من قال أن الصمت لا صوت له ولا حديث به، فللصمت حروف لا تُقرأ، وصوت لا يُسمع، وحنين لا يُشعر به أحد. كصمت ياسين بعد أن انتهى من صلاته اتجه إلى مكان سيراه الآن بعين مختلفة، عين لم يراه بها من قبل. دار "نصير" يبحث بعينيه في المكان عنه وكأنه تبخر ولم يعد له وجود. اتجه ناحية الكوخ، يجلس بجوار تلك النائمة على فراشه. يجلس بجوارها على طرف الفراش يمسح بيدهُ على خصلاتها ذات اللون الكستنائي قائلاً بداخله بابتسامة مؤلمة:
"شوفتك سايحة في دمك بالمنظر ده بتعصر قلبي عصر يابنت المهدي، بس اللي مطمني ومطمن قلبي أني عارف أن دمك من دم المهدي وهتشفي بسرعة يابت أبوكي. أجمدي الصعب راح واللي جاي كله هيبقى البراح." تركها ورحل. جلس على المقعد الخارجي للكوخ. ومضات تأتي إلى عقله مما حدث، لحظات أعادت له ذكرياته قديمًا. منذ سبعة وعشرون عاماً تقريباً يسرد المهدي له مخاوفه:
"زهرة طلعت حامل يانصير، مش عارف إزاي بس حملت وطلعت بخلف، واللعنة كلها اللي عملتها، عملتها على طفلي اللي جاي، خايف عليها من قبل ما تتولد ومصيرها محتوم، محتوم بالعذاب والويل والموت انكتب لها من قبل ما تشوف الحياة. أنا ممكن أجبر زهرة إنها تنزل اللي في بطنها." قاطعه باستهجان بقول: "استغفر الله العظيم، أنت بتقول إيه يامهدي."
"أنا لو بيدي أعمل كده يانصير بس مش قادر، مش قادر أقتل طفلي بأيدي وأنا متلهف لشوفته في يوم. أتمنى يطلع ولد عشان اللعنة ماتتفكش ويفضلوا بالضعف ملعونين." "ولو طلعت بنت، إيه اللي هيحصل؟ كان هذا سؤال "نصير" وهو يرتعش بخوف من الإجابة. فتابع "المهدي" حديثه يقص عليه ما يحدث:
"المهدي والضبع مش هيسيبوها في يوم، وأنا ضعفت ومش هقدر عليهم لوحدي. لو جرالي شيء، أنا مفهم حكيمة على كل حاجة وعارف أن الضبع مش هيسيب بنتي ولا هيطمن إلا لما تبقى معاه. عشان كده هخللي حكيمة تسيبهاله يربيها. هو عمره ما هيأذيها إلا لما تتم الـ 16 سنة عشان اللعنة تتفك. والمقصود من ده كله إنها تبقى تحت جناح ياسين. وأنا متأكد إن طول ما بتي قدامه وبيشوفها بتكبر يوم عن يوم تحت عينيه هتخرجه من الضلمة للنور وهتحرك الجانب الطيب اللي جواه ويرجع لعقله من جديد وهيحميها بروحه."
بعدين أتت "حكيمة" تتكأ على عكازها تسير بخطوات بطيئة ناحيته. لم يشعر بوجودها في الباديء الأمر من كثرة شروده. فأشارت بيدها أمام وجهه قائلة: "لسه بتسرح كتير زي زمان يانصير." فاق من شروده والصدمة تعتلي ملامح وجهه من وجودها جواره. يردد اسمها بتقطع: "حكـــيمــه." *** كل شيء اتضح أمام أعين "بدر" بعدما قصت له "غدير" عنه. رد "بدر" على حديثها بسؤاله: "عشان كده بين الزرع لما كان فيه رجالة عايزة تأذيكي كان بيتحرك بسرعة."
اقتربت لتصبح واقفة جواره مباشرةً وبدأت الإجابة برفق: "أيوه، ياسين سرعته مش عادية، ياسين أصلاً مش عادي." استند على يد المقعد ومن كثرة توتره جلس عليه. بل والأحرى كاد أن يقع من هول صدمته مما علمه. شعرت "غدير" بالقلق والخوف في عينيه مما سردته له. فأضافت: "أنت خوفت، ولا مش مصدقني." تحرك نحوها بخطوات ثابتة دون عجالة:
"طريقتك وأنتِ بتحكي تجبرني أني أصدقك، عيونك مابتحكيش إلا الصدق. بس أنا لو ماخفتش أبقى عبيط. أنا واحد عايش بين العجل، اتربيت على الحياة العادية. حياة عادية خالص مافيهاش لا هجينة ولا مستذئبين ولا الخالة الحكيمة اللي تبقى أكبرهم سناً وحكمة في نفس الوقت. أنا واحد طول عمره عايش في الواقع واللي بتقوليه ماشفتوش بس غير في خيال الأفلام والخيال ملوش مكان بينا. وبعد اللي عرفته ده كله بتسألني خايف؟
ابقى كداب ياغدير لو ماقولتش اني مش خايف." أكملت بندم: "ياريتني ما كنت حكيتلك." تركته تتجه نحو الخارج. ثم جذبها إليه من مرفقها برفق يسألها واللهفة تتضح بعينيه: "ليه بتقولي كده ياغدير؟ اقترب منها أصبح أمامها تماماً. وقبل أن تتحرك التقط مرفقها بلطف سائلاً: "ندمانة أنك حكتيلي." قربه منها أربكها، توترت بشدة ولكنها حسمت أمرها بقول:
"بصراحة أيوه، خايفة لا تكون مش قد الثقة اللي اديتهالك. إحساس جوايا بيقولي اطمنيله وشعور تاني بيقول افرض ما طلعش قد الثقة اللي اديتهاله." نصت لها وأعطاها كامل تركيزه. تسترسل حديثها تطالع عينيه بحنان: "أنا زي ما قولتلك يابدر، أنا عشت حياة صعبة وأنت أول حد اطمنله برة عيلتي. خايفة أتصددم فيك وأنا مش حمل صدمات." قالت كلماتها بصدق نابع من فؤادها. يستطيع أن يرى إعجابها به في عينيها دون أن تنطقه. مما جعل حديثه أسهل:
"أنا عايز أقولك حاجة واحدة بس، شايفها في عينك لكن ما قولتهاش." طالعته تنظر لعينيه. فتابع هو بابتسامة رقيقة: "أنا معجب بيكي ياغدير. هبقى كداب لو قولت إني وصلت معاكي لدرجة الحب، بس أنا حقيقي معجب بيكي وبكل تفاصيلك." تابع بضحكة أثرتها يكمل حديثه: "بذئابك بقى، بأخوكي اللي بيسمع دبة النملة وهو مابيشوفش، بمستذئبينك وبحكاياتك الغريبة. وعايز أعرف منك إذا أنتِ كمان معجبة بيا زي ما أنا معجب بيكي ولا لأ." ارتبكت من سؤاله.
