الفصل 43 | من 107 فصل

رواية الهجينة الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
20
كلمة
7,062
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

تشعر بأن كل شيء ضدك، لم يمنحك القدر ثقبًا للتنفس، ولم تمنحك الشمس أشعتها لتنير طريقك. تائه، حائر، سئمت. بأي ذنبٍ قُتلت؟ توقعت "شمس" كل شيء إلا أن تكون تلك المرأة الجالسة أمامها وتنظر بثبات في عينيها، تكون زوجته. كيف؟ ومتى؟ أسئلة فوضوية داخل رأسها الآن، ولكنها التزمت الصمت. ابتسمت زهره عند سماع هذا الخبر من تلك المرأة، فكانت أول المهنئين لها ونطقت كلماتها بفرحة تلمع بعينيها: "معقولة ياسين اتجوز؟

ألف ألف مبروك، بس إزاي ما يقولناش؟ ضربت الخالة بعصاها التي تتكئ عليها في الأرضية وبداخلها غضب عارم صارخًا باسم شمس، التي كانت تحدق بتلك الغريبة للحظات. "شمــــس! انتفضت وأفاقت شمس من شرودها، فانحنت أسفل مشيرة وأصبحت تحت قدميها تلملم قطع الزجاج المكسور، وكأنها تحاول لملمة روحها التي تمزقت الآن. ارتعدت أصابعها والرعشة امتلكت نبرة صوتها، ترغب بالتبخر الآن. حاولت الحديث ولكنها لم تعرف ماذا تقول، فقد قالت بارتباك:

"أنا، أنا آسفة، مش عارفة إزاي الكوباية وقعت مني. ثواني هجيبلك مشروب غيره." كررت "الخالة" بإصرار: "قومي ياشمس ما توطيش، سيبي الإزاز، أي حد تاني هيلمه." أشارت الخالة بعينيها لـ "ميرا"، فذهبت "ميرا" وانحنت بجانب "شمس"، وضعت يدها على كتفها بحنان تطالعها بحب قائلة: "قومي ياشمس معايا." أشارت شمس برأسها لميرا دليلًا على الموافقة، فوقفت واستقامت. حاولت تمالك روحها من جديد، فطالعت مشيرة الجالسة بهدوء قائلة:

"نورتي قرية الصاوي." أشارت لها مشيرة برأسها مع ابتسامة بسيطة دون أن تتكلم. فأشاحت بنظرها إلى الخالة. ذهبت كل من مارال وساره خلف شمس، فجلست زهره بارتياح بجوار الخالة وهي تطالعها بنظرات متفحصة بعينيها. فسألتها الخالة قائلة: "معلش يابتي، قولتيلي اسمك إيه مرة تانية؟ ابتسمت مشيرة وهي تشير على نفسها فقالت ببراءة: "اسمي مشيرة ياخاله." هزت الخالة رأسها:

"آه، قولتيلي مشيرة. أيوه افتكرت. ما تأخذنيش في السؤال يابتي، أنتِ عرفتي ياسين إزاي؟ نظرت مشيرة إلى زهره سائلة: "إيه ده معقول، ماسمعتوش عني قبل كده؟ هو ياسين ما جابلكوش سيرة عني؟ أكد لها يزن بقوله: "ولا سمعنا عنك في طبق اليوم حتى." سأله مشيرة وقد غاظها ما قاله: "وحضرتك بقى مين؟ أصل ياسين ما جابليش سيرتك قبل كده، مع إن حكى لي عن الكل، بس أنتَ لأ." "ربع يده وأوقعها في المصيدة وهو يسأل: إزاي وهو جاي عشاني؟ فقالت مسرعة:

"أنتَ يزن؟ "غريبة عرفتيني، مع إن حكى لك عن الكل إلا أنا." ابتسمت الخالة فشعرت مشيرة بالإحراج، فنظرت للأرضية قائلة: "هو ياسين فين؟ نظرت الخالة لرعد بضجر: "رعد، دور على حسان. خليه يروح يشوفلي فين ياسين وييجي ويجيبهولي هنا حالاً، قبل ما أصور قتـ ـيل." أشار "رعد" برأسه بالموافقة: "حاضر ياخاله." ***

هذه الأجواء الصيفية تحتاج إلى النسمات الباردة والمشروبات المنعشة لكي تشفي الصدور. هذا ما فعله "الطبيب علي" عندما جلس بجانب "ياسين" وسط الخضرة هو و "بربروس". جلس كل واحد منهم على حدة بجانبه، فأصبح هو يتوسطهم. ينظرون إلى البحيرة أمامهم. السماء صافية بلونها الأزرق الجذاب، تعكس الشمس أشعتها على البحيرة فتعطيها بريقًا ساحرًا يخطف الأنظار. مد "الطبيب" كف يده بالمشروب المحبب لقلب "ياسين" قائلاً:

"امسك، أنا عارف إنك بتحب الشيري كولا." مد "ياسين" كف يده قائلاً بمزاح: "معقول ياعلي، أنت جايبلي شيري كولا بنفسك؟ قولي جبتها منين؟ "فتحت شنطتي وأخدتها منها." ضحك "بربروس" ساخرًا وهو يعدل على ما قاله "ياسين": "لا، ليس هو بل أنا." نظر بجواره إليه قائلاً بدهشة: "أنتَ ياشيخ عجوه؟ فتحت شنطتي؟ هز رأسه بالنفي قائلاً بجدية: "ويحك أيها اللعين، هل تراني أبلهاً لأفعل ذلك؟ ابتسم قبل أن يخبره: "طيب خلاص، ماتزعلش. قولي جبتها إزاي؟

أخبره بضجر: "خليك في حالك، لن أخبرك، فهذا سر." فتح "ياسين" الزجاجة وارتشف من زجاجته فشعر بالانتعاش قائلاً بابتسامة أضاءت ملامحه: "اللاه.. خليك في حالك مرة واحدة ياشيخ عجوه. العشر سنين اللي قضيتهم هنا غيروك خالص." طالع بربروس بغيظ وأردف: "البركة في أبناء الحارة التي أحيا بها الآن، فقد تعلمت وفي نفس الوقت علمت." صمت لثوانٍ ثم عاد لحديثه مؤكدًا: "ونعم، لقد تغيرت. ولكن من منا لم يتغير؟ فأنت أول المتغيرين." صحح له "ياسين"

باندفاع وهو يشير على نفسه: "أنا اتغيرت ياشيخ عجوه؟ استدار "الطبيب" يطالع شقيقه: "آه حصل، أنت متغير ياياسين. حاسس من ساعة ما جيت وأنت واحد تاني، مش ياسين أخويا اللي أعرفه." انقبض حاجبه وارتشف رشفة أخرى من زجاجته: "بلاش ياعلي نقلب القعدة لعتاب ولوم وأسئلة إجابتها مش هتفيد بشيء. خلينا نقعد مع بعض شوية مش أكتر، أنا وحشتني قعدتنا سوا." انتظر ثوانٍ ثم تابع:

"مش عارف إذا بعد ما أرجع مطرح ما كنت هعرف أقعد معاكم القعدة دي تاني ولا لأ." أومأ له علي بالإيجاب: "ماهو ده اللي أنا عايز أعرفه.. ليك مين هناك أغلى مننا عشان ترجعله ياياسين؟ أسئلة كتير في دماغي مش لاقي لها إجابة وأنتَ مابتتكلمش." فرفع بربروس كف يده ودعم كلام الطبيب: "نعم، وأنا أيضًا عندي من الأسئلة ما يكفيني وأريد الإجابة في الحال." هنا تحدث "ياسين" بضجر: "يعني مش هتبطلوا؟

أشار الاثنان برأسهما بالنفي، فاستسلم ياسين قائلاً: "عايزين تعرفوا إيه؟ بدأ "الطبيب" يسرد له كم من الأسئلة: "أول شيء، مكنتش بترد عليا ليه السنين اللي فاتت دي؟ كان سيرد، ولكن رد "بربروس" بسؤال آخر مسرعًا: "وأين كنت طوال هذه المدة؟ فسأله "الطبيب" سؤالاً آخر: "كنت بتشتغل إيه؟ واضح إن الدنيا ضحكتلك، أصلك راجع نضيف أوي، مش عوايدك." فرد بربروس: "وأين عشت طوال هذه المدة؟ ولماذا تتصنع عدم اللامبالاة التي أراها بعينيك؟

ظل ياسين ينظر يسارًا ويمينًا مع كل سؤال يطرحوه عليه، فرد صارخًا: "بـــــس واحدة واحدة، وأنا هجاوب." هز كلاً منهما رأسه بالموافقة، فأكمل "ياسين" حديثه وأشار برأسه إلى الأطفال أمامه يحاولون النزول إلى البحيرة بمرح وضحكاتهم تملأ الأجواء. فرد بسؤال آخر غير الذي ينتظرونه: "فاكر البحيرة دي ياعلي؟ نفخ الطبيب من روحه بغيظ: "ياسين، ما تغيرش الموضوع." أكد له ياسين بقوله: "مابغيرهوش. رد عليا بس، فاكرها؟ وافق بنفاذ صبر:

"أكيد فاكرها ياياسين، دي البحيرة اللي أبوك عملهالنا هو والمهدي الله يرحمهم." ابتسم "ياسين" وقد عاد بذكرياته يتأمل الأطفال ويسمع صوت ضحكاتهم، يستكمل حديثه بقوله:

"آهوه وأنا صغير كنت بفضل أبص للبحيرة دي وأتأمل فيها بالساعات وأفضل أتمنى حاجات لما أكبر هعملها، ولما سيبتكم يوم المعركة كنت تايه ومش عارف أعمل إيه. وقفت عندها بالساعات، وقتها قررت إني هعمل كل اللي اتمنيت أعمله وأنا صغير ومعملتوش. فضلت واقف عندها وهي كالحة ما فيهاش ميه، أرض بور. فضلت سارح والوقت عدى قدامها وافتكرت اللي فات، ولاقيت نفسي مسافر ورجعت ألمانيا، وهناك كنت وحيد مش عارف أروح فين ولا أجي منين."

