تحميل رواية الهجينة بقلم اسماعيل موسي pdf
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لو حد قالك فيه بيت مسكون بالأشباح، متتكبرش وتعمل نفسك فيها راجل. مترتكبش نفس الغلط اللي أنا ارتكبته. لأن الشر ملوش آخر، وبعض اللعنات مش أشباح، بل أرواح ماتت مظلومة تحمل جواها غضب مستعر. البيت ده مسكون يا أستاذ إسماعيل، الأشباح مسيطرة عليه، مش بيسمحوا لأي بشر يسكنه. ما عفريت إلا بني آدم يا عم حارس. أنا عارف إنك صعيدي وقلبك حجر، لكن يا ابني الأمانة بتحتم عليك تقول الحقيقة. مش عيب الإنسان يكون جبان أحيانًا! هات المفتاح يا عم حارس، واتكل أنت على الله. متنساش تبعتلي البنت اللي قلت عليها تنضف البيت. ه...
رواية الهجينة الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسي
لو حد قالك فيه بيت مسكون بالأشباح، متتكبرش وتعمل نفسك فيها راجل.
مترتكبش نفس الغلط اللي أنا ارتكبته.
لأن الشر ملوش آخر، وبعض اللعنات مش أشباح، بل أرواح ماتت مظلومة تحمل جواها غضب مستعر.
البيت ده مسكون يا أستاذ إسماعيل، الأشباح مسيطرة عليه، مش بيسمحوا لأي بشر يسكنه.
ما عفريت إلا بني آدم يا عم حارس.
أنا عارف إنك صعيدي وقلبك حجر، لكن يا ابني الأمانة بتحتم عليك تقول الحقيقة. مش عيب الإنسان يكون جبان أحيانًا!
هات المفتاح يا عم حارس، واتكل أنت على الله.
متنساش تبعتلي البنت اللي قلت عليها تنضف البيت.
هابعتهالك حاضر.
البيت من طابقين، ذو طابع فيكتوري إنجليزي، عجبني تنظيمه جدًا من جوه.
بحب الروح الغربية في الديكور.
نزلت الشنطة ولقيت بنت داخلة عليا، اندهشت إنها شابة عشرينية مش بنت صغيرة، خاصة إني صغير في السن زيها.
لابسة جيبة ضيقة قصيرة وبلوزة، وشعرها مسرّح على رأسها. ملامحها حلوة، وإن كانت ملابسها قديمة شوية.
قلتلها: "أنتي اللي هتساعديني في ترتيب البيت؟"
قالت: "أيوه أنا."
طيب هنعمل إيه؟ الدنيا متكركبة أوي!
قالتلي: "كل حاجة هتبقى تمام."
قعدنا ننقل الكراسي والترابيزات مع بعض وننضف تحتها. أمْسَح الزجاج وهي تنضف الأرضيات.
قلتلها: "اسمك إيه؟"
قالتلي: "سيرا."
"وأنت؟"
"اسمي إسماعيل."
استغربت الاسم الصراحة، لكن معلقتش.
وإحنا بننضف، سألتها: "أنتي عارفة إن البيت ده مسكون بالأشباح؟"
قالتلي: "آه، بس الأشباح مش بتطلع بالنهار، عشان كده آخر شغلي معاك غروب الشمس."
قلتلها: "بتخافي من الأشباح؟"
قالتلي: "ومين مش بيخاف من الأشباح؟"
قلتلها: "أنا!"
بصتلي سيرا وعلى وشها ابتسامة، قالت: "كويس."
لكن لو أنتي بتخافي من الأشباح، جيتي ليه تساعديني؟
من غير ما تبص عليا، قالت: "الأشباح مش بتطلع في النهار. بتطلع في الليل بس قلتلك."
خلصنا الدور الأرضي وطلعنا فوق، نضفنا الغرف.
وكان الوقت اتأخر شوية، قالت: "هنسيب السطوح لبكرة. أنت كده كده مش هتطلع السطوح، صح؟"
خلصنا نضافة وأديتها أجرتها. سألتها: "هتيجي بكرة؟"
قالت: "أيوه هاجي. أنت بتحب الموسيقى؟"
قلتلها: "طبعًا بحبها."
"طيب ابقى اسمع موسيقى بالليل، فيه جهاز جراموفون هنا. هتلاقي موديلات عارفها؟"
وأنا مندهش قلتلها: "أيوه عارفها."
"تشايكوفسكي وبيتهوفن وباخ وغيرهم."
قلتلها: "رائع، بحبهم."
قالت: "وأنا كمان بحبهم. لما اضطريت أبَات في المنزل ده، كنت بشغل الموسيقى وعمري ما ظهرتلي حاجة."
"أنتي كنتي بتباتي هنا لوحدك؟" سألتها.
كانت الشمس غابت، قالت: "أنا لازم أمشي دلوقتي."
"نتقابل بكرة لو كنت لسه موجود." قالت كده وهي بتضحك.
ومشيت.
رواية الهجينة الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسي
رحلت سيرا. بعدها أعددت فنجان قهوة وجلست بالصالة أدخن لفافة تبغ.
المنطقة اللي فيها البيت منعزلة. لما حل الليل فرض السكون سطوته، وخفتت الحركة، وأغرق ظلام الليل المنزل، الأشجار والحقول المحيطة بي.
كنت أفكر أن سيرا فتاة لطيفة وجميلة، تسمع الموسيقى كمان. ما ظل يثير حيرتي أنها عشرينية، كيف سمح أهلها لفتاة بمثل عمري أن تدخل منزل شاب عازب؟
قلت: ربما الفقر والاحتياج.
أنهيت فنجان القهوة وجلست على المكتب أحضر للعمل. لا زال المنزل غريب علي وفكري مشتت.
ثم تذكرت كلام سيرا حول الموسيقى.
بحثت عن الجرامافون في كل مكان حتى وجدته على الطاولة أسفل قماش قديم. جهاز جديد علي، حالته لم تمس تقريبًا. الأسطوانات مرصوصة إلى جانبه في إطار معدني.
وضعت الأسطوانة وأنا أسخر من نفسي. تغيرت الدنيا وكل الأغاني والسيمفونيات على الهاتف الآن.
صدح صوت سيمفونية تشايكوفسكي. صوت قادم من آهات الجحيم. أنهيت عملي على صوت الموسيقى الرائق، وأنا أحدق باللوحات الجدارية المعلقة على الجدار. لوحات عالمية منتقاة بعناية لأشهر الرسامين العالمين القدامى. أنجلو، بيكاسو، دافنشي، مارتن، لواران، هانسي، بلنتو. لوحات أقرب للأصلية، حتى أن فضولي دفعني للأقتراب منها.
كيف لم ألاحظ كل هذا الجمال منذ البداية؟ وهل كانت هذه اللوحات موجودة فعلاً عند حضوري؟
رفعت يدي المس لوحة "امرأة البرتقال" البولندية ليوناردو.
لا تلمسني!
رجعت للخلف خطوتين أفرك إصبعي في أذني.
أتحدث اللوحة للتو؟ لكن عقلي لم يصدق بما سمعته. بخوف اقتربت من لوحة "الفتاة ذات قرط اللؤلؤ" ليوهانس فيرمير.
لا تلمسني!
تلك المرة، أنا متأكد مما سمعته. نطقت فتاة اللوحة الجدارية المعلقة على الجدار.
تذكرت كلام عم حارس أن المنزل مسكون، لكن كبريائي وغشومتي أبت علي تصديقه.
جلست في مكاني مرة أخرى أنظر للوحات. صوت الموسيقى لم يتوقف. ثم نمت في مكاني.
في شروق الشمس، بدلت ملابسي وذهبت لعملي في مكتب بريد القرية. قابلني عم حارس.
قال: أستاذ إسماعيل، لديه كلمة لك؟
يا عم حارس، أنا مستعجل. لما أرجع إن شاء الله.
صلى وقالي: أنت مش زعلان؟
قلتله: وهزعل ليه يعني؟
قالي: البنت اللي كانت هتنضف البيت.
قبل ما يكمل كلامه، قلتله: شاطرة جداً على فكرة، أنا اللي لازم أشكرك.
حطيت في إيده فلوس وسبته.
سمعته ورا ضهري بيقول: راحت من غير ما تقولي. البت دي كانت طمعانة تاخد الفلوس كلها لنفسها، عشان كده قالتلي مش رايحة. لكن الرزق الحلال مش بيضيع.
