وقفت في صالة الشقة بمواجهة الجميع، وأولهم والدها الذي كان يشتعل في وقفته، يحاول السيطرة على نفسه حتى يفهم أولاً لماذا رفضت عاصم الصاوي بعد موافقتها عليه، بعد أن أتى طالبا الحلال. "أنا عايز أفهم إيه اللي انتي هببتيه ده، ده انتي صغرتينا قدام الراجل، إيه اللي هببتيه ده، انطقي." انتفضت شهد بعد صرخة تفوح بالكراهية والتوعد. لكنها لم ترتد للخلف، بل تماسكت، وهي ترفع عينيها المظلمة إليه قائلة بهدوء لا يوازي الموقف برمته:
"إيه اللي أنا هببته، مش عايزة اتجوز، سهلة يعني." صاح عثمان بسوداوية وبملامح انقلبت لشيطان لعين: "حد يرفض عريس زي ده، انتي كنت تطولي واحد زيه يبص في خلقتك، بوز فقر زي اللي جابتك." أسدلت شهد أهدابها ولم ترد. فاقترب منها عثمان يجذبها من شعرها فجأة صارخاً: "إيه اللي غير رأيك يابت، كنتي جايه منين، كنتي مع مين ردي." تدخل حمزة حائل بينهما، محاولاً أن يخلص أخته من بين يدي والده. وكذلك قمر وكيان حاولا التدخل وهما يصرخان بفزع.
صاح حمزة بنفاذ صبر والهَلَع واضح في عيناه القاتمة: "سيبها، سيبها خلينا نفهم." هدر عثمان بمقتٍ من بين تلك الدائرة المكتظة بهم جميعاً: "اخرس، مفيش حد فيكم محكوم، كل واحد فيكم داير على حل شعره، معرفتش تربيكم كريمة، ماتت وسابتكم إنجاس."
شدد عثمان في مسكته على شعر شهد التي كاد أن يقتلع بين أصابعه الغليظة. شحب وجه شهد وشعرت بأن الهواء ينسحب من بين رئتيها وقد خارت قوتها أمام صلابته. فلم تتحرك ذرة من الرحمة والإنسانية بقلب عثمان، بل تابع جذبها أكثر وهو يصيح بغضب: "كنتي مع مين، كنتي مع مين برااا." خلصها أخوها بأعجوبة من بين يده، فاستقامت تصرخ بعينين حمراوين من شدة الغضب والبكاء:
"سيب شعري حرام عليك، سيبني، أنا حُرة، اتجوز ولا متزفتش، انت هتغصب عليا، أنا مش صغيرة، سامع." صاح عثمان يحاول الوصول لها: "سمعتي الرعد يابنت الكلب، بتعلي صوتك عليا، انطقي ياعرة، كنتي تحت مع مين انطقي." تمردت شهد في الرد عليه هذه المرة بطريقة أحرقَت الدماء في عروقه: "مش هريحك ومش هقولك حاجة، ولي عندك اعمله، وجواز مش هتجوز، لا عاصم ولا غيره." اندفع غضب عثمان دفعة واحدة فصرخ بمنتهى القسوة:
"مش بمزاجك ياروح أمك، ده أنا أدفنك هنا، اللي بوظتي ده تصلحيه، إن شاء الله حتى تروحي لحد عنده وتبوسي إيده عشان يرضى يبص في خلقتك العكرة دي تاني." تسمرت شهد بعينين متسعتين بصدمة، وكذلك الفتيات تلبسهن قناع الحيرة والدهشة. أما حمزة الذي كان يقف في مواجهة والده يمنع عن أخته البطش، ففارَت دماؤه صائحاً بغضب ومروءة: "انت بتقول إيه، تبوس إيد مين، ما في داهية." "اخراااس انت كمان، اللي بقوله يتنفذ، سامعه."
دفعه عثمان لكن حمزة لم يتحرك من مكانه، بل اظلمت عيناه واشتعل صدره، شاعراً بأن الخطوة القادمة لن تكون سالمة مع من يُدعى أبيه. كانت أول شخصٍ لاحظ انفعالاته التي تنذر بالخطر هي قمر، فاقتربت منه ومسكت ذراعه تترجاه بعينيها أن يتحلى بالصبر، فالموقف لا يحتمل كوارث أخرى. خلفهما صاحت شهد بعناد والدموع تغرق وجهها الشاحب شحوب الأموات، ترمقه بعينين غائرتين بائستين:
"لا مش سامعة، طلعني من حساباتك، أنا مش هتجوز لا عاصم ولا غيره، دور على طعم تاني ترميه عشان توصل للي في دماغك." جفل حمزة من هذا الكلام المبطن، فنظر لأخته ليجدها تتابع بكره شديد ها هو ينتشر في عينيها بدلاً من الخوف، الكره المخَبأ في جوف أعماقها. "انت إيه ياخي، معقول تكون أبونا، بتستغلنا عشان توصل للقرف اللي في دماغك، ياخي ينعل أبوك ده."
اتسعت عينا عثمان تليها الجميع، فلم يتوقع أحد أن تلك الهادئة المتسامحة تحمل كل هذا الكره والغضب نحو من تسبب لها بأذى نفسي وجسدي عاشت به طوال عمرها صامتة خاضعة ناكسة الرأس في حضوره. هاج عثمان من تمردها وقلة أدبها أمامه: "يانعل أبو مين يابنت الكلب." لم يعرف الوصول إليها بسبب الثلاثة. فصاح مهدداً إياها بشر:
"بطلي لسانك عليا، ده أنا هقطعهولك، وهكسرلك رجلك اللي واقفة عليها دي قصادي، مش هرحمك لو منفذتيش اللي طلبته منك، مش هرحمك." عاد هذا الشعور الخطير يموج في حلق حمزة بعد تهديد أبيه لأخته، فـأوقف والده بحزم يهدده بالمثل: "مش هتقدر تقربلها ولا هتقدر تلمسها، المرة اللي فاتت مكنتش موجود عشان أدافع عنها، لكن المرادي على جثتي، سامع، أنا معاك هنا يا قاتل يا مقتول."
اتسعت عينا عثمان سريعاً ولم يفكر مرتين وهو يهجم على حمزة من ياقة ملابسه صارخاً بعدائية شديدة الخطورة: "انت بتهددني، انت عارف إني بمكالمة واحدة أوديك ورا عين الشمس، أقول إنك إرهابي، وشغال مع جماعة متطرفة، ولو دخلت أمن الدولة يا حلو مش هتشوف النور تاني." ابتسم حمزة ساخراً مؤكداً الحديث بالمثل: "اعمل كده، بس قبلها هكون موصلك للخلقك." جز عثمان على أسنانه وهو يوزع نظرات الكراهية على أبناءه الثلاثة:
"عايز تقتلني، آه يا ولاد الكلب يا أوساخ." تلك المرة تدخلت كيان وهي تصرخ في أبيها باكية بحرقة، فقد تلفت أعصابه من هذه الحياة وهذا المشهد المتكرر دوماً بينهما، العراك، الشتائم، الكره، ورغبة في القتل. "كفاية، كفاية بقاااا، امشي وسيبنا بقا، كفاية اللي بتعملوه فينا، كفاية حرام عليك." تقدمت قمر أيضاً تربت على صدرها راجية إياه بدموع: "علشان خاطري يا خالي، سيبهم دلوقتي لحد ما النفوس تهدى، بالله عليك، كفاية كده."
أومأ عثمان برأسه بعصبية وبوجه أسود من شدة الغضب والضعف، الضعف بعد أن فلت لجام الثلاثة، أبناؤه تمردا عليه وأصبحوا يتوعدا له بالقتل. صاح بصوت محترق وهو يكاد يسحق أسنانه من شدة الانفعال: "ماشي ياحمزة، ماشي ياشهد، حسابكم جاي، اصبروا، اصبروا يا ولاد*****، اصبروا*****."
سبهم بأقذع الكلمات، فأغمضت شهد عينيها بنفور وقد هبطت دموعها بحسرة مؤلمة على النفس. أما حمزة فوقف متشنج الجسد متصلب الملامح يشاهد خروج أبيه من باب الشقة بعينين شاخصتين ونظرات مجردة من الحياة. أما كيان فانحنت بضعف على الحائط تبكي بحرقة.