رجع ياسين بذكرياته للوراء وسرح بذاكرته يوم المعركة: ابتسم ياسين وهو يقف أمام البحيرة ينظر جواره إلى عمار قائلاً: "أنا مش مصدق إنك جيت معايا." نظر له عمار وهو يضع يده في جيبه مع ابتسامة رضا:

"أنا سبت الكل عشانك، حتى شمس سبتها عشان نفضل سوا يابويا. بس طول ما إحنا هنا هيبعدونا عن بعض، لازم نبعد ونسيبهم، نبعد ونروح مكان تاني خالص غير هنا، مكان بعيد محدش يعرفنا فيه. أنت بنفسك شوفت شمس وعلي والخالة، كلهم كانوا عارفين إن أنا وأنت دم واحد ومحدش فيهم همه غير المعركة وبس، محدش فكر فينا. كل واحد فيهم كان خايف على نفسه مش أكتر. حتى شمس ولا طلعت بتحبني ولا بتحبك، لو كانت حبت حد فينا كانت على الأقل قالتلنا. أنا عارف إنك بتحبها زي ما أنا بحبها، بس طول ما هتبقى في النص ما بينا هنخسر بعض صدقني."

أشار له ياسين برأسه دليلًا على الموافقة: "ولا شمس ولا غيرها يقدروا يفرقوا بينا في يوم. أنا فضلت سنين بدور عليك قبل الضبع ما يتحكم فيا، وما صدقت إني لاقيتك ورجعتلي ذاكرتي." طرقع الطبيب أصابعه أمام أعين ياسين الذي شرد فجأة قائلاً: "إيــــه، روحت فين؟ كمل بعد ما سافرت ألمانيا حصل إيه؟ بالطبع لم يذكر "ياسين" الجزء الخاص بعمار، فقط تذكره بمخيلته. فأفاق من شروده قائلاً:

"رجعت تاني بين الجليد وبين الذئاب، بس في منطقة معزولة مافيش بشر يتحمل يقعد فيها. بعد ما عرفت إني الألفا بقيت أتحكم فيهم ومعاهم دايماً، وخدت عهد على نفسي ووعدت غيري إني مش هشرب د م بشر في يوم ولا حتى حيوانات. بس جيت في ليلة ضعفت وماقدرتش، لما لاقيت كوخ جواه واحدة ست في وسط التلج وشميت ريحة د مها وهي بتقطع حاجة بالسكينة، جرحت صباعها ونقط من د مها نزلت منها على الأرض، وسمعت صوت نبضات قلبها. معرفش إزاي وليه رجلي خدتني عندها ودخلت جوه الكوخ، ولاقيته مليان بالدفا. كنت جعان وشريد ومنظري لا يسر عدو ولا حبيب."

انخرط ياسين بذاكرته وتوقف عن الكلام يسرح بما حدث له بالماضي: جسد بلا روح، وما الأصعب من أن تجد روحك تغادر جسدك وما باليد حيلة. تحاول الصمود، تحاول الاستيعاب، تشعر بتمزق قلبك وتسمع صوت تحطيمه إلى أجزاء صغيرة. ألم.. هجر.. فراق.. سنوات.. سنوات من التعب والحيرة. غريب تائه في الطرقات، وحيد.. شريد.. حتى تجدهُ هي لتعيد له الحياة من جديد، فتسأله وهي تتحدث اللغة الألمانية: "أنت مين؟ وبتعمل إيه في بيتي هنا؟ ودخلت بيتي إزاي؟

دب الرعب بقلبها، غريب بداخل منزلها. أسئلة عديدة أتت ببالها وهي تنظر له يقف أمام الثلاجة الخاصة بها يتناول الطعام بشراهة، يظهر عليه الفقر والجوع، ملابسه متسخة، يغطي رأسه بالبيزونت الخاص سترته. تضغط هي على زر الإضاءة الخاص بمطبخها، تحاول التقرب منه بحذر. يأكل كالحيوانات، فالجوع أصبح ينهش بمعدته. تنظر بجانبها للسكين الموجود على الطاولة، تقترب منه أكثر بحذر، حتى ترفع عليه السكين حتى تطعنه. يمسك هو بمعصم يدها بقوة، يكشر عن أنيابه، فقد السيطرة على نفسه.

ليجد من يقف أمامه يحذره: "لا يابويا بلاش، لو قتـ ـلتها مش هتشوفني تاني." نطق ياسين ينظر له بابتسامة واسعة: "اللي تشوفه ياعمار."