خلصت شغلي ورجعت على البيت. لقيت سيرا نضفت السطوح وشغال في المطبخ. لكن كان فيها حاجة غريبة. كانت أجمل من المرة الأولى. شعرها كان أصفر وعينيها خضراء. لكن نفس الملابس تقريبًا. التنورة الضيقة والبلوزة الزرقاء.
أزاي مش باخد بالي من التفاصيل الصغيرة دي؟ معقول أنسى لون عينيها؟ وشعرها؟
قالتلي: افتكرتك هربت. رغم كده جيت حسب اتفاقنا وحضرتلك الأكل ونضفت السطوح عشان تقعد براحتك بالليل وتستمتع بالقمر والنجوم.
قلت: لسه هنا، متقلقيش. أنا مش ناوي أرحل ولا أسيب البيت ده.
حطت الأكل على السفرة. قعدت آكل وهي كانت قاعدة قصادي.
قلتلها: سيرا، أنتِ صبغتِ شعرك أصفر؟
مسكت شعرها بإيدها. أول مرة ألاحظ أنه طويل جداً وناعم كده.
قالت: أنا بحب التغيير في شكلي، ما تستغربش، ماشي؟
سيرا، لماذا لا تأكلي؟
لقد سبقتك منذ مدة طويلة.
أقول لك على فكرة، امبارح تهيأ لي إن اللوحات المتعلقة على الحيطة بتتكلم.
حطت سيرا كوعها على الطاولة وسندت عليها ذقنها. كان وشها بيضحك. قالت: سيرا، الحيطان بتتكلم، الأشجار والحقول، البحر والغابة والبحيرة، لكن محدش بيفهمها.
قلت: يعني أنتِ لاحظتي ده قبل كده؟
لا، محصلش معايا. بس يمكن بيحبوك؟
يحبوني؟ هي الصور بتحب حد؟
مش الإطار يا سيد إسماعيل، الناس المحبوسة جواه، الوجوه والأشكال.
مش مقتنع. فكرت شوية وقلت: بيحبوني ويقولوا متلمسناش؟
قالت: عادي.
خلصت أكل؟
أيوه.
قلت: ساعدتها في لم السفره.
قلت: عارفة لولا أبوكِ وأمك يقلقوا عليكي، كنت طلبت منك تسكني معايا هنا. البيت كبير.
قالت: أنا مقطوعة من شجرة، لا أب ولا أم ولا أخ. بس مش ينفع، أنت عارف كلام الناس يا سيد إسماعيل.
قلت: ناس مين؟ أنا من ساعة ما جيت مشفتش إلا عم حارس وساعي البريد. مفيش شخص واحد دخل علينا. الست اللي بتبيع الخضار في مكانها ومحدش بيشتري منها. حتى القهوة فاضية. طيب، حتى طفل ماشي في الشارع أشوفه؟
مش معني إنك معاك عينين إنك تشوف كل حاجة يا سيد إسماعيل.
تشرب شاي؟
أوكي، ماشي.
أخذنا الشاي وطلعنا على السطح. فيه طاولة وكرسيين. قعدنا. وشنا الزرع. حقول البرسيم والقمح والنعناع والحنطة. فيه مواشي مربوطة. شايف ناس بس بعيدة أوي عنا. المنظر تحفة من فوق السطح. سرحت. وكانت سيرا بتبصلي قوي.
سألتها: فيه إيه؟
قالتلي: أنت إيه خلاك تسيب بلدك وتيجي هنا؟
قولتلها: عادي، أنا بحب السفر من مكان لمكان.
شغلت الموسيقى مبارح؟
آه، ونمت عليها كمان.
الجهاز جميل. بحب العصور القديمة دي.
كانت الشمس بتتسحب ورا الشجر. وقفت وقالتلي: أنا لازم أمشي دلوقتي.
أوصلك؟ قلتلها؟
قالتلي: لا، أنا عارفة طريقي كويس.
رواية الهجينة الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسي
لطالما تمنيت أن أكون موسيقى متسكع يحمل عوده بين يديه، يدخن لفافات التبغ بشراهة لامبالٍ بالحياة، واحد من شخصيات كانديراو أليكس ديستوفيسكي.
شخص لا يمتلك الاختيار، يحركه مؤلف بائس.
خدت سهرتي على سطح البيت ونزلت زهقان. شغلت الموسيقى وقريت شوية في كتاب، بعد كده نمت.
تاني يوم الصبح قابلني عم حارس. قالي:
"آسف يا بني، البنت اعتذرت تيجي امبارح!"
قلتله:
"لا، سيرا جت وعملت كل حاجة."
قالي:
"سيرا مين؟"
قلتله:
"سيرا، البنت الشابة دي."
قالي:
"معرفش حد بالاسم ده، تلاقيها واحدة من اياهم."
سألته:
"اياهم مين؟"
قالي:
"في بنات كتير من غير شغل. البلد هنا فقيرة، بيلفوا على البيوت لحد ما يلاقوا حد يخدموه. تلاقيها بت من بنات الناحية البحرية. أنا هروح أشوفها النهاردة."
قلتله:
"ماشي."
خلصت شغل ورجعت على البيت. لقيت الباب مفتوح. ناديت على سيرا محدش رد.
وسط الصالة، تحت اللوحات، لقيت عم حارس مرمي على الأرض، قاطع النفس وعنيه مبحلقة في الصور فوقيه. قعدت أهزه وأحركه، لكنه كان مات. اتصلت بالأسعاف والشرطة. عاينوا المكان. الطب الشرعي قال الوفاة نتيجة صدمة فجائية وقفت القلب. مكنش فيه شبهة، فمرضتش أجيب سيرة اسم سيرا خالص.
شالوه ومشوا. وقعدت أنا وحدي أفكر، سيرا ما جتش ليه النهاردة.
كان يوم ممل، زاده الفكر العابس ضبابية، ولم تفلح حركاتي بخلق حالة نفسية جديرة بإسعادي. يفكر الإنسان في ما يحبه وما يكرهه، حتى يقتلنا الانتظار، ولن نحصل إلا على الوجع في النهاية، صديق دائم غير مرحب به.
حضرت أكل وسبته على الترابيزة، ملمستهوش. قلت يمكن سيرا تيجي دلوقتي ناكل سوا. برد الأكل وسبته مكانه.
دخنت عشرة لفافات تبغ حتى اشتكى صدري. أخذت نفسي للسطوح، قعدت وحطيت رجليا على ترابيزة واطية أراقب الشارع والحقول.
مضى الوقت ولم تظهر سيرا. لعنت نفسي لتعلقي السريع بها. كان وقت عصر، الشمس مالت تجاه الغرب، وأدركت أن سيرا لن تأتي اليوم.
سمعت صوت في الطابق التحتاني. نزلت بسرعة. لقيت قطة كبيرة سودة واقفة فوق السفرة بتاكل الأكل اللي سبته. سبتها تاكل وقعدت على الكنبة.
بعد ما خلصت أكل، قربت القطة مني ودخلت وسط أقدامي. لمستها، مخفتش. شلتها وحضنتها.
"إنتي اسمك كيرا، ماشي؟"
بصتلي القطة، طبعًا متكلمتش. كانت مستسلمة بطريقة غريبة. شلتها وقلتلها:
"تعالي نطلع فوق نشوف غرفة ننام فيها."
فتحت أول غرفة، قبل ما أدخل، رجلي القطة زمجرت ونطت على الأرض.
"إيه، مش عاجباكي؟ نشوف غرفة تانية؟"
مشت القطة ورايا. تلت غرف مرضيتش تدخلهم. الغرفة الرابعة بتبص على الحقول وفيها شرفة واسعة. أول ما فتحت الباب القطة دخلت.
قررت أنام في الغرفة دي، بس الفضول دفعني أشوف باقي الغرف. سبت القطة مكانها ومشيت ناحية أول غرفة، كانت نضيفة وفيها سرير صغير. فتحت خزانة الملابس لقيت هجوم أطفال كتيرة. إزاي محدش فكر يتخلص من الهدوم دي؟
حطيت إيدي أشيل الهدوم، سمعت زمجرة كيرا برا الباب. سيبت كل حاجة في مكانها ومشيت ناحية القطة كيرا. جريت ونزلت السلالم، نزلت وراها.
السفرة اختفت! كل الأكل والطباق مكنتش موجودة. وقفت لحظة في مكاني. مش عارف إيه اللي حصل. دخلت المطبخ لقيت الأطباق مغسولة ومترتبة في مكانها.
