《 أنا عاوزة أقدم بلاغ في أبويا وأمي، عشان هما الاتنين بيشتغلوا في... الدعااااا... ره. 》 كانت هذه العبارة الصادمة... هي رد تلك الشابة الصغيرة "جنات"... عندما استوقفها فرد الأمن المكلف بحراسة بوابة "مديرية أمن القاهرة"، وسألها عن سبب رغبتها في الدخول. رمقها فرد الأمن بنظرة فاحصة، ثم قال بنبرة صوت يكسوها التعجب: "إيه الكلام العجيب اللي انتي بتقوليه ده يا بت؟ انتي عاوزة تودي أهلك في داهية!!!
روحي العبي بعيد يا شاطرة. البلاغ ده تروحي تعمليه في القسم مش عندنا هنا في المديرية." ردت "جنات" بصوت مختنق: "ما أنا رحت القسم يا حضرة الصول، ومحدش هناك رضي يعملي محضر، ولا حتى رضيوا يسمعوني عشان لسه ما طلعتش بطاقة! رد فرد الأمن بتعجب أكبر: "امشي يا بت من هنا بالذوق كده، بدل ما أدخلك الحجز وأتصل بأهلك يجوا يستلموكي، ويشوفوا الهانم بنتهم اللي ناوية تجرسهم." صاحت جنات بصوت يغمره العناد والتحدي:
"أنا مش هامشي، وهافضل أزعق لحد ما تخليني أدخل وأعمل محضر. أبوس إيدك يا حضرة الصول، أنا موافقة أبَيت في الحجز. السجن أهون عندي من العيشة الحراااام دي! زادت حيرة فرد الأمن أمام ما يراه من إصرار وعناد جنات، ورق قلبه عندما رأى دموعها التي بدأت تتسلل من مقلتيها... ثم قال بصوت رصين: "خلااااااص اتكتمي وبطلي عياط بقا. أمري لله...
أنا هدخلك لـ "زياد" باشا، بس يكون في معلومك لو طلع كلامك ده كدب وطلعتي بتتبلي على أهلك، زياد باشا... مش هيحلك إلا لما أهلك يجوا ويستلموكي." قاطعته جنات وقد هدأت قليلاً، وقالت بنبرة متلهفة: "الله يجازيك كل خير يا حضرة الصول، وعهد الله أنا ما بكذب." وفي غضون بضع دقائق... كان الصول "حسنين" قد إقتاد جنات إلى داخل المديرية.
وما أن خطت أقدام "جنات" المبنى حتى ساد حالة من الهرج والمرج، وقد جذبت بجمالها أنظار الجميع من حولها!!! فبرغم حجابها وضآلة جسدها، وإرتدائها لزي مدرسي ينتمي إلى إحدى المدارس الخاصة العريقة، إلا أن بريق عينيها وجمال ملامحها كان واضحاً وحاسماً، لا يترك مجالاً لأحد في مقاومة ذلك السحر الخفي. وكعادتها لم تكترث جنات بنظرات المارة، حتى وصلت مع الصول حسنين إلى مكتب النقيب "زياد"، في (الإدارة العامة لمكافحة جرائم الآداب)
ثم طرق باب المكتب بهدوء، ودخل مصطحباً جنات، وهو يتنحنح ويقول بصوت مجلجل: "باشا مصر... زياد باشا. صباح الفل. معلش بقا هانزعج معاليك عالصبح كده." رد زياد بابتسامة ودودة، وقال بهدوء: "صباح الخير يا عم "حسنين". خير في إيه؟ ومين الآنسة دي؟ قاطعته جنات بصوت متلهف ومرتبك، وقد بدأت أوصالها ترتعد في إشارة واضحة على تمكن الخوف من قلبها:
"بالله عليك يا حضرة الظابط، أنا أملي في ربنا كبير إنك تسمعني وتنقذ شرفي، ليلاني خلاص مش هاقدر أتحمل الوضع اللي أنا عايشه فيه أكتر من كده. ولو حضرتك خذلتني النهارده، فأنا هاطلع من مكتبك وأخرج أرمي نفسي تحت أي عربية، وذنبي هيبقى في رقبتك... !!! أتمت جنات عبارتها، ثم انفجرت في نوبة بكاء محموم، مما دفع "زياد" إلى أن يتعاطف معها، ويقول بحماس: "اهدي يا آنسة، لو ليكي حق هانجيبه بإذن الله. ممكن بقا أفهم إيه الموضوع؟
وإيه علاقته بشرفك؟! كانت كلمات النقيب "زياد" كفيلة بتهدئة جنات إلى حد كبير، فبدأت ترتشف من كوب العصير، الذي أحضره لها الصول حسنين قبل أن يغادر المكتب. ثم انطلقت تروي قصتها المأساوية إلى النقيب زياد، وقد اكتست نبرة صوتها بأقصى درجات المرارة والحسرة:
"أنا اسمي جنات عماد إبراهيم، عندي ١٧ سنة، طالبة في ثانوية عامة السنة دي. عايشة مع أبويا وأمي وأختي الصغيرة "شيرين". وللأسف يا حضرة الظابط، أبويا وأمي بيشتغلوا في الدعاااا.... ره!!! قاطعها زياد بانفعال: "ده اتهام خطير جدا يا آنسة جنات. ممكن أفهم تفاصيل الموضوع؟ يعني هل أهلك عندهم مكان لممارسة الأعمال المنافية للآداب؟ وهل بيستغلوا بنات مثلا؟ وبيستضيفوا رجالة وبياخدوا منهم مبالغ مالية في مقابل الأعمال القذرة دي؟
ردت جنات بصوت واجم: "لا يا أفندم، مفيش مكان، ولا في بنات، ولا حتى في رجالة. هو راجل واحد بس!!! وبيعمل علاقة مع... أمي!!!!!! قطب زياد حاجبيه، وتنهد تنهيدة عميقة، ثم قال بصوت يغمره الأسى: "يا آنسة جنات، اللي انتي بتحكيه ده اسمه... خيانة زوجية. ودي كده قضية زناااا مش قضية دعاااارة!!! والطبيعي إنك تصارحي والدك بالموضوع ده، وهو المفوض اللي ياخد إجراء ويبلغ عن مراته المنحرفة دي، أنا آسف يعني...
اللي هي أمك. ساعتها نقدر نقبض عليها ونعملها قضية." قاطعته جنات وقد بدأت دموعها تنهمر من جديد وقالت بصوت متقطع: "المصيبة يا حضرة الظابط، إن بابا عارف، ومش بس كده، ده كمان بياخد فلوس من الراجل الزبالة ده!!! احتقن وجه زياد بشدة وصاح بانفعال واضح: "تقصدي إنه قوووووووواد يعني!!! لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. انتي متأكدة إن فيه علاقة فراش كاملة تجمع بين أمك والراجل ده؟ شوفتي بعينك يعني؟
وهل عندك دليل إنه بيدفع لأبوكي فلوس؟ ردت جنات بضيق واستنكار: "كاملة إزاي يعني!!! هو أنا بدخل معاهم الأوضة!!! أنا لازم أشرح لحضرتك الموضوع من بدايته." رد زياد: "وهو الموضوع ده بدأ إمتى؟ ردت جنات: "الموضوع ده بدأ حضرتك، من أول ما وعيت على الدنيا، وبابا وماما كانوا مفهميني الراجل ده اللي كنت بناديه...
عمو "سالم"، يبقى قريب ماما الوحيد، لأن ماما يتيمة ومعندهاش أخوات. وأنا طبعاً كنت طفلة ومش فاهمة أي حاجة، وكنت بجد بحبه جداً، لأنه كان بيدلعني وبيجيبلي لعب وهدوم وهدايا كتيرة أوي. مرت سنين طويلة واحنا على الحال ده، وأنا بدأت أكبر وأخد بالي إن عمو سالم لازم في كل مرة ييجي البيت، يقعد هو وماما لوحدهم، ويقفلوا عليهم الأوضة، وممنوع إني أدخل الأوضة، أو حتى أخبط الباب عليهم!!!
