بقى خسرت ليه؟ خسرت لأني كنت عايز أخسر ولأن المكسب مكنش يعني لي أي شيء"
قالت سانتا:
"لكن أنت طلبت منك تكسب؟"
قلت:
"لهذا السبب قررت الخسارة، مش معقول يا هانم أحرج صديقك قدام الناس. أنا كنت براعي شعورك يا هانم وأنا دائمًا في خدمتك"
"دلوقتي بعد إذنك لو تسمحي يعني عايز أدخن سيجارة وأرجع الفيلا"
"أنت مش شغال في محل كشري، أنت حارسي الشخصي، يعني رجلك تكون على رجلي في كل مكان وتحافظ على سلامتي دي مهمتك الأساسية. وهترحل لما أنا أسمح لك ترحل، ومش عايزة أسمع كلمة عايز تاني"
"أنا بقتنع لما يكون الكلام مقنع، وأحيانًا لما أكون مرغم على الاقتناع عشان أريح دماغي"
"أوامرك سانتا هانم"
"أوامرك، أنا هنا من أجل سعادتك، طوع مزاجيتك"
تمت مهمة سانتا بنجاح. تعرضت للإذلال قدام الشاب نفسه. سانتا كانت بتأدبني عشان اللي عملته مع سيليا، رغم إني كنت بنفذ أوامرها.
أكيد للمرة العشرين بتسأل نفسك وأنت بتقرأ القصة: هو ليه مضطر لكده؟ ممكن يسيب الفيلا ويرحل والشغل كتير. معاك حق طبعًا، لكن أنا شخص مش بحب أخسر قدام امرأة.
كنت حانق على سانتا جدًا وعايز آكلها بأسناني، بس كان لازم أروح المكتبة. سيليا أكيد هتكون موجودة هناك وكلامي معاها هي هون عليه حاجات كتير.
روحت المكتبة وكانت سيليا بانتظاري. حكيت لها اللي حصل في النادي. وكانت بدأت، بدأت تعتبرني صديق مش خادم عندها. ولمحت لها عن رغبتي في ترك العمل، لأني كنت اكتفيت من تلقي الإهانات من أختها.
كانت سيليا بتسمع بتألم واضح. لما قلت لها إن مفيش أي حاجة هنا تخليني أستنى وأتحمل أكتر من كده. قالت:
"لا فيه. خليك عشاني أنا"
الكلمة كانت غريبة. سيليا صححتها بسرعة:
"لأنك الوحيد اللي عندك ثقافة، ولو مشيت مش هلاقي حد أتكلم معاه وهشعر بالوحدة"
وهنا أدركت إنها مهتمة بي كإنسان وليس كخادم أو حتى حارس شخصي.
رواية الحارس الشخصي الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسي
في الأثناء التي واصلت فيها سانتا تعمد إهانتي، توطدت علاقتي بسيليا.
كانت سانتا تصب كل غضبها فوق رأسي، تختلق حركات تافهة فقط لتصرخ في وجهي، كتلميذ في مدرسة ابتدائية يعنفه مدرسه كل حصة.
وكنت أكرهها من أعماق قلبي، ولطالما تمنيت أن تكون الصفعة التي نالتها سيليا من نصيبها.
كنت أحكي لسيليا عن توحش سانتا، عصبيتها، وقلة لياقتها، ورغبتي في الرحيل في أقرب فرصة.
"كل ما انتظرته يا سيليا أن أركُل أختك سانتا على مؤخرتها، حينها سأغادر الفيلا بلا رجعة."
لكن سانتا كانت حريصة جداً، وكان انفعالها فقط في الأمور الخاصة بالعمل.
تعمدت استفزازها أكثر من مرة لتخرج عن هدوئها وتطول لسانها، حتى أصفعها الصفعة المنتظرة.
"بس سانتا كانت فاهمة كده ولم تمنحني أبداً سبب لذلك."
***
كان يوم 30/8 لما سانتا طلبتني في مكتبها ليلاً على غير العادة.