قلت في نفسي: "بدأنا؟"
دا أكيد عمل أشباح المنزل. اتبلجت وخفت. حسيت إن لازم أسيب البيت وأخرج شوية.
برة في الصالة، كانت كيرا واقفة نفس المكان اللي مات فيه عم حارس، بتبص للوحة فوقيها بتركيز. لوحة غريبة لوش أول مرة أشوفه، مكنش امبارح، أنا متأكد. ملامحه مزعجة. رجل بدقن كبيرة، وشه أبيض، شعره أصفر. وراه في الصورة فيه قبر جنب شجرة. أنا شفت الشجرة دي بس مش متذكر فين.
زحف الليل وغرس أنيابه السوداء في صدر النهار، فرحلت أنواره مستسلمة لفيض الظلام.
عملت شاي وقعدت أسمع موسيقى وكيرا جنبي. كنت على وشك النوم لحد ما سمعت خبط على الباب. كانت أول مرة حد يخبط عليا، عشان كده قمت بسرعة أفتح الباب.
كانت فيه بنت صغيرة ولطيفة واقفة وسط الجنينة. ناديت عليها مردتش. قلت:
"متخفيش، تعالي؟"
مردتش. دخلت بسرعة جبت سترة شتوية تقيلة لأن الجو كان برد جامد وطلعت تاني. كانت الطفلة بدأت تمشي. مشيت وراها. شعرها طويل بيجر على الأرض وراها، كنت شايفه في ضوء مصابيح البيت. كنت بعيد عنها، فكانت بتقف لحظة، تبص عليا وتمشي تاني.
أبطأت سيرها حتى كنت على بعد خطوات منها. استدارت خلف البيت. شفت الشجرة اللي كانت في الصورة في الصالة. كانت ماشية ناحيتها. جسدي بدأ يرتعش، لكن كملت مشي وراها. تحت الشجرة فيه قبر عليه رخامة كبيرة. البنت فجأة دخلت جوه القبر واختفت.
وقفت في مكاني أبص حولي. قلبي هينط من مكانه. أتقدم خطوة وأرجع خطوة. لحد ما لمست الرخامة عشان أحركها. حسيت بتلج قشعر كل جسمي. الرخامة تقيلة أوي، مقدرتش أحركها. محاولة تانية قدرت أزحزح الرخامة شبر وأنا بزق بكل عزم وقوة.
إيد مسكتني. جريت ناحية البيت وأنا بصرخ. ورايا سمعت صوت القبر بيتقفل مرة تانية. دخلت البيت جري على غرفتي. رميت نفسي تحت البطانية وجسمي كله بيرقص من الخوف. بصيت لإيدي كان فيها شعر. خصلات نفس لون شعر الطفلة اللي كنت ماشي وراها. رميت الشعر على الأرض وأنا بصرخ تاني. دخلت كيرا ونطت فوق السرير، حضنتها بسرعة.
بدأ جسمي يهدي شوية لحد ما قدرت أنزل الطابق الأرضي. كنت ناوي أعمل فنجان قهوة. كيرا وقفت في المكان اللي مات فيه عم حارس تاني. كانت بتبص لنفس صورة الراجل. للصدفة كانت اتحركت من مكانها، كانت مايلة على الجانب الشمال. بس كان فيه حاجة مفزعة لاحظتها. ملامح الرجل اتغيرت. وشه كله غضب وتوعد.
محاولتش المس الصورة ولا أرجعها مكانها. جسمي مكنش مستعد لحاجة زي دي. عملت فنجان القهوة وطلعت غرفتي على طول. قفلت الباب من جوه وكيرا معايا.
نمت قبل الفجر. نوم قلق. كان فيه حلم سيء وصوت صراخ مرعب جاي من القبر اللي اختفت فيه البنت. مش بس كده، إني شفتها جوه القبر متكورة على نفسها، إيدها على وشها بتصرخ من الرعب.
قمت من النوم كلي عرق. لقيت كيرا واقفة ورا الباب. قلت:
"أنا آسف حبستك معايا، تلاقيقي جعانة وعطشانة."
كان الصبح طلع. أول حاجة عملتها بصيت ورا البيت، ملقيتش قبر ولا حاجة. مفيش غير الشجرة نفسها. أنا بمشي وأنا نايم ولا دا حلم ولا إيه؟
كان عندي أسئلة كتيرة لسيرا أول ما أشوفها. عشان كده رحت الشغل.
رواية الهجينة الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسي
أنهيت عملي مبكرًا، قلت لساعي البريد:
"تعرف مكاني إذا احتجتني."
قال ساعي البريد:
"أردت إخبارك بذلك من قبل، لا أحد هنا يأتي لمكتب البريد، حتى إذا ظللنا أسبوعًا كاملاً بالمنزل لا توجد مشكلة."
"أنا أسكن جوار البوسطة، إذا لاحظت أي شيء سأهاتفك!"
"أنت متزوج؟" سألت ساعي البريد دون سبب.
قال ساعي البريد:
"أنا أبلغ من العمر خمسة وثلاثين سنة." وصمت.
"عليّ أن أحذر، ما يعني ذلك طبعًا."
أن ترغم شخصًا على الحديث كأنك تبتلع المثلجات في يوم ماطر.
تركت ساعي البريد ومشيت تجاه المنزل، أحبهم، آمل أن أجد سيرا بداخله.
استقبلتني كيرا على باب المنزل بمواء حميم، من الواضح أنها تشعر بالوحدة وتشتاقني.
حين اقتربت، قفزت كيرا في حضني.
"أرى أن لديك صديقة جديدة؟" سمعت صوت سيرا دون أن أراها.
"سيرا؟" زعقت، "أين اختفيتِ؟"
"أعمال، كان لدي عمل في بيت آخر!" ظهرت سيرا من خلف الطاولة.
"ونسيت كل شيء."
شعر أحمر قاني، شفاه وردية ثخينة مرسومة، العيون الخضراء نفسها، قوام الملبن بنكهة البن، وتنورة رمادية أعلى الركبة، قميص أحمر بياقة عنق طويلة، جورب موف طويل، حذاء رمادي أرضي، قرط أزرق كبير الحجم.
"تبدين جميلة وأنيقة يا سيرا." قلت وفمي مفتوح لأن ضفيرة ذيل الحصان كانت مغرية لأبعد.
تبسمت سيرا، وحين تتبسم سيرا تشعر أن الحياة أصبحت أفضل.
"شكرًا لك سيد إسماعيل!"
"تعالي هنا، لدي ما أخبرك به."
"عن حارس مات!"
"والقبر؟"
"وجدت قبرًا خلف المنزل اختفت بداخله طفلة." قالت سيرا، "على مهلك سيد إسماعيل، لدينا النهار بطوله."
قلت: "والليل أيضًا، أنا أرفض فكرة مغادرتك للمنزل مرة أخرى."
حشرت سيرا خصرها بين يديها.
"صدقني سيد إسماعيل، لست مستعدًا بعد أن تقضي ليلة كاملة."
"قربي." وضحكت.
"إن الليالي البائسة الطويلة التي نقضيها في الشرود والنحيب تحت ثقل الذكريات التعيسة والأماني الضائعة لابد أن يتبعها نهار، ونهاري سيرا!"
أردت أن أخبرها أنها سبب بقائي في هذا المنزل الملعون وعدم تفكيري في تركه، وأنني أنتظر الصبح كل يوم لأراها، وأن أسوأ لحظات حياتي عندما تقترب الشمس من الغروب ويحين وقت رحيلها.
"سيد إسماعيل، هلا تفضلت وأخبرتني بنوعية الطعام التي تحبها على مائدة الغداء؟"
"أيقظتني سيرا من شرودي."
قلت: "أي شيء من يدك سيعجبني، نفسك حلوة في الأكل."
سألتني: "أين وجدت تلك الهرة؟"
قلت: "بالصدفة، كانت تلعب في الصالة وتصادقنا!"
"سيد إسماعيل! أنت بارع في جلب الانتباه، حتى الحيوانات تحبك."
قلت: "والأشباح أيضًا."
سمعت سيرا الكلمة وتبدلت ملامحها، زمّت شفتيها وقالت: "ماذا تعني؟"
قلت: "الطفلة الشبح التي رأيتها بالأمس يبدو أنها تحبني أيضًا!"
"هاها،" قالت سيرا، "تمام فهمتك!"
قلت: "بعد إذنك سيرا، هاخد حمام على السريع وارجع."