سمعته وهو يتحدث اللغة العربية فاستغربت أكثر، ولكنها لم تهتم في باديء الأمر، ونظرت تلك الغريبة خلفها بهلع للفراغ الذي يحادثه. لم تجد شيئًا والرعب يكمن بنظراتها. فترك معصم يدها، عاد للخلف بخطوات بطيئة، يرفع كفيه باستسلام أمامها. أمسكت هي السكين من على الأرضية مرة أخرى بيد مرتعشة، فتمالكت رباطة جأشها تقول بشكل متقطع باللغة العربية:

"أنا عارفة إنكم مش هتسيبوني في حالي، عارفة إني مهما أحاول أستخبى منكم هتعرفوا تلاقوني. مش ذنبي، مش ذنبي إن جوزي مات وكتب لي ميراثه كله وأنا مش هتتنازل مهما عملتوا." قبض "ياسين" حاجبه باستغراب، فهو لا يعلم عما تتحدث. أنزل يده واتجه إلى الثلاجة مرة أخرى يأكل بنهم، ينزلق من شفتيه الطعام الذي يتبقى منه فوضى عارمة أصبحت حوله من بقايا الطعام. تقف هي أمامه مذعورة مما يحدث، فلم ترى بحياتها إنسان يأكل هكذا قط. ابتلعت ريقها

بعدما ارتفع صوتها أكثر: "لو ما قلتش أنت مين حالاً وجاي هنا ليه، أنا هبلغ البوليس." أشبع جوعه، بعدما قبض بكفه كمية من الطعام ووضعها بداخل جيبه وبداخل حقيبة ظهره. استدار وأعطاها ظهره يستعد للرحيل، حتى سمع من بعيد خطوات أقدام قادمة لا تنوي بالخير وصوت أسلحة تتعمر بالذخيرة. أغمض هو عيناه ليركز بالصوت أكثر، فعلم بأنهم رجلان قادمان. استدار خلفه ليراها وحيدة، يملأ الرعب ملامحها، تتنفس الصعداء بصعوبة عارمة مما يحدث.

سمع صوت عمار بأذنه: "امشي ياياسين، مالكش دعوة بيها."

تحرك خطوة للأمام لكي يقفز من النافذة التي أتى منها، فسمع صوت الرصاص المتوجه ناحية الكوخ. فدون أن يدرك فعل ما لا يرغب به، تحرك باتجاهها سريعًا لكي يحميها، فحماها بجسده فأصبحت هي أسفله. أشار لها بإصبعه أن لا تتحرك من مكانها، فهزت رأسها بالموافقة. الدموع تنهمر على وجنتيها مما يحدث. اختفى من أمامها بلحظة، فدخل الرجلان يرفعون أسلحتهم بكف أيديهم، يرتدون جواكت جلدية سوداء، يبحثون بكل مكان بالكوخ عنها حتى وجدوها. نظروا لها نظرة سخرية بعدما تكورت هي في جلستها ويرتعش كل نبض بجسدها.

فقال أحدهم: "سبحان الله، مشيرة هانم خايفة. اللي يشوفك دلوقتي ما يشوفكيش يوم استلام الميراث." رفع الآخر سلاحه يوجهه لها: "أوبقي سلميلنا على الحاج في الآخرة." أغمضت عيناها بقوة تنتظر الموت لثوانٍ، ولكن لم يحدث ما ظنته. فتحت عيناها وجدتهم يرقدون أمامها على الأرضية فاقدين للوعي. يقف ياسين أمامها وهو يقول: "سمعتهم بيقولوا إن في حد جاي معاهم يشيل جثـ ـتك بعد ما يقـ ـتلوكي. أفضلك تمشي بسرعة من هنا."

رفع ياسين البيزونت الخاص سترته وأعطاها ظهره، فقالت مسرعة: "أرجوك ماتمشيش، أنا معنديش حد يحميني. هديك اللي أنتَ عايزه بس ماتمشيش." لم يؤثر حديثها به، فأكمل طريقه. لم يستدر حتى لينظر لها، فأوقفته كلماتها التالية عندما قالت: "وحياة عمار اللي كنت لسه بكلمه من شوية، خليك." قال بربروس بصوت مرتفع به من الضجر ما يكفي: "ماذا بك أيها الأحمق؟

تتحدث دقيقة وتشرد بذهنك ساعات. ماذا حدث بعد أن عدت إلى الجليد ومنظرك لا يسر عدو ولا حبيب؟ انتفض ياسين بعدما فاق من انخراطه وهو ينظر أمامه إلى البحيرة. فوجد طفلًا من الأطفال يغرق ولا يستطيع السباحة. قام يهرول بأسرع ما عنده، فلحقه بربروس والطبيب. قفز في الماء مسرعًا وأخذ يسبح حتى وصل إلى ذلك الطفل الصغير، فألتقطه من الماء، مسرعًا وهو يقول: "أنت كويس؟

نزل بربروس والطبيب في البحيرة معه مسرعين، ولكنه كان أول الواصلين. أشار الطفل برأسه يحاول التقاط أنفاسه: "أيوه، أنا كويس ياعمو." ابتسموا جميعًا على طريقة حديث هذا الطفل الصغير، فقلده ياسين قائلاً: "ولما أنت مابتـ ـعرفش تعوم بتعوم ليه بث؟ فأشار الطفل بيديه على الأطفال بالجهة المقابلة وهم يسبحون: "سايف البنت اللي هنـ ـاك دي." أمال ياسين برأسه على الطفل وهو يحمله بين ذراعيه، فغمز له بطرف عينيه: "مالها؟