صوت دقات فؤادها أوشك على كشف أمرها. جذبت كفها من كفه برفق تنظر جوارها للخارج بقول: "المطرة وقفت، أنا لازم أمشي بقى." تركته ورحلت بخطوات واسعة تحت نظراته المستغربة. ابتسم يناديها باسمها بقول: "غديـــــر، استني طيب هوصلك ماتمشيش في الوقت ده لوحدك." *** هناك لقاءات لا يمكن أن ننساها أبداً، لقاءات تخبرنا أن ما علمناه طوال العشر سنوات ما هو إلا سوى خدعة. وهذا لقاء مميز لأنه لقاء مع النفس، لقاء منتظر مع ذاته منذ سنين.
وصل "ياسين" أخيراً إلى وجهته. يرى كل شيء بوضوح، أنه هنا داخل مقبرته. يجلس على ركبتيه أمام اللوح الرخامي يمرر أصابعه على اسم "عمار" المطبوع أعلى اللوح يرافقه الحزن والاكتئاب. يسترجع أحداث ذلك اليوم المؤلم بقول:
"بيقولوا النسيان نعمة، بس في حالتي أنا نقمة عشان نسيتك خلوني أنسى حتة مني غصب عني وأنا مكنتش عايز أنساك. واليوم اللي افتكرتك فيه روحت فيه ياعمار. عمري ما هنسى نظرة عينيك وأنت بتقولي قوم، أنت بتعمل إيه مش قادر عليه لوحدي. لو مكنتش سيبتك مع العربي لوحدك، كنت زمانك عايش. بس أقسم لك إن وقتها كان غصب عني." تنهد بعمق يبتلع ريقه وكأنه كالأشواك قائلاً:
"غصب عني. حسيت بألم هيفرتك دماغي، حسيت إني بموت وكأن جسمي انهار. وقعت في الأرض مابقيتش حاسس بالدنيا واللي فيها. ولاقيتني بفتكرك من جديد وافتكرت أمك وهي بتقولي 'أنا بموت ومش عايزة ابني يموت معايا ياياسين'. فوقت لاقيتك بين إيدين العربي، مالحقتش، أقسم لك مالحقتش أنجدك من بين إيديه. مش مكانك، مش مكانك تكون هنا ده مكاني." تابع يخرج ما بداخل صدره بانهيار:
"أنا عشت غريب في الدنيا دي بدور على جزء ناقص مني رغم إني مكنتش عارف إيه هو. ولما عرفت روحت مني. والله يا عمار كان غصب عني، صدقني، وحياة الأغلى عندك تصدقني." "كــــداب." رفع وجهه عالياً بجوار مقبرته. يستمع إليه وقد ظهر من العدم. يكمل بقية حديثه فتابع هو: "أيوه كداب، مستغرب ليه؟ ماتقولش غصب عنك." قال "عمار" آخر ثلاث كلمات ببطء شديد. فأغمض "ياسين" عيونه بإحكام قائلاً: "أنت مش موجود، أنت ميت."
جلس أمامه القرفصاء بنفس مستوى جلسته. يطالعه بتحدي ينطق كلماته ببطء: "لاء أنا عايش، بس عارف عايش فينا." أشار بأصبعه على جبهته: "جواك ياياسين، عايش جوه عقلك ومش هخرج منه أبداً. عشان أنت عايزني أفضل موجود، جزء منك رافض إنك تصدق إني مش موجود وميت." توقف وهو يكمل أثناء وقوفه: "وعشان كده هفضل جواك، وكل اللي قولته ده بلح، ولا الهوا مش حقيقي. أنت من جواك اتمنيت إني أموت عشان خاطرها عشان تبقى معاها."
حرب باردة تحدث الآن بينه وبين نفسه، يحارب ذاته، يحارب نفسه ما بين الماضي والحاضر. فقاطعه يخبره بلهفة: "أيوه أنت صح، أنا اتمنيتلك الموت، بس ده قبل، قبل ما أعرف إنك ابني. قبل ما أعرف إنك الجزء الناقص مني اللي بدور عليه بقالي سنين. وبالرغم من كده ما أذيتكش وأنت عايش. أنت اللي كنت بتأذيني. أنا قررت قبل الحرب بيوم إني هحميك عشانها ياعمار عشان تفضل معاها. ده كان آخر كلام بيني وبينك." قاطعه "عمار" باستهجان
وقد بان الغضب بنبرته: "لاء أذيتني، أذيتني بوجودك جنبها. افتكر كويس ياياسين، افتكر كويس يوم الحرب هي اختارت تقف ورا ضهر مين لما حسيت بالخوف من العربي. كنت أنا وأنت قدامها." أشار بأصبعه عليه:
"بس هي اختارتك، أنت نفسك مكنتش مصدق. وبصتلي بنظرة مش هنساها أبداً، نظرة بتقول إنك انتصرت عليا وانتصرت بحبها. وهي نسيت كل اللي عملته عشانها وراحتلك برجليها رغم إنها كانت دايماً بتبقى معايا. بس نظرة عينيها ليك كانت بتوضح اللي في قلبها. لسانها بينطق شيء وعيونها بتقول كلام تاني." أشار برأسه بلا مبالاة بحركة دائرية وهو يكمل بسخرية: "مش مصدقك ومش هصدقك. نتيجة أفعالك واضحة قدامك، بص، بص شوف." أشار بسبابته
على اللوح الرخامي بعنف: "عارف ده اسم مين، ده اسمي وأنت السبب في اللي حصلي ومش ههدى ولا يرتاحلي بال إلا ما يتحط اسمك جنب اسمي ياياسين." وضع "ياسين" يدهُ على رأسه بألم يقبض عينيه بقوة قائلاً بنبرة قد أنهكها التعب: "كفاية، كفاية، كفاية ياعمار كفاية. أنت ميت، ياريتك كنت حقيقة ياريتك كنت موجود." "ياسين أنت بتكلم عمار؟ ألقت "مشيرة" بسؤالها من خلفه وهي تقترب منه بخطوات سريعة تضيق ما بين حاجبيها باستغراب.
