الفصل 44 | من 107 فصل

رواية الهجينة الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
21
كلمة
5,598
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

صباحٌ يرتدي لون النقاء، فالصباح لديهِ رونقه المتميز مع هدوئه والجميع نيام. ونسماته الدافئة التي تبعث الطمأنينة داخل قلوبنا الحائرة، وأصوات غرير الطيور تحوم حولك بكل مكان. تستطيع سماع صوت تطاير أوراق الشجر من حولك ورؤية أشعة الشمس الذهبية أمامك. تكورت "شمس" داخل غية الحمام وهي تقبض بكف يديها طبقًا به من طعام طيور الحمام ما يكفي لهم، وهي تحادث طائرًا مضربًا عن الطعام منهم.

"أنت النهارده هتاكل غصب عنك ياليون، ده تالت يوم ما تاكلش فيه. أنا عارفة أن ليو مارجعتش بقالها كام يوم بس صدقني هترجع." أمسكت شمس بالطائر ليون وأخرجت رأسها من العشة تحتضنه بذراعيها، تصب كامل نظرها عليه وتسترسل حديثها: "فاكر لما اتخانقت أنتَ وهي قبل كده وسيبتلها الغية؟ فاكر.. هي برضوا كانت زيك كده وكانت عاملة نفس الإضراب بتاعك ده. ماتقلقش هي بتحبك وأكيد هترجعلك." ابتسم ذلك الواقف خلفها ساخرًا مما تقول:

"هنعمل عقلنا بعقل طيور." انتفضت "شمس" عند سماع صوته، فتركت الحمامة من بين يديها بفزع، فلم تنتبه لوجوده فوق السطوح. استدارت ببطء تنظر خلفها. وجدته يقف على السور بثبات، يعطيها ظهره واضعًا يديه الاثنتين بداخل جيوبه الخلفية، مغمض العينين. نسمات الهواء تداعب خصلات شعره ويستقبلها هو بصدر رحب. ابتلعت ريقها وهي تقترب منه بحذر، فأسندت ذراعيها على السور وطالعته وهي تقول: "أنتَ هنا من أمتى؟ وواقف كده ليه؟

مش خايف حد من أهل القرية يشوفك ويعرف حقيقتك؟ قبض حاجبيه بعدما تصنع البسمة وهو ما زال مغمض العينين ينظر أمامه، فأجاب أسئلتها بسؤال آخر: "حقيقتي!! وايه هي حقيقتي؟ تنهدت بعمق بعدما استدارت تطالعه بغير تصديق، وتنهدت بغضب. لم تستغرق "شمس" ثوانٍ لترد قائلة: "أنك مستذئب ومافيش حد يقدر يقف الواقفة دي إلا لو كان واثق أنه مش هيجراله حاجة."

أخرج "ياسين" يديه من جيوبه الخلفية بعدما فتح عينيه. ابتسم ابتسامة صفراء يطالعها بمكر. مد ذراعه لها مما جعلها تتساءل: "ده أيه؟ "هاتي أيدك." كان هذا طلبه، فقابلت طلبه بالرفض. "لاء." فكرر طلبه مجددًا: "هاتي أيدك ياشمس. أنتِ عارفه أني ممكن أمسك إيدك من غير ما أطلب، بس أنا بطلب بأدب مع إني قليل الأدب."

طالعته "شمس" بارتباك، فالجدية تتضح على ملامح وجهه. فهزت له رأسها بالإيجاب، وهي تمد ذراعها. فقبض بكف يده على كفها، فرفعها معه فأصبحت تقف أمامه تسند ظهرها على صدره، يحيط بذراعه على خصرها. اقتربت شفتاه من أذنها فتحدث بهمس: "معنديش مانع إن حد يعرف حقيقتي لو ده مش هيضركم ياشمس."

كاد قلبها يخفق من سرعته، فقربها منه يزيد ارتباكها. تستطيع سماع أنفاسه بأذنها، ناهيك عن الارتفاع. فالمنظر من هناك، رغم شدة جماله، إلا أن ارتفاعه يدب الرعب بقلبها. فاسترسل هو حديثه قائلاً بابتسامة بسيطة زادت من وسامته: "وعلى فكرة اللي كنتِ ماسكاه ده مش دكر، ده نتاية. غية الحمام دي أنا اللي بانِيها، وأعرف أفرق بين الدكر والنتاية بمجرد ما ألمحه." مطت "شمس" شفتيها دلالة على عدم المعرفة وتابعت:

