الفصل 31 | من 31 فصل

رواية الحب لا يكفي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم قسمة الشبيني

المشاهدات
15
كلمة
3,665
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

نظر لها بدهشة لا يفهم سبب بكائها في هذه اللحظة، يفترض بها أن تكون سعيدة كرد فعل طبيعي لأي امرأة تترقب ميلاد طفلها الأول. هل هذا سبب الحزن الذي خيم عليها مؤخراً؟ التقى حاجبيه معبراً عن تعجبه وعدم فهمه ما يحدث، أخيراً تمسك ببعض الأحرف ليصيغها لسانه تساؤلاً: _سهى أنتِ زعلانة إنك حامل؟ _لا طبعاً يا عثمان أنت مجنون؟ زادت الدهشة الظاهرة فوق قسماته سطوعاً مع الحدة التي تنكر بها حزنها، فما الداعي لكل هذا البكاء والحزن إذا؟

_طيب بالراحة يا حبيبتي قوليلي حاسة بإيه؟ ما هو مش طبيعي العياط ده كله. _علشان أنت مش فرحان إني حامل. _أنااا!! مين قالك الكلام ده؟ أشارت إلى ملامح وجهه التي لم تنسحب عنها علامات الصدمة وهي تتعذر بها سبباً للبكاء. _آهو أنت مكشر ومن يوم ما عرفت إني حامل وأنت مش فرحان. _وأنتِ عرفتي من كام يوم؟ _خمسة. _وأنا هفرح إزاي من خمس أيام وأنا ما أعرفش؟ المفروض أزعل منك عشان خبيتي عليا. _آهو شوفت أنت زعلان.

وعادت للبكاء بشكل غريب، لكنه تضاحك وسحبها لصدره. _خلاص أنا فهمت، دي اللي بيقولوا عليها هرمونات، أكيد هتجيبي لنا بنت كئيبة. _ما تقولش على بنتي كده. أحاطها بذراعيه وقد بدأ قلبه يعلن عن النفير العام للاحتفال بهذا الخبر السعيد، استقرت فوق ساقيه يحاول تهدئة هذا البكاء الذي لا يليق بالاحتفال. _كده تخبي عليا خمس أيام؟ _ما كنتش عارفة أقولك إزاي. _مجنونة رسمي، عارفة لو ما كنتيش بنت عمي؟ _كنت عملت إيه؟

_ولا حاجة، كنت هحبك بردو. تلصصت ابتسامتها في وجل من خلف سحابات البكاء التي لا تعلم هي نفسها سبب تخيمها على مشاعرها بهذا الإلحاح، فيسرع قلبه ملتقطاً تلك الابتسامة قبل أن يستقر رأسها مرة أخرى فوق صدره لينهض حاملاً لها. _نروح للدكتورة ونحتفل بالخبر السعيد ده باقي اليوم. _استني يا عثمان أنا جعانة. _أنت مش كنت بتعيطي دلوقتي؟ _يعني أعيط وأجوع عشان ترتاح؟

عاد بها للأريكة ووضعها برفق ثم استقام ونظر نحوها وهو يقرب منها علبة المناديل. _الأكل قدامك أهو كلي لما تشبعي، والمناديل جنبك أهيه، عيطي براحتك وأنا هاخد دش لحد ما جنان هرموناتك يخلص. _يعني مش هتاكل معايا؟ سمع الاختناق الذي ينذر بنوبة أخرى من البكاء ليقسم قلبه أن هذه الفتاة ستصيبه بأزمة قلبية حادة لهذا الجنون الذي يحياه معها، أسرع يجلس قبل أن تنخرط في نوبة بكائها.

_هاكل يا سهى كفاية غم الله يرضى عنك، مش أنا جايب لك شيكولاتة. فتح الكيس الذي كان يحمله وقد قطع الطريق على سيل البكاء الذي كاد أن ينزل بها مجدداً، فيبدو له أن الأيام المقبلة ستحمل الكثير من تضارب المشاعر، ربما تكون طبيعتها الرقيقة سبباً في ذلك وربما تكون هناك أسباب أخرى ترفض إعلانها حالياً.