أخذت حمامًا ساخنًا وعدت للصالة، كانت سيرا في المطبخ تعد الطعام.
استرقت نظرة وهي منحنية وتبرجل جسدي.
كانت يد سيرا أطول من اللازم، منحنية على الأرض ويدها فوق تتناول طبقًا؟ فركت عيني، لم أنم كويس أنا، بدأت أهلوّس.
دخلت المطبخ أساعدها ولمست مؤخرتها رغمًا عني أثناء مروري.
قلت: "سيرا بصدق أنا آسف، لم أعنِ ذلك، حدث رغم عني!"
قالت سيرا: "سيد إسماعيل لا تعتذر، لست طفلة، أستطيع أن أفرق بين النوايا."
قلت: "قلبي وقع، الحمد لله."
لكن أثر لمسها أشعل حريقًا بجسدي مما دفعني أن أغادر المطبخ.
قلت: "سأدخن لفافة تبغ في السطح ريثما تنتهي!"
قعدت على الكرسي في السطوح ولعت سيجارة.
السور أمامي واطي، الخضرة واسعة، لكن كيرا اختفت.
وقفت على سور السطح أبص على كيرا، يمكن بتلعب في الجنينة؟
مشفتش كيرا ومكنتش مستعد أنزل تحت دلوقتي، كنت مكسوف من سيرا.
بس الوضع حوالين البيت غريب، سكون فظيع، لحد جاي ولا حد رايح، كأن البيت ده منسي أو كأن القرية كلها ميتة.
كان فيه راجل بيعزق الأرض، جاموسة مربوطة جنب قناية الميه، وست لابسة عباية سودة وشايلة قفة ماشية ناحيته.
الظاهر جايباله الأكل.
الراجل نزل من فوق رأسها القفة وقعدو على الأرض واختفو بين الزراعات، مقدرتش أشوفهم.
أول مرة أشوف حد في القرية الفقرية دي، حسيت بارتياح رغم أنها حاجة عادية.
سيرا نادت عليّ عشان أتغدى، نزلت لقيت السفرة مرصوصة، سيرا قاعدة بس ملقتش القطة.
سألتها: "مشفتيش كيرا؟"
قالت: "كيرا مين؟"
قلتلها: "القطة، أنتِ سمّيتها كبرا كمان؟"
"أيوه، شفتيها؟"
"تلاقيها في الجنينة بره."
تحت جدار البيت لقيت كيرا نايمة، شلتها في حضني ودخلت بيها قعدت على السفرة وهي بحضني.
قعدت آكل وكيرا نايمة في حضني، بتبص لسيرا.
سيرا كمان بتبص لكيرا بتركيز.
قلت: "الله، انتوا تعرفوا بعض بقا؟"
سيرا مردتش وأنا استبوخت النكتة بتاعتي، بس بصات سيرا لكيرا مزعجة، كأنها بتبص لبنت زيها في نفس جمالها، نظرة زي الغيرة أو السخرية.
فجأة سيرا قالت: "أنا رايحة."
قلت: "لكن الليل لسه بعيد؟ فاضل تلت ساعات على المغرب."
قالت: "معلش، عندي شغل تاني."
"أنا هديكي الفلوس اللي انتي عايزاها، هدفعلك مرتب شهري؟"
قالت سيرا: "مش موضوع فلوس، بس لازم أروح."
مشيت سيرا، وقفت ورايا لحد ما شميت أنفاسها ورا ودني.
"متنسيش تشيل الأكل وتنضف الأطباق."
قربت أكتر حسيت شفايفها لمست ودني، جسمي قشعر.
قالت سيرا: "باي كيرا."
أول ما مشت سيرا، كيرا نطت من حضني، قعدت على كرسي وبدأت تتحرك كأنها كانت محبوسة وتحررت.
كنت بفكر في لمسة شفايف سيرا وهل كانت مقصودة؟ ولا غير مقصودة؟ بس كنت سعيد من جوه وفرحان.
وصل الليل، شغلت الموسيقى ونمت على الكنبة وسبت كيرا تلعب هنا وهناك، كانت محسساني بالأمان شوية.
نمت وأنا مغمض عيني على وجه سيرا.
صحيت على خربشة لطيفة من ضوافر كيرا على صدري.
قمت مفزوع، نفس الطفلة اللي شفتها مبارح واقفة على الباب.
ليلة سودة، قلت: "أنتي شبح ولا حقيقة؟"
جسمي مش على بعضه.
قعدت مكاني وكيرا نطت، ناحت البنت.
قلتلها: "كيرا تعالي هنا، لو كان شبح هيمشي دلوقتي."
غمضت عيني وفتحتهم، الطفلة برضو لسه واقفة في مكانها!
مكنتش ناوي أطلع من البيت ولا أمشي ورا الطفلة تاني، ممكن قلبي تقيل، لكن دي شبح حقيقي.
الصور اللي على الحيطة بدأت تهتز، خاصة لوحة الفتاة ذات القرط ليوهانس.
الصورة بدأت تنزف، بس مش دم، دموع لطخت اللوحة.
حسيت إن البيت كله بيترج، وكيرا خرجت برا البيت وسابتني.
ممكنش فيه حل تاني.
مشيت برعب لخارج البيت.
الطفلة مشت قدامي، مشيت وراها، لفت ورا البيت ناحية الشجرة، فضلت ماشي وراها.
وصلت القبر، بصت ناحيتي واختفت جوه القبر.
القرارات الحاسمة مش سهلة ولازم نختار.
خدت نفس طويل، كانت السماء صافية، القمر فوق منور، بصيت حواليه لحد ما لقيت فرع شجرة مكسورة، سحبته.
وقفت فوق القبر.
وليت وجهي تجاه الشرق حيث إذا تمتمت بأمنية من الممكن أن تتحقق إذا كانت النجوم القطبية متوازية مع حركة الأبراج المعاكسة.
دخلت طرف الخشبة جنب الرخامة ودفعت بكل قوة لحد ما تزحزحت.
القبر عميق، واضح إن فيه ممر تحت، مكنتش شايف حاجة.
لحظة وسمعت خربشة أظافر تحت في القبر.
بصيت لتحت، شفة الطفلة بتزحف على الجدار لفوق ناحيتي.
متحركتش من مكاني رغم خوفي.
المنطق بيقول لو شبح الطفلة مؤذي كان ضرني من أول مرة.
تابعتها بتزحف، شعرها الطويل طاير في الهوا.
زحفت لحد سطح القبر، قدرت أشوف وشها الطفولي، الجروح على وشها.
كان وشنا قصاد بعض، عينيها بعمق مغارة.
رفعت إيدها ناحيتي، سبتها تلمسني.
حطت إيدها على خدي، سمعتها بتقول: "أنقذني."
"أنقذك من مين بس!؟"
نص دقيقة إيدها على وجهي، متحركتش.
اتفتحت بوابة، شايف القبر تحتي، شايف جثث طفلتين تانيين وعظم جثة كبيرة.
غمضت عيني، شفت بيت نفس البيت اللي أنا عايش فيه، ست جميلة بتلعب مع أطفالها، رجل غريب الملامح، نفس الصورة المتعلقة في جدار البيت.
صورة تانية، الراجل بيضرب الطفلة، نفس الطفلة اللي بتطلع لي، وأعيدها على وشي.
الطفلة بتصرخ جنب الحيطة، حاطة إيديها على وشها، الشخص ده بيضربها ضرب شديد.
الطفلة نايمة على السرير، الراجل ده سحبها من إيدها، مشيو برا البيت ناحية الشجرة، القبر مفتوح، حطها بالعافية جوه القبر.
شايف كل حاجة، ضربها على رأسها بالمعول، دمها ساح وسقطت لتحت على الأرض.
شد الرخامة وسد القبر.
بس البنت لسه حية، مش ميتة، شايفها جوه القبر الدم سايح منها مرعوبة وسط الضلمة بتصرخ من الخوف والرعب.
معدتش قادر أتحمل.
شلت إيدها من على وشي، صرخت الطفلة: "أنقذني!"
فجأة كيرا ظهرت، نطت على حيطة القبر، كشرت عن أنيابها، ماتت بغضب.
البنت سابتني، بهدوء نزلت جوه القبر مرة تانية.
رجعت على البيت حاضن كيرا، دخلت جوه لقيت صورة الراجل أبو ملامح قاسية مقلوبة.
يدوبك قعدت على الكنبة وسمعت صوت ارتطام مدوي لدرجة إن حيطان البيت اتهزت.