"بس أنا مكنتش أعرف، أنا كنت فاكرة... قاطعها بقوله: "وأنتِ من إمتى بتعرفي حاجة في الدنيا ياشمس؟ أثار هو غيظها بكلمته، فاستجمعت شجاعتها وحاولت أن تستدير لتنظر له. حركت قدمها على السور. فضم هو حاجبه باستغراب، فقبضت بيدها على كف يده تحاول الاستدارة ببطء، تتشبث به بكل قوتها، تنظر لخطواتها، فأمسك بها من كفيها يساعدها على الاستدارة له. فطالعته بعينيه بجدية قائلة:

"أنا بقيت أعرف كل حاجة ياياسين. بعرف كل شيء. مابقيتش البنت الجاهلة بتاعت زمان. مابقيتش البنت اللي كانت تستنى نزولك ليها عشان تشوف النور. مابقيتش البنت اللي كانت تحطها في القبو وتستنى نزولك عليها بفارغ الصبر عشان تحن عليها وتجيب لها الحاجة الحلوة كل أسبوع. ومابقيتش البنت اللي كانت بتشوف الدنيا من خلال عينيك." طالعته بتحدٍ قائلة وهي تنظر لعينيه البنيتين ترى انعكاس صورتها فيهما:

"اصحى فتح عينك ياياسين. بصلي كويس. شايف قدامك شمس الصغيرة الضعيفة اللي سبتها من عشر سنين. مش معنى إني معرفتش الفرق ما بين حمامتين أبقى البنت اللي معرفش شيء في الدنيا. أنا بقيت أقوى بكتير من وقت ما سبتنا من عشر سنين، ومابقاش في حد هنا محتاجلك زي زمان."

لم تكن كلماتها سوى صفعات، صفعات متتالية على وجهه، فأدرك هو منذ هذه اللحظة أنها ليست الفتاة التي تركها منذ عشر سنوات. كانت نظرات التحدي التي تطالعه بها تنهكه، تحول دون أن يشعر لشخص آخر. لم يكن على سجيته، ففعل ما لم يكن بالحسبان. قبض بكف يده على ذراعها فانزلقت هي من على السور متشبثة بذراعه وأصبحت تحت رحمته. حنى ظهره قليلاً وهو ينظر لها وهي تحاول التشبث به حتى لا يتركها. فقالت بانهيار ومقلتيها لا تتوقف عن ذرف الدموع:

"أنتَ بتعمل ايه ياياسين؟ ماتسبنيش. أنتَ لو سبتني هقع وأموت." أردف "ياسين" بنظرات ثابتة في هذه اللحظة إلى نظرات مثل نظرات "عمار". نعم هي ملامح "ياسين"، ولكن ابتسامته.. ونظرته.. وحركته.. حتى نبرة صوته كلها علامات تدل على أنه "عمار". "طب ما أنا مت. مش معنى أنتِ وهو متوا توش."

هنا كانت الصدمة لها. هنا لم تستطع التقاط أنفاسها. هنا دب الرعب بكل أنشئ جسدها. فمن رآها يكاد يجزم أنها رأت شيئًا تشتاق له منذ زمن بعيد، ولكنه ليس بعمار حبيبها. قال هو جملته وهو يسحب كف يده من يدها ببطء. فتشبثت بذراعه أكثر تقول بشفاه مرتعشة: "ياسين. ارجع لوعيك. ياسين أنا شمس. شمس اللي ربيتها على إيدك. ياسين بص في عنيا. عيوني اللي دايماً كنت بتقول إنك بتحبهم. مش أنتَ دايماً كنت بتقولي عيوني حبايبي ياشمس؟

فاكر ياياسين. فاكر ولا نسيت؟ قالتها بانهيار ومقلتيها لا تتوقف عن ذرف الدموع، تحاول إثارة أي حب متبقي لها داخل فؤاده. انتبه ياسين إلى ما يفعله، فعاد إلى وعيه ليجد كف يدها متشبث بذراعه. لم يعرف ماذا يفعل وماذا حدث. تنفس الصعداء وهو ينطق حروف اسمها ببطء: "شمـــس." ابتسمت شمس بشفاه مرتعشة، فقد عادت نبرة صوته من جديد قائلة: "ارفعني. ارفعني ياياسين."