رفع رأسه وقد فقد أي ذرة تعقل به. يطالعها بعيونه وقد تحولت إلى اللون الأحمر القاتم. يقبض على مرفقها بشدة يطالعها بنظرات شرسة يوجهها "ياسين" لها. تقابله نظرات مشيرة وقد دب الرعب بقلبها من لون عيونه المشتعلة. شهقت من الخوف ومرارة ما رأتهُ ومشاعر كثر. فأخبرها بيقين مما يقول: "عــمــــار ميـــــــت." *** ثم بعض الأشياء تشعر بوجودها أصبح يزهر حياتك وكأنك وجدت ما يسرك وكأن من بعد العسر يسر.
كوجود "مارال" بحياته وقد أصبحت اليسر بعد العسر. كانوا يسيرون سوياً يحددون وجهتهم إلى المنزل بعدما أنهى أداء فريضة الفجر. ومن ثم رأت "مارال" وقد تلاحمت الأشعة وحل شروق الشمس بأشعته الذهبية. فطلبت منه برفق ببسمة حانية تجذبه من مرفقه بلين: "بيدقوس تعالى نقعد هنا شوية في وسط عباد الشمس بلاش نوح على طول. الشوق هنا يجنن." اعترض باديء الأمر ولكنه وافق على مطلبها.
وقبل أن يتحرك للجلوس ألقى زميل له بالمسجد السلام وهو يمر بجواره. وضعت "مارال" الوشاح سريعاً على رأسها بحركة عفوية منها عند رؤيته. فألقى "بربروس" السلام رداً عليهٍ وضيق ما بين حاجبيه باستغراب على فعلتها. حمحم ومن ثم نزعت وشاحها بقول: "بتبصلي كده ليه؟ لاء ماتبصليش كده." ابتسم ابتسامة مكتومة وهو يجلس ما بين الزرع وسط الرقعة الزراعية قائلاً:
"شكراً لكِ، أعلم جيداً لما فعلتي ذلك ولكن لا تغيري من نفسك لأحد يامارال. فيعلم ربي أني أحببتك حباً خالصاً لوجه الله فأنتي هدية ربي لي ووصية رسوله." "بس أنت مش بتغيّرني يابيدقوس." قالتها سريعاً دون تردد. رمقها باستغراب فأكملت تقص عليه ما تريد: "يعني أنا غلطانة يعني لما شوفت الشيخ صاحبك ده معدي فقولت أحط حاجة على شعري عشان ما تتحرجش مني عشان بشعري وكده." كان سيرد ولكنها وضعت إصبعها على شفتيه تمنعه من الحديث وقد تابعت:
"وقبل ما تتكلم أنا عارفة ومتأكدة إني مابعملش حاجة غلط حتى لو بشعري لأن دي حاجة عادية. أنا بس عملت كده عشانك أنتَ، عشان في ناس هنا تفكيرها وحش زي ما أنت شايف. قيّمت وياف هيقولوا بص اللي بيصلي وبيقيم بينا صلاته إزاي." ابتسم على حديثها ابتسامة امتنان وقد طالعها بكثير من الحب. كانت نظراته كالعادة دافئة ونظراتها بها من الحنين الكثير. فقاطع نظراتهم قائلاً: "ولذلك أنا ممتن لكِ على فعلتك هذه." "عد الجمايل بقى."
ابتسم كل منهما للآخر وعادت تسأله وكأنها تذكرت شيئاً: "إلا قولي صح يابيدقوس، هو ليه يعني البنت المسلمة بتتحجب؟ رد عليها بطلب بعيداً عن السؤال: "أغلقي عينيكِ." رمقته باستغراب فأصر على طلبه: "هيا أغلقيهما." أغلقت عينيها ودار بعينيه بالمكان. ثم قبض أحد مرفقيه بإحكام والأخر وضع بهِ زهرة صغيرة. ومن ثم طلب منها أن تفتح عيونها وقد قام بسؤالها الآتي: "هيا أخبريني، ما الذي يوجد بيدي اليسرى؟ أجابته بسهولة تامة: "زهرة يابيبيوس."
"وسمالونها؟ استغربت أكثر من طرحه لأسئلته ولكنها أجابته بقول: "حمرا." "هل تستطيعين التقرب منها وأخذها؟ كان هذا سؤاله فأجابت هي: "طبعاً أقدر ما أنت فاتح إيدك وما فيش أي حاجة تمنعني آخدها." أشار بعينيه يحثها على أخذها. ومن ثم أشار على كفه الآخر يكور يدهُ يقبض على ما بداخله بإحكام وبدأ بقول: "هيا قولي لي ما الذي يوجد باليد الأخرى ولونه وإذا استطعتي خذيه من بين كفي." ردت وقد طفح كيلها: "وأنا هعرف منين يابيدقوس؟
إيه اللي في إيدك ولونها؟ هو أنا عارفة إيه هو أصلاً؟ أشار بعينيه يحثها على فتح قبضه يدهُ. ثم قبضت بكف يدها على كفه تحاول فك قبضته فلم تستطع فعلها. أخبرته من بين أسنانها وقد استفزها الأمر: "مش قادرة افتح كف إيدك يابيدقوس بجد أنتَ محافظ عليها قوي." أشار بأصبعه يخبرها بكلمات سلسلة وبسيطة مع ابتسامته الساحرة:
"نعم معكِ حق فالمرأة المسلمة حجابها يحافظ عليها من كل سوء لحمايتهن وصيانتهن وإظهار عفافهن ومنع كل فاسق التعرض لهن. وقد أكد الله تعالى في سورة الأحزاب: {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}. وبالدليل فقد استطعتي رؤية الزهرة الأولى وكل شيء بها دون مجهود فقد علمتي عنها كل شيء واستطعتي أيضاً أخذها دون موانع. ولكن هل علمتي ما بداخل كفي الآخر؟
هكذا هو الحجاب فرض على المرأة المسلمة لحمايتها في المقام الأول من كل سوء. فالله أعلى وأعلم وإذا فرض شيء فهو لمصلحة البشر." صمتت لثواني تفكر بما قاله منذ قليل. اقترب منها هامساً بأذنها: "لماذا الصمت هكذا؟ هزت كتفها تخبره ببراءة: "هقول إيه؟ "تحدثي بأي حديث، تحدثي بأي لغة تريدين. فصمتك هذا يربك قلبي المسكين بعدما وقع بحبك وصار معذب لسنين." تحدث بربروس ببسمة واضحة على شفتيه تزيد من وسامته. رأت بسمته
فانفرجت تقاسيمها وهي تقول: "ضحكتك دي هتجنني، شوفت عرفت أعالج البؤس اللي كان على وشك من شوية إزاي." هز رأسه نافياً يخبرها بعيون محب صادقة: "لا، إذا أردتِ أن تعالجيني من البؤس فيجب عليكِ حذف الهمزة." ابتسمت بخجل وقد غزت الحمرة وجهها وهي تقول: "بطل يابيدقوس." ابتسم من خجلها يسترسل حديثه بوجه ضاحك: "لماذا؟ ليس بعيبٍ ولا حرام، ألستِ بزوجك؟ طالعت الجوار بخجل واقتربت من أذنه هامسة تحدثه بنفس لغته:
"حسناً، فوالله وبعقد الهاء عندما يغلق علينا الباب سأقتلك بقنبلة لا نون لها." *** ألقى "ياسين" كلماته على مسامعها ولكنه لم يؤثر بها. كل شيء صار بلا معنى عند رؤيتها لعيونه التي قد تحولت إلى اللون الأحمر القاتم. كلماته موحية ولكنها تجاهلته وسألت بارتباك: "عيونك حمرا كده إزاي؟ قبض بعينيه وقد أعاد عيونه إلى لونها الطبيعي وبدأ بقول: "ما رديتش عليّ، كذبتي عليّ السنين اللي فاتت دي كلها، ليه؟ فهمتيني إن عمار عايش ومات."