فقال الطفل ببراءة مفرطة: "عايثه لما تكبر تتجوز واحد بيعرف يعوم، وأنا مـ ـبعرفش أعوم واتـ ـكثفت أقولها." ابتسم ياسين على براءته، فقال مؤكدًا: "طيب عارف أنتَ بقى إنك لما تكبر دي البنت الوحيدة اللي هتديك على قفاك." أشار الطفل برأسه بالنفي، فاستكمل ياسين حديثه: "أنا بقى جايلك من المستقبل وبقولك اللي هيحصل." أتت والدة الطفل مسرعة والخوف يبدو على ملامحها تناديه باسمه: "محمد." أشار ياسين للطفل برأسه:

"يلا روح لماما، وافتكر إن مافيش حد يستاهل مهما كان إنك تعمل عشانه الممكن مش المستحيل." رحل الطفل إلى والدته وظلوا الثلاثة بمنتصف البحيرة ينظرون للطفل ووالدته على البر، وهي تضمه إلى صدرها تربت على ظهره بحنان. فنطق بربروس مؤكدًا بكل ثقة مما يقول: "هناك أشخاص حتى فعل المستحيل من أجلهم قليل، ليس كما قلت للطفل الصغير." اعترض "ياسين" بضحك وهو يقول: "ما افتكرش." سأله "الطبيب" باستغراب بعدما أعاد شعره المبلل بالماء للخلف:

"وشمس ماتستاهلش؟ سأله "ياسين" باستغراب: "وأيه اللي جاب سيرة شمس ياعلي دلوقتي؟ هنا تحدث "بربروس" قائلاً بتعجب: "ومن غير شمس يستحق أن يذكر اسمه؟ فجميعنا نعلم بأنك تحبها." تحدث "ياسين" بغرور وكبر ينفي بإصرار ما قاله بربروس: "عمري، ما حصلش." رأى ياسين نظرات التعجب وعدم التصديق داخل أعينهم، فصحح حديثه قائلاً بمزاح يحاول أن يخفي ما هو واضح بعينيه: "اقصد، اقصد الكلام ده من عشر سنين، إنتوا لسه فاكرين." "أيوه بس...

قاطعه ياسين قائلاً: "الموضوع ده اتقفل، ياريت ما يتفتحش تاني."

استدار ياسين وأعطاهم ظهره في طريقه للخروج. رأى الطبيب الحزن بعينيه، فنظر لبربروس، فأشار "بربروس" إلى "الطبيب" بعينيه يتتبع ياسين. فتحركوا هما الاثنان بلمح البصر سوياً وأمسكوا بهِ بقوة من رأسه وضعوه تحت الماء بمزاح. فاستخدم ياسين قوته واستطاع التملص منهم حتى أخرج رأسه وابتعد عنهم بغضب ينفض الماء من على خصلات شعره وهو يهز رأسه يسارًا ويمينًا. فنظر ورائهم باندهاش قائلاً: "مين اللي جاي ده؟

استدار الاثنان يطالعون ما يطالعه. دفعهم "ياسين" على حين غرة وأوقعهم بالماء وسط ضحكاته. وما أن أخرجوا رأسهم من الماء، هرول ياسين يسبح بعيدًا عنهم حتى لا يلحقوا بهِ. فهرولوا خلفه سريعًا فأصبح بالمنتصف بينهم وسط مزاحهم وضحكاتهم، فأمسكه الطبيب من الخلف وأطاح بهِ هو وبربروس وسط نوبة ضحكاتهم، فسعلوا من كثرة الضحك. ***

هي الآن بغرفته تجمع كل ما تبقى لها في الغرفة من أشياءها. تفتح الدلفة، تأخذ ما تبقى من ملابسها بعصبية، ثم اتجهت ناحية الأدراج تأخذ كل ما بها. وقف كل من ميرا ومارال وساره بجانب الباب وهم يطالعونها بحزن. فقطعت مارال صمتهما قائلة: "معقول ياسين اتجوز؟ إزاي؟ أنا كنت فاكياه بيحبك." وقفت شمس عما تفعله وبيديها بعض من ملابسها، ونظرت إلى مارال تطالعها بلوم: "إيه؟ إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ فأكدت مارال على كلامها مرة أخرى:

"أنا كنت فاكياه كويس إنه هو وعماد الله يرحمه بيتخانقوا عليكي، إزاي لما عماد يموت يسيبك ويتجوز غيرك؟ المفروض يتمسك بيكي أكتر على الأقل عشان يحافظ على الحاجة الوحيدة اللي قريبة من قلب عماد، بس الظاهر إنه نسيكي ونسي عماد وياح اتجوز وعاش حياته." أتت غدير من الخارج على نهاية حديث مارال تسمعها، فلم تستطع غدير منع نفسها من سؤالها: "اتجوز!! هو مين ده اللي اتجوز ياميرا؟