أغلقت قمر الباب واستدارت تنظر إليهم، فرأت مشهد لم تراه يوماً في حياتها، مشهد يحكي عن هزيمة حقيقية لثلاثة محاربين لم يحاربوا شيئاً إلا أنفسهم، هزيمة وحسرة محفورة بخطوط عريضة مؤلمة على وجوههم البائسة. ثلاثة إخوة لم ترى يوماً أشقاء يعيشوا معاً نفس الوجع والحب، وأخيراً الهزيمة. ***
بعد أن ظل لساعات طويلة يدور بسيارته، عاد للمنزل مهموماً منهكاً من شدة التعب وكثرة التفكير بما حدث. مذاق كالعلقم المر يموج في حلقه يخـنقه. لم يتوقع أن تنتهي الزيارة هكذا، ورغم الغضب ما زال يبحث لها عن ألف عذر، ومن بين كل الأعذار لا يجد عذراً يشفع لها؟
ويشفي غليله. تم رفضه أمام الجميع، مزحة سخيفة ثقيلة، إن كان أحد ألقاها عليه سابقاً لكان سخر منه ضاحكاً بملء شدقتاه. هل بكل ما يمتلك من مال وجاه ووسامة لا تنكر يُرفض بهذا الشكل السخيف؟ ترفضه بهذا الشكل المهين. لماذا وافقت من البداية إن كانت تنوي رفضه؟ هل قصدت أن تهينه أمام عائلتها؟ سينفجر رأسه من كثرة التفكير. الرفض وقع على مسامعه كسوط حاد خدر حواسه وأفقد جزءاً من ثقته في حاله. ثم بها؟ ماذا فعلتِ يا شهد؟
هل لديكِ أسباب مقنعة، أم أن أسباب رفضك واهية لن تشفع لكِ عندي. "انت جيت ياعاصم." استدار إلى جدته القعيدة بابتسامة لا تمتلك مرح بصلة: "لأ لسه شوية." لم تبتسم الجدة (نصرة) بعد رؤية ملامحه الذابلة الحزينة، والفرحة المنكسرة في عيناه. لم يكن هكذا عندما خرج. كانت على علم أنه ذاهب لمقابلة عائلة شهد والتعرف عليهما قبل أن يلتقوا بهم في زيارة رسمية. هزت نصرة رأسها متسائلة: "مالك ياعاصم يابني، إيه اللي حصل."
لم يتحدث عاصم، بل نظر للمكان الواقفين فيه، فكانوا في الممر المتواجد به غرف نوم الجميع، مما جعل نصرة تشير له بأن يسبقها على غرفتها وتحركت بمقعدها الكهربائي نحوها. أغلق عاصم باب الغرفة خلفه وجلس على حافة الفراش ينظر إلى جدته بصمت: "احكيلي إيه اللي حصل." أجابها بوجوم: "مفيش نصيب ياحاجة، ماتوفقتش في مشواري." سألته نصرة بحيرة: "ليه، أبوها رفضك، هو مش عارف انت ابن مين."
لم يرد عاصم، فقد شرد من جديد في كلمات الرفض التي تلقاها منها، كانت أشبه بسهام سامة تخترق كبرياء رجولته. فسألته نصرة بملامح غاضبة: "اسمه إيه أبوها ده." فاق من شروده ينظر إلى جدته دون تعليق. فسألته نصرة مجدداً بنفاذ صبر: "ما تتكلم ياعاصم، إيه اللي حصل في الزيارة دي." زفر عاصم وهو يخبرها بالهدوء المتبقي داخله: "ولا حاجة، اتكلمنا فـ متفقناش، فـ محصلش نصيب." رمشت نصرة بعينيها بغير استيعاب:
"بالسرعة دي، طب اتكلمت مع مين بقا." أجاب عاصم: "مع أخوها وأبوها." سالته بشك: "وهما اللي رفضوك." زمجر عاصم قائلاً بصلابة: "محدش رفضني، أنا اللي شايف إن الموضوع كله مش نافع." لاح التعجب على ملامح نصرة: "ليه بس يا ابني، ده انت كنت ميال ليها أوي." اظلمت عيناه ثم أجابها بصوت متحشرج: "كنت بس دلوقتي، لأ." سألته الجدة بمكر: "يعني على كده، هترجع بقا لـ……لرفيدة." أتى الرفض القاطع منه: "لأ رفيدة ولا غيرها، مش عايز خالص."
توجست نصرة من ردة فعله المبالغة، فقالت بعدم رضا: "إيه الكلام ده، هتكمل حياتك كده، جرالك إيه ياعاصم." يُشعر بالاختناق والصداع يتفاقم في رأسه مما جعله ينهض من مكانه قائلاً بصوت مجهد: "أنا تعبان ياحاجة وعايز أرتاح في أوضتي." نظرت له نصرة بحزن وشفقة، وعادت تستفسر منه بقلق الأم: "أنا مفهمتش حاجة برضه يا ابني، انت ليه راجع مهموم أوي كده، إيه اللي حصل ياعاصم ريح قلبي." رد عاصم بصبر: "زي ماقولتلك ياحاجة، ماتوفقتش."
ترقـرقت الدموع في عينا نصرة، فحاولت أن تراضيه بحناناً قائلة بعطف: "طب ما تزعلش نفسك، هي اللي خسرانة، مع إني شايفاها بنت كويسة ومحترمة، وتستحقك، لو بس تريحني وتقولي حصل إيه في زيارتك ليهم، يمكن يا ابني أصلح بينكم." تقدم منها عاصم وانحنى يقبل قمة رأسها قائلاً برفق: "بلاش تتعبي نفسك، الحوار انتهى من قبل ما يبدأ، أنا هروح أرتاح في أوضتي، تحبي أنقلك على السرير ترتاحي." رفضت الجدة نصرة وهي تمسح دمعة فارّة من عينيها:
"متتعبش نفسك، هنية طالعة دلوقتي بالعشا والدوا، أخليها تحضرلك العشا." امتنع عاصم قائلاً بخفوت: "لأ مليش نفس، تصبحي على خير." خرج من الغرفة مغلق الباب خلفه. تاوهت نصرة بحسرة على حياة حفيدها وعمره الذي يضيع هباءً بدون زوجة وأولاد يؤنسوا وحدته كمن في سنه: "آه ياحسرة قلبي عليك ياعاصم، ياترى إيه اللي حصل قلب حالك كده."
عندما دخل غرفته بدل ملابسه سريعاً وألقى بنفسه على الفراش بتعب، محاولاً النوم دون التفكير بها، لكن كيف وعقله وقلبه يحترقا بسببها هي. *** دخلت الغرفة في الظلام وأغلقت الباب سريعاً، ثم تنفست الصعداء، والابتسامة المتشفية ما زالت تزين ثغرها المنتفخ من كثرة حقن التجميل. "كنتي فين يالهام." قالها مسعد وهو يزيح غطاء الفراش عن وجهه: ابتسمت الهام وهي تقول بوداعة: "ولا حاجة ياحبيبي كنت بجيب ميه." نظر مسعد ليديها الفارغة بشك:
"وهي فين الميه دي." نظرة الهام ليدها ثم لوجه زوجها الناعس، فقالت بمناورة: "ها، آه شربتها." زم مسعد شفتيه قانطاً: "واضح إنك مش معايا خالص، أنا هنام أحسن." عاد مسعد للنوم ودثر جسده ووجهه أسفل الغطاء. رمقته الهام بقرف ثم غمغمت بضيق: "نام، نام، هو دا اللي انت فالح فيه." ثم عادت تبتسم بانتصار وهي تمسك هاتفها وترسل رسالة مختصرة لأختها: (عندي ليكي خبر حلووو أوي يارافي، شهد خلاص بقت بح……)
أغلقت الهاتف وهي تزفر نفساً عميقاً بملامح مرتخية سعيدة. ثم حدثت نفسها بصلف: "كويس إنها جات منك، بعدتي نفسك عن أذى كبير أووي كان مستنيكي مني، برافوو ياشهد." أخرجت ضحكة رقيعة تليها ضحكات أشد ميوعة وغرور. ***
كانت تجلس على الفراش تضم ساقيها إلى صدرها وترتاح برأسها على ركبتيها وهي تنظر للبعيد بشرود وحزن دفين. معدتها تتلوى من الوجع بينما صدرها يشتعل بقهر وعقلها يحترق من كثرة التفكير به. نزلت دموعها مجدداً بضعف، شاعرة بطعم المذلة تشطر حلقه نصفين. يجب أن تفكر في مسكن آخر بعيد عن والدها، حتى إن كان بالإيجار. عليها أن تتحدث مع شقيقيها عندما تهدأ الأمور. عليهما المغادرة قبل أن تحدث كوارث أخرى، وفي لحظة تهور يضيع أحدهما بسبب رجلاً لم ترى منه ذرة أبوة، بل كان دوماً متشبعاً بالقسوة والجفاء، والمعاملة السادية وكأنهما ألد أعدائه.