رفعها في الحال وهو يضمها إليه، فنزل من على السور وأمسك بها من ذراعها سائلاً إياها بلهفة: "أنتِ كويسة؟ لم تعد قدماها تتحملها بعد الآن، فكانت منذ لحظات مضت بين الحياة والموت. تكورت جالسة على الأرضية تضم جسدها بذراعيها. فاقترب منها هو يطمئن على حالها برعب شديد: "ردي عليا ياشمس. طمنيني عليكي. أنا... بترت كلمته قائلة بارتباك: "امشي. سيبني وامشي." قابل طلبها بالرفض بقوله التالي: "أمشي أروح فين وأنا الغريق هنا."

قال كلماته برجاء، فرفعت رأسها بهدوء تطالعه بتأمل. فقد كانت كلماته بمثابة مناجاة لها. نظرت له تتأمل ملامحه الراجية. هتفت قائلة: "ياسين أنتَ مش بخير." سرعان ما تحولت نظرات عينيه إلى الجمود، فابتسم باستنكار: "بالعكس أنا عمري ما كنت بخير زي دلوقتي ياشمس." كلماته كانت مختصرة، فوقف واستقام. تنظر له وهو يبعد عنها. رفع البيزونت على رأسه، فوقف وهو يعطيها ظهره قائلاً:

"أنا مش عارف عملت كده إزاي. أنا عمري ما فكرت في يوم أأذيكي." رحل وتركها خلفه، تركها تسترجع كل ما حدث منذ لحظة وصوله. فعادت إلى ذاكرتها عند رؤيته للمرة الأولى، عند لحظة وصوله والكلمة الأولى التي نطق بها هي "رباطك ياشمس". انخرطت بذكرياتها إلى ذكرى أخرى عندما دلفت إلى غرفته لتجده ينطق باسم عمار والدماء تحاوطه وهو يجرح نفسه بالسكين. حاولت تجميع الخيوط ببعضها، ولكن في النهاية لم تصل لشيء، فكان ما يحدث أكبر من إدراكها.

استيقظت مشيرة على صوت رسالة نصية على رسائل الواتساب، فقرأتها بعينيها: "جرى إيه يامشيرة؟ إزاي تسيبي شغلك وحياتك والمرضى بتوعك كده مرة واحدة وتنزلي على القاهرة من غير ما تقولي لحد؟ ده مش تصرفات ناس عاقلين أبداً." قبضت مشيرة عينيها بقوة تحاول أن تستيقظ لترد على تلك الرسالة، فكتبت رسالة ترد فيها قائلة: "كان لازم أسافر عشان ياسين لو قعد هنا أكتر من كده احتمال مايرجعش تاني." فرد عليها برسالة أخرى:

"ما كده كده ياسين راجع، هو مش قالك إن عمار مش راضي يسافر معاه وإنه مسافر لوحده؟ نظرت بجانبها لتلتقط كوب الماء بجوارها لتروي عطشها، ثم أكملت كتابة قائلة:

"أيوه قالي كده قبل ما يسافر، ممكن يكون كان بيكذب عليا عشان ما أسافرش معاه. ماقدرتش ماسافرش، ده ياسين ياكمال. ووجوده جنب شمس بيأذيه أكتر. خايفة عليه من شخصية عمار الوهمية اللي بتظهرله.. واحدة واحدة شخصية عمار بتتملك منه أكتر وبتخليه يأذي نفسه أكتر وأكتر. وجوده جنب شمس هيخلي شخصية عمار يأذيه بزيادة ومش هيأذيه هو وبس وهتأذي شمس معاه. البنوتة باين عليها كيوت وطيوبة، ماتستحقش اللي ياسين هيعمله فيها. وطبعاً هيبقى مش حاسس ولا واعي بنفسه، عشان كده جيت سيبت عيادتي وشغلي وجيت لما أتأخر أكتر من كده."

قرأ المدعو كمال رسالتها، فكان الدور عليه في الرد. فقرأت كلمة "يكتب الآن"، فقامت من على الفراش ترتدي ملابسها لحين ينتهي من الكتابة. فنظرت إلى خزانة الملابس تستذكر ما حدث بالأمس. رفعت مشيرة يدها تبتسم خلفها لعمار قائلة: "هاي عمـــار." تأفف "عمار" بضجر، فاستدار يصب كامل غضبه على "ياسين"، قائلاً بصياح: "إيه اللي جابها دي؟ مش قادرة تبعد عنك يومين."