لم يجب أحد على سؤالها من الموجودين، وكانت الإجابة مهمة بالنسبة إليها. فكررت سؤالها مرة أخرى: "هو محدش فيكم بيرد عليا ليه؟ ماتقولوا يا جماعة مين اللي اتجوز؟ طالعت ميرا غدير برجاء أن تخفض من صوتها: "هوووش، وطي صوتك، مرات ياسين قاعدة جوه لا تسمعك." "مرات مين؟ " قالتها غدير بتعجب بعدما قبضت حاجبيها باستغراب، فقالت بتلقائية مفرطة: "طيب وشمس؟ اعترضت "شمس" بإصرار: "هو في إيه يا جماعة؟

كل واحدة فيكم تقول طيب وشمس.. طيب وشمس. هو حد قالكم إني قاعدة مستنياه؟ حد أصلاً قالكم إني حتى بفكر فيه أو بييجي على بالي أصلاً؟ حاولت "ساره" نظرتها إليها قائلة: "أومال أنتِ قاعدة كل ده ليه ومابترديش بأي عريس يتقدملك ليه؟ مش عشان بتحبيه؟ تحركت "شمس" مغادرة الغرفة قائلة: "ده خيالكم المريض اللي صورلكم إني بحبه، مع إني عمري ما قلت كده."

غادرت "شمس" الغرفة تاركة إياهم ينظرون لها وهي تبتعد عنهم. وضعت ما تبقى من أغراضها بالغرفة المجاورة لغرفة ياسين وغادرت المنزل على الفور. أشارت "ميرا" إليهما قائلة وهي تضغط على أسنانها بغيظ: "إنتوا يعني كان لازم تنسحبوا من لسانكم؟ أديها زعلت أهيه." ***

كانت ملابسهم مبللة بالكامل بعدما خرج ثلاثتهم من المياه وسط ضحكاتهم سوياً. فقد مرت السنين بسرعة على آخر تجمع لهما. يسيرون بالطرقات المفروشة بالرمال الناعمة الصفراء. على الجانب الأيسر المنازل البسيطة المصنوعة من الخشب، وعلى الجانب الأيمن الخضرة والزرع يتطاير بنسمات الهواء البسيطة والماره بجوارهم. يركبون الدراجات المرصعة بزهرة عباد الشمس من الأمام. رأى ياسين ذلك فابتسم ابتسامة امتنان بعدما لاحظ عدم وجود سيارات داخل القرية. ولكنه اضطر يسأل سؤالاً يعلم إجابته من قبل، فنظر بجواره

للطبيب يوجه سؤاله إليه: "القرية مافيهاش عربيات ياعلي، كل اللي بيمشي فيها بيمشي بعجل، صح؟ ابتسم الطبيب قبل أن يخبره: "وأكيد أنت عارف مين كان نفسه يحصل كده من زمان، قرية تبقى قطعة من الجنة. العربيات والتكنولوجيا تبقى قليلة أوي فيها عشان نتنفس هوا نضيف من غير عوادم السيارات والقرف اللي بيحصل في المدن. فاكر ياياسين؟ فكرة العجل دي فكرتك زمان وأنا نفذتها دلوقتي." كرر من خلفه بامتنان:

"فعلاً كانت فكرتي ومش مصدق إنك نفذتها. أنا برضوا لاحظت إن مافيش عربيات جوه القرية." نظر أمامه فوجد سيارة تأتي مسرعة بالجهة المقابلة لهم، فطالع السيارة باشمئزاز قائلاً: "إلا العربية دي." أشار الطبيب لياسين بأن يهدئ من روعه قليلاً قائلاً: "ياسين، عايزك تهدي نفسك خالص. دي عربية فريد، سيبك منه، سيبني أنا أتكلم وبعدين أنا هفهمك ليه."

ضغط فريد على مكابح السيارة مما جعل الإطارات تصدر صوتًا مرتفعًا من قوة الدفع، فوقف أمام ياسين وكأن نيته الاصطدام به. وقف ياسين ولم يبرح مكانه بتحدٍ، فترجل فريد من سيارته بعدما انتزع النظارة الشمسية من عينيه، يقف أمام ياسين ينظر في عينيه بتحدٍ سائلاً إياه: "فين بطاقتك؟ ابتسم ياسين بمكر فتابع بقوله:

"عارف.. أنا لو مش متأكد إن حسناتي قليلة و مجمعهم حسنة ورا حسنة ومخبيهم ليوم لاينفع فيه مال ولا بنون، كنت قولت كلام الأولياء والصالحين كلهم ما يشفعولي بعد ما أقوله." قاطعه ناطقًا بحزم: "أنتَ بتقول إيه يلا أنتَ؟ أنت باين عليك شايف نفسك ومش عايز تيجيها لبر."