حين وصلا لمنزل أبيه ليزف تلك البشرى لأمه وخالته رأى سبباً آخر يدعوها للبكاء، فقد هللت قلوب الجميع سعادة واضحة بينما انصبت سعادة هنية عليه هو. هل توقعت سهى رد فعلها مسبقاً؟ جلست هنية بجواره هو بينما أسرعت أمه إلى المطبخ لتعود بكوب كبير من الحليب متجهة نحو سهى بمحبة. _لازم تاخدي بالك من أكلك يا سهى، بلاش أكل جاهز يا عثمان، تعالوا اتغدوا عندي كل يوم أو أنا أبعتلكم أكل، هتروحوا للدكتورة امتى؟ عثمان اوعى تزعلها وهي حامل.

كانت محبة هالة التي تتدفق من بين الكلمات تربت فوق قلب سهى التي تلتقط نظرات لأمها المتشاغلة عنها بينما عثمان يضحك ويحاول جذبها معه إلى محيط أمه المزهر بالمحبة ليتدخل صبري منهياً ألم سهى وهو يقترب ليسحبها إلى صدره مخفياً رأسها بين أضلعه فتؤكد له نهضة الألم التي فرت من صدرها أنه أحسن التوقيت ليربت فوق رأسها بدفء. _أكيد روح خيري ارتاحت دلوقتي، ما تفكريش في أي حاجة تزعلك ولا تشوفي أي حاجة تضايقك أنتِ عندنا أهم.

ظلت دقائق تتشرب من قرب عمها الذي يعوضها عن غياب أبيها قبل أن تبتعد قليلاً. _عثمان أنا عايزة أروح. _ليه؟ خلي عثمان قاعد معانا شوية. كان هذا ما نطقت به هنية لتتجه نحوها الأعين بدهشة بينما حاولت هالة تدارك الأمر كالعادة. _زهقتي مننا ولا إيه يا سهى؟ _معلش يا خالتي عايزة أنام. ابتسمت هالة بمودة فهي تعلم أن الفتاة تهرب بعيداً عن تلك القسوة التي تغلف قلب هنية وهي تعذرها في ذلك لذا حاولت التمسك بأطياف المرح وهي تتابع.

_نامي يا حبيبتي وارتاحي، وأنت يا عثمان لما تلاقيها عايزة تنام خليها تنام ما أنا عارفاك غلس. _أنا يا ماما غلس؟ _ما تعملش مستغرب أوي ده أنا أمك يا عثمان محدش في الدنيا يعرفك قدي أنا ومراتك. ضحك الجميع بينما نظر صبري إلى زوجته راضياً عن تلك الكلمات الحكيمة التي وجهتها إلى هنية لعلها تواجه نفسها قبل فوات الأوان.

انتهى الحفل منذ ساعة كاملة ولا يزال يجلس أمامها يتطلع إليها بشغف وكأنه غير مصدق وجودها معه بنفس الحيز، مرت أشهر منذ قبلت به أمها لكنها رفضت بشكل قاطع عقد القران قبل الزفاف وكأنها تمنح وفاء الفرصة للتراجع عن هذا الزواج بأي وقت وسبب هذا له هاجساً بالفعل خيل إليه أنها ستتراجع حتماً في آخر لحظة وستنهار أحلامه وتردمه للأبد.

لكن هذا لم يحدث، لقد تابعت وفاء التقدم نحوه حتى صارت بهذا القرب وها هو يجلس أمامها يحيطها بهذا الشغف. كانت تنظر أرضاً وتعقد ساعديها بحدة رافضة التعبير عما تعانيه من توتر بدأت حدته تخبو لطول صمته، شعرت بحركته لتنظر نحوه فتجده يتقدم حتى جلس بجانبها وعينيها تحاول أن تهرب من تلك السطوة التي تفرضها عينيه، بمجرد أن تلتقي نظراتها بنظراته يأسرها رافضاً تحريرها من هذه السطوة. رفع كفه يتلمس وجهها بتردد ينبع من شغفه.