طالعت "مشيرة" ملامح ياسين الغاضبة وهو ينظر للفراغ خلفها، فعلمت بانزعاج "عمار" من وجودها. فهي تقرأ ملامح ياسين فتستنتج ما يخبره به عمار. كانت ستقول "مشيرة" ردها، ولكن منعها "ياسين" الذي جذبها من يدها فسألها بجدية: "مشيرة بجد إيه اللي جابك؟ ابتسمت قبل أن تخبره: "مش جايز وحشتني." طالعها باستغراب، فصححت حديثها على الفور: "أقصد أنتَ وعمار وحشتوني. وبعدين ما أنتَ عارف أنا اتعودت على وجودكم معايا." زفر عمار يتنهد بغضب:

"الاسطوانة المشروخة." مسح "ياسين" على وجهه بضيق يطالعه قائلاً: "استنى أنتَ ياعمار." هز عمار رأسه بالإيجاب، فنطق "ياسين" مما جعلها تصمت: "وعشان وحشتك تيجي تقولي إنك مراتي؟ جاوبته بابتسامة عريضة: "أنا قولت كده عشان خاطر عمار. أنا عارفة إنه هيضايق لو شمس قربت منك، لكن لو عرف إنك متجوز أو في حد على الأقل في حياتك هيبعد عنك ومش هيفكر فيك." رفع "ياسين" حاجبه بغيظ وهو يسألها: "ومين قالك إنها بتفكر فيا؟ طالع "عمار"، عينيه

ولم يقل سوى بضع كلمات: "حتى لو مابتفكرش، ادينا بنعمل حسابنا." انتبهت "مشيرة" إلى ملامح "ياسين" الذي حدثها برفق: "أنا شايف يامشيرة إن مكانش لازم تيجي." فبتر "عمار" جملته: "بس أنا شايف إنها كان لازم تيجي ووجودها كان ضروري، وإنها قالت إنك متجوز ده يشفع لها أي شيء عملته قبل كده، ولا أنتَ كان في دماغك حاجة تانية؟ استغرب "ياسين" قوله فتابع: "حاجة زي إيه؟ أنت مش هتبطل بقى؟

وطالما مبسوط إن مشيرة جت عشان قالت إنها مراتي، أنا كمان مابقاش عندي مانع في وجودها، مع إني من غيرها أو بيها أنا كنت راجع." فرد عمار بتهكم: "... ابتسمت مشيرة، فكلماته انتزعت جزء من مخاوفها وعلمت أن ما دبرت له قد نجح ووافق عمار على وجودها بينهما. فاقمت صوت الرسالة مشيرة من ذكرياتها مما حدث أمس، فأمسكت بالهاتف تقرأ لها ما بعثه إليها كمال شقيقها:

"اسمعيني كويس يامشيرة. أنا عارف إنك بتحبي ياسين وإنه جدع وكويس ووقف معاكي كتير طول السنين اللي فاتت دي، ولولا وقفته جنبنا مكنتيش عرفتي تاخدي حقك ولا كنتي شغلتِ شركات جوزك الله يرحمه. بس ياسين مريض نفسي وقربك منه بيأذيكي أنتِ نفسك. دكتورة نفسية ولحد الآن مش عارفة تعالجيه، وبالعكس حالته بتسوء أكتر. أنا لولا عجزي وإني عاجز مابتحركش من على الكرسي كنت وقفت معاكي قدام أهل جوزك، بس ما باليد حيلة. أنا خايف عليكي يامشيرة."

اعترضت مسرعة ترد على رسالته: "أنا عمري ما هسيب ياسين ياكمال إلا لما يرجع معايا وهعرف إزاي أرجعه. أنا ماقدرش أعيش من غيره وأنت عارف كده كويس. أنا بحبه، والحب من سماته التضحية. أنا لو واثقة ولو واحد في المية إن لو قرب من شمس هيبقى كويس وعمار مش هيأذيه، كنت أول واحدة هشجعه إن يقرب منها ويبقى معاها في يوم." طرقت "زهرة" الباب قائلة: "مشيرة اصحي يلا الفطار جاهز." تركت مشيرة الهاتف من يدها وهي تقول: "حاضر أنا جاية يازهره."