"لا مفر، علمت بأن الكذب سيزيد التعقيد." صمتت لثواني في محاولة منها لإيجاد مخرج. جذبت مرفقها من قبضه يده فقد ألمتها قبضته تحاول التبرير: "سيب إيدي، إيدي هتتكسر في إيدك حرام عليك." حرر يدها من كفه يتابع نظراتها المرتبكة، صرخ بها يحثها على القول: "أنطقــــي." تابعت بعينين وقد اتخذت من تمثيل الصدق وشاحاً، وحقاً لقد برع تمثيلها وهي تتحدث بحزن:
"حاولت أقولك كتير ياياسين، حاولت أتكلم معاك وأقولك إنه ميت من أول يوم عرفتك فيه وأنتَ مكنتش مديني فرصة. حاولت أعالجك كتير بس مجرد فكرة إن عمار يبعد عنك كانت مستحيلة. حاولت أشرحلك بس مانفعش، عارف ليه؟ بدأ وجهها شاحب للغاية وهي تتابع بقول أسبابها:
"علشان عمرك ما قولتلي أسباب، عمرك ما دخلتني في حياتك. عملت معاك كل حاجة، نومتك مغناطيسياً، اديتك أدوية، حاولت أعالجك حتى من غير ما تحس، بس لما كان بيبعد عنك كنت بتبقى عامل زي المجنون. فاكر، فاكر لما كسرت الكوخ على اللي فيه لمجرد إني واجهتك وقولتلك بتكلم مين؟ أنا مش شايفه حد." نعم ماتسرده له قد حدث بالفعل، حاولت علاجه ببادئ الأمر ولكنها فشلت بمحاولتها في المرة الأولى. وعندما نجحت حاول تركها والعودة إلى دياره.
فبدأت بوضع حبوب المخدر بداخل مشروبه حتى يزيد تعلقه بهِ. بعدما أدركت بأنه سيتركها إذا علم بحقيقة موت عمار. تركها ورأته يتجه ناحية اللوح الرخامي من جديد. فلاحقته بخطوات لم تكن متزنة أبداً. فابتلعت ريقها بتوتر زاد بقوله لها: "لما، لما دخلت عندك الكوخ أول مرة شوفتك يامشيرة وأنقذتك. أنت حلفتيني بحياة عمار قولتي 'وحياة عمار ماتسبنيش'. إزاي، إزاي عرفتي إن بكلم واحد اسمه عمار مع إنك كنتِ لسه أول مرة تشوفيني؟
التقطت أنفاسها بصعوبة وبدأت بسرد ما حدث تلك الليلة بقول: "أنا دكتورة نفسية، شوفتك وأنت بتكلم نفسك ونطقت اسم عمار. وقتها بصيت حواليا مالقيتش حد قدامي، بس بالرغم من كده بتكلم الفراغ. عرفت حالتك من لحظة ما شوفتك وأنا أهل جوزي هيقتلوني لو كنت مشيت وسيبتني وقتها. قولتلك وحلفتك بحياة عمار عشان أنقذ حياتي من الموت." جحظت عيناه مما يسمعه وانكمشت تقاسيمه. فأكملت حديثها مسرعة:
"بس، بس وحياة ربنا حاولت أعالجك. حاولت ومعرفتش أو ماقدرتش. بقيت أحطلك الدوا في الشيري كولا. ولما صورة عمار بقت تبعد عنك ومابقاش ييجي في خيالك اتجننت وكنت عايز تسيبني وترجع بلدك. أو بالأصح ترجع لها." "روحتِ بطلتي تعالجيني لما فكرتي إني هسيبك." ثبتت نظراتها أمام سؤاله واستدارت لهُ تجاوبه بالحقائق: "أيوه بطلت أعالجك، بطلت أحطلك الدوا اللي يخليك ماتشوفش عمار تاني. بس ما سألتش نفسك مرة واحدة ليه أنا عملت كده؟
رد عليها رد قوي أسكتها: "علشان أنتِ أنانية مابتفكريش غير في نفسك وبس." "مابرق بريق في مقلتيه وهي تصحح: "لاء علشان بحبك." أخبرته بما أدهشه، أو أصدمه بالمعنى الحرفي. طالعها بذهول وقد اعتلت الدهشة تقاسيمه وهو يقول: "بتحبيني!! انفجرت وقد أتى انفجارها على هيئة بكاء وصراخها بهِ: "اعمل نفسك مش فاهم ولا عارف، مع إنك ذكي كفاية وعارف أنا ليه جنبك السنين اللي فاتت دي كلها وبعت الكل واشتريتك." بان على تقاسيمه الذهول بعدما
التحمت الأعين وهي تسترسل: "بعد وفاة جوزي اتقدملي كتير عشان بس في يوم أبص لهم. ما فكرتش، ما كنتش بوافق ليه؟ رد بثبات يحاول استدعائه: "عشان مش عايزة تتجوزي، عايزة تفضلي حرة زي ما كنتِ بتقوليلي." بان وجعها وهي تصرخ: "مافيش ست مش عايزة تعيش في ضل راجل يحميها ياياسين، بس، بس ضل راجل بتحبه وبتحس بالأمان معاه. لما كنا هناك في ألمانيا كنت بتخاف عليا وبتحميني، كان اهتمامك بيا أضعاف ما بتهتم بيا هنا."