كانت مبتسمة وهادئة.
قالت: "الآن أيها الحارس، يمكنك حمل حقيبتك والرحيل من هنا، أنت مرفود."
"كان يمكنني أن أذكرها بالميثاق والعقد الموقع بيننا، لكن الصراحة كنت مليت كل ده."
"الليلة لا تبات في الفيلا."
"بصيت على الساعة كانت 12 بالليل، يعني سانتا قاصدة تبهدلني."
"عايز تقول حاجة؟"
قلتلها: "أيوه، عايز أقول إني سعيد جداً وفخور إني أول شخص صفعك على وجهك في حياتك يا سيليا."
"أنا الشخص اللي إيده انطبعت على خدك وخلتك بكيّتي."
"أنا كنت عارف إنك سيليا من يوم الاجتماع اللي كتبنا فيه العقد هنا في المكتب."
"وقدرت أتأكد وأميزك بعدها من نوع عطرك."
"كنتي مش بتغيري البرفان بتاعك، باكورابان، وبتحركي إيدك اليمين لما تتكلمي، عندك متلازمة حركية."
"طبعاً بتسألي نفسك ليه فضلت ساكت ومخبي الفترة دي كلها؟"
"كنت عايز أعرف آخرك إيه يا سيليا وانتقامك هيوصل لفين."
"وكمان مكنتش عايز أمنحك سبب يعصبك أكتر."
"طلعت ورقة من جيب بنطالي وأديتها لسيليا."
"أنا كنت متوقع كمان إنك هترفديني قبل ما الشهر ما يخلص."
"عشان كده كتبت استقالتي، اتفضلي اقريها."
"كنت متأكد إن قبل ما الشهر بتاعك ما يخلص وتمسك سانتا الإدارة، هتخلصي مني."
"عايزك تعرفي حاجة واحدة، صراخك، إهاناتك، تعمدك إذلالي، كان بموافقتي. أنا اللي سمحت بكل ده."
"الاستقالة كانت موقعها بتاريخ 31/8."
"وبما إن الساعة عدت 12 بالليل، التاريخ صح. أنا كنت سابقك بخطوة يا هانم في كل مرة."
"ودلوقتي مش فاضل غير كلمة واحدة، سلام يا هانم."
ومشيت وقفلت الباب ورايا وأنا بسمع صراخ سيليا، تحطيمها لفناجين القهوة وزجاج المكتب.
"سبابها ولعنها: حقير، سافل، مخادع، خائن، كاذب، خبيث، مكار، متوحش."
كنت تحت الشرفة لما سمعت كلمة "متوحش"، والصراحة كنت عايز أرجع وأسألها "متوحش إزاي؟"
بس محبتش أعقد الموضوع أكتر من كده.
***
خرجت من مكتب سيليا منتصراً. صحيح كنت حزين لأني هفقد حديثي مع سانتا.
لكن سانتا شخصية جبانة. أكتر من مرة لمحتلها تقول الحقيقة، لكنها كانت خايفة. معندهاش استعداد تتهور أو تتجنن، والنوع ده كثير الحذر والتفكير والتعقيد لا يناسبني مطلقاً.
حملت حقيبتي فوق كتفي، ودعت من قابلني من الموظفين، ومررت على العم سعيد، أيقظته من نومه وودعته.
قال: "رايح فين يا إسماعيل؟"
قلت له: "ماشي، خلاص أكل عيشي خلص هنا."
قال: "إيه اللي حصل؟"
قلت له: "اتصادمت مع سيليا وطردتني، البنت دي شريرة جداً يا عم سعيد."
"الناس كلها فاكرة سانتا شديدة وحازمة لأنهم توأم، محدش يعرف إن سيليا هي الشريرة ما بينهم."
بصلي عم سعيد بغباء: "سيليا مين وسانتا مين يا ابني؟!"
قلت له: "يا عم سعيد، مش وقت زهايمر الله يرضى عليك، أنا بتكلم عن سيليا هانم وسانتا هانم."