كيرا وقفت وسط الصالة وقعدت تموء.
مكنتش عارف إيه اللي بيحصل.
أنا راجع من بره مرعوب أصلًا.
رواية الهجينة الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسي
حطيت إيدي على وداني من شدة الصوت. البيت بيهتز كأنه هيغادر مكانه وأنا جواه.
نفسي اللحظة دي تخلص بأي طريقة، لكن الوضع ازداد كارثية.
شايف أطياف أشباح بتنزل بسرعة من على السلم.
أطياف لرجال ونساء بيتجمعوا في الصالة.
كيرا مش مبطلة مواء.
عايز أهرب برا البيت بس رجليه مشلولة.
الأشباح قربت من الصور اللي على الحيطة. الصور بدأت ترجع لمكانها تاني بعد ما كانت مقلوبة أو مايلة.
الأشباح بتبص لي بغضب مش عارف ليه.
عاملين دايرة كبيرة ماسكين إيدين بعض وكيرا وسط الدايرة.
خلاص مش قادر أتحمل، بصرخ من جوايا.
الدايرة بتضيق على كيرا.
خايف على القطة، عايز أساعدها بس مش قادر.
فجأة من باب البيت دخلت سيرا.
مشيت ناحية الجورمانوف. شغلت الموسيقى. الأطياف مشيت.
مش قادر أستوعب الموقف. سيرا مش بتظهر بالليل.
متهيأ لي كل ده حلم.
اختفت الأصوات. سيرا قربت مني، قعدت جنبي.
حضنتني قالت: "متخافش".
سبت نفسي جوه حضنها. جسمي بيرتعش من الخوف.
بدأت أهدأ ونمت.
لما فتحت عيني كان النهار طلع.
كنت نايم على الكنبة، راسي في حضن سيرا اللي بتلعب في شعري.
"إنت هنا فعلًا يا سيرا؟"
قالت: "أيوه أنا هنا. النهار طلع خلاص، يلا قوم بلاش دلع."
فضلت نايم في مكاني. لمست إيديها كانت رقيقة جدًا. تمنيت أفضل كده على طول.
ظهرت كيرا اللي كانت اختفت من شوية. مقربتش منا، فضلت تبص ناحيتنا وتلف وتدور في مكانها.
شاورت لها بإيدي، رفضت تيجي.
اللحظات دي لمسات سيرا أصبحت أكتر حميمية وإثارة. صوابعها اتسحبت على خدودي وصدري. كنت مستسلم باستمتاع.
لحد ما فجأة كيرا نطت ناحيتي وقعدت فوق صدري.
كنت بهزر، قلت لها: "إنتي بتغيري يا كيرا؟"
كيرا مردتش طبعًا، بس حطت وشها على وشي.
سيرا بعدت عني، قالت: "هحضر الفطار."
قلت لها: "أساعدك؟" رفضت.
بعد ما سيرا راحت المطبخ، كيرا نطت من حضني، وقفت وسط الصالة وقعدت تبص لي بغضب.
خرجت برا البيت ولعت سيجارة ومشيت ناحية القبر اللي كان اختفى تاني.
قعدت أفكر في نهاية الألغاز دي. سيرا اللي ظهرت فجأة.
الموسيقى والأشباح وعلاقة كل ده بي.
مشيت ببطء ناحية البيت. سمعت صوت في المطبخ. وقفت مكاني، متسرعتش.
متأكد إن سيرا جوه البيت لوحدها.
بس في شخص بيرد عليها. حاولت أسمع الكلام لكن الصوت كان واطي جدًا.
فيه شباك قدامي اتسحبت ناحيته. شفت سيرا. وشفت بنت تانية بغاية الجمال والأناقة.
جمالها خلاب وغير معتاد.
بسرعة مشيت ودخلت البيت ناحية المطبخ. سمعت حركة سريعة وملقتش غير سيرا لوحدها.
كيرا كانت على الأرض بتلعب مع نفسها.
مسألتش سيرا عن حاجة.
أنا مش غبي، متأكد إن البنت دي هي كيرا القطة.
مسكت كيرا وحضنتها. كانت بتقاوم بس أنا منعتها تهرب.
خدتها وقعدت على الكنبة.
مسكتها بين إيديا، قربتها مني، بوستها على خدها. مرة ومرات.
كيرا كانت بتقاوم في البداية، بعد كده استسلمت لقبلاتي.
فجأة سيرا وقعت الأطباق على الأرض اتكسرت كلها.
كيرا نطت من حضني وهربت.
مشيت ناحية المطبخ، لميت الأطباق المتكسرة.
سيرا كانت بتعاملني بغضب وعصبية.
الشمس غابت، بس سيرا ما رحلتش زي كل مرة.
قالت لي: "أنا هبات هنا في البيت النهارده. بعد اللي حصل امبارح مش من الأمان إنك تبات لوحدك."
قلت لها: "كيرا معايا أنا مش لوحدي."
غمزت سيرا بعينها وقالت: "ده سبب تاني سيد إسماعيل يخليني أبَات معاكم."
قلت لها: "من إيه يا سيرا؟"
قالت: "من الأشباح طبعًا. هو فيه حاجة تاني؟"
حضرنا فشار وتسالي وقعدنا في الصالة نسمع موسيقى.
أنا متكي على الكنبة، كيرا في حضني وسيرا قاعدة جنبي.
رواية الهجينة الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسي
كان القمر يراقبنا من شراعة الشرفة ويعكس ورود وقبلات فضية على سطح أرضية المنزل الخشبية. الموسيقى تصدح بانسيابية وتتسلق أذني برقة وخفة نسيم الليل المتأخر، فترفع الأمل بداخلي للحظات أكثر حميمية اغتصبها من جسد الحياة العامر بالمتع، الهزائم والانتصارات.
كانت ليلة مثالية من ليالي الأحلام التي تتمنى أن لا تنتهي أبداً، لكن الحياة لعينة، عندما تتمنى بقاء شيء يرحل بسرعة.
نامت كيرا في حضني تحت مراقبة عيون سيرا الغجرية.
قالت سيرا: "ما رأيك أن تراقصني؟"
سيبت كيرا نائمة على الكنبة.
قلت: "لما لا."
كانت سيمفونية مودزرات شغالة. وقفت وسط الصالة، بصيت لسيرا التي كانت واقفة في مكانها وقلت: "يلا."
سيرا قالت: "لازم نبدل ملابسنا الأول، بحب كل حاجة تكون منسجمة مع اللحظة."
قلت: "مش فاهم!"
قالت: "في غرفتك هتلاقي ملابس متروكة من زمان تعود لموضة العصور الوسطى، غير هدومك، عايزاك تكون زي الكونتات بتوع أوروبا."
وأنا أضحك قلت لها: "وانتي هتلبسي هدوم كونتيسة؟"
قالت: "أيوه."
فاكر الموضوع هزار، لكن سيرا سبقتني، طلعت درجات السلم ودخلت أول غرفة في الرواق. سبتها تقفل الغرفة. بصيت من فتحة المفتاح. شوفتها بتنزع سترتها الصوفية، تفك أزرار قميصها، شعرها الأصفر الطويل مسدل خلف ظهرها، وشم نجمة براقة يختم عنقها من الخلف.
ألصقت وجهي بخشب الباب، كل دواخلي ترغب باللحظة القادمة. سيرا تنزع قميصها، تطوح به في الهواء. ثم فجأة كيرا تحت قدمي، شدت طرف بنطالي بأسنانها.
كانت غاضبة لحد أنها خدشت قدمي بأظافرها. مرضتش أصرخ، كنت خائف سيرا تحس إني ببص عليها. حطيت صباعي على بقي قدام كيرا وقلتلها: "هسسسس!"
ببص تاني لداخل الغرفة. شفت حاجة غريبة ومرعبة، زي ما يكون عيون طيف مرت قدام الفتحة بتاعت المفتاح وبصت علي.
كمان كيرا قعدت تموء، خفت سيرا تسمعني بسرعة مشيت ودخلت غرفتي.
ناديت على كيرا إنها تدخل الغرفة، رفضت، فضلت واقفة قدام غرفة سيرا.
لقيت هدوم قديمة بس قيمة وجميلة. بنطال قماش، سترة داخلية، رابطة عنق، بالطو طويل، وشاح عنق، حذاء أسود لامع. بدلت ملابسي. بصيت للمراية، شفت نفسي، وغد أحمق، كنت لعنة قادمة من عصور أوروبا الغابرة. لا أنكر أنني بدوت وسيم. سرحت شعري واعتمرت قبعة وتركت الغرفة.