"ده مكانش حب يامشيرة أنا وأنتِ صحاب، بس مابحبكيش. أنا كنت فاكر إننا صحاب." "إحنا مش صحــــــاب." قالتها على هيئة صرخة تدوي بالمكان وتحدثت دموعها بدلاً عنها. تقترب منهُ قائلة:
"عمرنا ما كنا صحاب. أنا كل ده مستنية إنك تيجي تكلمني وتعترفلي بحبك ليا. لما أقف جنبك وأساعدك قولت أكيد هيحس بيا وهيحس باللي عملته عشانه. قولت البنت اللي في مصر دي أكيد كان وقت وعدى مش أكتر لأنك كنت بتتجنب تجيب سيرتها. ولما جيت اتجوزتها قولت أكيد عشان يحميها، ما البنت دي اللي عمار كان بيحبها. واللي أكدلي إني متأكدة إنك مادخلتش عليها ولا قربت ناحيتها في يوم. كل ده وأنا متحملة، متحملة عشان أسمع منك كلمة بحبك. يامشيرة عشر سنين وأنا مستنياها منك ومستعدة أستنى عشرة زيهم لو هتقولهالي في يوم."
ورد هو بما أوجعها: "الراجل لما بيحب مش هيستنى عشر ثواني عشان يعترف للي بيحبها، مش عشر سنين يامشيرة. كان لازم تعرفي ده لوحدك. أنا لو كنت حسيت من ناحيتك بأي حاجة كنت اعترفتلك من زمان وما كنتش هسيبك لوجعك ده كله. بس أنا طول عمري كنت صريح معاكي، طول عمري بقولك إنك زيي زيك زي بربروس وعلي، جدعة ووفية وبتقفي في ضهري. ما كذبتش عليكي ولا اديتك أمل في يوم." اقتربت منهُ بألم، فاستدار ينظر بجانبه حتى لا تلتقي عيناه بعينيها.
تحدثت دموعها قبل أي شيء. أدارت وجهه بكفها ببطء لينظر لها تسأله وهي أنفاسها تتعالى تطالع عينيه السوداء كسواد الليل بقول: "يعني ما فيش أمل إنك تحبني في يوم؟ زاد قربها منه تنتظر الجواب. تمسح بظهر يدها على وجنتيه بحب تصرح بما تعلمهُ منذ سنين مضت تقول بنبرة حانية مبطنة بالحب:
"أنا عارفة إنك مخبي عني كتير، عشر سنين وأنت زي ما أنت مابتكبرش. من أول ما شوفتك وأنت مابتتغيرش. قوتك وأنت بتشيل الشنط، طريقة أكلك لما بتبقى جعان وبتحاول تداري جوعك مهما أكلت بتفضل برضه جعان. عينيك اللي اتغير لونها وقت عصبيتك. حاجات كتير أوي بشوفها فيك ومابحاولش حتى أسأل عنها ولا أفهمها. عارف ليه؟ عشان اللي بيحب مابيشوفش غير الحلو في اللي بيحبه وبس." اقتربت منهُ أكثر، قبضت على كفيه تضع يدهُ على خصرها.
تعالت أنفاسه من كثرة قربها واعطته أذن بالقرب منها. اقتربت من شفتيه وكانت على وشك تقبيله ولكنه عاد خطوة للوراء يبتعد عنها باشمئزاز. ورد بما أشعل الغيظ في فؤادها: "لو جو الرخص ده شيفاه هينفع معايا تبقي حماره وستين حمارة كمان يامشيرة عشان أنا غير أي حد عرفتيه قبل كده. أنتِ عارفه إحنا فين؟ إحنا وسط ميتين." وأكمل برده الساخر: "طب احترمي حتى وجودهم لا يطلعوا لك." "كونك نجح بكلماته لأبعادها عنه يسترسل بقول:"
"أنتِ هنا جنب عمار اللي فضلتِ سنين توهميني إنه عايش بس عشان أفضل جنبك ومارجعش. فاكرة بطريقتك دي هبقى ملكك ومعاكي أنتِ؟ اه نجحتي في ده لكام سنة براڤو، بس خسرتيني للأبد يامشيرة بسببك أنا عشت بعيد عن عيلتي سنين." "بعيد عن عيلتك ولا عنها؟ عن اللي صاحبك كان بيحبه؟ تقصد بقول صاحبك "عمار" فهي حتى الآن لا تعلم صلة القرابة بينهم. وزاد وجعه بقولها:
"اللي كانت بتحب صاحبك وعشرة عمرك ودلوقتي بتحب فيك. يلا ما الثاني مات والحي أبقى من الميت. هتفضل السنيورة تزعل عليه لحد إمتى؟ وما صدقت إنك عرضت عليها الجواز وفي لحظة وافقت. على كده بقى المرحوم اللي إحنا واقفين قدام تربته وضعه إيه معاه؟ بان الغل في نبرتها تتابع بحده تشير على فؤادها بإصبعها: "بتقول عليا أنا رخيصة، أومال هي تبقى إيه؟
الرخيص في الحوار ده هي مش أنا. على الأقل أنا مابصيتش لصاحب عمر حبيبي وعملت نفسي إني عايزة أموت نفسي من فوق الجبل ياحرام وأتصل بيك على آخر لحظة عشان تلحقني وتتجوزني. دي مكيدة وأنت وقعت فيها وشمس الحرباية عرفت تجيبك إزاي." كور كفه في محاولة بائسة منه للتماسك حتى لا يتهور أكثر من ذلك ويقوم بإيذائها. يستدعي كل ذرة ثبات لديهِ بقول: "الرخص اتخلق للي بيرمي لحمه للغريب وبيشحت الحب اللي رافضه يامشيرة، ماتخلقش لشمس."
كلماته موحية تضربها في مقتل. ترى الإصرار في عينيه وهو يتدارك الموقف يدافع عنها بكل ما امتلك من قوة بقول:
"الرخص عمره ما عرف طريق شمس، شمس اللي لما ببص لها بستغرب إزاي كل المعزة دي ممكن تكون جوه قلبي ليها. أنتِ ممكن تكوني عارفة إني بعزها بس متعرفيش أنا بعزها قد إيه. أنا الدنيا كلها أخدت مني كل حاجة بس رزقتني بيها. مكنتش أعرف إني بعزها أوي كده غير لما لاقيت نفسي بعيط في نص الليل عشانها. عشان خايف أخسرها زي ما خسرت اللي قبلها. النظرة في عيونها بتساوي عندي الدنيا وما فيها عشان عيونها دول حبايبي يامشيرة."