تركت زهره الباب تستكمل ما كانت تفعله، وهو تحضير سفرة الإفطار للجميع. فوجدت "الطبيب" أمامها يحادثها بلطف كعادته: "إيه النشاط ده كله يازهرتي. إيه اللي مصحيكي بدري أوي كده؟ لاء وكمان محضرة الفطار." قال جملته بعدما أخذ قطعة من الخيار الموجودة على السفره وضعها بداخل فمه. فنطقت هي بابتسامة عريضة: "أنت ناسي إن النهارده الجمعة وعادي يعني. حاسة إني مبسوطة النهارده قولت أقوم وأحضرلكم أحلى فطار." فتابعت حديثها

وهي تسأل عن ياسين برضا: "أومال ياسين فين؟ روح نادي ياسين ياعلي عشان يفطر معانا. أنا صحيت مشيرة وداخلة أصحي الباقي." ضم الطبيب حاجبه باستغراب، فأمسكها من مرفقها بلطف يضمها إلى صدره بحنان: "إيه الرضا ده كله؟ أنتِ راضية عن ياسين كده ليه؟ مش ده اللي كان من يومين مكنتيش عايزاه يقعد؟ دلوقتي صاحية وبتحضريله الفطار؟ فجاوبته بابتسامة: "يــــاه ياعلي أنتَ لسه فاكر؟

وبعدين ياسين طلع خاطب وهيتجوز. وحبيت خطيبته أوي، ربنا يهنيهم ببعض." غمز الطبيب بطرف عينيه إليها قائلاً: "زي ما أنا متهني بيكي كده." لم تعلم ماذا تقول، فابتسمت بحرج وسألته قائلة: "بجد ياعلي مبسوط معايا؟ "أنا معنديش غيرك اتبسط معاه يازهره. أنا دلوقتي بس فهمت كنتي عايزة ياسين يمشي ليه؟ بس أحب أقولك اطمني ياسين راجع وشمس مش في دماغه خالص." فقالت بلهفة والابتسامة تغزو ملامحها: "بجد ياعلي؟

يعني ياسين مابقاش يفكر في شمس خالص؟ فجاوب بتأكيد وهو يهز رأسه بالإيجاب: "أيوه يازهره." فأمسكت بكف يده تجذبه خلفها: "طيب يلا بقى عشان أنا عملالك فطير مشلتت هتاكل صوابعك وراه."

تستطيع أن ترى المكان الذي اعتادت "عائلة الصاوي" الإفطار فيه. الخالة حكيمة تتوسط السفره وعلى جانبها الأيمن كلاً من مارال وسارة وشمس وزهرة وميرا وغدير. وعلى الجانب الآخر هم الرجال رعد والطبيب وبربروس ويزن. خرجت مشيرة لتجلس على المقعد الفارغ أمامها، فنهتها الخالة عن فعل ذلك بحزم: "لاء ماتقعديش هنا، ده مكان ياسين. سيبته فاضي السنين دي كلها محدش يقدر يقعد عليه غيره." شعرت مشيرة بالإحراج واحمرت وجنتيها خجلاً، فتأسفت قائلة:

"أنا اسفه مكنتش أعرف." جاء ياسين من خلفها بعدما نزع طاقية چاكيته الجلدي من على رأسه يحثها على الجلوس: "اقعدي يامشيرة. أنا مش هاكل." التقطت نظرات "ياسين" والخالة. لم تكن نظرات عادية، فأردفت الخالة: "بس أنا قولت مافيش حد هيقعد على الكرسي ده غيرك ياولدي، حتى لو مش هتاكل على الأقل تقعد وسطنا." ابتلعت مشيرة ريقها، فنظرت بجوارها لتجد مقعدًا فارغًا. "خلاص ياياسين مش مشكلة، أنا هقعد هنا."

جلست مشيرة بجانب الرجال على المقعد الفارغ. فكررت الخالة طلبها بنبرة ظهر فيها جيدًا أن الصبر لديها انتهى: "اقعد ياولدي خلينا كلنا نتلم على سفرة واحدة في بيت الصاوي الكبير من جديد." جلس ياسين وهو يتنهد سائلاً عن حسان: "اومال فين حسان؟ هو الوحيد اللي مش موجود." فأجابه الطبيب: "حسان في الأرض من الصبح بدري. شوفته وهو بياخد الكتب بتاعته وبيذاكر في وسط الأرض. مابيرتاحش غير وهو جواها." قال ياسين بضحكة منتصرة:

"المهم إنه يذاكر." بدأت الخالة بمد كف يدها تقطع الفطير وهي تقول: "كلوا ياولاد. سموا الله الأول قبل ما تاكلوا." كانت نظرات شمس لياسين نظرات تحتوي من الارتباك ما يكفي. تراقب تحركاته بحذر، وهو الآخر كان ينظر لها بنفس الحذر. كان بداخلها أسئلة كثيرة، ولكنها لاحظت نظرات والدتها لها، فنظرت أمامها على الفور. فأخذ رعد قطعة من الفطير بعدما وضع عليه العسل الأسود يطالع الخالة باهتمام:

"أنا قررت إني هسافر ياخاله وهرجع لداغر ألمانيا." ضمت الخالة حاجباها باستغراب: "ليه ياولدي؟ حصل إيه عشان تسيبنا وتسافر؟ فابتسمت "ميرا" بامتنان على خوف الخالة بأن يبتعدوا عنها، فردت بابتسامة بسيطة: "ماتقلقيش ياخاله. إحنا مش هانروح نقعد على طول، هي بس فترة الشتا اللي داخل علينا ده مش أكتر. رعد ناوي يبيع كل ممتلكاته هناك في ألمانيا عشان نرجع ونكبر المشروع هنا مع يزن." استكمل رعد حديث ميرا:

"أنا بقالي فترة مابروحش غير في الإجازة أزور داغر وهدير. أقعد أسبوع بالكتير وأرجع، والقصر قاعد محدش بيدخله. أنا أولى بفلوسه. وكمان قررنا على شيء أنا وميرا هنعمله." ابتسمت ميرا عند قوله هذا، فقالت بابتسامة واسعة: "أنا قررت أنا ورعد نتبنى طفل من هناك وهنربيه هنا." فسألت مشيرة بجدية وبعدم فهم: "ليه؟ هو أنتوا مابتخلفوش؟ تبادل الجميع النظرات. فحك ياسين جبينه قائلاً: "آه العيب مني أنا عشان كده هما مابيخلفوش."

فابتسم رعد وأجاب على سؤالها بلطف يبرر: "آه فعلاً أنا مابخلفش، عشان كده قررنا نتبنى طفل." تبادلت ميرا ومشيرة النظرات في صمت. فقطعت مشيرة الصمت قائلة: "أنا آسفة لو كنت سألت سؤال ضايقك ياميرا." ابتلعت ميرا ريقها وكأنها غصة مريرة في حلقها قائلة: "لا أبداً محصلش حاجة. وناويين تسافروا امتى إن شاء الله؟ كان هذا سؤال الخالة الذي وجهته لرعد، فأجاب على الفور دون تردد: "النهاردة بالليل إن شاء الله." فنطقت سارة مسرعة:

"على طول كده؟ أنتوا كده مش هتحضروا فرحي أنا ويزن." "مش هو اتأجل شهر واحد بس ياخاله؟ "أيوه يابتي." فابتسمت ميرا قائلة: "ماتقلقيش. في خلال الشهر ده أكون خلصت شوية حاجات، وأول ما تتفقوا على معاد الفرح هاجي على طول ونبقى نرجع تاني نخلص حاجتنا." فأردف بربروس: "تذهب وتأتي بألف سلامة يارعد." "حبيبي يابربروس. وإيه أخبار داغر؟ عمل العملية ولا لأ؟ كان هذا سؤال ياسين، فأردف يزن يقول:

"للأسف حاول يعملها بس مانجحتش، ومحاولش يعمل عملية تاني، ودلوقتي عايش هو وهدير في سلام نفسي بعد كل اللي حصلنا." فسألت مشيرة مستفسرة: "ليه؟ هو إيه اللي حصلكم؟ من الواضح بأنها لا تعلم شيء عن حياة ياسين وتحاول معرفة المزيد عنه. فرد ياسين بتهكم: "مش وقته يامشيرة. هبقى أحكيلك بعدين." فأكملت الخالة حديثها لغدير: "وطبعاً عروستنا الصغيرة هتفضل معانا." فأجابت تدعم كلامها: "أكيد طبعاً. أنا قدمت الكلية بتاعتي هنا ياخاله."

فاعترض رعد بقوله: "أيوه بس... "بس إيه يارعد؟ ماتقلقش على غدير. غدير هشيلها في عيني. وبعدين طول العشر سنين اللي فاتوا ما كانت بتيجي كل إجازة وتقضي معانا هنا في القرية إجازتها كلها، وأنت بتبقى في مصر أنت وميرا، يعني مش أول مرة. أنا ربيتها هي وحسان سوا. سيبها واتكل أنت على الله. أنا عارفة إن غدير متعلقة بينا وبالقرية."