هنا تخلى "ياسين" عن صبره، فطالعه بنظرة حادة، نظرة بها ما يكفي من الشر، فتحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاتم. ارتعد "فريد" وعاد خطوة للخلف مما رأه الآن، وخبط قدمه بغطاء السيارة. دب الرعب بقلبه، فصرخ الطبيب بـ "ياسين" قائلاً: "يـــاسيــن! أفاق ياسين وشعر بنفسه مجددًا، فأعاد عينيه إلى لونه الطبيعي مسرعًا. فاقترب من "فريد" بعدما قبض بكفه على ياقة زيه الرسمي:

"اسمع يلا، الإنسان قبل ما يتولد ربنا بيكتب عمره بالسنين والأيام والدقائق والثواني.. وانت يابن الـ*** ضيعت منهم 40 ثانية وأنا مش مسامحك عليهم." ابتلع "فريد" ريقه وكأنه غصة مريرة بحلقه، فاسترسل ياسين حديثه بجدية وحزم:

"مش عايز أشوفك مرة تانية بتحوم حواليا ولا حوالين "شمس"، عشان قضيتك خسرانة معايا. أنا مش محترم زي علي ولا طيب زي بربروس، أنا ياسيــن. وكلمة بطاقتك دي اعملها على اللي زيك مش اللي زيي، وعشان تريح نفسك أحب أقولك أنا معايا الجنسية الألمانية يعنى مش هتعرف تعمل معايا حاجة." غمز له بطرف عينيه: "أخلع من هنا بقى قبل ما أخلع جدورك من الأرض."

أسند فريد بذراعيه على غطاء السيارة وصعد بداخلها وهو يهرول، فمن يراه الآن يقسم بأنه رأى شيطانًا وليس بإنسان طبيعي. فابتسم "بربروس" على منظره هذا قائلاً وهو يربت على كتف ياسين بفخر: "لقد أشفيت غليلي من هذا الفتى ياياسين، هنيئًا لك." صرخ الطبيب بهما هما الاثنان يطالع فريد وهو يبتعد بالسيارة بعيدًا: "إنتوا أكيد مجانين، إنتوا فاكرين إن فريد هيسكت؟

ده لو اكتشف حقيقتنا مش هيسيبنا. إنتوا مش قادرين تفهموا ليه وهيقلب البشر كلهم علينا؟ ربت "بربروس" على كتفه بهدوء: "لا تقلق أيها الطبيب، فهذا مجرد مزندع يكثر من حديثه ويقل فعله." فدعمه ياسين بقوله: "قولت الخلاصة ياعجوتنا، اللي زي ده جبان مش هيعمل حاجة. والله أنا عايز أقول إنه بيض، أعمله تمن. أنت عارف كرتونة البيض بكام دلوقتي؟ فرد بربروس قائلاً بقلة حيلة: "لقد تعدت المائتان جنيه." ضرب الطبيب كف يده بكفه الآخر قائلاً:

"والله انتوا ما هتسكتوا إلا لما تودونا في داهية." سمع الطبيب صوتًا يأتي من بعيد ليس بغريب عنه ينادي عليه من خلفه: "دكتور علي.. دكتور علي." نظر خلفه ليجده حسان، فأتى حسان مسرعًا والنهجة تعتلي صدره: "إيه ياحسان، جاي بتجري ليه؟ قال كلماته بتقطع بسبب نهجته: "الخالة عايزة ياسين حالاً في البيت الكبير." طالع ياسين باستغراب قائلاً: "ما تعرفش ليه؟ أشار برأسه بالنفي: "لأ معرفش." هز الطبيب رأسه بالإيجاب: "طيب إحنا جايين وراك."

فصاح بتعب: "لأ طبعًا، أنا مش هينفع أرجع من غيركم. أنت عايز الخالة تشلوحني." ابتسم ياسين وهو ينطق كلمته ببطء: "تشـــــلوحك؟ فأجابه بتأكيد: "آه وتفرشحني كمان. أنت ماتعرفش الخالة حكيمة." أشار على نفسه بابتسامة مؤكدًا: "أنت هتقولي ده أنا حافظها، دي أمي." فأشار له بعينيه: "طيب تعالى." حاوط ياسين حسان بذراعه وسار معه يسأله عن أحواله، يتابعه بربروس والطبيب خلفهما. فساير ياسين حسان في الطريق: "قولي عملت إيه؟

أوعى تكون مابتذاكرش." *** عادت إلى مكانها، المكان المفضل بالنسبة لها الذي لطالما شعرت بالراحة بهِ إلى قبره. فمهما فات من الوقت والأيام تعود إليه. هنا تستطيع البوح بداخلها، هنا هو يسمعها. لامست بأطراف أصابعها اللوح الرخامي المحفور عليه حروف اسمه قائلة بدموع باكية: "وحشتني أوي ياعمـــار. عارفة إني بقالي أسبوع ما جيتش ليك من آخر مرة." ابتلعت ريقها ثم أكملت:

"بس ده عشان كنت في القاهرة عند ساره ويزن وبعد كده بقيت مشغولة مع ساره في تحضيرات الحنة، ما أنتَ عارف." جلست بجانب قبره تسند ظهرها على اللوح الرخامي، فأغمضت عينيها قليلاً بعدما أنهكها التعب. فتابعت حديثها بتقطع: "وكمان، وكمان عشان ياسين رجع. أخيرًا رجع ياعمار."

