الفصل 30 | من 31 فصل

رواية الحب لا يكفي الفصل الثلاثون 30 - بقلم قسمة الشبيني

المشاهدات
17
كلمة
3,787
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

عاد عثمان للمنزل ليجده هادئاً للغاية. لم يجد سهى، لكنه سمع خرير الماء ليجلس منتظراً انتهائها. طال انتظاره حتى بدأ يشعر بالملل. هل يحتاج الاستحمام لكل هذا الوقت؟ اتجه للغرفة وبدل ملابسه، تناول شطيرة وعاد ليجلس متأففاً. أخيراً فتح باب الحمام وخرجت منه سهى. نظرت إليه: "أنت رجعت؟ اطمنت على خالتي؟ "رجعت من سنتين. إيه يا سهى كل ده حمام؟ "أيوه هنبتدى مناقرة. بص يا عثمان حاجتين ما تسألش عن الوقت فيهم: الشاور والموبايل."

"لا والله، انت كمان بتحطي شروط." انتفضت لدرجة أنها فزعت وتراجعت خطوة متسائلة: "مالك يا عثمان؟ "إيه يا سهى مالك مفزوعة كده ليه! "مش عارفة، شكلك عصبي." "لا أبداً." "طيب أنا هدخل البس وأجهز أكل خفيف." اتجاهت إلى الغرفة لتجده في أثرها. دارت ونظرت إليه بقلق: "في إيه يا عثمان؟ بدأ يتقدم منها ببطء، مكره عليه: "فكينا الجبس، واطمنت على أمي، وصاحبتك روحت. وأنا قلت لهم محدش يجي الناحية دي أسبوع على الأقل. كلاكيت تاني مرة."

تابعت التراجع مع تقدمه الحثيث منها: "كلاكيت إيه يا عثمان؟ انت غريب قوي النهاردة! "هنِعيد ليلة فرحنا." ضحكت وهي تضرب كفيها وتقترب منه: "فرحنا إيه يا عثمان! يا عم خضتني." وصلت إليه ليجذبها نحوه مبتسماً: "هش، اسمعي كلام جوزك. لما يقولك نعيد يبقى نعيد. وبكرة نسافر أسبوع نغير جو، ما أنا خارج من حادثة ونقاهة وكده. مش الدكتور قال راحة تامة."

تلك النظرة التي يراها في هذه اللحظة تمناها قلبه طويلاً. وتلك اللهفة التي تراها بعينيه تمنتها كثيراً. لذا، أحاط خصرها بذراعيه ورفعها عالياً. لتنهره بدلال: "عثمان، الدكتور قال ماتشلش حاجة تقيلة." عقد حاجبيه مستنكراً وهو يردد: "تقيلة! ده انتِ عصفورة. عصفورة علّمت قلبي يطير." تعلقت برقبته، وقد حلق قلبها في فضاءه الشاسع الذي يتسع لكل جنونها وتعقلها، وعشقها الذي أشرق لينير حياتهما معاً. اتسعت عينا وفاء وهي تنظر إلى عزيز

بدهشة سرعان ما عبرت عنها: "اتجوزك! عزيز، انت بتقول إيه؟ خبأ الحماس الذي سيطر عليه من لحظة واحدة: "إيه يا وفاء، حاجة غريبة إني أطلبك للجواز؟ افتكر مشاعري واهتمامي واضحين من الأول." هزت رأسها نفياً، وكأنها تنفض الفكرة بعيداً عن عقلها، الذي سارع بالمقارنة بين نظرات عزيز التي لا تخلو من الشغف بالفعل، لكنه شغف لا يرضيها، فهو يخلو من دفء الحنان الذي تصبه عليها نظرات عمار.

"عزيز، انت اسم على مسمى. انت عزيز قوي وغيرت حياتنا كلنا بوجودك وروحك الحلوة. بس الجواز محتاج مشاعر تانية. ما افتكرش هتكون بينا في يوم من الأيام." أقبلت سميحة تحمل صينية، وهي تتحدث إلى عزيز: "أنا عملت التشيز كيك ده مخصوص من امبارح علشانك يا عزيز." نظر لها وابتسم وهو ينهض ليحمل عنها: "والله يا طنط سميحة، عزيز محظوظ بيكم قوي."