_وفاء أنتِ هنا بجد؟ إحنا اتجوزنا خلاص؟ هزت رأسها فقط لتخفي نبرة صوته راجية. _اتكلمي عشان خاطري. _أيوه يا عمار اتجوزنا، مالك؟ _مش مصدق نفسي. حررت ذراعيها لتمسك كفه فيضغط على كفها بقوة متحمسة غير مفرطة مع اقترابه مباغتة لينال اللمسة الأولى التي رفعت معدل الحماس بدماءه لكنه كان بالتعقل الكافي الذي يسمح له بالتحكم في حماسه وقيادة شغفه لتنبع من قلبه هالة من الدفء والعناية أحاطت بها حتى النهاية.

تعلقت وفاء به رغم أنها استسلمت للنوم منذ فترة طويلة وهو لا يستوعب صدره كل تلك السعادة التي حصل عليها بقربها، تحتاجه بشدة؛ يتراقص قلبه طرباً لهذه الفكرة فهو أيضاً بحاجة لتعلقها به بهذا الالتصاق، لا يتمنى أن تحرمه هذا الدفء أبداً.

بدأت دقات قلبه التي أصيبت بالخلل منذ رؤيتها تعود لوتيرة طبيعية فهي له الآن بكل هذا الشغف الذي تتطلبه والذي هو قادر تماماً عن ري ظمأه فهو يملك فيضاً من حنان تابع طيلة عمره الحفاظ على تدفقه حتى أشرقت دنياه ليعلم أنها مصب سريانه.

تشعر سميحة بوحدة شديدة منذ تزوجت وفاء، لقد مر أسبوعان ولم تنته رحلة شهر العسل التي صحبها فيها عمار، ورغم أن سعادة وفاء تظهر في صوتها أثناء محادثتها لها يومياً إلا أنها لا تزال تتخوف تبعات هذا الزواج.

تناولت طعامها الذي أصبحت نفسها تعافه كثيراً وحدها ككل يوم، نظرت بين أركان المنزل وهي ترى صوراً من حياتها والفتيات بين هذه الجدران منذ انفصلت عن زوجها، لقد كانت هذه الشقة لوالدتها أيضاً وأجرت عليها بعض التعديلات لتتخذها مسكناً لها بعد أن لفظها شقيقها الأكبر لمجرد طلبها الطلاق، عانت كثيراً وتشعر أنها ستعاني المزيد مع الوحدة مستقبلاً.

ضربات جنونية لجرس الباب دعتها لسرعة الحركة وما إن فتحت الباب حتى وجدت وفاء بين ذراعيها. _وحشتيني أوي يا ماما. أحاطتها سميحة بكل الشوق الذي أضنى قلبها فهي تفترق عنها للمرة الأولى بحياتها بينما تقدم عمار بنفس الابتسامة. _عاملة إيه يا ست الكل؟ _الحمدلله، اتفضلوا، تعالي يا وفاء.

لم تبتعد وفاء عن أمها بينما ترى سميحة ترقص السعادة والتأثير العظيم الذي ظهر على وفاء من مرح وسكينة لتبدأ مخاوفها تجاه عمار تتراجع خاصة مع تلك النظرة التي تطل من عينيه تخبرها أن وفاء بمأمن في قربه. ما أسرع مرور الأيام التي تطوي سنوات من العمر دون أن ندرك كيف مرت بهذه السرعة.

أنهت سهى رسالة الماجستير رغم أن اهتمامها بابنتها أخرها قليلاً لكنها تمكنت من الموازنة والنجاح، أما وفاء فقد أنجبت فتى وساهمت بالكثير من الجهد في تطوير الشركة التي اتخذت مقراً مستقلاً وأصبح لها كيان في سوق العقارات لا يستهان به. كان عثمان في الورشة التي حولها لمركز صيانة ويجتهد ليحصل على توكيل إحدى شركات السيارات الكبرى وقد أصبح أيمن شريكاً له.