وقبل أن تقاطعه أكمل هو وقبض على مرفقها بقوة وقد احتلت نبرته بقول: "مش عايز أشوف وشك تاني. أحمدي ربنا إنك قابلتيني في سنين عرفت الرحمة طريق لقلبي فيها. يا أما كان زمانك مدفونة حية في قبر من دول. من بكرة تلمي هدومك وتمشي. ولو شفتك في طريقي مرة تانية هنزع الرحمة من قلبي بشوفتك يامشيرة." كلماته تجلدها تسمعهُ بألم وهو يدافع بقوة عن أمرأة غيرها. لا تعلم كم أحبها ولن تعلم كيف يحبها.
نعم يقول على الحب فقط معزة إذاً وكيف يكون إذا اعترف بحبها. وكأنه مقسوم نصفين، نصف يريد الاعتراف بحبها والأخر يمنعه عن فعلها. *** هناك اعترافات تصيبنا بالعجز. كذلك كانت حالته تماماً حين تواصل "يزن" مع الطبيب المعالج عبر تطبيق الواتساب لإجراء بعض الفحوصات. فاستعلم "يزن" منه عن حالتها الصحية المتدهورة بقول:
"للأسف حالة سارة في تدهور تام يا أستاذ يزن من بعد ما بقت توقف العلاج ومابقتش تاخد جرعة الكيماوي وكل شيء رجع زي الأول وأكثر." تيبس للحظات يعيد قراءة ما بعثه لهُ الطبيب. لم يستطع منع سؤاله يبعث لهُ برسالة نصية أخرى: "إزاي ما بتاخدش جرعتها؟ أنا اللي بوديها بنفسي وأرجع أخدها من قدام المستشفى، أنا اللي بديها العلاج بإيدي كل يوم." بعد ثواني رد عليه الطبيب قائلاً: "دي حاجة تقدر تسألها هي، بس أنا متأكد من معلوماتي."
أغلق هاتفه وظل صدى كلماته يتردد في أذنه. خرج من غرفته يبحث عنها بأرجاء المنزل حتى وجدها أخيراً بغرفتها تقف أمام المرآة تمشط خصلاتها بحزن تطالع أسنان المشط وما بينهُ من خصلاتها المتناثرة عليهِ بشكل عشوائي. وما أن سمعت صوته يناديها بالخارج حتى أخفت المشط سريعاً تلقي بخصلاتها بصندوق القمامة. ردت عليهِ بصوت عالٍ نسبياً وهي تقول: "أنا هنا يايزن." أجبر نفسه على الابتسام أتى ومعه كوب من الماء، والدواء الخاص
بها يحثها على أخذه بقول: "العلاج ياسارة جيبتهولك في معاده." مدت كف يدها تشير برأسها بالموافقة بقول: "تمام هاخده." وضعت كبسولة الدواء بداخل فمها وتجرعت كوب الماء من بعده. ابتسم لها يعطيها ظهره قائلاً: "أنا هطلع أشوف دكتور علي فين." وما أن خرج حتى أخرجت الدواء من فمها تضعه بصندوق القمامة. تابع هو ما تفعله عند وقوفه مقابل الباب وصدم عند معرفته بذلك.
طالعته بذهول عند رؤيته وقد رآها تلقي بدوائها بداخل الصندوق فنطق هو من بين شفتيه سؤاله بدهشة من فعلتها: "طب ليه؟ *** وجودها معه بنفس المكان بل وجواره على نفس الأريكة أربكه. جعله يخرج الكلمات بشكل متقطع من فمه وقد ابتلع ريقه بتردد. وقبل أن تنطق سريعاً برر لها: "أنا حاولت، حاولت أبعد عن ياسين وشمس زي ما أمرتي زمان بس وعزة جلال الله ياحكيمة شمس رجليها اللي جابتها ليا لوحدها ما كان ليا يد في مجيتها هنا."
اعتدلت بجلستها تطالعه بنظرات محتده وقد اتكأت بكفيها على عكازها تسأله: "طب وياسين هو كمان جه هنا لوحده ولا أنت اللي جريته ليك؟ فرد عليها بصدق بما بث الذعر بداخل قلبها: "لاء، ياسين أنا اللي حاولت معاه عشان أنفذ وصية المهدي وكنت بحاول أعرف منه أخبار عن شمس. وبالرغم من إنه كان فاقد ذاكرته والضبع كان مسيطر على عقله بس كلام المهدي طلع صح. وجود شمس جنبه حرك جواه الجانب الطيب ومنع الضبع إنه يخلص عليا."
"ومرتك قدرت تخلصها من الضبع هي كمان ولا دفعت تمن إن ياسين يبقى جنبك؟ قصمت جملتها الأخيرة ظهره، نظر للأرضيه نادماً على فعله. وكان جوابه كلمة واحدة وهي: "دفعته." بغض نفسه وبشدة على فعلته منذ سنين مضت وفكرته هي بما يحاول نسيانه بقول:
"أنت بعت المهدي زمان للضبع وهو اللي كان فاكرك صحبه. ياما قولتله ده بشر مشاعره بتحركه بلاش تأمن له على سرك يامهدي، بلاش تعرفه كل شيء. بس هو كان بيدافع عنك ويقولي 'ده صاحبي اللي مهما حصل لا يمكن يبيعني، عنده يموت روحه وما يبيعنيش'." بتر نصف العبارة، بتر حديثها مدافعاً عن نفسه بدليل نطقته هي بلسانها قائلاً: "أديكي قولتيها أهوه، شايفة قولتي إيه ياحكيمة؟
الموت عندي أحسن من إني أبيعه ياحكيمة. بس هما مكانوش هيموتوني أنا، كانوا هيقتلوا نجاح مرتي لو مكنتش قولتلهم إن زهرة حامل. لو مكنتش عرفتهم مكانها كانوا قتلوها وقتها. نجاح كانت بتحبك دي كانت أقرب لك من نفسك. ماقدرتش أشوفهم وهما حاطين السلاح على ضهرها." نطقت وقد وصل ضيقها إلى الذروة: "وبعد ماقولتلهم ما برضه ضربوا عليها نار وفضلت مشلولة طول حياتها. يعني عاشت عيشة الميتين يانصير." انتفض واقفاً من مكانه يسرد لها الحقائق:
"اللي حصل خلاص حصل. ضعفت وقولت خوف على اللي مني مش عليا. سبت بيتي وحياتي وفضلت عايش في الكوخ ده سنين ياحكيمة عشان ماتعرفليش طريق. قلبك أسود مابيسامحش مع إنك لو فكرتي فيها ولو شوية، هتعرفي إن كل ده قدر ومكتوب وكل اللي حصل كان لازم يحصل. قولت على مكان المهدي أو ماقولتش كان هيحصل. المهدي كان عارف ده كويس عشان كده وصاني إني أقرب من ياسين. وعرفت إزاي أبقى الركن الهادي اللي بيقوله كل مشاكله حتى والضبع كان مأثر عليه. كنت بعرف أخبار شمس منه وحننه عليها كتير. أنتِ بنفسك ما عرفتيش تعملي ده. أنا بس ياحكيمة اللي قدرت أعمله."