واصل العم سعيد نظره نحوي: "ليه فترة مشفتش سانتا وسيليا؟"
قلت له: "عشان أنت قاعد هنا ليل نهار ومش بتغادر الفيلا."
قلت له: "امال إيه يا عم سعيد؟"
قال لي: "لأن بيرى هي اللي ماسكة الإدارة دلوقتي."
"روح نام يا عم سعيد، نام يا راجل، بيرى مين؟"
استمر العم سعيد في حديثه الجاد: "بيرى هانم هي المديرة دلوقتي."
قلت له: "أنت هتجنني، أنا كنت بكلم الاتنين وتأكدت إنهم سيليا وبيرى. أنا حتى واجهت سيليا بالحقيقة مقدرتش تنكر."
"لأنك غبي،" صرخ العم سعيد بثبات، "عديم تفكير، أضحك عليك."
"كنت فاكرك ذكي وهتفهم اللعبة."
"بيرى ولا سيليا، أنا خلاص مش هقعد هنا ولا دقيقة."
قال العم سعيد: "مش هتسمحلك تمشي، أنت عجبتها وبقيت لعبتها خلاص."
"بيرى مش بتتخلى عن لعبتها لحد."
رواية الحارس الشخصي الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسي
بيرى مين يا عم سعيد أنت هتجننّي؟
حملق عم سعيد بوجهي بنظرة مطولة كأنه يتعرف عليّ، يراني لأول مرة!
أنت فاكر إني بهزر صح؟ وفاكر إن وجودك هنا واستمرارك كان صدفة؟
بيرى متحكمة في كل شيء، بيرى هي المخرج بتاع الفيلا اللي بتحرك الممثلين.
عم سعيد الله يرضى عليك أنا مش ناقص، أنا خلاص كتبت استقالتي وسلمتها لسيليا والموضوع انتهى.
رمقني العم سعيد بنظرة مرعبة، تمتم واستعاذ: أنت كمان كتبت استقالتك؟
قلت: أجل يا رجل يا عجوز، أنا مش ممكن اسمح لحد يستكردني، كنت متوقع اللي هيحصل وسبقتها بخطوة.
ضميري مستريح إني انتقمت منها وضربتها على وشها بالقلم.
ضربت مين؟
ضربت سيليا يا عم سعيد.
مستحيل الكلام ده، مش ممكن أصدقه.
طيب يا عم سعيد أنا هرحل دلوقتي وأتمنى مشوفش وشك تاني حتى في كتب الرسم.
صمت العم سعيد لم يرد، كان بيفكر وسرح مني.
عم سعيد عايز حاجة؟
قال العم سعيد: بلاش يا إسماعيل.
بلاش إيه يا رجل يا خرف، أنا خلصت كل حاجة.
ماشي.
العم سعيد أنت مخلصتش حاجة، القصة لسه هتبدأ وأنا بحذرك تسيب الفيلا.
ارجع لبيرى، استسمحها، اترجاها تعفو عنك.
كفايك تخريف يا سعيد، بيرى بتاعتك دي هتعمل إيه يعني؟
بيرى محدش يقدر يتوقع تصرفاتها يا ابني، ممكن تقتلك، تخطفك وتحبسك، تجننك.
والله العظيم أنت خرفت يا عم سعيد، أنت فاكر نفسك في بيت الرعب؟
أنا قولت اللي عندي ونصحتك، لكن قبل ما تمشي عايز أوريك حاجة.
اتفضل ياعم سعيد!!
رفع العم سعيد طرف بنطاله وشفت جرح طويل من أول وركه لحد أصابع رجليه.
مش لازم تعرف سببه إيه، لكن أنا حذرتك، واسأل عبد المعين وهو يقول لك.
اقتنعت إن العم سعيد عنده زهايمر وبيتذكر قصص الطفولة اللي والدته الله يرحمها كانت بتحكيهاله قبل النوم عن الوحوش والعفاريت.
