كانت الساعة تقترب من العاشرة مساء، وقد أنهت رانيا كافة أعمال المنزل كالمعتاد، وأعدت طاجن لحم العكاوي الذي يعشقه زوجها حسام. ولم تكتفِ بذلك، بل قامت بتزيين مائدة السفرة وغرفة نومها بالورود والشموع المعطرة، في إشارة واضحة لرغبتها في قضاء ليلة رومانسية. وظلت تخطط وتحلم بتفاصيل ذلك المشهد الحالم، حتى انتزعها رنين هاتفها. وكان المتصل هو سوزان، صديقتها المقربة، وقد دار بينهما هذا الحوار: سوزان بلهفة:
هاااا يا عروسة عملتي إيه؟ أنا كلمت أم صابر وعرفت إنها ظبطتك على الآخر. رانيا بخجل واضح: مش عاوزة أقولك يا بت. أنا كنت مكسوفة إزاي وهي عمالة تفعص فيا زي ما تكون دابحة بطة بتنظفها. سوزان بنفس اللهفة: عملتلك إيديكي ورجليكي وال... قاطعتها رانيا بصرامة والخجل يعتصرها: بسسسسس بقى. اتلمي يا بت. آه، عملت كل حاجة، ورسمت لي تاتو كمان. وتسلمي لي بجد إنك عرفتيني عليها. هي بجحة أوي ووشها مكشوف، بس إيديها تتلف في حرير.
تجاهلت سوزان كلمات الشكر والثناء، وسألت بكل وقاحة: رسمت لك التاتو فين يا بت؟ ابعتيلي صورته. قاطعتها رانيا بحزم: لا طبعًا مش هينفع أقولك. واحترمي نفسك بقى. صور إيه اللي هبعتهالك؟ انتي اتجننتي؟ جلجلت صوت ضحكة سوزان الرقيقة في الهاتف، وأعقبتها قائلة بنبرة ساخرة: اللي يسمعك وإنتي بتتكلمي دلوقتي يقول عروسة جديدة عندها ٢٠ سنة. مش شحطة عندها ٣٤ سنة، وبقالها ٤ سنين متجوزة. المهم... طمنيني بقى عملتي شعرك وجبتي قميص نوم جديد؟
ردت رانيا وهي تبتسم: أيوه يا ستي عملت كل اللي انتي قولتيلي عليه. نزلت اشتريت قميص نوم، ورحت للكوافير اللي قولتي لي عليه، وصبغت شعري لون اسمه (نحاسي دافي) بس وربنا بقيت حاسة إني شبه الرقاصات. هههههههههههه. عقبت سوزان بحماس: نحاسي مرة واحدة؟ يخرب عقلك. طبعًا اللون ده كان شورة الواد سمير الكوافير صح؟ ردت رانيا: آه هو اللي قالي إنه هيليق على لون بشرتي. بس مش عاوزة أقولك بقى... أنا كنت حاسة روحي بتتسحب مني وهو بيلمس شعري.
ده لو حسام عرف إني رحت لكوافير راجل هاينفخني. ردت سوزان بكل سخرية: ما هو ده المطلوب بالظبط. إحنا عاوزينه ينفخك. هههههههههه. وانطلق الفتاتان في نوبة ضحك، حتى قطعتها سوزان وهي تقول بحماس: طب يلا بقى هاسيبك تجهزي، وهابعت لك شوية فيديوهات تعليمية عشان تتعلمي الحاجات الجديدة. ردت رانيا بكل ذهول: فيديوهات تعليمية إزاي يعني؟ بطلي قلة أدب يا بت انتي. ما تبعتيش أي حاجة. ردت سوزان بخبث واضح: خليكي كده بقى غشيمة ولخمة.
بس أنا هابعتهم ويبقى عملت اللي عليا. وأول ما أصحى الصبح هاكلمك وأقولك صباحية مباركة يا عروسة. ختمت رانيا تلك المحادثة، وقامت بكل حماس لتأخذ حمامًا دافئًا وترتدي ذلك القميص الأحمر المثير. وظلت تتطلع بكل زهو إلى قوامها المثير، ومنحنيات جسدها الأبيض الشمعي، وقد زاد ذلك القميص من توهجه واشتعاله! وظلت رانيا تتحسر على أنوثتها التي طمستها ظروف الحياة الجافة القاسية.