أرجعت رأسها للخلف بتعب وبعينين غائرتين بالحزن، حاولت بجهد أن تتغلب على ذلك الألم الذي ينحر في جوف قلبها. طرق حمزة على الباب ودخل عندما لم يجد منها رد. وجدها جالسة على الفراش تضم ساقيها إلى صدرها في عناق مواسياً لمحنتها. أغلق حمزة الباب واتجه إليها جالساً على حافة الفراش. نظر لها بملامح متحجرة متجهمة، ثم سألها أخيراً بصوت غريب: "فهميني ليه عملتي كده، أبوكي للأسف عنده حق إنك صغرتينا قدام الراجل."
همست شهد بملامح متجمدة: "اللي حصل، غصب عني." نظر إليها مقطباً الوجه ثم هتف بخشونة: "إزاي، انتي مش كنتي موافقة عليه ياشهد، ده انتي بنفسك اللي خليتيني أكلم أبوكي وأقنعه يقابله." لوت شهد شفتيها ساخرة: "أيوا، بس مكنتش أعرف إن أبوك عاملني طُعم عشان يوصل بيه لإلهام." سألها حمزة بتعجب: "إلهام؟ إلهام مين." أخبرته بصوت يقطر قهراً: "حبيبته القديمة، حبيبته القديمة تكون مرات عم عاصم."
لم تتحرك عضلة واحدة في وجه حمزة، وكان الخبر الحصري قديم بنسبة له. "وعرفتي منين بقا." أجابته بحرج: "شفتها يوم السنوية بتاعت جده." هز حمزة رأسه مفكراً بصوت عالٍ: "يوم السنوية، معنى كلامك إنك عارفة كل حاجة من قبلها." قالت شهد بصوت أجوف:
"عارفة ووفقت عليه ياحمزة، بس مكنتش أعرف إن ابوك لسه بيفكر فيها، وإن بيساومها بجوازي من عاصم، يا يرفضوا ويبقوا سوا، يا يقبلوا ويقهرها خصوصاً إن عاصم كان جوز أختها وطلقها من فترة، يعني عاملني لعبة في إيده عشان يوصلها." ثم تابعت بغصة مختنقة: "أنا مش عايزة أكون لعبة في إيده، ولا عايزة أدخل عاصم في كل العك ده، رفضته لأن ده أحسن ليا وليه، مش عايزة أكون تحت رحمة أبوك، أنا مضمنش أي اللي ممكن يعملو فيا لو الخطوبة دي تمت."
عاتبها حمزة برفق وهو ينظر إلى ملامحها الحزينة: "بس انتي محكمتيش عقلك ياشهد، مكنش ينفع تحرجي الراجل قدامنا بشكل ده مهما كان، كان ممكن ترفضي بأسلوب أحسن من كده، مش على الملأ." ثم لوى ثغره هازئاً مضيفاً بوجوم: "وبعدين إلهام مرات عمه مش أمه، هو برضو ملوش ذنب، ولا يعرف حاجة عن حكايتنا القديمة، ولو كنتي فعلاً بوظتي الموضوع كله عشان أبوكي، اسمحيلي أقولك، إنك هبلة." رفعت شهد وجهها مشدوهة مما سمعت: "هبلة؟!
بعد كل اللي حكيتهولك، بتقولي هبلة." وضح حمزة وجهة نظرة قائلاً بهدوء: "طالما انتي مرتاحة لعاصم وشيفاه شخص مناسب وهو طلع راجل وخبط على بابك طالب الحلال، إيه المانع إنكم تبقوا مع بعض." حرك كتفيه مستنكراً: "إيه المشكلة إن إلهام مرات عمه، إيه المشكلة إن أبوكي بيخطط عشان يوصلها، خليه يخطط وانتِ كملي في حياتك وسبيهم يخبطوا في بعض."
"طالما انتي مقتنعة بقرارك، ومرتاحة ليه وهو مرتاحلك ومتفاهمين ومع الوقت هتبقوا متمسكين ببعض، إيه اللي يمنع يابنتي، مش فاهمك." احتـد صوتها وهي تخبره بملامح مرتابه من مجرد التخيل: "اللي يمنع إني مش عايزة مشاكل، أنا مش زيك ياحمزة، أنا مبحبش أحارب عشان حد، مش بحب المشاكل، أنا عايزة أبعد عن أي حاجة ممكن تأذيني، أنا مش حمل مشاكل وأذى خصوصاً من ناحية أبوك والست اللي دمرت حياتنا زمان، اللي أنا عملته صح، وكده أحسن لكل."
هز حمزة رأسه متعاطفاً معها، فهي مرت بالكثير في حياتها ولها الحق في أن تمنع نفسها عن الأذى. فـربت على كتفها داعماً إياها بمحبة: "دي حياتك ياشهد، أنا مش هغصب عليكي في حاجة، أنا جنبك ومعاك في أي حاجة عايزاها، المهم تبطلي عياط وتهدي." نزلت دموعها وهي تخبره بصوت متعب: "أنا آسفة ياحمزة، حقك عليا، أنا عارفة إني السبب في كل المشاكل اللي حصلت دي، بس غصب عني مقدرتش أمنع نفسي."
ألقت نفسها في أحضانه فـربت على كتفها بحنان، وبعد لحظات من الصمت قفز سؤال في رأسه فجأة: "صحيح، كنتي جايه منين وقتها." أخبرته وهي تخرج من أحضانه تجفف دموعها: "كنت مع مهجة مرات أبوك، هي اللي حكتلي، على كل حاجة." أردف حمزة بسخرية قاتمة: "مش لله طبعاً، أكيد خايفة يطلقها بعد ما إلهام ترجعله." ضيقت شهد عينيها بتشكيك: "شكلك كنت عارف إن إلهام تبقا مرات عم عاصم." أكد بابتسامة هازلة: "عارف ومن زمان أوي، كمان."
تبادلا النظرات بصمت، حتى أضاف حمزة وهو ينتصب واقفاً: "الفرق بيني وبينك إنك بتدي الأمور أكبر من حجمها الحقيقي." فغرت شهد شفتيها، فاسترد حمزة حديثه بنبرة قاتمة: "أصلها مش فرقة، اتجوز مُهجة ولا إلهام، مفيش حاجة هتتغير في حياتنا، إحنا كده كده لا طيلين منه لا أبيض ولا أسود، ومشاكلنا معاه مش بتخلص، حسبتيها غلط ياشهد، كنت فاكر إن دماغك أكبر من كده بكتير." ***
خرج حمزة من الغرفة ورفع عيناه جانباً ليجد كيان تجلس وحيدة على الأريكة، حزينة الملامح شاردة النظرات. زفر وهو يخفض أهدابه بتعب. حتى لاحظ خروج قمر من المطبخ تحمل لهما كوبين من عصير الليمون، وعندما تلاقت عيناه بها اهتزت الصينية قليلاً بين يديها. ثم تماسكت وتابعت طريقها أمام عيناه النافذة حتى وضعت الصينية على الطاولة القريبة من كيان. فقالت لها برفق تحت أنظاره: "اشربي ياحبيبتي كوباية الليمون دي، هتهدي أعصابك."
لم ترد عليها كيان، بل ظلت ملامحها منكمشة بالحزن. تناولت قمر بيدها كوب من العصير واقتربت منه بخطوات هادئة ثم وقفت أمامه ناظرة لعينيه وهي تقول بحرص: "اشرب دا ياحمزة، هيهدي أعصابك." امتنع حمزة قائلاً: "مش عايز، دخليه لشهد." قربت منه الكوب مجدداً راجية: "عملتلها كوباية وهدخلها ليها دلوقتي، اشرب بس انت عشان خاطري."
نظرا لبعض بصمت، وكم كانت بنيتاها الجميلة تبث مشاعر دافئة حنونة، ربما لم يشعر بها يوماً إلا مع امرأة واحدة. خفق قلبه بوجع واشتعل صدره فجأة، فاخذ منها الكوب وتناوله دفعة واحدة، لعله يطفئ ظمأ مشاعره. أنزل الكوب وأعطاه لها بملامح مبهمة قائلاً: "تسلم إيدك." تبسمت قمر بسمة لم تلامس عينيها وهي تقول: "بالف هنا."