خرجت من غرفة عم سعيد ومشيت ناحية باب الفيلا، كلام العم يعيد بيرن في وداني.
عارف إنه بيخرف لكن الصراحة كنت قلقان.
أنا عرفت سبب العرجة اللي عند العم سعيد.
عبد المعين كمان بيعرج على رجله زي كده.
كفايك أوهام يا عم إسماعيل، خد بعضك وامشي من الفيلا دي، خلي قصتك تنتهي.
أنت زهقت والناس اللي بتتابع القصة زهقت، أنا متأكد جداً من كده.
وأنا متفق تماماً معاكم.
وأنا خلاص قدمت استقالتي وأنهيت كل حاجة بخصوص القصة وحان الوقت لاستئجار غرفة صغيرة فوق سطح منزل أسكنها رفقة الجرذان والقطط.
ومشيت في الشارع شايل شنطتي وأنا بحب جداً أشيل حقييتي فوق كتفي وأمشي في الشارع وأنا بدخن سيجارة.
رواية الحارس الشخصي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسي
كنت أرغب في عزلة طويلة بعيدًا عن أي كائن بشري، أقضيها بمفردي بعد ما لاقيته وتحملته من سانتا وسيليا.
استأجرت غرفة فوق سطح عمارة بإيجار معقول، ابتعت تبغًا، شاي، سكر، هذا كل ما أحتاجه في الوقت الحاضر.
الغرفة كان فيها سرير مخلع ومقعد ينقصه قائم، طاولة قديمة قذرة، وموقد كيروسين ولمبة مرتعشة الضوء كأنها تعرضت لخضة.
ولعت سيجارة مع كوباية شاي وأنا أراقب الشارع من فوق، شوية وقررت النوم.
رميت على السرير ويدوبك عنيا هتغمض، فأر قذر عدى من فوقي بسرعة خارقة ونط من الشباك.
تمتمت بلعنة معتبرة وقمت من مكاني، لا يمكن أنام أنا والفيران في مكان واحد.
عملت تمشيط للغرفة اللي كانت محتاجة عملية ترميم، وقررت أنام بره الأوضة.
افترشت الأرض ونمت تحت السماء المرصعة بالنجوم، والصُبة كسرت عضمي.
عدى أكتر من أسبوع وأنا في عزلتي، يدوبك أنزل أشتري الفطار والأكل وأرجع على غرفتي.
صاحبة العمارة كانت ست أربعينية معاها بنت وحيدة، والظاهر كانت بتتابعني.
وأنا نازل في مرة، وقفتني على السلم، قالت: "بص هو انت وراك حاجة أو هارب من حاجة؟"
قلتلها: "ليه بتقولي كده؟"
"أصلي لا شايفاك بتخرج تنزل شغل ولا جامعة ولا أي حاجة؟"
ابتسمت وولعت سيجارة وأنا أعاينها.
قلتلها: "قرفان."
قالت: "قرفان من إيه؟"
"البني آدمين، بعيد عنك."
الست ضربت أيديها في بعضها وعينيها برقت، ولقطت الكلمة من على لسانها.
قلتلها: "متخفيش، أنا مش مجنون ولا حاجة، لكن أنا محتاج عزل."
"مزاجي طالب معايا أقعد مع نفسي دون اختلاط مع حد."
الست طبعًا مش فاهمة أي حاجة.
"يعني أنت مش وراك مصيبة ولا حاجة؟"
قلتلها: "لا متقلقيش يا حجة، إيجار الأوضة هيوصلك أول كل شهر، واعتبريني مش موجود هنا، ممكن؟"
قالت: "طالما مش وراك مصيبة، براحتك، أنا مالي."
قلتلها: "ديل، سلام."
سبتها واقفة على السلم بتراقبني وأنا طالع السلم لحد ما وصلت الأوضة.
بلدنا دي عمرها ما هتقدم طالما مش بتحترم مزاجية الناس وخصوصياتهم.