جلس ليلتقط الطبق بأريحية ويبدأ تناوله معبراً عن جودته. لتتعجب وفاء، فهو لا يبدو لها مصدوماً لرفضها له، ولا يظهر تأثراً بهذا الرفض. فهل هو بهذه القوة، أم أن عرضه لم يكن يشمل قلبه؟ لم تفكر كثيراً، فالأمر يخصه هو. لذا، اعتذرت بهدوء: "عن إذنكم، دقايق وراجعة."

اتجاهت لغرفتها لتبدل ملابسها. وحين عادت، كان عزيز وأمها يتحدثان أيضاً بمودة، لتشعر بمزيد من الراحة لأنها لم تأخذ طلبه على محمل شخصي. فيبدو أنه كان جزءاً من تودده ومحاولته ردم الماضي. وصلت وفاء للشركة في اليوم التالي بهيئة مجهدة، فهي لم تنم بشكل جيد. وظل عقلها يعرض عليها صوراً من نظرات عمار، التي يهاجم بها قلبها مباشرة، ويقارن بينه وبين كل من محسن وعزيز.

أما عمار، فهو يفخر بها. نظرات الفخر لا تكذب ولا تنافق. الشغف الذي يتعلق بنظراته لها، والمحمل بحنان تحتاجه بشدة، يشعرها بالاكتفاء ويرجح كفته. لكنه، كما قال لها، يفوقها عمراً. فهل تقبل به أمها؟ لم تنتظر أن يستدعيها لمكتبه كما يفعل كل يوم بأعذار واهية، فقط ليضم نظراتها بنظراته. سمحت لها المساعدة فوراً بالدخول، لتتقدم محاولة إظهار نفس قوتها. لكن ما إن خطت للداخل، وكان يستعد لاستقبالها مبتسماً،

علا القلق وجهه وتساءل: "مالك يا وفاء؟ انت تعبانة؟ تعالي اقعدي. اجيب لك لمون؟ "لا، أنا كويسة." عاد للجلوس فور جلوسها أمامه، وهي لا تدري كيف تخبره أنها تقبل به، وهو لا يدري ما الذي يحدث معها. "مامتك وأخواتك بخير؟ "الحمد لله بخير." "وبنت عمك اللي كانت تعبانة! "لا، الحمد لله بقت أحسن كتير. وبنتها كمان سمتها وفاء." عاد يبتسم ويعود لطبيعته: "بس أكيد مش هتطلع حلوة زيك."

لم تكن لعمار تجارب سابقة، لكنه يتعامل مع وفاء كما يملي عليه قلبه بكل الصفاء والطبيعية التي يحوي. لذا، التقط قلبه ابتسامتها الخجلة التي تقبلت تغزله فيها، ليشعر أنها جاءت اليوم تبشره بما يتمنى. لكن يقف الحياء بينها وبين ما انتوت. لذا، بادر بترقب: "وفاء، أنا منتظر قرارك مهما طال الوقت." رأى التوتر الذي عبرت عنه عينيها بإلقاء نظراتها بعيداً عن مرمى عينيه، وهي تقول: "أنا جيت علشان كده." "بجد!

حاول ألا ينتفض، تابعاً انتفاضة قلبه، منتظراً أن تتابع. حتى قالت: "أنا ممكن أكلم ماما اليومين دول." "ده يبقى أسعد يوم في عمري." عاد الخجل يزين محياها، وهي تنهض مبتعدة: "طيب، عن إذنك." "وفاء." اللهفة التي يفر بها اسمها من بين شفتيه، لتضمه أسماعها قبل أن يركض مرة أخرى عائداً إليه مع نظراتها الخجلى، يدفعها للرضوخ لما سيطلبه منها: "علشان خاطري، روحي ارتاحي النهاردة."