فمن ناحية لم يرزقها الله بطفل حتى الآن، برغم أن كل الفحوصات الطبية تؤكد عدم وجود أي عائق بيولوجي لديها أو لدى حسام. ومن ناحية أخرى... حسام دائم الانشغال عنها بطموحه القاتل ليصبح أشهر محامي في مصر. -انقضت ثلاث ساعات كاملة ورانيا تنتظر عودة حسام. وقد ملت من تكرار الاتصال به، ومراسلته على برنامج الواتساب، واستقبال نفس الرد منه، بأنه سيتاخر قليلا. ومع اقتراب عقارب الساعة من الواحدة صباحًا، عاد حسام ليجد رانيا
تستقبله بعتاب حار وتقول: اتاخرت أوي كده ليه يا حسام؟ انت قلت لي إنك معندكش قضايا كتير الليلة. أنا بقالي أربع ساعات قاعدة مستنياك. تطلع حسام إلى جسد رانيا المثير، وقد لاحظ بوضوح ذلك الجهد الذي بذلته لتظهر بكل هذا الإغراء، وقال بصوت حنون: إيه القمر والعسل ده؟ يخرب بيت جمالك يا قلبي. بجد بجد إنتي ملكة جمال الليلة. كانت تلك النظرة الحانية، والكلمات العذبة كافية لأن تنسى رانيا أي زعل وضيق. وقالت بنبرة تفوح دلالًا وزهوًا:
بجد عجبك يا حسام؟ القميص حلو؟ رد حسام بكل حماس: القميص يجنن وشعرك يجنن. وكل حاجة فيكي تجنن يا روح قلبي. ضحكت رانيا بكل دلال، وكشفت القميص عن ساقها شاهقة البياض، وهي تقول بكل ميوعة: بص كده... مش ملاحظ حاجة؟ رد حسام بكل انبهار وهو يتحسس ساق رانيا بلطف، ثم يحتضنها بقوة: يا بنت اللذيناااا. انتي عملتي إيه في رجلك!!! دي بقت أنعم من جلد البيبي اللي لسه مولود!!!
وأفلتت رانيا نفسها برقة، من بين أذرع حسام التي كانت تحاوط خصرها بكل شغف. وقالت بنفس الميوعة: اصبر على رزقك. خوش غير هدومك عقبال ما أسخن العشا. أنا عملالك مفاجآت كتيرة الليلة. استسلم حسام لمطلب رانيا، ودخل بكل حيوية ليبدل ملابسه. بينما أطلقت رانيا لتجهيز العشاء. وبعد قرابة ربع ساعة، كانت رانيا قد أنهت إعداد العشاء، ودخلت على حسام الغرفة، لتجده غارقًا في نوم عميق!!!
حاولت رانيا إيقاظ حسام بكل الطرق الممكنة، ولكن دون جدى!!! وانتهت تلك الليلة بأسوأ سيناريو ممكن!!! وباتت رانيا ليلتها تندب حظها العاثر، إلا أن فضولها دفعها إلى أن تفتح تلك الفيديوهات التي أرسلتها لها صديقتها سوزان قبل أن تنام. -وفي صباح اليوم التالي... استيقظ حسام من نومه، ليكتشف أنه قد سقط أمس في نوم عميق دون حتى أن يبدل ملابسه!!! اعتدل ثم قام يفتش عن رانيا، ليكتشف أنها قد جمعت كل أغراضها وملابسها واختفت!!!
اتصل حسام بهاتف رانيا أكثر من عشرة مرات، لكنها لم ترد. فقرر أن يستقل سيارته ويذهب لمنزل والدها. وفي الطريق إلى منزل والد رانيا، تلقى حسام اتصالًا من رانيا ودار بينهما هذا الحوار: رانيا بكل حسرة: طلقني يا حسام. أنا خلاص ما بقتش قادرة أستحمل العيشة دي. انت إنسان أناني أوي يا حسام. ما بتفكرش إلا في شغلك وطموحك. وناسي إن ليك زوجة ليها حقوق عليك. رد حسام بكل اندهاش: أنا أناني يا رانيا!!! ده أنا مش حارمك من أي حاجة.
وبموت نفسي في الشغل عشان أعيشك أحسن عيشة. واحدة غيرك كانت تبوس إيدها وش وظهر على النعمة اللي عايشة فيها. قاطعته رانيا بكل غضب: لا يا حسام. انت بتضحك عليا ولا على نفسك؟ انت فاهم كويس إن الحرمان الحقيقي مش حرمان الأكل والشرب واللبس. انت حرمتني من حاجات أهم بكتير. يرد حسام باستنكار بالغ: كل الهوليلة اللي انتي عاملاها دي عشان ليلة كنتي متزوقة فيها، وأنا رجعت تعبان ونمت غصب عني. ردت رانيا بمرارة:
حسااااام هو انت فاكر آخر مرة قربت فيها مني كانت إمتى؟ بقالها كام شهر؟ وهل هو العادي يعني إني لازم أعمل أراجوز عشان تتكرم وتتعطف عليا وتلمسني!!! وحتى لما ربنا يحنن قلبك عليا ونعمل حاجة... بتحسسني إنها مجاملة أو تأدية واجب. بدأت الحروف تتحشرج في حلق رانيا وهي تغالب دموعها وتقول بكل حسرة وانتكاس: يا أخي ده انت خلتني أفقد ثقتي في نفسي وأحس إني ست وحشة، أو إني مش ست من أصلُه. رد حسام بنبرة مستعطفة: طب اهدي يا رانيا.