رغم كده، قلب الست مكنش مطمن، وكانت بتتخذ الدجاجات على سطح البيت حجة عشان تراقبني.
وعدت الأيام وأنا مستمتع بعزلتي، دقني كبر وشعر رأسي، وتحولت لمظهر الفنان الفيلسوف اللي بعشقه.
وقت العصر، كنت نايم منبطح على السطح مستمتع بشمس الشتاء.
لقيت صاحبة البيت طالعة عندي.
سبتها ميت مرة في سري قبل ما تتكلم.
قالت: "يا أستاذ إسماعيل، فيه واحدة تحت بتسأل عليك."
"واحدة بتسأل عليه أنا؟"
"أيوه، واحدة وشكلها مهمة."
نزلت ورا الست بهدوم البيت، ترنج وتيشرت ومظهري المخلع.
تحت العمارة كانت عربية سيليا واقفة وسانتا متكية على العربية، خافية وشها بنظارة شمس.
"أستغفر الله العظيم يارب، ودي عرفت مكاني إزاي؟"
سانتا تأملتني وقالت: "غير هدومك هتيجي معايا."
قلتلها: "بتقولي إيه؟"
"هتيجي معايا."
"آسف، قلت، أنا استقلت ومش راجع تاني الفيلا."
"متنشفش دماغك يا أستاذ إسماعيل واركب معايا، ولا أنت خايف؟"
"هخاف من إيه؟" قلت بعصبية، لكن كلامها كان قلقني الصراحة، نبرتها مكنتش مطمناني.
قلتلها: "خلاص، بكرة أبقى أزور الفيلا."
"دلوقتي حالا."
رواية الحارس الشخصي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسي
عاينت سانتا، لأول مرة أشوفها بنت ثلاثينية جميلة المعالم وجذابة. قبل كده كنت ببصلها ككائن غامض، حاقد، عنيف، تافه.
مقدرش أنكر إنها لذيذة ولديها إمكانيات خرافية. ولابد إنها لاحظت نظرتي ولمعت عيني.
شاورِت بإيدها: "اركب!"
"شيلى النضارة."
"قلت?"
"ابتسمت سانتا، انت بتأمر كمان؟"
"أنا مبقتش حارس عندك فى الفيلا يا سانتا، اخلعى القناع اللي انتي لابساه ده."
"ليه متأكد إنّي سانتا؟ مش يمكن سيليا؟"
"سيليا، سانتا، مش هركب غير لما تشيلي النضارة."
رفعت نضارتها، شفت عينيها وتموجات جسدها المتكيء على السيارة.
"لأ بأس. غير هدومي وارجع لك."
"اركب."
طلعت دماغ من جوه العربية بعد ما الباب انفتح. مكنتش لاحظت إن فيه شخص مستني جوه العربية.
لحظة وقفت مشدوه، مش قادر أفرق بينهم، وحسيت إني متلخبط وإن الموضوع أعمق مما أتصور.
كانت نظرتها حادة كالسكين تجبرك على طاعتها.
"انتي مين؟" قلت.
همست سانتا: "دي بيرى."
قلت في نفسي: بيرى الشريرة ظهرت. افتكرت رجل عم سعيد والسكرتير عبد المعين.
"طيب هغير هدومي وارجع."
"هشتريلك هدوم جديدة بس اركب."
ضحكت: "الموضوع كله غريب، انتي هتشتريني يا بيرى هانم؟"
"بيرى: أيوه هشتريك."
وطلعت من جنبها رزمة دولارات لوحت بيها.
"اركب."
"انتي بتتكلمي بجد يا بيرى هانم؟"
"بيرى بصرامة: أيوه بتكلم بجد. أنا هشتريك. حدد السعر."
ضحكت مرة ثانية.
"انتم بتعملوا فيا مقلب صح؟"
"بيرى: على ما أعرف إنك راجل. انت ضربت سيليا بالقلم وقد كلامك. وأنا بطلب منك تحدد تمنك وأنا هدفع."
طلعت سيجارة وولعتها وأنا بعاين بيرى.