أخذت قمر كوب العصير الثالث ودخلت به إلى غرفة شهد أمام عيناه. حتى حانت من حمزة نظرة على شقيقته الصغرى كيان ليجدها في عالم آخر بعيداً كثيراً عنهما بأحزانها وأفكارها. فأخرج نفساً ثقيلاً وهو يتجه إليها جالساً بقربها على الأريكة. ثم ساد الصمت بينهما لدقائق، وما زالت هي تجلس كتمثال مجسم بلا حياة. فزفر حمزة وهو يناديها بعطف: "مش واخدين عليك ساكت ياكيمو، فين اللسان الطويل وخفة الدم اللي عمرها ما ضحكتني."
لم تبتسم كيان ولم تنظر حتى إليه، فـلكزه حمزة في كتفها عابساً: "إيه تقل الدم دا ياكيمو، آآه انتي غيرانة من قمر، تكونيش عايزة أجيبلك بقلاوة زيها، ليكي عليا أجيبلك علبة أكبر منها كمان، بس فكي تكشيرتك دي خلي الشمس تنور." أسدلت كيان أهدابها ونزلت دموعها بصمت، فعقد حمزة حاجبيه مبهوتاً لبرهة، ثم حدثها معاتباً: "انتي غلطي، وكدبك عليا استفزني وخلاني أرفع إيدي عليكي." أكدت على كلامه بوجه منحني بحرج: "عارفاه."
مد حمزة يده ومسكها من ذقنها رافعاً وجهها إليه ونظر لها بقوة قائلاً: "وطالما عارفة مجتيش تعتذري ليه." جففت كيان دموعها كالطفال قائلة بشجن: "خوفت تتعصب عليا وتضربني تاني، الفترة اللي فاتت دي حسيتك مبقتش بتحبني، بقيت بتكرهني." تعثر حمزة في ضحكة ذاهلة وهو يجذبها لأحضانه بعطف قائلاً: "أكرهك، ياعبيطة، ده أنا أكره الدنيا دي كلها ولا أكرهك، انتي هبلة، تعالي في حضني وبطلي عياط." ارتاحت كيان على صدره واعتذرت بخجل:
"أنا اسفة ياحمزة، أوعدك مش هتتكرر تاني." أخرجها من أحضانه قائلاً بحزم حانٍ: "ياريت ياكيان، ياريت نكون صحاب بجد مش كلام، ولو في أي حاجة مخبياها عني تحكيهالي، اتفقنا." أومات برأسها وهي تمسح دموعها بظهر يدها: "اتفقنا، حاضر." ربت حمزة على وجنتها برفق مبتسماً وهو يقول: "متزعليش مني، تتقطع إيدي لو اتمدت عليكي تاني." "بعد الشر."
صيحة أنثوية رنانة اخترقت جلستهما، فرفع حمزة عيناه على قمر التي تقف عند باب غرفة شهد المغلق، وكانت تتابع ما يحدث لهما. ارتبكت قمر من نظراته المتعجبة، فقالت قبل أن تهرب إلى المطبخ: "يعني الحمد لله إنكم اتصلحتوا، ربنا يخليكم لبعض." ابتعدت سريعاً عن أنظارهما وهي تلعن غباءها. فنظر حمزة إلى أخته بتساؤل: "مالها دي." برمت كيان شفتيها بغيرة: "مجنونة." صفعها حمزة على مؤخرة عنقها برفق موبخاً إياها وهو يشير على كوب العصير:
"بس يا جزمة، دي عملالك عصير ليمون حتى." عقدت كيان ساعديها أمام صدرها، ممتنعة بحنق: "مش بحبه أصلا." "قطعتي بعيشك، أنا عجبني أوي." مسك حمزة كوبها وشرب منه على مهل متلذذاً بطعمه الغني الرائع. ***
في منتصف الليل بعد أن دخل الجميع إلى غرف النوم، كانت تستلقي شهد على الفراش وجوارها قمر نائمة. أما هي فـجفاها النوم، ولم تعرف مذاق الراحة منذ أن كسرت قلبها بيدها. لم تتوقع أن يعني لها أكثر مما ظنت. كيف ومتى استحوذ عليها محتلاً قلبها ومستوطناً مشاعرها. زفرة بتعب وهي تحاول النوم حتى تتخلص من صداع رأسها ومشاعرها المتضاربة. قد تلفت أعصابها طوال ساعات اليوم وحتى الليل أتى ليهلك المتبقي منها.
بعد دقائق أضاءت شاشة هاتفها فجأة، وكانت تضعه على الوضع الصامت. فالتقطت الهاتف ونظرة إليه، تتسع عيناها وتزدرد ريقها وهي تنهض جالسة على الفراش تنظر للشاشة المنيرة باسمه. آخر شخص تتوقع اتصاله الآن، بعد كل ما حدث بينهما؟ سحبت نفساً مضطرباً لرئتيها، ثم أبعدت الغطاء عنها، وسارت لعند الباب بخطوات بطيئة حتى خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بحرص، ثم سارت نحو الشرفة على أطراف أصابعها حتى لا توقظ أحداً.
دخلت شهد الشرفة وأغلقت بابها عليها وهي تسحب نفساً بارداً لرئتيها، ناظرة للهاتف مجدداً بحيرة، فهذا الاتصال الثاني منه، يبدو أنه مصر على هذه المكالمة. تشبكت في سور الشرفة بيدها الحرة وفتحت الخط، ثم وضعت الهاتف على أذنها. ولم تجرؤ على التحدث ولو حتى بسلام فاتـر. كان الأمر صعب ولم تأتها الشجاعة، بل على العكس، كلما حاولت تجد الكلمات عالقة في حلقها تأبى الخروج كما يأبى قلبها الخضوع للقرارات القاسية التي اتخذتها دون الرجوع إليه. فكان على غير هدى وهو يخفق في حضور الحبيب. بلعت ريقها وأغمضت عينيها وهي تترجاه بصمت أن يكون هو البادي بالحديث طالما هو من اتصل في تلك الساعة المتأخرة.
"شــهـد……" ستشتاق بشدة للفظ اسمها بهذا الشكل المميز الذي من شدة الإحساس به تستشعر بقشعريرة لذيذة تسير ببطء على عمودها الفقري يليها جسداً بأكمله في حالة انهيار. عندما لم تتحدث سألها بصوت غريب محمل بالكثير من الأسى: "ليه عملتي كده، طالما رفضة من البداية ليه خليتيني أجي لحد عندك." أخيراً وجدت صوتها بين طيات الوجع فقالت بصعوبة مبررة: "اللي حصل كان غصب عني." على الناحية الأخرى، قطب عاصم حاجبيه متسائلاً بخشونة:
"إيه هو اللي غصب عنك، مش فاهم." عضت على شفتها السفلى وهي تبرر الوضع وهن، بينما قلبها يئن بوجع: "مش ضروري تفهم، عاصم انت تستاهل حد أحسن مني، أنا مش هقدر أسعدك، أنا حياتي متكعبلة وكلها مشاكل، انت تستحق واحدة تكون معاك طول الوقت بقلبها وعقلها، تسعى إنها تسعدك وتبقى معاك، لكن أنا منفعتش، صدقني منفعتش." سألها عاصم بنبرة مظلمة المعاني: "وإيه اللي غير رأيك." هربت من سؤاله بعبارتها الحمقاء: "ينفع مجوبش، لو سمحت."