رغم أنها أرادت العمل، لكن رجاءه وجد صدى مخالفاً له داخلها، لتبتسم وتغادر. بينما عاد لمقعده، شاعراً أنه ملك الدنيا لمجرد منحها له الفرصة، التي يثق أنها مجرد بداية لطريق طويل لا ينتوي الرجوع عنه إلا ظافراً بها. عادت سميحة للمنزل، وليس من المعتاد تواجد وفاء بهذا التوقيت. ووجدتها وقد أعدت الغداء أيضاً. "انتِ كويسة يا وفاء؟ "الحمد لله يا ماما. تعالي نتغدى علشان عاوزة أتكلم معاكي في موضوع مهم."

صمتت سميحة، فهي لا تخفي عليها أحوال ابنتها التي تتضارب، وكانت تنتظر هذا الحوار الذي تطلبه وفاء.

جلست سميحة بعد تناول الطعام، تبدي المزيد من الصبر، حتى بدأت وفاء تقص عليها بشأن عمار. في البداية، شعرت سميحة بالراحة لأن ثمة من يهتم بوفاء لشخصها بهذا الشغف الذي تتحدث عنه. فهي تستحق بالطبع أن تحيا سعيدة مع رجل يقدر كل جزء منها. لكن حين أخبرتها عن عمره، تجهم وجهها وشعرت أن وفاء تبحث عن الأب في صورة الزوج. وخزة قوية أصابت قلبها وهي ترى ابنتها لازالت تعاني سوء اختيارها هي.

"ودلوقتي يا ماما، هو عاوز يقابلك. صدقيني، ما حصلش أكتر من اللي حكيت لك عليه." "أنا واثقة فيكي يا وفاء، لأنك عاقلة وعارفة حدودك وبتعرفي توقفي قلبك مكانه لما تلاقي نفسك غلط. وأنا شفت ده بنفسي معاك قبل كده. بس... طفرت الصدمة فوق وجه وفاء، وزاغت نظراتها بفزع. أوقف الكلمات بين شفتي سميحة وهي ترى أنها ستهدم حلماً جميلاً تحياه ابنتها. لذا، لا ضرر من المحاولة، فقد يكون شخصاً جيداً. "خلاص، قولي له ييجي آخر الأسبوع."

تهلل وجه وفاء، لتتأكد سميحة أن الأمر هذه المرة لن يكون هيناً عليها كما حدث مع محسن. فالأخير أدخلها في صراع داخلها ساعدها على إنهاء الأمر. أما هذا الرجل، فيبدو لها مؤيداً من عقل وقلب وكل كيان ابنتها. تركت وفاء لحماس مشاعرها العنان، لتتعلق بها عيني أمها وهي تتساءل كيف يمكنها التخلص من رجل استحوذ على قلب ابنتها بهذه الصورة! هل يمكنها أن ترى ابنتها تتألم مرة أخرى بهذا القدر الذي سيتساوى مع هذه السعادة المتراقصة بعينيها!؟

هل تستطيع أن تنجو وفاء من وهم هذا الحب الذي يدفعها إليه حرمانها الطويل من أبيها؟ داعب عثمان ملامحها، لتنقض مرة أخرى وهي تزيد من ضم الوسادة معترضة على التيقظ. ليضحك بخفوت ويعيد المحاولة، حتى زفرت بضيق وهي تفتح عينيها وتنظر نحوه: "هو انت حد مسلطك عليا تقل نومي؟ ضحك عثمان وهو يقرص وجنتها: "أيوه قلبي. قومي بلاش كسل علشان نخرج. هو إحنا هنعمل شهر عسل كام مرة؟ "مش الدكتور قال ترتاح؟ نام يا عثمان ربنا يهديك."

"دكتور إيه يا شيخة؟ انت بتصدقي الكلام ده؟ هتقومي ولا أرشك ميه زي امبارح؟ "خلاص قمت أهو." جلست بحدة وملامح عابسة بشكل مضحك، ليدفعها ناهراً لها: "على ما أطلب الفطار تكوني أخدتي شاور ومش في البيت إحنا ها! مش هنقضي الأسبوع في الحمام." "هو انت كل يوم هتسمعني الكلمتين دول." تحركت بحدة، ليعود للضحك قبل أن يطلب الطعام، ثم يقرر متابعة مشاغبتها فيلحق بها.