كان هذا جوابه ومبرره لها ولكن كانت هي الأسرع تقف أمامه ناطقة بقول: "ومين قالك إني مش عارفة مكانك من سنين وعارفة كل اللي بتعمله عشان تقرب شمس من ياسين. من وقت ما اديت دفتر ياسين لشمس وأنا عرفت نيتك. حبيت تقربهم من بعض وتعرفها حياته قبل ما تتولد كانت عاملة إزاي حتى وهو مش موجود. ده غير اللي أنتَ كتبته بخط يدك عن ياسين وياسين ما كتبهوش. عرفتها كل شيء عنه من غير مجهود. حركتك عجبتني وعرفت إنك لسه ذكي زي زمان يانصير."
وفي خضم هذه المواجهة الشرسه خرجت "شمس" من الكوخ تستند بكفيها على جدرانه. الرؤية أمامها مشوشة بالكاد تستطيع سماعهم. نطقت كلماتها من بين شفاهه بصعوبة تحاول إخراج الكلمات بقول: "انتوا بتقولوا إيه؟ انتبهت وتوقفا حين قالت جملتها. طالعها الاثنان في آنٍ واحد وقد اعتلت الدهشة وجوههم. نطقت الخالة من بين شفتيه بعدم تصديق: "شمس." التقطت أنفاسها بصعوبة تلتقطها بين ذراعيها. وقد اعتلت الدهشة ملامحها عند رؤيتها هكذا.
استفسرت بعينيها قبل لسانها عما حدث. فنطق "نصير" بما طمئنها ولو قليلاً: "ماتقلقيش ياسين شال الرصاصة وهتشفى بسرعة، دي بيجري في جسمها دم المهدي." أسندتها تعيدها إلى فراشها مرة أخرى تغوص بنومها من جديد. جلست جوارها تمسح بأصابعها على شعرها بحنان تسأله عما حدث بذعر واضح بمقلتيها. أجابها ومعلوماته تكاد شبه معدومة قائلاً:
"ماعرفش حاجة ياحكيمة، كل اللي اعرفه إن ياسين جابها امبارح بالليل مضروبة بالنار، جابها وعالجها. وقبل ما أتلفّت مكانش موجود. بس اللي متأكد منه إنه هيرجع لها من جديد." تبادلوا النظرات. هل قال مضروبة بالنار؟ من تجرأ على فعلها وخصوصاً داخل قريتهم؟ لم تكن سوى نظرات مصدومة لا يصاحبها إلا الاندهاش. صمتت لثواني تغلى الدماء بعروقها تفكر لثواني ووجدت شفاهه تنطق ما يدور بداخل عقلها: "أكيد فريد الكلب اللي عملها. مافيش غيره." ***
الوضع متأزم للغاية هي على وشك الموت. ما زال يقف أمام غرفتها بثبات يحاول تدارك الموقف الذي أقدمت على فعله. بعد إلقائها بالدواء في صندوق النفايات رأى الذعر في مقلتيها عند رؤيته. وقد كرر سؤاله وهو يسير ناحيتها بقول: "بتعملي كده ليه انطقي ياساره." قبض بكفيه على ذراعها بإحكام وهو يكمل بوجه مكفهر:
"مغفلاني وأنا فاكر إنك بتاخدي علاجك وبتحضري جلساتك. بتاخديني على قد عقلي وبتوافقي وأنا بقولك نروح نعمل التحاليل. أنتِ عايزة إيه، عايزة تحرميني منك ليه؟ تجمعت الدموع في مقلتيها وهي ترجوه: "كفاية يايزن، أنت مش فاهم حاجة." حررت ذراعيها من كفه تراجعت للخلف تجلس على طرف الفراش تحت نظراته المستفسرة. تكمل وعبراتها الساخنة تتسارع على وجنتيها:
"مش فاهم يعني إيه شعرك يقع والألم مابيخفش. مش فاهم يعني إيه لما شعور بنت تتحول من بنت لراجل زيي زيك." قبضت بكف يدها على أطراف شعرها فأصبحت كمية كبيرة من خصلاتها بباطن كفها. تسرد له عن مخاوفها بقول: "بص، شوف شعري بيقع بقيت أخاف أسرحه وأبقى قرعة." تجهت ناحية الخزانة بخطوات واسعة تخرج قطعة قطنية تمسح ملامحها بعنف: "حواجبي دي أنا اللي برسمها كل يوم قبل ما أصحى عشان خلاص شعر حواجبي وقع."