اندفع الغضب داخله فجأة فـهدر متشنجاً: "ينفع مجوبش؟! أمال مين اللي هايجوبني، انتي مش واخدة بالك إنك قللتي مني إزاي قدام أهلك." قالت شهد برفق: "عاصم ممكن تهدى، صوتك عالي." صك على أسنانه بغضب متعجباً من وضعه الحالي بسببها: "أهدى، انتي مش عارفه انتي عملتي إيه فيا، أنا اترفضت بعد ما جيتلك لحد عندك." اغتاظت جداً من هذا الرد المتعجرف، فقالت بصوت حاد ولم تعلو نبرة صوتها عن الطبيعي، بل كانت في أوج الهدوء عكسه تماماً:
"واضح إن الموضوع كله ملوش علاقة بيا، كل الحكاية إن إزاي الطباخة ترفضك، ترفض عاصم الصاوي بجلالة قدره، إزاي، وأي واحدة تتمنى نظرة واحدة من عينيه، هو ده اللي فارق معاكمش كده." سألها بصوت قاتم: "انتي شايفه كده." لم ترد، فأومأ عاصم برأسه غاضباً من نفسه بعد أن انساق خلف قلبه وأجرى اتصالاً بها. ليجد الآن أن هذا أغبى شيء قام به:
"تمام، واضح إني غلط فعلاً إني اتصلت بيكي، مستكفتش بالكلام اللي سمعته في بيتكم، حبيت أتأكد أكتر في التلفون، تمام." "عااااصم……" قالتها بعد فوات الأوان، فقد أغلق الهاتف سريعاً دون أن ينتظر رداً منها. *** هبطت داليدا على الدرج ثم دخلت شقة عمها قائلة: "خلاص يامرات عمي حطتي للبط اكـ……" اتسعت عينيها بهلع وشحب وجهها متحولاً للون الرمادي وهي ترى والدة سلطان (حنان) منبطحة أرضاً مصابة بالإغماء.
وقع قلبها في قدميها وهي تهرول نحوها جاثية على ركبتيها تديرها إليها وهي تحاول إيقاظها برهبة: "مرات عمي، يامرات عمي مالك فوقي." لكن لا حياة لمن تنادي. نزلت دموع داليدا وهي تترك رأسها على مهل وتتجه إلى هاتفها، وسريعاً أجرت اتصالاً بسلطان الذي أجاب بعد لحظات بملل: "عايزة إيه ياداليدا مش فاضي." أتى صوت داليدا متهدجاً وهي تبكي هستيريا:
"سلطان الحقني ياسلطان، أمك واقعة على الأرض ومش بتنطق، اتصل بدكتور وتعالى، تعالى بسرعة الله يخليك." بعد لحظات كانت كالدهر بنسبة لهم جميعاً، فقد أتى سلطان سريعاً وعجل بالاتصال بالطبيب وكذلك والده، ثم نقل والدته إلى فراشها. وعندما أتى الطبيب وفعل اللازم استعادت أمه وعيها تدريجياً. ثم عندما انتهى من فحصها، سأله سلطان باهتمام: "خير يادكتور طمني." انتصب الطبيب واقفاً وهو يلملم أشياءه في الحقيبة قائلاً بعملية:
"خير إن شاء الله، الحاجة مريضة سكر وشكلهلخبطت في الأكل والعلاج، فعشان كده حصلها الإغماء، ولولا إنكم لحقتوها كان ممكن ندخل في غيبوبة سكر لا قدر الله." لاحت ابتسامة مجهدة على ثغر حنان وهي تنظر إلى داليدا بمحبة: "الحمد لله داليدا لحقتني." "كتر خيرك ياداليدا يابنتي." قالها عبد القادر بامتنان حقيقي وهو يتخذ مقعداً جوار فراش زوجته، ثم مسك يدها مربتاً عليها وهو يقول بعتاب المحب:
"جرالك إيه يا أم أميرة، إحنا مش قولنا ناخد العلاج في معاده ونبطل لخبطة في الأكل، قلبي هيقف في مرة بسببك." "بعد الشر عليك ياعبدو، إن شاء الله أنا وانت لأ." لمعت عينا داليدا بسعادة وتخضبت وجنتاها بالحمرة، وكأنها ترى مشهداً رومانسياً مقتبساً من فيلمها المفضل. فـتنحنح سلطان بحنق شديد من عاطفية والديه المتبادلة والتي لا تتوارى أبداً بينهما، بل دوماً تُكشف على الملأ. فاستدار سلطان للطبيب مشيراً له بالخروج قائلاً بالباقة:
"خليني أوصلك لبرا يادكتور، وبالمرة أجيب العلاج اللي انت كتبته." "تمام، حمدلله على سلامتها." قالها الطبيب وخرج من الغرفة ولحق به سلطان. فأخذت داليدا أنفاسها بصعوبة وهي تحل وشاح رأسها قائلة بحمد: "الحمد لله إنك بقيتي أحسن دلوقتي يامرات عمي، أنا كنت هموت من القلق عليكي، ومكنتش عارفة أتصرف إزاي، أول حد جه في بالي كان سلطان." أومات حنان بابتسامة متعبة:
"طبعاً ياحبيبتي مش جوزك لازم يكون أول واحد تلجأي ليه، الحمد لله إنك عرفتي تتصرفي، الحمد لله." حاولت حنان إبعاد الغطاء عنها باعياء، فمنعها عبد القادر عابساً: "رايحة فين ياحنان." قالت حنان بخفوت: "الأكل، الأكل ياعبد القادر، زمانه اتحرق." ردت داليدا سريعاً: "أنا طفيت عليه يامرات عمي، هروح أكمل تسويته خليكي انتي مرتاحة." زمجر عبد القادر معنفاً زوجته:
"أكل إيه وشرب إيه، هو مش لسه الدكتور خارج من عندك وقالك ارتاحي، انتي غاوية تعب." قطبة حنان حاجباها كالاطفال معارضة: "بس الدكتور مقاليش ارتاحي." احتـد صوت عبد القادر بحزم: "أكيد نسي، ادينا أنا اللي بقولك أهو، ارتاحي شوية ياحنان." انزعجت حنان قائلة: "هو انت دكتور." "آه أنا دكتور عندك مانع." ثم استدار إلى ابنة أخيه قائلاً برفق: "روحي ياداليدا انتي كملي سوى الأكل."
نظرة حنان إلى داليدا بحرج معتذرة بقلب طيب، لم ترى يوماً حماة تضاهيها نقاءاً في معاملتها الحسنة لها وللجميع. "معلش ياداليدا هتعبك معايا يابنتي، بس لو في أي حاجة واقفه معاكي تعالي قوليلي بلاش تكسفي، أنا عارفة إنك مش غاوية طبيخ زي بناتي." فتابعت حنان ترفع عنها الحرج: "تعرفي أميرة لحد دلوقتي بتتعلم مني وبتيجي تسألني كمان." تدخل عبد القادر بالحديث خوفاً عليها: "ارتاحي ياحنان، أو نامي شوية." هتفت داليدا
مؤمنة على كلام عمها بمحبة: "أيوا يامرات عمي فعلاً ارتاحي شوية وبلاشتشغلي بالك بحاجة، أنا موجودة."
وقفت داليدا في المطبخ تتابع طهي الطعام حتى شعرت بمن يدلف إلى المطبخ بهمجية معروفة عنه، ومن سواه، هذا الضخم الهمجي زوجها. رفعت داليدا سوداوينها عليه لتجده يفتح المبرد ويسحب زجاجة من الماء يشرب من فوهها مباشرة مرة واحدة، وكأنه يطفئ نيران مستعرة داخله. ثم أنزل الزجاجة ووضعها جانباً وهو يحني رأسه مخرجاً نفساً مضطرباً يعبر عن مدى الهلع الذي أصاب قلبه في تلك المدة القصيرة.
عند انحناء رأسه شعرت بألم ينحر قلبها، لذا اقتربت منه بتراقب تلامس ظهره الصلب: "مالك ياسلطان انت كويس." مسح عيناه وأنفه سريعاً ثم استدار لها يواجه تلك العيون السوداء الشقية مجيباً بخفوت: "مفيش حاجة ياداليدا، بتعملي إيه." قالت داليدا بهدوء: "بسوي الأكل اللي مرات عمي كانت مولعة عليه." ثم استردت حديثها بعينين لطيفين كالحمل الوديع وهي تمرر كفها على ذراعه بحنو:
"متزعلش نفسك، هي كويسة والله، وأنا بعد كده هاخد بالي منها أكتر وهديها العلاج في معاده، متخافش ياسلطان." مسك سلطان كفها الذي يتحسس ذراعه بحنان ثم اتكأ عليه برفق هامساً بامتنان وهو ينظر إليها: "مش عارف أقولك إيه، بس لولا إنك لحقتيها كان ممكن." أهدته أجمل ابتسامة حانية لديها وقالت بمحبة: "أنا موجودة متقلقش، المهم متزعلش نفسك ولا تخاف."
ذابت عيناه وسلبت قلبه بهذه الكلمات البسيطة. فـرفع كفها الرقيق الذي يحتجزه بين قبضته إلى شفتيه وطبع قبلة ناعمة كـلمسات الورد داخل كفها. حتى ذابت مفاصلها. "سلطان." همست باسمه بضعف والشوق هدم أي مقاومة تنوي فعلها الآن. هل اشتاقت لتلك الملمسات بينهما؟ اشتاقت بشدة، كما اشتاق هو بجنون. وكلاهما ينكر حقيقة الأشواق المتبادلة بينهما. همس سلطان بصوت أجش وهو يسحبها من كفها لأحضانه: "محتاجلك ياداليدا، محتاج لحضنك أوي."