"مش فاهم يا هانم. هتشترييني إزاي؟"
"هتاخد الفلوس اللي هتطلبها وهتوقع على عقد."
"عقد إيه يا بيرى هانم؟"
"مش هينفع نتكلم في الشارع. اركب نروح على الفيلا ونتفق. متخافش مش هنخطفك. كانت راجل كبير مش طفل صغير."
كلامها استفزني. ركبت العربية والسيجارة في بقي، وكنت قاعد جنب بيرى وسانتا سايقة العربية.
محصلش بينا كلام خلال الطريق لحد ما وصلنا الفيلا.
بيرى طلعت على المكتب وقالت: "تعالى ورايا."
قلتلها بشك: "دا مستحيل لازم أغير هدومي."
قالت: "ماشي، لكن متحلقش دقنك ولا شعرك. غير هدومك بس."
"طالما شكلي عاجبك معنديش مانع." قلت بمرح.
فعلاً كانت فيه هدوم جديدة في غرفتي. لبستها وطلعت على المكتب.
داخل المكتب التلاتة كانو موجودين. قعدت وحطيت رجل على رجل.
قلتلها: "المبلغ اللي أنا أحدده."
قالت: "أيوه."
قلت: "عشرين ألف جنيه." ضربت أول مبلغ جه في دماغي.
"بيرى قالت: موافق."
"اسمع بقا، انت هتشتغل عندنا ومش من حقك تعترض على أي حاجة. وهتمضي على عقد فيه شرط جزائي. مش من حقك تعترض على أي حاجة تطلب منك. عشرين ألف جنيه مبلغ محترم كل شهر."
رزمة الدولارات تقريباً 10000 دولار يعني 300000 جنيه.
قلت: "موافق."
طلعت ورقة وقالت: "امضي."
رواية الحارس الشخصي الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسي
بصيت على العقد وعلى بيرى إلى كان واضح إنها هي اللي بتدير العملية.
نفخت السيجارة في وشها.
دا عقد سخره، شرا نفس صح؟
بيرى.
انت حددت مبلغ وأنا وافقت، بيع سخره احسبها زي ما تحسبها.
بس أنا ليا شروط يا هانم.
مفيش شروط.
سيد إسماعيل، أنت اديتني موافقتك، وقع العقد.
اتكيت لورا على الكنبة، مش قادر أفهم ليه بيرى بتعمل كده؟
الدوافع كانت غامضة بالنسبة ليا.
معقول يكونوا عايزين يردوا القلم بتاع سيليا؟
لو جات على القلم بسيطة.
قلم بـ 300,000 جنيه دا أغلى قلم في العالم.
ممكن سؤال يا آنسة بيرى؟
اتفضل، بس لازم تعرف إن سؤالك مش هيقدم ولا هيأخر.
ليه بتعملي كده؟
بيرى بأبتسامة ساخرة.
عشان أنا عايزة أخليك تبقى ملكي، أتصرف فيك براحتي من غير عواقب قانونية.
وأنت وافقت، بعد ما توقع العقد مالكش حق الاعتراض.
بس المبلغ دا مش كافي عشان أبيع نفسي يا هانم.
بيرى بصت على سانتا.
مش قولتلك كل إنسان له سعر؟
حقيقتك ظهرت، أنت مش مختلف، أنت مستني السعر المناسب.
متدعيش الشرف.
قولتلك حدد سعرك، عملت فيها شريف.
قالتها بيرى بكبرياء وسخرية.
مليون جنيه يا هانم.
بيرى.
موافقة، وقع العقد.
مسكت القلم وإيدي مرتعشة، ووقعت على العقد.
بيرى.
ممكن أسألك أنا سؤال؟
قلت.
اتفضلي يا هانم.
ليه اخترت المبلغ ده تحديدًا؟ كان ممكن تطلب أكتر؟
ابتسمت بسخرية وأنا بنهض.
لأن ده الرقم المكتوب في الشرط الجزائي يا بيرى هانم.