كنت بقعد أنا وبابا نذاكر أو نتفرج عالتلفزيون، لحد ما يخلصوا القرف اللي بيعملوه، ويطلعوا من الأوضة، وبعدها على طول عمو سالم يسلم عليا وعلى بابا ويمشي!!! امتعض زياد بشدة، وقال بصوت منفعل: "خلاص يا آنسة جنات، مفيش داعي تحكي التفاصيل دي. أنا زي ما أكون بتفرج على فيلم "القاهرة ٣٠". ما تأخدنيش في الكلمة، أبوكي وأمك دول عالم زبالة. لكن للأسف...
أنا مش هقدر أقـبض عليهم، طالما مفيش إثبات إنهم بياخدوا فلوس من اللي اسمه سالم ده." امتقع وجه جنات وقالت في ذعر واضح: "أرجوك اسمعني للآخر، أنا معايا إثباتات كتيرة أوي إن الراجل ده هو تقريباً اللي بيصرف علينا، من أول إيجار شقتنا ومصاريف البيت، لحد مصاريف مدرستي أنا وأختي." رد زياد بتعجب: "اللي بتقوليه ده كلام غريب أوي وما يدخلش العقل!!! انتي بتتكلمي في حوالي ١٥ سنة أو أكتر!!!
إيه اللي واحد يدفع كل الفلوس دي عشان مزاجه!!! تنهدت جنات بعمق، ثم فتحت حقيبتها والتقطت هاتفها المحمول، ثم ناولته للنقيب/ زياد، وقالت بحماس: "أكيد حضرتك عارف الآيفون ده سعره كام؟ تخيل بقا إن عمو سالم جابهولي هدية نجاحي السنة اللي فاتت." التقط زياد الهاتف وتفحصه بدقة، ثم قال باندهاش: "ده تقريباً أغلى موبايل في السوق دلوقتي!!! معلش اعذريني في السؤال ده، هو الحيوان ده بيتعامل معاكي إزاي؟ زفرت جنات بحدة،
وقالت بصوت يكسوه الألم: "حضرتك كده بدأت تحط إيدك عالجرح. الراجل ده تقريباً خلاص زهق من ماما، وبدأ يلف ويدور عشان يوصللي أنا!!! رد زياد بتوتر: "عمل معاكي حاجة؟ اتكلمي يا آنسة جنات، ولو تحبي أنا هافتح تحقيق حالاً ونكتب محضر رسمي." ردت جنات بتوتر أكبر:
"شوف يا أفندم، الراجل ده من زمان ولحد النهارده، عمره ما عمل أي حاجة مريبة معايا، بس طبعاً طول الوقت بيبوسني ويحضني. لكن اللي حصل من كام أسبوع كده، خلاني أحس إنه بيخطط لحاجة وحشة." رد زياد بلهفة: "إيه اللي حصل بالظبط؟ وهو بيخطط لإيه؟ أجابت جنات بحزم: "من حوالي شهر كده... سالم جالي البيت، ولقيته بيقول لبابا وماما إنه عاملهم مفاجأة، وهيطلعهم يعملوا.... عمرة!!! بشرط إني أروح أقعد معاه أنا وأختي شيرين." رد زياد بغضب:
"يااااا ابن الكلب!!! ده عاوز يستفرد بيكي انتي والبت الصغيرة. هي أختك شيرين دي عندها كام سنة؟ ردت جنات: "شيرين لسه ما كملتش ١٠ سنين، وأنا بجد خايفة أوي عليها، وعليّ أنا من الراجل ده." رد زياد بكل حزم:
"لا يا آنسة جنات، أوعي تخافي. الكلام اللي قلتيه عن محاولته للانفراد بيكي وبأختك، هيخلينا نقدر نقبض عليه ونحاكمه. بس طبعاً لازم نعمله كمين ونمسكه متلبس، والموضوع ده سهل جداً، بس خلينا الأول نعمل المحضر، ونرتب أوراقنا كويس أوي." هلت جنات بصوت يكسوه الحماس: "يا فرج الله! أنا مش عارفة أشكرك إزاي. انت أجدع ظابط أنا شفته في حياتي." ابتسم زياد وقال بهدوء:
"كتر خيرك، بس أنا ما عملتش أي حاجة لسه. ثم ده واجبي. بصي بقا يا آنسة جنات، فيه حد هيجي دلوقتي يكتب صيغة المحضر، فـ معلش لازم نعيد كل الحوار اللي قلناه دلوقتي." ختم زياد عبارته، ثم أمسك هاتفه واتصل بأحد معاونيه، وطلب منه الحضور لكتابة المحضر، ثم بدأ في تحرير المحضر الرسمي. وهنا... تهللت أسارير جنات، فقد لاح في الأفق بصيص من الأمل، ووجدت أخيراً من يقف بجانبها ليخلصها من تلك الحياة المريرة!!!