أغمضت عينيها وهي تسحق بين ذراعيه القوية، شاعرة بدفء يسري في أعماقها. بادلته العناق بحياء، معانقة خصره الصلب بيديها، وكم كانت صغيرة كالدمية النحيلة أمام ضخامة جسده والقوة المشعة منه. أبعد سلطان شعرها للجانب الآخر على كتفها ثم مال عليها ودفن وجهه في عنقها يشم رائحة الورد من خلالها، يسحب أكبر قدر من هذا العطر الزكي. ملامساً بشفتيه عنقها المرمري ولم يمنع نفسه من طبع عدة قبلات رقيقة عليه. ضاعت في أحضانه الدافئة، ومن لذة
الشعور تأوهت هامسة بخجل: "سلطان، حد يشوفنا." رفع وجهه عن عنقها ناظراً إليها بعينين مظلمة ومشاعر محمومة من عناق كفيل بإثارة مشاعره نحوها أكثر من ذي قبل. هبطت نظراته على شفتيها الحمراء والتي تعضها بخوفاً من أن يراهم أحد. فـمال على شفتيها محاولاً سحقها بين أسنانه، لكنها ارتدت خطوتين للخلف تأخذ أنفاسها بصعوبة وهي تضع يدها على صدرها بوجل وخجل: "سلطان، مش هينفع، حد يشوفنا."
برقة عيناه وهو يسحبها من خصرها بكفيه القويتين حتى وقعت على صدره شاهقة برعب هامسة بتهدج: "سلطان، سلطان." هسهس سلطان بخفوت مهيباً بالقرب من وجهها المشع بخجل: "أنا صبرت عليكي كتير ياداليدا، وانتي برضو مصممة تبعدي عني، جوزنا مش هيفضل كده كتير، لازم تبقي مراتي بجد، وأدخل عليكي رسمي، سامعة." اغتاظت من أسلوبه الفظ الخالي من أي عاطفة، وكأنه واجب ويجب أن يؤديه: "احترم نفسك، مش هيحصل."
جرت عيناه على ملامحها الجميلة المشرقة ثم هتف بتوله، بينما يداه تتحسس خصرها اللين: "هيحصل عشان انتي عايزاني، زي ما أنا عايزك." باغتها بقبلة حارة سطحية على شفتيها المكتنزة، فتأوهت بتعب وهي تحاول التخلص من وثاقه المشدد فوق خصرها: "سلطان ابعد عني، وبطل تتحرش بيا." لم يبدو عليه أنه سمع شيئاً، فقد مال عليها يقبلها من جديد، لكنها ابتعدت مزمجرة بحدة: "هصوت، والله هصوت، اياك تكررها تاني."
تلك المرة تركت عيناه شفتيها وعاد لعينيها، يلقي واقعاً ينتظره معها قريباً: "هكررها بس في شقتنا، واحنا لوحدنا، مش هنا." فك وثاقها وظلا يتبادلا النظرات للحظات، كانت بنسبة لهما كالدهر. حتى رحم قلبها ناوياً المغادرة الآن، فـعدل ياقة قميصه أمام نظراتها المضطربة ثم خرج من المطبخ متنحنحاً بخشونة لينظف حلقه حتى لا يظهر على صوته أي أثر حميمي مر به معها.
انهارت كل مقاومتها فور خروجه، فانحنت ساندة على الرخامة جانباً بيدين ترتجفين، شاعرة بأن ساقيها رخوتين بينما أنفاسها مسلوبة وقلبها يؤلمها في خفقانه. تحاول بصعوبة السيطرة على مشاعرها المنهارة وجسدها المحموم. مجرد عناق بينهما كان كفيل بأن يخرج مشاعر رغم اللذة مرهقة. ***
بعد لحظات سمعت داليدا صوت ضوضاء بالخارج، فأطفأت على الطعام الذي نضج، واتجهت إلى الخارج ترفع الوشاح على رأسها بشكل عشوائي. عندما وصلت لصالون الشقة وجدت والدة سلطان تجلس على الأريكة ترحب بـالجارة (آمال) الملقبة بأم دنيا والتي تجلس جوارها. بينما على الجهة الأخرى على المقعد يجلس سلطان. عقدت حاجباها بحنق شديد مـغمغمة بالغيرة: "إيه اللي قاعدة مع الحريم ده."
اتكأت على أسنانها بقوة وهي تتقدم منهم بمشيتها المائعة والتي لا أمل في تغيرها. تلونت شفتيها بابتسامة مصطنعة: "أنا طفيت على الأكل ياماما، إيه ده، خالتي أم دنيا، أهلاً أهلاً وأنا أقول البيت نور كدا ليه، اتاري خالتي أم دنيا عندنا." جفلت آمال قائلة بدهشة: "خالتك؟! أخص عليكي ياداليدا، ده كل الفرق اللي بينا سنتين." جلست داليدا على مقعد جوار زوجها، لتقول بقلة تهذيب:
"إزاي سنتين، أنا عندي عشرين وانتِ بسم الله ما شاء الله داخلة في الأربعين، تبقي خالتي ولا مش خالتي." مطت آمال شفتيها حانقة: "أبقى ستك." ثم شهدت سلطان على الحديث بمسكنة: "إيه رأيك في الكلام ده ياسي سلطان، بذمتك يبان عليا سن." انتابه شعور شيطاني في إغاظتها، فرد على آمال بأسلوب لبق سافر يتناقض مع أسلوبها اللفظ الذي تمطرها به دوماً: "الشهادة لله لأ، من يومك وانتي زي القمر." "والله." رفعت داليدا حاجبيها توزع نظرة
الاتهام عليهما بالتساوي: ضحكت آمال بذهول: "إيه ده معقول، انتي بتغيري." بنفس الضحكة والأسلوب المماثل أجابته داليدا: "تصوري، طلعت بغير على جوزي." استلمت حنان والدته دفة الحوار فقالت برفق: "داليدا بتهزر يا آمال مانتي عارفاها." وجهت الحديث كذلك لداليدا: "وبعدين آمال مش غريبة ياداليدا، ده هي وسلطان متربيين سوا، زي الأخوات." أكدت آمال على حديثها بلؤم وهي تنظر إلى داليدا: "آه أخوات، لحد دلوقتي بس أخوات."
لم يغلبها أحد في قصف الجبهات يوماً، لذلك كان ردها عليها قاطعاً: "وهتفضلوا أخوات بس اطمني." ضحكت آمال بغل مكتوم وهي توجه حديثها لسلطان كنظراتها: "دمها خفيف أوي ياسلطان، ما شاء الله عليها." أكد سلطان بابتسامة مبتذلة: "من يومها دمها، سُكر، أهدى يـسُكر مش كده."