أنا قدامي حوالي ١٠ دقايق وأوصل لبيت أبوكي. ياريت تلبسي وتنزلّي وتعالي نقعد في أي مكان هادي ونتفاهم. وأنا أوعدك إني هاتغير وهاهتم بيكي خصوصًا في الموضوع اللي مزعلك ده. ردت رانيا بنبرة حادة: خلاااص يا حسام. بعد اللي قولتهولك النهارده ده، ما بقاش ينفع. إني عمري ما هاصدقك، ولا ها أحس بطعم أي حاجة ها تعملها. وأقولك بكل صراحة واستحمل كلامي ده... أنا امبارح بعد ما انت نمت، فتحت فيديوهات سافلة واتفرجت عليها.
والمصيبة إني انبسطت وحسيت إني طلعت طاقتي فيها. استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم. شفت بقا انت وصلتني لفين يا حسام. رد حسام بكل استياء: إيه القرف اللي انتي بتقوليه ده؟ انتي أكيد اتجننتي يا رانيا. لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. أنا بجد مش طايقك. ردت رانيا بكل عناد: طب خد التقيلة بقى. أنا امبارح كسرت كلامك وروحت لكوافير راجل. وهو اللي صبغلي شعري وكنت مبسوطة أوي. وهو عمال يلمس شعري ويقولي كلام حلو.
لدرجة إني مكنتش عاوزة الوقت ده يعدي!!! هنا كانت الدماء قد بدأت تغلي في عروق حسام، فصاح بكل غضب: انتي ست مش محترمة، وأنا ما يشرفنيش إنك تفضلي على ذمتي دقيقة واحدة. روحي يا رانيا وانتي طااااااااااااا ..... وفجأه... حدث شيء مرعب. فقد قفزت فتاة شابة أمام سيارة حسام، الذي كان قد فقد تركيزه بشكل كبير بسبب حواره المأساوي مع زوجته رانيا!!! تجمد المشهد للحظات...
وتوقفت سيارة حسام بعد أن أطاحت بجسد الفتاة المسكينة، ثم تركته ليسقط بعنف على الأرض، غارقًا في الدماء. نزل حسام من سيارته، وهرول إلى الفتاة يتفحصها، بينما تجمع العديد من المارة، يتقدمهم أفراد الأمن الذين تصادف وجودهم بالقرب من الحادث. فقد حدثت تلك الواقعة أمام مبنى "مديرية أمن القاهرة". وكما توقعت عزيزي القارئ... فقد كانت الضحية... هي... جنات عماد إبراهيم!!! -ومرت ساعة كاملة...
كانت جنات قد تم نقلها إلى غرفة الطوارئ بإحدى المستشفيات الحكومية القريبة وهي في حالة خطرة. وقد كان في صحبتها النقيب زياد، الذي كان واضحًا عليه التأثر والإحساس الشديد بالذنب. أما حسام... فقد تم إلقاء القبض عليه، بعد تحرير محضر بواقعة الحادث. ثم تم إيداعه مؤقتًا بالحجز الخاص بالمديرية، لحين عرضه على النيابة في صباح اليوم التالي. وقد ظل حسام يدعو الله أن تنجو تلك الفتاة المسكينة.
ليس فقط لأن نجاتها تمثل نجاته من تلك الورطة الكبيرة التي يواجهها، بل لأن شخصية حسام لا تتقبل أن يحمل ذنب قتل فتاة بريئة!!! ومرت ساعة أخرى... وفوجيء حسام بأحد أفراد الأمن يفتح الحجز، ثم يصحبه إلى خارج، ثم يهمس في أذنه قائلًا: تعالى ورايا بشويش كده. في حد مهم عاوز يشوفك. لم يفهم حسام ماذا يجري، لكنه تتبع فرد الأمن وهو في حالة من الاستسلام واليأس.
حتى بلغا إحدى الغرف الصغيرة بجوار الحجز، فقام فرد الأمن بإدخال حسام، ثم أغلق عليه الباب من الخارج وهو يقول بصوت صارم: أنا هاسيبكم لوحدكم. قدامكم دقيقتين بالعدد. وبعد كده هاجي آخدك. قبل ما أي حد في النبطشية ياخد باله إني طلعتك من الحجز. اقترب حسام من ذلك الرجل الواقف في نهاية الغرفة وتطلع إليه في دهشة وذهول، ثم صاح بكل انفعال: أستاذ "أحمد"! انت إيه اللي جابك دلوقتي!!!! وعرفت إني هنا إزاي!!! وعاوز مني إيه!!!
أنا مش فاهم أي حاجة. رد الأستاذ "أحمد" بكل هدوء ووقار: مفيش وقت أحكيلك كل التفاصيل دلوقتي. أنا مش عاوزك تقلق خالص. انت أنقذت حياتي زمان. ووجه الوقت عشان أرد لك الجميل ده. شحب وجه حسام وصاح برعب واضح: هي البنت اللي خبطها بالعربية ماتت!!! رد أحمد بكل حزم: لا يا حسام. البنت مش هتموت بإذن الله. بس اللي هايحصل الأيام الجاية انت مش هاتقدر تواجهه لوحدك.
أنا كل اللي طالبه منك دلوقتي إنك لما تخرج من المحنة دي تدور على ظابط هنا اسمه زياد. وقبل أن يجد حسام أي إجابة على تساءلاته، كان فرد الأمن قد فتح باب الغرفة وأعاده إلى الحجز!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!