وصل أمام المنزل يحمل الورود والحلوى، ولازال عاجزاً عن التحكم في جنون قلبه، وكأنها أخبرته للتو بقبول أمها لقاءه. يعلم أن موقفه مع أمها أضعف، لكنه سيحاول بكل ما أوتي من قوة ليحقق حلم قلبه الأوحد. طرق الباب، لتفتح له سيدة يبدو من ملامحها أنها ترفضه مبدئياً، لكنها رحبت به باقتضاب وتقدمته للداخل ليحافظ على بشاشة ملامحه التي يحتاجها مودة.

جلست سميحة، فقد طلبت من وفاء عدم مقابلته اليوم، فهي ليست في حاجة لذلك وعليها أن تمنحها الفرصة كاملة لتقيمه. وقد أخبرته وفاء سلفاً بأنها لن تتواجد بالمنزل في نفس التوقيت، ولكنها ستكون بمنزل شقيقتها. "أستاذ عمار، أنا سمعتك للآخر ومقدرة مشاعرك تجاه وفاء. بس بنتي اتربت من غير أب وبتدور فيك على صورة منه. يعني رؤيتها ممكن تتغير وترجع تندم، والنتيجة هتكون دمار بيت وأسرة."

أومأ عمار بتفهم لكل ما مرت به حياتها من ألم، يثق أنه يتساوى مع ما عانته أمه وتحملته. النساء؛ لغز محير لن يستطيع رجل فك شفرته على مر العصور. مخلوق ضعيف يراه الرجال بهذه الهشاشة التي تسمح لهم بالتحكم والسيطرة. ومن قوة هذا الكيان النسوي أنه يتقبل التحكم والسيطرة. حتى إذا ما وصل الأمر لذلك الجزء الذي يمثل كيانها كأم، انتفضت كطير جارح يمكنه أن يحارب ويفر أيضاً دون أن يستطيع أي كان إعادة السيطرة عليه. كم تمنى لأيام طويلة أن تحمل أمه جناحين لتفر، لكنها اختارت التحمل، وهذا ليس ضعفاً فيها بل قوة؛ فمن يمكنه أن يتحمل ما تحملته سوى أعتى المحاربين!!!

سمح لها بالتعبير عن مخاوفها، ثم

رفع كفه وهو يقاطعها بهدوء: "أنا مش صغير وفاهم كويس جداً أن وفاء بتدور على صورة الأب. بس ده ما يمنعش أبداً الجواز. عموماً، الزواج الناجح اللي بتشوف فيه البنت صورة أبوها في جوزها. ويمكن أنا محظوظ لأن وفاء ما عندهاش صورة كاملة وهيبقى سهل عليا أحط صورتي في الخانة دي. هي بتدور على صورة الأب وأنا مسؤوليتي إني أخليها تشوفني الأب والأخ والزوج. لو ما قدرتش يبقى أنا اللي فشلت، مش هي بس. أحب أطمنك، لا أنا بحب الفشل ولا وفاء. يبقى أكيد إحنا الاتنين هنحاول. ومادام في محاولة مشتركة بتكون النتيجة لصالح الطرفين أكيد."

صمتت سميحة، لا تنكر أن عقليته تدعوها لاحترامه وصراحته كذلك. لكنها لا تزال تتخوف من فارق العمر بينهما. لكن هذا الفارق هو مؤكداً أول ما جذب أنظار وفاء لهذا الرجل. يمكنها أن تمنح وفاء كل الفرص للتراجع، وستدعمها دائماً أيما فعلت. طلبت منه لقاء بعد عدة أيام حتى تتحرى جيداً وتفكر بهدوء، ولم يكن أمامه غير القبول. حين عادت وفاء للمنزل، كانت سميحة بغرفتها. لتتجه إليها فوراً متسائلة عن نتيجة المقابلة وعن رأيها في شخص عمار.