همس بآخر جملة بالقرب من أذنيها، فـلقت داليدا عليه نظرة نارية وهي تلكمه بغضب في كتفه بقبضة يدها الصغيرة. فـبرق سلطان بعينيه يحذرها ألا تتمادى عليه أمام الناس، فستكون العواقب وخيمة عندما ينفرد بها. بينما على الجهة الأخرى، وجهت آمال حديثها وكذلك نظراتها نحو حنان التي كان ظاهراً عليها التعب والجهد:
"أنا أول ما عرفت إنك تعبانة وإن الدكتور لسه ماشي من عندك مكدبتش خبر وجيت على طول، ألف سلامة عليكي يا أم أميرة، خدي بالك من نفسك ياحبيبتي وبلاش تتعبي نفسك، وأنا بإذن الله هاجيلك كل يوم أطمن عليكي وأشوفك لو محتاجة حاجة." تدخلت داليدا ترد بفظاظة مكتومة: "بلاش تتعبي نفسك يا خالتي، أنا موجودة معاها، وهعملها كل اللي هي عايزاه، مش عايزين نتعبك." بلعت آمال هذا القصف السخيف ثم ادعت الاهتمام وهي تنظر نحو سلطان بلؤم:
"معلش ياحبيبتي بس أصل أم أميرة غالية عليا أوي، يقولها ياسي سلطان، أنا بعزكم كلكم قد إيه." أكد سلطان على حديثها وهو ينظر إلى داليدا: "أم دنيا، طيبة وقلبها كبير يساع من الحبيب ألف." صكت داليدا على أسنانها مبتسمة بعصبية: "يـسُكر، وانت عرفت منين بقا إن قلبها كبير." تنحنح سلطان وهو يبتلع الضحكة المتسلية بصعوبة، ثم وجه الحديث لآمال وهو ينظر إلى أكياس الفاكهة التي دخلت بها:
"احم، بس ليه تعبتي نفسك وشايلة ومحملة، هو إحنا غرب." ابتسمت آمال وهي تشير إلى الأكياس بتملق مقـزز داليدا: "دي شوية حاجات بسيطة، كام نوع فاكهة، و أنا بشتري الفاكهة لقيت عند الفكهاني خوخ، افتكرت إنك بتحبه فقولت أجيبلك معايا." تدخلت داليدا في الحوار مرددة وهي ترمقه شزراً: "خوخ، ده من إمتى." أكد لعيناها المشتعلة بتسلية تلمع في عينيه الماكرة: "من زمان بحبه والله، تسلم إيدك يام دنيا، بس أنا لسه واكل منه امبارح." قالت
آمال باهتمام مبالغ فيه: "تاكل تاني ياخويا بالف هنا، خدي ونبي ياداليدا اغسليه منه وحطيهم قدامه." مطت داليدا شفتيها: "مش وقته، ده معاد غدى." قالت والدته بمودة: "لأزم تتغدي معانا يا آمال." امتنعت آمال وهي تتبرم بحزناً دفين: "كان بودي والله يا أم أميرة بس البنت بنتي سايباها عند جارتي من الصبح، هروح آخدها وأروح أكمل اليوم عند أختي، مانتي عارفة من يوم ما اتطلقت وأنا وحيدة في شقتي، مليش حد يطل عليا." قالت داليدا
ببرود وبشفاة مقلوبة: "طب ما تتجوزي بدل الوحدة اللي قاتلاكي دي." "لسه ملقتش الراجل اللي يملى عنيا." قالتها آمال وهي تنظر إلى سلطان تلمح بخبث: "عيزاه كده طول بعرض هيبة، عضلات ماشية على الأرض، أبقى وأنا جمبه كده أحس بالأمان وراحة، يبقى ميتخيرش عن سي سلطان كده."
فارت الدماء في عروقها أكثر، تلك المرأة تستفزها بكل معنى الكلمة، الوقحة تتغزل في زوجها أمامها ببجاحة وكأنه حق مشروع. لولا ذرة العقل المتبقية داخلها لكانت نهضت وجذبتها من شعرها لخارج البيت. ورغم كل تلك المشاعر الهائجة قالت ببرود مدعية الحسرة: "سي سلطان، خسارة، انتي كده هتدوري كتير أوي على ما تلاقي زي سي سلطان." ثم عادت بنظراتها النارية إليه: "ولا إيه ياسي سلطان." ابتسم سلطان وهو يشيح بوجهه عنها ناظراً إلى آمال:
"كلها هتيجي بتسهيل ربنا، بس نتـكا على الصبر." "ادينا صابرين، أم نشوف." قالتها آمال بتنهيدة حارة وهي تنهض عن مكانها قائلة: "طب فـوتكم بعافية بقااا." قالت حنان بصوت متعب: "يابنتي قعدي اتغدى معانا." "مرة تانية يا أم أميرة، ألف سلامة عليكي يا حبيبتي." مالت عليها لتقبلها، ثم استقامت بعدها تأكـد على زيارتها القادمة: "هـبـقـا أعدي عليكي تاني، أطمن." ثم حانت منها نظرة على سلطان وهو يبتعد. "سلام ياسي سلطان."
ثم تجاهلت تماماً داليدا عن عمد. فـهم سلطان ناهضاً من مكانه وهو يقترح أن يصطحبها حتى باب الشقة ذوقياً منه. لكن داليدا نهضت خلفه وهي تقول بابتسامة باردة: "خليكي انت ياحبيبي، أنا هوصلها بنفسي." ثم نظرة إلى آمال الحانقة بعد تصريحها، مما جعل داليدا تبتسم بتشفٍ: "أصلك غالـية عليا أوي يا خالتي أم دنيا، تعالي تعالي."
اصطحبتها للخارج حتى باب الشقة. فـضحكت حنان على تلك الشقية الماكرة. فرغم صغر سنها والفرق الشاسع بينها وبين ابنها، إلا أنها متأكدة أن داليدا ستسعد ابنها وتحافظ على بيتها. فكيف تغفل عن حب ابنها لداليدا منذ أن كانت ترقص وتتمايل في خطبته السابقة. يومها نهض من جوار خطيبته وسحب ذراع داليدا جانباً وظل يعنفها بالكلمات حتى سكنت ورضخت لأمره وتنحت جانباً تشاهد استعراض الفتيات بصمت، والتي كان من ضمنهن (جنة)
ابنة أخـته والتي لم يعترض أبداً على رقصها وصخبها وسط أصدقائها كما فعل مع داليدا. أسدلت حنان أهدابها مبتسمة وفي خاطرها تدعي لهما بقلب أم بأن تكون حياتهما مليئة بالرضا وتدوم عليهما بسعادة الحب، فما أجمل منها سعادة. ظل سلطان واقفاً مكانه غير مدرك بعد أنه تأثر كلياً. بكلمة فاترة خرجت من بين شفتيه الغاضبة. حبيبي؟ ولواقع الكلمة أثر جميل يستشعره فقط الظمآن إلى الهوى مثله تماماً. ***
مر أسبوع عليها ولم ترى طيفه في أي مكان حولها. يمر كل يوم في العاشرة صباحاً بجوار المطعم بسيارته الفارهة ولا تراه ولا حتى من خلال النافذة السوداء. أصبح قلبها يحترق كلما مر يوماً دون رؤياه. لا تفكر بأي شيء سواه منذ آخر اتصال بينهما والذي لم يكرره أبداً. حتى كبرياؤها منعها من إعادة الاتصال به. الأمر خارج عن السيطرة، هي من اختارت هذا الوضع، عليها أن تتحمل وكأنه لم يكن. لم يكن؟
كيف تقنع هذا القلب الملتاع شوقاً بأن عاصم الصاوي لم يكن. كيف لم يكن وعقله مشغول به وخفقات قلبها تنتمي إليه. "شهد، شهد انتي مش سمعاني." رفعت شهد عينيها على خلود التي كانت تقف جوارها تنظر إليها بحيرة عاقدة الحاجبين: "بتقولي حاجة يا خلود." لوحت خلود بيدها بتعجب: "بقول حاجة يا خلود؟ دا أنا بقالي ساعة بكلمك، مالك." هزت شهد رأسها بملامح لاهية: "مفيش، مفيش حاجة." جلست خلود أمامها مستفسرة:
"إزاي مفيش حاجة، بقالك أسبوع مش مظبوطة، هو عاصم مجاش اتقدملك زي ما قولتيلي." نفت شهد هاربة من عينيها: "لأ لسه، لسه شوية، كنتي عايزة إيه." مطت خلود شفتيها قائلة: "محتاجين كذا حاجة كده من السوبر ماركت، هبعت حد من البنات يجيبها." أومات شهد وهي تنهض من مكانها: "تمام استني هجبلك الفلوس." "الله، ده أنا باجي على سيرتها بقا."