إلا أن ذلك الأمل قد تبدد فجأة!!! ففي أثناء إعادة سرد جنات للوقائع الخاصة بسلوكيات أهلها المشبوهة، وتحديداً عندما وصلت للجزء الخاص "برحلة العمرة" التي رتبها ذلك المدعو "سالم" لهم، هب زياد من مقعده، وصاح بصوت منفعل: "إيه الجنان ده!!! هو حضرتك جاية المديرية عشان تهزري!!! جاية تتهمي أهلك بأنهم منحرفين وماشيين مشي بطال، وهما طالعين يعملوا ((عمرة)
لأ وكمان الراجل اللي بتتهميه بالفعل الفاحش هو اللي بيساعدهم يزوروا بيت ربنا!!! هو ده كلام يدخل العقل؟ أنا شايف إنك بتضيعي وقتنا عالفاضي. اتفضلي اطلعي بره!!! وقفت جنات وهي في حالة من الذهول الرهيب وقالت بتلعثم: "هو إيه اللي حصل يا حضرة الظابط؟ أنا عملت إيه؟ حضرتك غيرت كلامك ليه كده فجأة؟ تقدم زياد من مكتب معاونه، ثم انتزع أوراق المحضر الرسمي من يده، وقام بتمزيقه، وقال بصرامة شديدة وهو يقف في مواجهة جنات:
"اتفضلي يا آنسة بره المكتب، ومش عاوز أشوف وشك هنا تاني." تحجرت الكلمات في حلق جنات، وتوجهت صوب باب المكتب وهي ترتعش من الخوف وقد تمزق قلبها كما تمزقت أوراق المحضر. إلا أن زياد استوقفها قبل أن تخرج وقال باستهزاء واضح: "استني يا آنسة." ثم التقط هاتفها المحمول من سطح مكتبه، وناوله لها وهو يقول بكل تهكم: "كنتي هتنسي موبايلك اللي بـ ٥٠ ألف جنيه. يا ريت تحمدي ربنا عالنعمة اللي انتي عايشة فيها، وما تعمليش أي مشاكل."
التقطت جنات هاتفها من يد زياد، ثم انطلقت خارج المكتب ودموعها تسابق خطوات أقدامها. بينما قطب معاون زياد حاجبيه، وقال بإندهاش: "ليه كده يا ريس؟ مش جايز يكون كلام البت دي صح، ويكون فعلاً أبوها وأمها مدورينها نجاسة؟ وقبل أن يرد زياد على معاونه... تصاعد من نافذة المكتب صوت مدوي لإحتكاك إطار إحدى السيارات بالأسفلت، معلناً عن وقوع حادث أمام بوابة المديرية. هرع كلا من زياد ومعاونه إلى شرفة المكتب، ليجدا المفاجأة الكبرى.
فقد كان جسد جنات ممدداً على الأرض وغارقاً في بركة من الدماء!!! فمن الواضح... أن جنات قد نفذت تهديدها، وألقت بجسدها أمام تلك السيارة المسرعة!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!