انصاع رعد إلى أوامر الخالة. فنظر بربروس إلى ساعته باستعجال ليجد أن الوقت مر سريعًا، فخطبة الجمعة ما تبقى عليها سوى القليل. فنهض مسرعًا يردد بقوله: "اللعنة! لقد مر الوقت سريعاً. هيا فاللّٰه ينادينا لنلبي نداءه جميعاً." كان في حيرة من أمره يتذكر ما حدث له بالأمس. يرى أمامه عيون "ياسين" التي تحولت إلى اللون الأحمر القاتم، فأخذ يسرد ما رآه إلى الظابط أحمد، فقال بتهكم: "أنتَ ليه مش قادر تصدقني؟

والله العظيم أن ده حصل. يابني آدم بقولك عيونه اتحولت للون الأحمر. عينه كانت عاملة زي عيون الشيطان. أنا كنت حاسس من الأول إن العيلة دي فيها حاجة مش طبيعية من أول ما رجعوا القرية وشوفت جثث بني آدمين اتحولت لذئاب. بقالي سنين بدور وراهم مش عارف أمسك دليل واحد ضدهم." فابتسم الضابط أحمد على قوله: "عايز تقول إنهم أعوذ بالله عفاريت؟ أشار برأسه بالنفي يشاور بأصبعه: "لاء. هما مش عفاريت بس عنيه. عنيه بس هي اللي زي الشياطين."

قال أحمد بنفاذ صبر: "هنرجع للتخاريف دي تاني." ضرب بيده على المكتب بعنف: "أنت ليه مش عايز تصدقني؟ انتزع الكاب من على رأسه وهو يقول: "عشان ده مش كلام ناس عاقلين أبداً. وصدقني نكش وراهم مالهوش أي فايدة. هتتعب روحك على الفاضي."

خرج الجميع من المسجد بعد خطبة الجمعة يرتدون الملابس البيضاء. الأطفال تركض أمامهم بين الغيطان الخضراء يضحكون بسعادة ومرح. أصوات ضحكاتهم تملأ المكان، فقرية الصاوي يسودها الحب بكل مكان وبقلوب سكانها. اقترب يزن من ياسين فسار بجواره: "أنا هرجع مصر قريب طالما الفرح اتأجل، وكنت عايزك معايا الأيام اللي جايه في المعرض بتاعي. إيه رأيك ياياسين؟ فأجابه ياسين بسؤال وهو يطالعه بعينيه: "بذمتك مش أمي هي اللي طلبت منك تقولي كده؟

حاول "يزن" الهروب بعينيه من نظرات ياسين، فاكمل ياسين حديثه: "عينيك قالت إجابة سؤالي. أنا عارف ليه أمي بتعمل كده. عايزة تربطني هنا، عايزة تخليني جنبها." "وإيه المشكلة ياياسين؟ مش كفاية غربة لحد كده. الخالة صحتها في النازل وعلي لوحده مش هيقدر يمشي القرية زي ما ماشية دلوقتي. هي محتاجاك تكون هنا جنبها. من حقها ياياسين إنك تبقى جنبها." فرد عليه وكانت إجابته قاطعة:

"للأسف كلها يومين بالكتير وهاخد مشيرة وأرجع مطرح ما كنت يايزن. أنا ماكنتش ناوي أقول لحد إلا وقت السفر. ورقمي أديك عارفه، أول ما تنوي ابعتلي هتلاقيني جيت على طول." "يعني مافيش فايدة ياياسين؟ ابتسم ثم أردف: "سيبني على راحتي." تمر الساعات سريعًا، يجهز كلاً من رعد وميرا حقائبهما استعدادًا للمغادرة. فأعطت الخالة مفاتيح السيارة إلى ياسين: "خد ياياسين وصلهم للقطر ياولدي." أشار ياسين برأسه بالموافقة، فصعد إلى السيارة.

ذهبت سارة خلف ميرا: "هتوحشيني ياميرا." ضمتها ميرا وأخذتها بين أحضانها: "أنتِ أكتر ياساره." وعلى دون غرة شعرت سارة بدوار مفاجئ ووضعت يدها على جبينها، فاهتزت الأرض من حولها. أمسك بها يزن لكي يسندها حتى لا تفقد توازنها وجلست على المقعد خلفها، سألها والخوف يملأ عينيه: "ساره مالك فيكي إيه؟ حاسة بأيه؟ حاولت أن تستجمع نفسها قليلاً وهي تبلع ريقها: "ماتقلقش عليا يايزن، شوية صداع ودوخة بييجوا مرة واحدة وبيروحوا لحالهم."