هتف مرعب هذه الجملة وهو يدخل من باب المطعم بهيئة غير محببة للنفس، حيث كانت نظراته كريهة ووقحة وقسمات وجهه تحمل طابع همجياً خطراً. أما ذراعه المكشوفة كثرة الوشوم بها كالندوب المعبرة عن حروبه الغير شريفة مع الغير. جزت شهد على أسنانها وهي تقترب منه بملامح غير مرحبة بالمرة: "نعم عايز إيه." رفع مرعي حاجب متوجساً: "ليه الوش الخشب دا بس يا ست البنات." تدخلت خلود تقف جوار شهد قائلة بضيق مكتوم:
"اخلص يامرعي عايز إيه دا مكان أكل عيش ومش ناقصين واقف حال." ابتسم مرعي هازئاً ثم غمز بلؤم: "مش ناقصين، انتي بتبعدي العين عنك ولا إيه يا خوخة، ده بصلي على النبي المطعم شغال وزباين داخلة وزباين طالعة، ودنيا ماشية معاكوا حلاوة." صاحت شهد ملوحة له بنفاذ صبر: "وانت مالك وعايز إيه أصلاً، انت مش بتاخد اللي انت عايزه كل أسبوع، عايز إيه تاني." حك مرعي يديه ببعضها مبتسماً بطمع وهو يقول:
"والله انتي وذوقك بقا، أصلي بصراحة شرقان، ومش معايا فلوس لأنا ولا رجـلتي." رفعت شهد رأسها إليه بحنق شديد: "طب وأنا مالي، روح دور على شغلانة تاكل من وراها عيش بدل ما انت داير تبلطج على الكل." اتسعت عينا مرعي قليلاً وهو يلوي شفتيه محذراً إياها بشر: "وليه الغبطة دي بس، أنا من رأي تدفعي وانتي ساكتة، عشان متخسريش أكل عيشك." قالت شهد بغضب: "انت بتهددني." أكد على حديثها يتوعد لها بشر:
"حاجة زي كده، بلاش تتعوجي عليا يا ست البنات عشان أنا قرصتي والقبر، ما تقوللها حاجة ياخلوووود." خشت منه خلود لذا ربتت على كتف شهد تهدأها: "خلاص ياشهد، ا." نفضت شهد يد خلود بغضب وقاطعته بصرامة: "لأ مش خلاص، مش خلاص." رمقته بشزر متابعة بتجهم: "أنا مش هديك فلوس تاني، ولي عندك اعمله، فـلوس تاني مفيش، وبيني وبينك بقا الحكومة، هي تعرف تاخدلي حقي منك." رفع مرعي حاجبيه بأقصى درجة بابتسامة مستهينة بها ثم سار خطوتين في صالة
المطعم يخبرها بتهديد صريح: "الحكومة، ده انتي قلبك جمد أوي، ماشي وأنا معاكي، تحبي بقا أقلبلك المكان دا على اللي فيه دلوقتي، عشان تبقا قضية كاملة من كله." أغمضت شهد عينيها بقوة ثم فتحتهما، وفي لحظة أقل من الثانية دخلت المطبخ وخرجت بسكين بين يديها، وقبل أن يلمس مرعي مقعداً كانت تشهر السكين في وجهه دون سابق إنذار. صرخة خلود بخوف: "شهد." لم تلتفت لها شهد، بل هزت السكين أمام وجه مرعي بتهديد صارخة فيه بصرامة:
"اطلع برا، ياما أقسم بالله أفتح كرشك دلوقتي، وأخليها قضية بحق وحقيقي، اطلع برااا." رغم خوف مرعي البادي على وجهه إلا أنه ادعى العكس واستخف بالسكين بين يديها: "نزلي السكينة ياشاطرة لحسان تعورك." هزتها شهد مجدداً بملامح متجمدة وعينين مشتعلتين خطيرتين: "بقولك أطلع براااااااا، أطلع براااااااا." ابتعد مرعي خطوتين للخلف بظهره وبملامح تنبئ بالشر توعد لها: "ماشي، بس مترجعيش تقولي ياريتني، انتي اللي بدأتي، والبادي أظلم."
خرج من المطعم ينوي اقتناص حقه منها. فالمرة الأولى تجرؤ امرأة على رفع السلاح في وجهه تهدد بموته. ستدفع الثمن غالياً، غالياً. هتفت خلود بهلع: "اللي عملتيه ده هيهد الدنيا فوق دماغنا وبكرة تقولي خلود قالت." تمتمت شهد بوجه أحمر من شدة الانفعال وبأنفاس متسارعة: "يعمل اللي يعمله، المهم موطيش راسي لواحد جبان زي ده." غمغمت خلود بوجل: "ربنا يستر، أنا مش مطمنة." ***
دخلت من باب المكتب أمام عينيه المتربصة لها، بخطوات مستقيمة تخطو على البساط، بل على قلبه الذي يهفو إليها الآن كالمراهق الظـمأن. كانت مختلفة اليوم، ليس لأنها جميلة، فكل يوم هي أجمل من سابقة، بل لأنها حزينة. وجهها رغم أنه طبيعي إلا أنه باهت قليلاً والهالات تحت عينيها تلاحظ من النظرة الأولى. حتى فيروزيتاها عند النظر كسيرتين شاردتين. ماذا بعصفورة الكناري الجميلة لم كل هذا الآسى، أين صوتك المرح والثرثرة التي لا تنتهي، أشبه
بزقزقة صباحية مزعجة لكنها مقبولة للطافة مغردها. أين حركاتك العشوائية هنا وهناك وكأنك تملكين الكون دون قيود كعصفور يحلق فوق الغيوم يذهب أينما شاء. أين ابتسامتك يا صاحبة العيون الفيروزية، أين لطفاتك وإشراقك الصباحي مع كل ضحكة منكهة بالحياة تهديها إلي، فـبها أتابع عملاً مضنياً ونهاراً خانقاً، وحياة روتينية باهتة. هل سترحلين بعد أسبوعين فقط؟
لن أسمح لكِ، كيف تفعلين هذا بي؟ تعلقيني بكِ ثم ترحلين بهذه البساطة كالصوص سارقة جزء من قلبي معك؟ كيف أهون عليكِ يا فيروزة العينين، عصفوري الكناري اللطيف. عندما وصلت كيان إليه بالقرب منه بخطوة مالت عليه تضع الملف قائلة: "القضية اللي حضرتك طلبتها، ولي بصراحة في حاجة فيها مش فهماها وعايزة آخذ رأي حضرتك فيها." نزع سليم عينيه عنها بالإكراه عائداً إلى صفحات الملف الذي صدقاً بقربها منه نسى أبجدية القراءة فعلاً.
أغمض عينيه لثانية ثم سحب أكبر قدر من عطرها المميز، الناعم كالياسمين، يذكره بأمه. فهي كانت عاشقة لكل شيء مندمج بالياسمين، وهو مثلها. مالت كيان عليه تشير بإصبعها المكتنز قليلاً شديد البياض على سطور عجزت عن فك شفرتها، لذا تستشيرها بها وهي في حيرة شديدة. وهو أيضاً في حيرة أشد عندما لمس وجهه شعيرات بندقية اللون ناعمة الملمس عفوية الإلقاء، تسير على وجهه براحة، فيشم هو هذا البندق مكتشف عطره الزكي.
"ها يا أستاذ سليم تتحل إزاي دي." في ميلها الرقيق المفتقر لأي إغواء من أي نوع، مالت بوجهها نحوه فوجدته ينظر إليها بغرابة أقرب للجمود، وكأنه عاد للتو من رحلة سافرة أخذت منه الكثير، وعاد فارغ الأيدي. "مش عارف." نطقها وهو يبحر بين أمواج عينيها الحزينة الكسيرة. "أمال مين اللي يعرف، ده أنا قولت عندك الحل."
ليس لدي الحل صدقيني، فأنا حتى هذه اللحظة متخبط المشاعر، ما بين امرأة أحبها بشدة وامرأة أخرى منجذب لها بقوة تفوق الوصف. فأين الحل بين الحب والانجذاب؟ كيف أوفق بين مشاعر تنتمي لامرأتين؟ "مالك يا أستاذ سليم انت تعبان، شكلك مش معايا." أفاق من شرده ناظراً إلى عينيها ثم ألقى السؤال في مرماها: "انتي اللي شكلك متغير عن إمبارح، في حاجة حصلت معاكي." ابتعدت عنه جالسة في المقعد المقابل له، يفصلهما المكتب الفخم:
"عادي مشاكل في البيت، متعودة على كده." تشنج فكه وهو يسألها: "والدك." تلونت شفتيها في ابتسامة مضنية: "اها، والدي، عثمان الدسوقي." سألها بهدوء وكأنهما يتبادلان أسرار حياتهما الشخصية منذ زمن: "إيه اللي حصل." انعقد حاجبي كيان متمتمة: "ليه عايز تصدع نفسك بمشاكلي التافهة." قال بنبرة حارة فضولية: "اعتبريني صديق، واحكيلي، يمكن تلاقي عندي الحل." ابتسمت كيان ساخرة: "كنت حليت القضية اللي كلت دماغي دي." تغضنت زاوية عيناه ليقول:
"بعدين ياكيان، خلينا في المهم." ادعت الغباء: "اللي هو." "كيااان." ناداها بحزم حتى تريح قلبه المشغول عليها. فلم تتجاوب مع نظراته بل قالت: "صحيح فاضل أسبوعين على وجودي هنا، لقيت حد يشيل الشغل مكاني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!