وجدت سيرا تنتظرني في منتصف الصالة. مشد ضيق من الدانتيل فوق صدري مع تنورة مزخرفة تحتيها بيتيكوب، تنورة داخلية. ياه، كانت جميلة فعلاً. انسحبت خلف إغراء جاذبيتها المطلقة. حطت إيدها على كتفي، حاوطت خصرها وبدأنا الرقص.
كيرا قاعدة على الكنبة بتتفرج علينا. كنت ببص ليها بطرف عيني، إذا كانت فتاة فعلاً كما أعتقد ستدب في صدرها الغيرة.
كل ده ما منعش إني أشوف لوحة جديدة علقت للتو على الجدار لشاب بنفس ملابسي يطلق ابتسامة رائعة.
مع الرقص بدأت أحداث غريبة تحصل. حسيت إن اللوحات كلها بتتحرك أو تهتز. رغم سعادتي بالرقصة، جسمي كان مرعوب.
كمان كيرا مشيت، اختفت.
خلصنا الرقصة وكنت تعبان جداً. سيرا كمان كانت مرهقة، لكنها حضنتني أوي وهمست في أذني: "انت رائع."
"أنا همشي دلوقتي."
"لكن انتي قلتي هبات معاك في البيت؟"
قالت سيرا: "معلش، بس الوقت اتأخر ولازم أمشي."
خرجت سيرا من غير ما تبدل ملابسها من القصر. معرفش ليه مشيت وراها من بعيد، بسحب زي اللصوص.
سيرا دارت حوالين البيت، قربت من الشجرة اللي عندها القبر واختفت.
وقفت عند القبر مش مصدق عيني. سيرا راحت فين؟ هي كمان اختفت في القبر؟ ولا أنا ما أخدتش بالي؟
مالقيتش فايدة من القعدة في البرد، رجعت البيت.
كانت الموسيقى لسه شغالة. طلعت غرفتي وقررت أنام. نمت فعلاً، ويا ريتني ما نمت. بدأت أحلام مزعجة تهاجمني.
يدخل شبح الغرفة، نفس الراجل القاسي اللي كان بيعذب الطفلة. وقف جنب السرير يبص علي، شايفه واقف في الحلم بس مش قادر أتحرك.
لحظة، وبدأت أشباح تانية تدخل الغرفة. شفت وجوهم المرعبة، الغرفة اتملت أشباح.
شايف الأشباح حزينة وتعيسة واقفة حوالين الشبح الرئيسي، اللي كان مكتفي بأنه بيبص علي لمدة دقيقة. بعد كده رفع إيده زي ما تكون إشارة.
الموسيقى وقفت تحت في الطابق الأرضي، الأشباح قربت مني وأنا على السرير.
الأشباح بدأت تنهش في جسمي بضوافرها، كنت بصرخ أوي، ألم فظيع، شايف الدم خارج من كل حتة في جسمي.
ثبتوني على السرير، طلع الشبح المخيف، قعد فوق صدري، فتح بقه كان واسع جداً، لسانه طويل وأسود.
الأشباح فتحت فمي بالعافية، بدأت نقط دم تنزل من بقه على وشي. طفل صغير طلع من بلعومه، زحف على لسانه اللي كان لامسني. الطفيل هينزل داخل فمي.
سمعت كيرا بتموء بصوت عالي، كانت واقفة ورا ضهر الأشباح، نطت كيرا فوق الأشباح، كانت بتمزقهم بأظافرها.
الأشباح تركبوني، كمان الشبح المرعب اللي كان قاعد فوق صدري سابني، بس ممشيش. لما كيرا حاولت تهاجمه، ضربها بإيده ضربة قوية خلتها تتخبط بالحيط. شفتها متكومة تحت الحيطة مش قادرة تتحرك، والشبح اختفى ومشي.
الحلم خلص. لما فتحت عنيا كانت الشمس طلعت، بس جسمي مهدود.
رفعت هدومي، شفت جسمي كله مخدوش وممزق، هدومي كلها ملطخة بالدم.
وقفت وأنا بترعش من الخوف، قلعت هدومي، في المراية شايف مشرحة. جروح سطحية مش عميقة.
نزلت بسرعة الطابق التحتاني أدور على كيرا لأني ما شفتهاش في الغرفة. كيرا مكنتش موجودة.
دخلت الحمام غسلت نفسي. في الصالة حاولت أدهن جسمي، كان نصفي عريان لما دخلت سيرا.
لما شافتني قالت: "ايه اللي حصل؟"
قعدت أحكي الحلم وكانت سيرا بتمرر الدهان فوق جروحي. قلت لها إني خايف على كيرا، بفكر فعلاً إني أسيب البيت، مش قادر أتحمل أكتر من كده.
"من حقك تخاف على القطة، ممكن تكون ماتت دلوقتي."
قلتلها: "بتتكلمي جد؟"
قالت: "أيوه."
"كمان فيه حاجة تانية، معتقدش إنك تقدر تسيب البيت، مش هيسمحوا بكده."
"هما مين؟"
"سكان المنزل، الأرواح المعذبة اللي بتبحث عن الحرية."
مكنتش فاهم تقصد إيه. لبست تيشيرت، قلت: "أما هدور على كيرا برا البيت."
قالت سيرا: "وأنا هحضر الفطار."
لفيت كل مكان برا البيت، ملقتش أثر لكيرا. دخلت بين الحقول، بعدت عن البيت، كان عندي أمل ألاقي كيرا مهما حصل.
وسط الخضرة فضلت ماشي. كان يمكن مضى نص ساعة أو أكتر، مشفتش ولا بشر بين الحقول. كل حاجة من حوالي غريبة. كان فيه شجرة شفتها من بعيد، قلت: "هاقعد تحتها أريح نفسي."
لما اقتربت، كانت هناك فتاة تجلس تحت الشجرة. فور رؤيتها لي نهضت من مكانها. كانت فتاة جميلة جداً. سألتها: "بعد إذنك، مشفتيش قطة هنا؟"
قالت: "لا، مفيش قطط بتيجي هنا." ورحلت بعيد عني. شفتها بتعرج جامد على رجلها، بتمشي بصعوبة وبتتألم. بتجر رجلها وراها، دخلت وسط الزرع واختفت.
رواية الهجينة الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسي
ركضت خلفها بين الزراعات وأنا أصرخ، توقفي من فضلك. لا أعرف ما الذي دفعني لذلك.
توقفت حتى وصلت إليها.
قلت: أرغب بدقيقة من وقتك.
قالت: ماذا تفعلين هنا؟
قلت: ليس مكان آخر أذهب إليه.
سألتها: لا منزل، لا عائلة؟
قالت: أجل.
الآن، هل يمكنك أن تتركني من فضلك؟
قلت: ما رأيك أن تحضري للعمل والإقامة في البيت الذي أعيش فيه؟ هناك غرف كثيرة لا أحد يشغلها.
قالت: كلام الناس! منذ حضوري هنا، أقول لك لم أرَ إلا حفنة من الرجال وأعتقد أنهم غير مهتمين أين سوف تعيشين.
أطرقت الفتاة نحو الأرض.
أردفت: لكن هناك شيء آخر.
قالت: ماذا؟
قلت: المنزل مسكون بالأشباح، كادوا يقتلوني الليلة الماضية.
قالت: بعد الشر عليك، لذلك تبحث عن رفيق؟
قلت: يمكنك أن تقولي ذلك، أنا أحتاجك مثلما تحتاجين لمكان. أرجوكي أقبلي عرضي.
عدنا أنا وتلك الفتاة، والتي كان اسمها فانتا. كانت سيرا أنهت تجهيز الطعام وجالسة على الطاولة بصمت.
بفرحة قلت: لم أجد كيرا، لكن أحضرت صديقة معي. ألم تظهر كيرا بعد؟
قالت: لا، لم تظهر. ثم أشارت نحو الفراغ وتمتمت: هي هنا أصلاً.
قلت: عذراً، ماذا تقصدي؟
وهي تنظر تجاه فانتا قالت: لا شيء.
بعد أن تناولنا طعامنا، سألت سيرا: هل تنتوين البقاء هنا؟ أم سترحلين مثل الأمس؟
قالت: سأبقى. ثم صعدت درجات السلم وقالت: سأختار غرفتي.