"هو راجل محترم يا وفاء، بس لازم نسأل عنه يا بنتي، وأطمن." عادت وفاء لغرفتها، وقد تأكدت أن كيانها يتمنى عمار. فمجرد أن عرضت أمها احتمالية رفضه، اختنق قلبها بشكل لم تشعر به مطلقاً. فقد الأحبة أصعب مما ظنت أنها شعرت. غادرت سميحة المدرسة لتجد عزيز في انتظارها كما وعدها تماماً. وما إن ظهرت حتى أسرع نحوها. لتستقبله بتساؤل: "ها يا عزيز، عملت إيه؟

"صراحة يا طنط، الراجل لا غبار عليه. هو حياته مش مستقرة أوي لأن شركته يا دوب واقفة على رجليها، بس الكل بيشهد بيه. طنط، هو محدش تاني اتقدم لوفاء قريب؟ تعجبت سميحة سؤاله: "لا يا عزيز، بتسأل ليه؟ "علشان أنا طلبت من وفاء الجواز، بس واضح إن قلبها مشغول بالشخص ده. لو شفتيها يا طنط وهي بتستغرب طلبي، هتعرفي إنها خدت قرارها خلاص." "انت يا عزيز؟

"أيوه، بس صراحة كان طلبي تحت ضغط من أمي وإصرارها إن جوازي من وفاء أكتر حاجة هتريح بابا الله يرحمه. بس الحقيقة يا طنط، بابا هيكون مرتاح أكتر وهي مع واحد بتحبه سعيدة ومرتاحة، غير لما تبقى معايا. وأنا هصونها طبعاً، بس قلبها هيبقى مطفي وهتفضل طول عمرها حاسة إن حياتها ناقصة."

تنهدت سميحة، فما أخبرها به عزيز عن عمار أخبرها به كل من طلبت منه التقصي عنه. لكنها أرادت المزيد من الثقة، فأرسلت عزيز، فهو سيكون أحرص على نقل كل التفاصيل. وما أخبرها به للتو، وعدم إخبار وفاء لها به، يؤكد أن ابنتها اختارت بالفعل. يضيق صدرها وتشعر بالاختناق، وكأنها تعجز عن نجدة ابنتها من قلبها.

تقدمت سهى لداخل المنزل الذي غابت عنه أسبوع واحد، لتشعر أنها اشتاقت لتفاصيله. لم تظن يوماً أن الارتباط بالأماكن حقيقة يعيشها البعض، فقد كانت تكره هذا الحي وكل ما فيه، لكنها بالفعل اشتاقت للمنزل، منزلها الذي جمعت بين جدرانه في فترة زمنية قصيرة للغاية العديد من الذكريات التي تحوي حياة كاملة من الفرح والحزن والأوجاع. لحق بها عثمان بعد أن شكر الشاب الذي حمل عنه الحقائب بمودة، وأغلق الباب: "مالك يا سهى؟

"البيت وحشني قوي يا عثمان." "انت كمان وحشتيني." جذبها لتدفعه للخلف بلا حدة: "أنا بتكلم عن البيت يا عثمان." "ما البيت ده جزء مني. ولما يوحشك يبقى أنا كمان وحشتك." "عثمان، انت بتتلكك؟ "فرصة لن تعوض." ضحكت وهو يسير بجانبها معتمداً عليها عوضاً عن عكازه الذي يصر أنه لم يعد بحاجة إليه، وتصر هي على أن يستخدمه حتى يسمح له الطبيب بغير ذلك، فيرضخ هو لمخاوفها التي تسعده.

جلس عمار مرة أخرى أمام سميحة، التي لا تبدو له تخلصت من مخاوفها حوله، ويعلم أنها لن تفعل في وقت قريب. سيعمل على محو تلك المخاوف مستقبلاً إن سمحت له ينيل أمنية قلبه. "الحقيقة يا أستاذ عمار، أنا سألت عنك كتير وكل المعلومات في صفك. بس أنا لسه خايفة من فرق السن بينكم." "عارف يا ست الكل، وصدقيني مع الوقت هتشوفي وفاء سعيدة جداً معايا. أنا عمري ما تمنيت غيرها، وأكيد مش هفرط في أمنية قلبي الوحيدة."