التقطت رموشها الصناعية على أعلى جفنها تلقيها بوجهه صارخة بقهر على حالها: "شايف حتى رموشي مابقيتش موجودة، ده غير الوجع طول الليل ببقى بكتم نفسي كل يوم وأعض في المخدة عشان ماتسمعيش صوتي وأنا بتألم. وتيجي في يوم تزهقي مني وتسيبني." جلست على المقعد المقابل تواجه "يزن" بنظراتها وهي تؤكد: "أنا كده كده ميتة يايزن وخصوصاً إني وصلت للمرحلة الرابعة. يبقى ليه أعيش الأيام اللي فضلالي وسط الحقن والمستشفيات والعلاج؟
ليه أسيبلك ذكرى وحشة كل ما تفتكرني؟ لما ممكن أسيبلك ذكريات جميلة نعيشها سوا." أبت القشعريرة في جسده ودافع مسرعاً عن حقه الذي تسلبه منه عنوة. اتجه ناحيتها يجلس القرفصاء يحاوط كفيها برفق وقد طالعها بقول: "أنتِ حقي، ليه عايزة تاخدي مني حقي ياساره. لما تكملي علاج هيبقى في أمل إنك تخفي في يوم، لكن لما توقفي." بترت جملته تجذب كفها من يده بعدما وقفت تبتعد عنه:
"والله ما هيحصل يايزن افهم بقى أنا كده كده ميتة. ما فيش حد وصل للمرحلة الرابعة وكمل وعاش. أنا ما وقفتش علاج غير لما عملت تحاليل وعرفت إن حالتي بتسوء. مابتتحسنش. لو كنت اكتشفت المرض بدري كان هيبقى في أمل. لكن خلاص، خلاص يايزن كل حاجة بتروح." احتضنها وبشدة تمسك بها لا يتركها. وقد نطق بكلمة واحدة: "ماتسبنيش." تمسكت بهِ وقد ابتل قميصه بدموعها، حاوطته بذراعيها وكأنها تخشى ضياعه منها. وقد نطقت بقول:
"أنا مش عايزة أسيبك، بس غصب عني لازم أسيبك." توقفت الأرض الآن بكلماتها. هذه اللحظة وهذه الكلمة يشعر وكأن جسده ستفارقه الحياة إذا فارقته هي. *** كان الصمت ثالثهما أثناء عودة "غدير وبدر" إلى المنزل بعدما رفضت ركوب الدراجة من خلفه. رفع طاقية چاكيتُه على رأسه قائلاً بمزاح: "هتفضلي ساكتة كده كتير؟ توقفت عن السير تطالعه وقد اختلطت الحِدة بنبرتها: "هقول إيه؟ لاحظ الحِدة بصوتها هذه المرة كمش حاجبيه مستفسراً:
"مالك ياغدير من ساعة ما طلعنا من المحل وأنتِ متغيرة، كل ده عشان قولتيلي، وطالما خايفة أوي كده قولتيلي ليه؟ "معرفش." أجابتهُ ودموعها تحرق وجنتيها من كثرة الندم. فجاهدت تخبره بصوت مبحوح: "كنت عايزة أحكي لحد ومش عارفة. حاكيتلك ليه؟
لو أي حد عرف الكلام ده بره العيلة هتبقى مصيبة. عيلتي اللي عشت سنين بحلم بيها هتدمر. ياسين مش وحش يابدر، ياسين ده أحلى حاجة في كل الحاجات. أنتَ ماتعرفش هو ضحى بإيه وبيعمل إيه عشانانا. أنا بس حسيت إني وحيدة معنديش حد أحكيله. أنا راهنت نفسي إنك هتطلع كويس وحاكيتلك وخايفة أخسر الرهان يابدر." لانت تقاسيمه يمسح دموعها من على وجنتيها برفق يخبرها ما يطمئنها بقول:
"مش عارف وعدي ليكي هيبقى كافي ولا لأ، بس أوعدك ياغدير إنك هتكسبي الرهان." بان الصدق من خلال نبرته، حديثه طمأنها ولو قليلاً. وبدأ يسرد لها ما بداخله أيضاً: "تعرفي إني عمري ما جربت شعور العيلة أبداً." أكملت سيرها وقد أكمل هو يسير بجوارها: "أنا أصلاً ماليش حد في الدنيا غير خالتي اللي ربتني بعد أمي وأبويا ماطلقوا وكل واحد اتجوز ومابقاش عايز يربيني. خدتني هي وربتني عشان مابتخلفش." اتسعت عينيها قائلة: "خالتك!!
"بص هي مش خالتي أوي يعني بس أنا بقولها خالتي. ماليش غيرها. هي أصلاً كانت جارة أمي. وكان كل ما جوز أمي يديني علقة على أتفه الأسباب، تجري تخبيني عندها وطبعاً تسيبني عندها باليومين تلاته. ولا تسأل لحد ما مرة لاقيتهم سافروا من غير حتى ما أعرف وقطعت كل صلتها بيا. ومن يومها وأنا عايش مع خالتي وهي اللي ربتني لحد ما تعبت ومابقتش قادرة تخدم نفسها بس أنا اللي بخدمها دلوقتي وعمري ما هنسى جميلها في يوم. ربتني وعلمتني وعاملتني على إني ابنها وأكتر."
تنهدت بألم وهي تقول: "الأم اللي تربي مش اللي تخلف وترمي يابدر." خرجت منه تنهيدة حارة يشير برأسه موافقاً ينظر أمامه. فسألته مستفسرة: "سكت ليها." اصطنع نبرة شبه باكية: "خايف، خايف تطلعي أسرار العيلة بره وتقولي لحد. هتبقى مصيبة. أنتِ ماتعرفيش خالتي دي طيبة إزاي. خالتي دي أحلى حاجة في كل الحاجات." تعلم أنه يقلد نبرتها ساخراً. ابتسمت بضحكة واسعة تضربه على كتفه بخفة: "والله، بقى أنا بعمل كده."
أشار برأسه بالموافقة وقد بانت الضحكات بكلماته قائلاً: "بصراحة أه، أوڤر أوي." ضحك الاثنان معاً ودون أن يشعروا وجدوا أنفسهم على أعتاب المنزل. أشارت بأصبعها على المنزل بقول: "الظاهر كده إننا وصلنا." نظر "بدر" حوله متأملاً المكان: "إيه ده، هو إحنا وصلنا بسرعة ولا البيت اللي قرب؟ وقبل أن ترد فقد ظهر "حسان" من العدم يقف أمامهم يرد بنبرة حادة: "كنتِ فين ياغدير؟ حمحم "بدر" في محاولة منه لإعطاء بعض الهدوء:
"هي بس كانت عجلتها بايظة فـ." بتر حديثه بغلظة: "أنا مسألتكش أنتَ، أنا سألتها هي." تهكمت تقاسيمه تجاوبه: "في إيه ياحسان بتتكلم كده ليه؟ محسسني إني عاملة عملة ليه؟ أعاد كلماتها ساخراً: "محسسك!! يعني لما تفضلي بره طول الليل واستغليتي إن البيت والعيلة والدنيا شايطة ومحدش هيسأل عنك وتقعدي بره طول الليل ده يبقى اسمه ياهانم يامحترمة وراجعة مع واحد غريب مانعرفهوش."
علا صوته فأصبح الجميع يطالعه مزامنةً مع عودة بربروس ومارال فقد سمعوا الصوت من بعيد. أتى "بربروس" مهرولاً: "ماذا حدث؟ صمت الجميع عن الكلام دون "حسان" الذي نطق بنبرة حادة قائلاً: "تعالى يابربروس تعالى شوف الهانم كانت فين." صاحت "غدير" تنقذ نفسها قائلة: "أنا ما عملتش حاجة غلط." "لاء عملتي." أصر "حسان" وبشدة على حديثه وتابع بقول:
"لما ماتبقاش طول الليل جوه البيت وترجع مع واحد غريب الصبح تبقى عملتي. اللي بتعمل كده في القرية بنسميها ********."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!