قلت: وأنتِ أيضاً يا فانتا، اختاري غرفة.
اختارت فانتا الغرفة الملاصقة لي، بينما سيرا اختارت غرفة بعيدة عنا.
تجمعنا مرة أخرى ليلاً وطلبت منهم أن يفكروا معي بخطة تمكننا من طرد الأشباح.
صمتت فانتا.
بينما قالت سيرا: الأشباح لن ترحل، عليك أن تعتاد البقاء معهم.
قلت: تعني ليس هناك حل؟
قالت: لا، ليس هناك حل.
قلت: غادر المنزل إذا كنت خائفاً.
قالت: لست خائفاً، لقد مررت بمواقف أصعب وأشد رعباً وخرجت منها أشد جسارة وصلابة.
ضحكت فانتا وتبعتها سيرا.
قالت: أنت لا تعرف طريقك يا سيد إسماعيل، كيف تعتقد أنك ستصل؟
قلت: سأتبع قلبي، عندما تضل الطريق فأنت لا ترى بعينيك، تلك الدقات في جوفك ترشدك نحو ما لا تراه.
قالت: أنت تتفلسف وهذا لن ينقذك من الأشباح ولن يضمن بقائك آمناً إذا كنت تعتقد ذلك.
قلت: لديكم يا سيرا وفانتا.
قالت: من أخبرك أننا حقيقيين؟
قلت: حتى لو لم تكونوا حقيقيين فأنتم هنا الآن وهذا كافٍ جداً. لا أحب أن أفكر في الغد، فليس لدي ما أخسره ولا أملك حلماً أعيش من أجله.
قالت: سأذهب للنوم يا سيد إسماعيل، سهرة ممتعة.
قلت: ليلة سعيدة سيرا.
قالت: ليلة سعيدة.
قلت لفانتا: أنا مخنوق، سأخرج للحديقة.
قالت: وأنا سأصنع كوب شاي وألحق بك.
فانتا تجر قدمها.
لم أتحمل ذلك.
قلت: أنا سأصنع الشاي يا فانتا، انتظري بالحديقة.
قالت فانتا: أحب أن أراك وأنت تعمل.
وقفت فانتا تتابعني وأنا أصنع الشاي.
قلت لها: قلبي يأكلني على كيرا، منذ الحلم بعد أن تعرضت للضرب لم تظهر مرة أخرى.
قالت فانتا: تحب الهرة؟
قلت: أحب القطة، لكن أعتقد أنها ليست هرة. لدي شكوك أن كيرا شبح فتاة، وسييرا أيضاً.
قالت: أتقول الحقيقة يا سيد إسماعيل؟
قلت: أجل، أقول ما أشعر به.
قالت: إذا كنت متأكداً أن سيرا شبح، لماذا لم توضح لها ذلك؟
قلت: لأن سيرا تدرك مثلي أنني أعلم أنها شبح. لدينا ما يشبه تواطؤ.
قالت: من أجل بقاء الوضع الحالي دون تغيير.
قلت: أنا سعيد لبقائها هنا وأعتقد أن لديها أسبابها أيضاً.
قالت: وكـيرا؟
قلت: كيرا، أتمنى أن أراها مرة أخرى حتى أعبر لها عن امتناني لإنقاذها حياتي. سأصرخ لها: أنا أعرف أنك شبح وأحبك وأحب قربك.
قالت: لكنها لم تظهر، ربما رحلت يا سيد إسماعيل.
قلت: هل من الممكن لأي شخص أن يشعر بما يؤلمك، وأن مجرد وجهك الباسم ليس إلا واجهة مزخرفة لقلب مفلس!؟
هل تدركين أنني محطم وبائس وليس كما أبدو من الخارج، وأنني أرغب أحياناً بالصراخ: أرجوكم انظروا بعمق، ها أنا أتهشم وأسحق؟
زحفت الدموع على وجه فانتا.
قالت: لكنها ليست هنا يا سيد إسماعيل لتسمع بوحك وتتألم من أجل آهاتك.
قلت: أجل، ليست هنا، لكنني سأبحث عنها في كل مكان كل يوم. قطة كانت أو شبح، لن أتوقف عن انتظارها.
جرت فانتا قدمها خلفها بضعف.
تابعتها تخرج نحو الحديقة مثقلة بالآلام وأوجاع لا أعرف سببها.
قلت وأنا أضع الشاي على الطاولة: شايك.
مسحت فانتا وجهها بكم قميصها.
قالت: لدي ما أود إخبارَك به يا سيد إسماعيل.
قلت: ماذا؟
قالت: أنقذني.
سمعنا صوت الطفلة الشبح الخارج من القبر خلف المنزل.
فتوقفنا عن الكلام ومشينا تجاه القبر.
سألتني فانتا ونحن نمشي تجاه القبر: هل ترغب فعلاً أن تنتهي قصتك مع المنزل يا سيد إسماعيل؟
قلت…
رواية الهجينة الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسي
أنا سعيد كذلك ولا أتمنى أبداً أن تنتهي قصتي في هذا المنزل، لكني مرعوب من المستقبل.
الطفلة تصرخ داخل القبر، لكن عندما وصلت فانتا، شبح الطفلة توقف عن الصراخ.
شبح الطفلة يرمق فانتا بحنان، يمد يده إليها.
فانتا واقفة لا تتحرك، لا تمد يدها.
لماذا لا تمد يدك يا فانتا للطفلة؟
لأنك لا ترغب يا سيد إسماعيل بانتهاء القصة، ولا أنا أيضاً.
مش فاهم يا فانتا، إيه علاقة ده ببقائي في القصر؟
بص يا سيد إسماعيل، أنت عايز تنقذ الطفلة، ولا عايز قصتك تستمر في البيت وتكمل حياتك بنفس الطريقة؟
البنت بتتعذب الصراحة، نفسي ترتاح في قبرها وتبطل صراخ.
ما سمعتش قرارك يا سيد إسماعيل؟
لو سعادتي على حساب تعاسة الطفلة، اختار راحة الطفلة.
لك ما أردت يا سيد إسماعيل، لقد تخليت عن رغبتي في الانتقام من أجلك، تخليت عن سعادتي بقربك، التي كنت أبحث عنها من أجلك.
الوداع!
استنى، بتقولي إيه؟
فانتا نزلت في القبر، وقفت جنب شبح الطفلة، جسمهم التصق ببعضه.
بدأ جسم فانتا يتبخر جوه جسم شبح الطفلة.
ببص مش مصدق، لحد ما شبح الطفلة ابتلع جسد فانتا.
شفت وش البنت رجع لنضارته، ميتة لكن مبتسمة.
فضلت واقف متوقع إن فانتا تظهر ما بين دقيقة والتانية، لكن محصلش حاجة.
سيرا كانت بتبص من الشباك، رغم إن المسافة بعيدة إلا إني شفتها بتبكي، لما خدت بالها قفلت الشباك واختفت.
عدت إلى المنزل في كامل إحباطي وحنقي، غير مصدق أنني فقدت للتو فانتا، الفتاة التي أحضرتها من الحقول.
كانت تعجبني تلك الفتاة، طيبة وجميلة، ولا تستحق ما حدث لها.
ما علاقتها بشبح الطفلة؟ لماذا اختفت بداخلها؟
أكانت روح الطفلة نفسها؟
وإذا كانت كذلك، كيف تخلت عن انتقامها، ومن من أصلاً؟
في المنزل، لم أكن قادر على التفكير، ولا الصمت، ولا الكلام.
أطلقت صرخة مدوية ارتجت على أثرها جدران المنزل، وسقطت لوحة الرجل الواجم من على الجدار وتهشمت.
رأيت طيف شبح يحترق، خلف على الأرض رماد، رأيته بعيني.
صعدت لغرفة سيرا، كانت راقدة على السرير، لكن مستيقظة.
كانت لدي أسئلة كثيرة، قبل أن أفتح فمي، قالت سيرا:
الآن تستطيع روحها أن ترقد بسلام.
قلت: تقصدي شبح الطفلة؟
قالت: أقصد كيرا، فانتا، وبانبه، الطفلة، كلهم نفس الشخص.
ولا تقول إنك لم تعرف أنهم أشباح؟
لم أكن أعتقد أن فانتا روح شبح!
أتتعلم لماذا حل السلام على روحها؟
قلت: لا.
قالت: لأنك أحببتها، كانت روح الطفلة تحتاج لمن يحبها، وأنت فعلت ذلك، حبك لها كسر دائرة عذابها، حبك هو الذي أحرق شبح الرجل الواجم على الجدار!