صمتت سميحة لحظات، لكن لا مجال أمامها لرفضه. هو زوج مثالي، وليس هذا ما يدفعها للقبول به، لكن قلب ابنتها يدفعها لتفعل، وعقلها يدفعها للفظه خارجاً وإرغام وفاء على تقبل حقيقة مشاعرها التي لا تنتمي لهذا الرجل.

صراع لم تعد تقوى على مجابهته، لتنهي كل هذا الألم المتنازع داخلها، وهي تمنح وفاء حق تقرير اختيارها. فهي رغم كل مخاوفها من عمار، تثق أن وفاء قادرة على تحمل تبعات اختيارها، ولا بأس، ستكون دائماً بالقرب. نهضت بهدوء يتنافى مع الضجيج الذي تعلو وتيرته داخلها: "مبارك يا أستاذ عمار. أنا هنادي وفاء علشان تتفقوا على التفاصيل، لأنها حياتكم وانتو اللي لازم تخططوا ليها."

وقف احتراماً أثناء مغادرتها، لكنه لم يفعل فقط من باب المجاملة، بل هو يحترم هذه السيدة كثيراً بالفعل. لقد كان ليواجه العديد من العقبات مع أي شخص آخر، لكنها تسعى فقط لسعادة ابنتها، التي سيعمل على أن تراها واقعاً يسكن له قلبها، الذي يقدر صراعه، والذي عجزت ملامحها عن طمره.

مرت أشهر، نعمت فيها سهى بالسعادة مع عثمان. فمنذ فتحت أبواب قلبها له، لم يسمح للحزن بدخوله. ورغم ما يمران به من مواقف طبيعية تحدث بين أي زوجين، يتمكنا معاً من التجاوز والمتابعة. لقد كانت الفترة الأخيرة مرهقة للغاية، فقد تزامنت الاختبارات مع إعدادات الزفاف الذي تساعد وفاء فيها. لذا، بدأت قواها تخور، ليحاول عثمان رفع الضغط عنها بمساعدته في شؤون المنزل.

عاد للمنزل، وكانت تجلس كما اعتاد منذ يومين بملامح كئيبة تدعوه للتفكير بحثاً عن سبب لها بلا جدوى. كان يحمل طعام الغداء ليضعه جانباً ويقترب منها: "مالك يا سهى؟ وما تقوليش مفيش." نظرت إليه مستنكرة حجره على إجابتها، ليحيط كتفيها، وقد زادت ملامح وجهها حزناً ينذر بنوبة غير مبررة من البكاء: "في إيه بس؟ "عاوزة أعيط وخلاص يا عثمان." "لا حول ولا قوة إلا بالله. طيب احكي لي." "مش عارفة."

"طيب إيه رأيك فرح وفاء كمان يومين نخلصه ونسافر يومين نغير جو، يمكن أعصابك ترتاح." "ما أقدرش أسافر، عندي ظروف." "ظروف إيه؟ مش الامتحانات خلصت؟ "أيوه خلصت، بس أنا مش هقدر أسافر خالص." "بتزعقي ليه طيب؟ ما تحكي لي عن ظروفك دي، يمكن أقدر أساعدك فيها." "ما أنا لو عارفة أقولك ما كنتش سكت." تنهد مستدعياً صبره، ثم تابع وهو يربت فوق رأسها محاولاً السيطرة على نوبة بكائها التي

بدأت تظهر في اختناق صوتها: "طيب عموماً، مهما كانت الظروف بتخلص." "لا، الظروف اللي عندي مش بتخلص." "سهى، ماتصعبيش الحكاية. إذا كان العمر كله بيخلص، يبقى ظروفك مش هتخلص؟ "أيوه، الظروف اللي عندي مش بتخلص، بتتولد." "شفتي... اااا، انت قلت إيه؟ بدأت تبكي، ليضيع قلبه بين سعادته وبكائها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...