فقالت الخالة بإصرار: "قومي. قومي روحي مع ياسين يوصل ميرا ورعد وتفوتي على المستشفى." "مش وقته ياخاله." فاعترض يزن على ما قالته سارة: "ومش وقته ليه ياساره؟ قومي تعالي معايا." أمرت الخالة شمس قائلة: "روحي معاها ياشمس. ماتسيبهاش لوحدها يابتي." طالعت شمس ياسين الواقف أمامها، فهرب بنظره قائلاً: "أنا هستناكم بره." كان حسان يجلس بمكانه المفضل، المقرب بقلبه وهو بقلب الغيطان. فأتى إليه فريد يقترب منه ببطء يتصنع البسمة قائلاً:

"شد حيلك يابطل. سمعت إنك هتدخل الملاحق. مع إن والله ما ليها لازمة، هتطلع إيه يعني في الآخر؟ كلها محصلة بعضها." قام واستقام ينظر له باستغراب: "قول كده لدكتور علي وعم ياسين." رفع حاجبه واقترب من حسان واضعاً ذراعه على كتفه قائلاً: "عم ياسين. ليه هو عنده كام سنة؟ ارتبك حسان يبلع ريقه ببطء قائلاً: "يعني نص التلاتينات كده." أشار فريد بيده: "غريبة، مع إن شكله أصغر من كده. إلا قولي هو ياسين أكبر ولا دكتور علي؟ فأجاب قائلاً:

"لاء. دكتور علي." جلس فريد يربع قدميه على الأرضية، فأشار بيده لحسان بأن يجلس بجواره: "الا قولي ياحسان أنتوا إيه حكاية الذئاب معاكم؟ ردد حسان كلمته بارتباك: "الذئاب؟ طالع فريد والشر يتطاير من عيناه: "اسمع ياحسان أنتَ هتحكيلي حالاً كل حاجة عن عيلتكم وأصلها وفصلها وياسين ده جنسه إيه، فاهمني ياحسان؟ كل شيء." أشار حسان بالموافقة والرعب يدب بقلبه من نظراته له.

هما الآن بالمستشفى بعدما أوصلوا ميرا ورعد إلى القطار المتوجه إلى أسيوط. يقف كلاً من ياسين وشمس أمام بعضهما البعض يسند كل منهما ظهره على الحائط بانتظار خروج سارة من غرفة الطبيب هي ويزن. تبادلوا النظرات القلقة لثوانٍ معدودة، فقطع هو تلك النظرات بنطقه حروف اسمها: "شمس." اقترب منها يقف بجوارها يحاول أن يبرر لها ما حدث هذا الصباح. فطالعته باهتمام. وقبل أن يبدأ حديثه خرج كلاً من سارة ويزن من غرفة الطبيب.

أسرعت شمس إلى سارة سائلة: "إيه؟ قالولكم إيه؟ فأجاب يزن وهو يقبض الروشتة بكف يده: "ماقالش بس طلب نعمل أشعة على المخ في الدور اللي فوق." هنا لمعت عين شمس، أخذت الروشتة تدقق بها: "دي أشعة بالصبغة على المخ؟ مقالكش ليه؟ شعرت سارة بالدوار مرة أخرى، فأسندها يزن بذراعيه. "لاء مقالش. أنا لازم أطلع بيها بسرعة. الظاهر إننا هنطول. لو حابين تروحوا روحوا انتوا بدل ما تفضلوا مستنيين." فأجاب كلاهما بالرفض في نفس واحد: "أكيد لاء."

فسكت كلاهما. فبدأ ياسين بالحديث: "صعدوا جميعاً للأعلى، فطلب منهم الممرض أن يبقى مع المريض شخص واحد فقط فلا داعي للباقي. ذهب يزن معها على الفور وانتظروا هم بالخارج. شعرت شمس ببعض البرودة من المكيف، فأشار لها ياسين بعينيه: "تحبي نستنى في العربية؟ أشارت برأسها بالموافقة: "ياريت، المكيف هنا عالي أوي." مضى الوقت سريعًا، لم ينتظر يزن حتى يذهب إلى الطبيب مرة أخرى بالأشعة، فسأل الطبيب المسؤول عن الأشعة بما يوجد بها،

فأجابه الطبيب بكل أسف: "للأسف عندها كانسر في المخ وفي مرحلته الثانية." ردد كلمته بانهيار تام بعينيه والصدمة تعتلي وجهه: "كانسر."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...