شعرت بنار في صدري تحرقني، لم تكتف فانتا بالاختفاء، تركت جمر يلسعني.
أتذكر جيدًا وجهها وهي تقول: تخليت عن سعادتي من أجلك. ماذا كانت تعني فانتا بهذه الكلمات؟
أحببتها؟ سألتني سيرا.
الإجابة صعبة، أنا أشتاق كيرا، أشتاق فانتا التي هي كيرا، لا أعلم ماذا يحدث لي.
قلت: أليس من الغباء أن يعشق بشري شبح؟
قالت سيرا: الحب لا يفرق بين الأجناس يا سيد إسماعيل، الحب فوق المنطق والعقل، الحب مجنون.
الآن رحلت كيرا، علي أن أعتاد الأمر إذا كنت أرغب في متابعة حياتي.
قلت: وأنت يا سيرا، متى سترحلين؟
لم تتفاجأ سيرا بسؤالي، كانت تتوقعه.
اكتفت بقول: لم يحن الوقت بعد.
تركت سيرا ونزلت الطابق التحتاني، حيث وجدت صورة كيرا، فانتا الجميلة معلقة على الجدار.
روح أخرى رحلت.
روح لم يتبق منها إلا ذكريات.
لم أطق النظر لصورتها، شعرت بالذنب الكبير والحماقة.
لأيام حاولت أن أتناسى ما حدث، كنت مندهش لتقبل فكرة عيشي في منزل مسكون بالأشباح، وعدم قدرتي على عبور شخص أحببته تركني فجأة.
من العمل للمنزل، مضت الأيام وأنا أزداد شرود وضعف.
سألت سيرا: أليس هناك طريقة يمكننا بها إعادة شبح كيرا؟
حملقت بي سيرا لمدة طويلة، قالت: لا أعلم يا سيد إسماعيل، أنت وحدك يمكنك شق طريقك.
عقلي مشتت، لكني أحبها هي أيضاً.
لم تظهر الأشباح مرة أخرى، فعلت كل شيء أحمق، ولم أر شيئاً.
كنت أجلس بالساعات تحت الشجرة حيث قبر كيرا، ولم يظهر شبح الطفلة.
رواية الهجينة الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسي
كان روتيني اليومي ممل، أذهب للعمل كل صباح. بعد عودتي أتناول الطعام مع سيرا، وكنا قد اعتدنا بقاءنا بمفردنا بعد رحيل كيرا.
حاول كل منا أن يعبر ما حدث. كنت أشتاق كيرا لكن الحياة تمضي. وسيرا كانت أكثر مرحًا، تحاول بشتى الطرق أن تجعلني دوماً سعيد.
سيرا لم تكن تتركني إلا في الفترات التي أجلس فيها تحت الشجرة خلف المنزل حيث قبر كيرا.
كنا نتشارك أعمال المنزل. سيرا بالنسبة لي لم تكن خادمة بعد أن عرفت حقيقتها وأنها أحد أشباح المنزل وساكنيه. بل كنت أشكرها دوماً لعدم رحيلها وبقائها معي رغم أن لعنة المنزل تقريباً رحلت.
كانت تقول: "لماذا تجهد نفسك وأنت تعرف أنني شبح وأن تلك الأعمال لن تنهكني؟".
كنت أكذب وأقول: "لأقتل الملل، لتشعري بالمشاركة". بينما أنا، في حقيقة الأمر، ورغم مرور شهور، لم أنسَ ملمس جسدها.
كنت أراقب أناقتها وجمالها، انحنائتها وحركاتها المغرية.
تعمدت لمسها أكثر من مرة ولم تبالي سيرا. كنت أعتذر كل مرة، وكانت تقول: "عادي".
لكن العادي بالنسبة لها ليس عادي بالنسبة لي، فقد كنت أحترق شوقًا لضمة حضن أو قبله.
ليالٍ طويلة كنت أدعي أنني تعبان أو منهك لأستمتع بوضع رأسي في حجرها، مداعبات أصابعها لشعري ووجنتي.
كنت أدعوها للرقص كثيراً، وكنت أحتضنها بعنفوان وشبق وأتعمد لمسها.
حتى الأشباح تستجيب للمداعبات، سواء جان أو شبح أو بشري. الأنثى، أنثى.
قلت: "يا سيرا، أنا لا أطيق النوم لوحدي بغرفتي، أرغب بالنوم جوارك". قابلتني باعتراضات كثيرة، إلا أنها رضخت تحت إلحاحي المتواصل.
مضت ليالٍ كثيرة، احتفظ بمساحة بيني وبينها، حتى جاءت الليلة التي التصقت بها.
أحضان تحولت لقبلات ساخنة تحت سماء غائمة وقمر متوارٍ خلف الضباب.
لم أتمالك نفسي، انساقَت سيرا معي حتى ضاجعتها.
نمت بعدها. عندما فتحت عيني لم تكن سيرا جواري. بحثت عنها في المنزل لم أجدها. لم أذهب للعمل وانتظرت حضورها، لكن سيرا لم تظهر.
مضت أيام لم تظهر سيرا. فقدان آخر لم أكن مستعداً لتحمله. كان لدي أمل أن تظهر، لكن الأيام سحقت أحلامي وتمرغت في وحل الهجر.
تحولت حياتي لمرحلة ضبابية، فقدت الشغف بكل شيء، حتى كدت أجن.
إن حياتي دون سيرا وكيرا تحولت لجحيم لا يطاق. قرأت كثيراً وبحثت عن طريقة تعيدهما إلي، حتى أنني طرقت أبواب سحرة ومشعوذين، رغم ذلك فشلت كل جهودي لعودتهما.
حتى ساقني القدر لامرأة مشعوذة تقطن مكان بعيد بالزراعات، تعيش بمفردها. رويت لها قصتي، طلبت منها أن تجد حل، فإن روحي تنسحب مني وتتوق للقائهم.
ألقت المرأة تعاويذها ونطقت طلاسمها. حضرت خدمها.
"إن ما تطلبه مستحيل يا سيد إسماعيل، لكن هناك طريقة أخرى ربما لا تعجبك".
قلت: "أي طريقة تجمعني بهم مستعد لتقبلها!".
"حتى تخليك عن حياتك؟"
"حتى أن أتخلى عن حياتي!".
كتبت ورقة بها طلاسم، وطلبت سرسفين وناجاخ، هندج وبقراح، شموع، ومحراز. أنتهينا.
"عندما ينتصف الشهر ويصبح القمر بدراً، اقرأ التعاويذ، أشعل الشموع، ورتل بقلب غائم طلسم الهجينة".
انتظرت بفارغ الصبر أن ينتصف الشهر، حتى حان الموعد وانتصف الليل.
أحضرت معولاً وحفرت قبراً تحت الشجرة، نفس مكان قبر شبح الطفلة.
أشعلت الشموع ورقدت على ظهري أستقبل القمر.
القبر الذي حفرته ضاق علي، ارتج وسمعت صوت مدوي: "أهلاً بك في عالم الأرواح والأشباح".
انفاسي رحلت، مت لحظات، لكني أشعر أنك موجود. أنا في قبري طيف الآن، لكن القبر أكثر اتساع. لست وحدك.
كيرا وسيرا واقفات تنتظراني.
"أنا طيف مثلكم".
"نرى ذلك، قالوا، لكنك لن تعود مرة أخرى؟"
قلت: "ومن قال أنني أرغب بالعودة؟"
نحن نسكن المنزل الأن. هناك لوحة جدارية تحمل صورتي معلقة إلى جوار صورة سيرا وكيرا وبقيت الأرواح التي ابتلعها المنزل.
الحياة ليست سيئة هنا. أستمتع بقبلات سيرا وكيرا، أحضانهما المشتعلة، نزهاتنا خلال الحقول، ركضنا ولعبنا. ظل المنزل مهجوراً لا يقطنه بشر. كنت أنا السبب، ليس حباً بالبشر، لكن لرغبتي ببقاء سيرا وكيرا معي إلى آخر الحياة.
لو حد قالك فيه بيت مسكون بالأشباح، متتكبرش وتعمل نفسك فيها راجل.
مترتكبش نفس الغلط اللي أنا ارتكبته.
لأن الشر ليس له آخر، وبعض اللعنات ليست أشباح بل أرواح ماتت مظلومة تحمل داخلها غضب مستعر.