لا يمكنه أبداً الجلوس خلف مكتبه ومراقبة العمل لذا وقف أمام المركز ليرى شقيقته وابنة عمه تعودان للحَيّ ليترك العمل جانباً ويتجه نحوهما بقلق. _اتأخرتوا كده ليه؟ _يا دوب يا أبيه الامتحان والطريق. _وإيه الأخبار طمنوني؟ _أنا تمام. _وأنت يا سارة؟ _مش عارفة يا أبيه حاسة إني مش مطمنة. تنهدت عالية وهي تربت فوق كتف سارة. _يبقى هتجيبي امتياز زي كل سنة. صفع عثمان مؤخرة رأس عالية التي لا تتوقف عن المزاح.

_بدل ما تتريقي عليها اعملي زيها. فركت رأسها بمبالغة وكأنما صفعها فعلياً. _يا أبيه البنت ملهاش غير بيتها وجوزها. _أما نشوف يا لمضة، روحي طمني ماما الأول وبعدين عدي على سهى. فركت عالية كفيها بحماس شديد. _أخيراً الامتحانات خلصت وهاخد هالة الصغيرة تبات معايا. _بت انتِ عارفة لو سمعتها القرف اللي بتسمعيه مش هخليها تبات معاكي تاني وما تتصعبيش وتعملي عليا الشويتين بتوعك بنتي وأنا حر فيها.

نظرت له عالية بغيظ وتقدمت لتبتسم سارة وتنظر نحوه. _ما تقلقش يا أبيه مش هخليها تشغل موسيقى الهبد دي.

ابتسم لها عثمان ولم يعلق بل راقب مغادرتهما بصمت، لقد أثرت وفاة عمه على سارة بشكل كبير فرغم أن الجميع حاول تعويضها عن خسارتها خاصة أبيه إلا أن أحدهم لم يتمكن من ملء الفراغ الذي تركه عمه ورغم ذلك لم تترك نفسها للانهزام بل تابعت بقوة لتتفوق في دراستها الثانوية ثم الجامعية بينما شقيقته عالية ترفض تحمل المسؤولية فتتراجع عنها قليلاً.

يقدر كل مجهودات سارة التي لولا روحها المقاتلة ما تمكنت من النجاة وحدها مع خالته التي ترفض أي تغير في طباعها التي أصبحت منفرة للجميع حتى ابنته الصغيرة التي لم تحظ بحب هنية الذي حظي به هو فهو لم يكن يوماً محبوباً لخالته سوى لكونه ذكراً وهذا يسوءه بشدة وإن أظهر عكس ذلك. دخلت وفاء لمكتب عمار الذي لم ينه عمله بعد لتلومه فور رؤيته خلف مكتبه. _عمار أنت لسه بتشتغل؟ _دقايق بس يا وفاء ابعت الإيميل ده. _إيميل إيه وريني كده؟

عمار أنا مش هخاطر بيك ضغطك كان عالي امبارح وأنا رضيت تيجي الشركة بس عشان ما تمليش في البيت لكن قولنا شغل وتوتر لا.

ابتسم عمار فمجرد ارتفاع طفيف في ضغط دمه أفزع وفاء بشدة، لقد مرت السنوات لتزيد من عشقه لها ومن تعلقها به، لا يذكر خلافاً بينهما أدى لبعد أي منهما عن الآخر ولو لليلة واحدة، لا يمكنه أن يهجع دون أن تستقر بين ذراعيه، لا يزال يتذكر يوم ميلاد ابنهما الوحيد حين أصرت الطبيبة على مبيت وفاء بالمشفى لتكن قصة الرجل الذي وجدوه نائماً في فراش زوجته التي وضعت طفلها للتو هي حديث المشفى في اليوم التالي.

انهت وفاء إرسال البريد الذي شغله لتنظر له بحدة. _خلاص يا سيدي اتبعت يلا بقا نروح الموظفين كلهم راحوا. _حاضر أنا جاهز، هي سهى مش المفروض تستلم شغلها؟ _أيوه بكرة هتستلم، هنروح بالليل حفلة ختام مؤتمر التطوير العقاري، أنا عارفة إنك ما بتحبش الدوشة بس الحفلة دي مهمة جداً للشركة. _عارف يا وفاء هنروح حاضر.

تعلقت بذراعه كما تفعل دوماً وكأنها تخشى أن يتلاشى فجأة، لقد أكدت لها الأيام مع مرورها أن عمار لم يكن مجرد رجل أحبته بل هو رجل احتاجته بشدة، لم تعد تشعر بمرارة الحرمان التي عانت منها طيلة عمرها، أصبحت مكتملة مع عمار وهذا ما تبحث عنه كل فتاة في الرجل الذي تشاركه حياتها. الإكتمال نعمة عليها أن تحافظ عليها كما عليها أن تحافظ على عمار نفسه.

عاد عثمان لتناول الغداء ليجد أن المنزل يعمه الهدوء على غير العادة، غياب ابنته هالة عن المنزل يضايقه كثيراً لكن حزن أخته يضايقه أيضاً. تقدم تجاه المطبخ حيث من المتوقع وجود زوجته ليجدها أمام الموقد ودون أن يتحدث بادرته بينما يتجه صوب الحوض. _ثواني هغرف الأكل وماتغسلش إيدك بصابون المواعين. _اوف يا سهى أنتِ شوفتيني إزاي؟ _حفظاك يا حبيبي. غادر المطبخ بحدة لكنها ابتسمت وتابعت عملها، جلست أمامه تنظر لملامح وجهه المتجهمة.

_فكها يا عثمان هالة في بيت جدها مع عمتها وخالتها. _البيت من غيرها ملوش حس. _بكرة هروح أستلم شغلي في الشركة وأنا راجعة هعدي أجيبها. ابتلع ما دسه بفمه بنفس الهيئة وكأنه يفكر في أمر جلل ثم قال. _عندي فكرة هايلة. _خير يا رب لمعة عينك دي مش مريحاني. _مش هم شبطانين في هالة؟ خلاص نجيب غيرها. ظلت لحظات تنظر له وكأنها لم تفهم ما قاله ثم نهضت بهدوء. _نجيب غيرها! هي لعبة! وأنت هيفرق معاك إيه! _استنى بس هفهمك.

لحق بها مهرولاً لتركض هرباً منه ورغم حماقة أفكاره إلا أنها تشعر بالراحة لتخليه عن الكآبة التي تلازمه في غياب الصغيرة. تعلقت وفاء بذراع عمار الذي تقدم بجانبها إلى الحفل الذي بدأت فعالياته للتو، مرت ساعة تقريباً في خطابات لبعض أصحاب كبرى الشركات قبل أن يندمج الحضور في تعاملات جانبية تدور حول فعاليات المؤتمر فهي فرصة مثالية لبدء المشاريع.

انضمت وفاء إلى الجمع الذي يصحب زوجها بعد أن أجرت اتصالاً هاتفياً لتفقد ابنها ليرفع عمار ذراعه بتلقائية ويحيط كتفها وهو يقربها منه وقد لمعت عيناه بنظرة الفخر التي تذيب قلبها. _المهندسة وفاء زوجتي والمسؤولة عن قسم التصميم والتنفيذ عندنا. _حضرتك اللي عاملة تصميم سهل حشيش؟ _طبعاً أي تصميم مميز عندنا وفاء اللي عملته.

ابتسمت وفاء فهي ليست في حاجة إلى مجرد الحديث بوجود عمار، أحاطت ملامحه بنظراتها الشغوفة ليقاطع تسلسل أفكارها صوت غريب. _وفاء مش معقول! اتجهت الأعين إلى المتحدث ليتساءل أحدهم. _محسن باشا أنت تعرف البشمهندسة؟ _طبعاً. _اشتغلنا سوا أول ما اتخرجت وكنا زملاء كمان. تقدم محسن من جمعهم بثقة ليضيق صدر عمار لتلك النظرة التي يحيط بها زوجته التي تحدثت بهدوء. _بس ما ارتحتش وقدمت استقالتي، بعدها اشتغلت مع عمار واتغيرت حياتي كلها.

نظر لها عمار ليهدأ غضبه قليلاً وهو يرى نفسه بين عينيها ليهز رأسه مرحباً. _أهلاً يا بشمهندس. ابتسم له محسن بينما تقدم شخص آخر من جمعهم منقذاً للموقف دون تخطيط من أيهم. _بشمهندس عمار اتفضل معايا دقيقة.

تعلقت وفاء بذراعه فوراً معلنة عن رفضها الابتعاد عنه وهي تهز رأسها للجميع قبل أن تسير بجواره بينما يقيم محسن السعادة التي تطفو فوق ملامحها ويقارن بين ما يراه من مودة دافئة محاطة بالعناية وبين ما يحياه من برود يقتصر على كونه ممولاً لرفاهية زوجته ليتأكد أنه اختار خسارته بنفسه لا ينكر أن زوجته تمكنت من اقتحام قلبه ومشاعره لكنه لم يعد يظن أن الحب يكفي وحده لقيام حياة كاملة.

استلقى عمار فوق الفراش منتظراً عودة وفاء من غرفة ابنهما ولم يطل غيابها لتدخل الغرفة تشعر بالإجهاد الشديد بعد اليوم الطويل، خلعت مئزرها واتجهت للفراش فوراً لتجذب ذراعه وتتوسده بخمول. _شوفت يا عمار الحفلة كانت مهمة إزاي؟ _وفاء عاوزين ناخد إجازة ونسافر يومين أنا حاسس إني تعبان. انتفضت جالسة رغم ما تشعر به من إجهاد. _تعبان مالك يا عمار؟ تحب أجيب لك دكتور!

ابتسم عمار وهو يرفع كفه يضم وجنتها بحب يحتوى هذا الحب الذي تكنه له. _لا يا حبيبتي ماتقلقيش، أنا بس مجهد من ضغوط الشغل والبعد عنك وعن ابننا أنت عارفة أنا اتجوزتك كبير وخلفت كبير وقلبي متعلق بيكم أوي. عادت تستلقي تضم نفسها إليه لائمة. _طيب ما أنا اتجوزت صغيرة ومع كده قلبي متعلق بيك عادي. _بتحبيني يا وفاء؟ _أكتر من الحب يا عمار.

كانت همستها هي آخر ما ربط كل منهما بالواقع ليطوي الدفء وعيهما بعيداً لتظل الأجساد متعانقة والأرواح متجانسة. هرولت سهى هنا وهناك تحاول إنهاء كل أعباء الصباح قبل المغادرة، رفع عثمان رأسه عن الوسادة يشعر بالتعاطف معها. _حبيبتي روحي وأنا هعرف أتصرف. _عثمان أنت متأكد مش زعلان إني هشتغل؟ جلس بتكاسل وأشار لها لتقترب نحوه حتى جلست أمامه.

_سهى أنا ما كنتش معترض على شغلك من الأول ولا معترض على أي خطوة جديدة تفيد مستقبلك، أنا كنت خايف عليكي. _وبطلت تخاف عليا دلوقتي؟ ابتسم رغم الحدة التي سيطرت على صوتها. _دلوقتي حبيبتي عقلت وأنا جوه قلبها وعقلها لو راحت آخر الدنيا قلبها هيرجعها لي وعقلها هيحكم ويجمعنا اللي بينا مش حب وبس يا سهى اللي بينا حياة ما فيش حد فينا يقدر يخسرها.

نظن في فترات عديدة من حياتنا أننا بحاجة شديدة للحب لكن لا نعترف دائماً أن هذا الحب قد لا يكون كافياً لدعم احتياجات أرواحنا الملحة والتي تتزايد مع الأيام حتى يعترف القلب مرغماً أن الحب لا يكفي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...