نزلت دموعها على وجنتيها، فشعرت بأنامل تمسح دموعها بخفة. انتفضت وفتحت عينيها مسرعة فوجدت ياسين أمامها، فجلس بجوارها يسند ظهره على اللوح الرخامي هو الآخر، فسألها بصوتٍ هادئ: "بتعيطي عشان رجعت ياشمس؟ نظرت للأسفل تقول بدموع تزداد غزارتها: "أكيد لاء." رفع ياسين وجهها بكفه يطالع عينيها الباكيتين وكأنه يحتضنهما، حتى قال ما أسرها: "يبقى بتعيطي عشان بتحبيني."

لم تكد تستوعب ما قاله لها للتو. طالعته وهي تنظر بعينيه، فتلاحمت نظراتهما معاً. حاولت الهرب بعينيها، وقفت وتركته تغادر المكان. يطالعها هو تبتعد عنه، حتى أوقفتها كلماته: "خليكي عارفة إنك حتى لو هربتي مني مش هتهربي من نفسك. أنتِ بتحبيني." تكررت كلماته تصدع بأذنيها، حتى أفاقها غدير من نومها وهي بجانب قبر عمار قائلة وعيناها مغلقة: "لأ ما بحبكش. أنا عمري ما حبيتك." "شمس، شمس اصحي." فتحت عينيها قائلة بهلع: "أنا كنت بحلم صح؟

كنت بحلم." دعمت غدير كلامها: "أيوه ياستي كنتي بتحلمي. بس هو حد ينام هنا جنب المقابر؟ أنتِ أكيد حصل لمخك حاجة." أخبرتها شمس تصحح لها: "أنا عمري ما نمت هنا، بس مجرد ما غمضت عيني لاقيت نفسي نمت. مش فاهمة إزاي." جلست بجوارها تطالعها بترقب، فشعرت شمس بحاجتها للتكلم: "عايزة تقولي إيه ياغدير؟ أخبرتها غدير بحماس:

"أنا بجد مش فاهمة إزاي ياسين اتجوز والست اللي زي القمر اللي جمالها يقرف دي وقاعدة جوه تبقى مراته. يع، يع بجد، ده اللي هو إزاي وازاي ينساكي كده بسهولة." طالعتها شمس باستنكار: "مش غريبة إنك كل شوية تتكلمي عني؟ محسساني إن أنا وياسين كنا مرتبطين. أنا كنت فاكرة إنك معجبة بيه." اعترضت مسرعة وهي تهز كتفيها:

"لأ، أنا كنت معجبة بحبه ليكي. في فرق. أنا عمري ماشوفت حد بيحب حد زي ما هو بيحبك ياشمس. عنيه بتبقى فيها لمعة غريبة وهو بيتكلم عليكي. أتمنيت لو حد يحبني زي ما هو حبك في يوم. وأنا صغيرة كان بيفضل يحكيلي عنك كتير، وبعد كده يمسحلي ذاكرتي وأنا طبعًا مكنتش أفتكر، بس لما اللعنة اتفكت افتكرت كل كلمة قالهالي عنك. شخصيته مش زي أي حد، عنده حنية لو اتوزعت على أهل الأرض كلها هتكفي وهيفيض منها. رغم إنه بيحاول يبين لغيره إنه مش مهتم باللي حواليه، بس اللي جواه عكس اللي بيبينه. يحير كل اللي حواليه وتلاقي نفسك غصب عنك بتحبيه. وبجد اتصدمت لما عرفت إنه اتجوز، إزاي بعد حبه ليكي ده كله يتجوز ياشمس."

رفضت بلطف مبررة: "محصلش، ياسين ما حبنيش. مجرد كنت حاجة بيملكها، ولما لقى عمار هياخدها منه كان نفسه يرجعها مش أكتر. ولما الحاجة دي رجعت متاحة بموت عمار، نسيها ودور على غيرها." صمتت شمس وهي تنظر للغروب لثوانٍ قليلة فقالت: "إحنا اتأخرنا أوي، مش يلا بينا عشان نرجع؟ أشارت غدير برأسها بالموافقة: "طيب، ممكن أقول آخر حاجة؟ قبل أن تنطق بأي شيء قاطعتها بقولها المحذر: "لو الحاجة دي تخص ياسين، ماتقولهاش. اتفقنا؟ نفخت بزهق قائلة:

"يبقى مش هقول. أحسن برضوا، يلا بينا." حاوطت شمس غدير بذراعها عائدين للمنزل. *** ها هما على أعتاب المنزل الكبير، الكل بأنتظارهم. كل من بالأرجاء بحالة من الارتباك. شعرت الخالة بحضوره أخيرًا فدعته للدخول قائلة: "ادخل ياياسين، مستني إيه؟ عادت شمس هي وغدير بعدما مرت من أمامه دون أن تنظر له، فدلفت شمس إلى غرفتها سريعًا يتتبعها هو بعينيه حتى أغلقت الباب خلفها بقوة. كررت الخالة طلبها: "ما تدخل يا ياسين، واقف عندك مستني إيه؟

دخل ياسين الغرفة وجد الكل بانتظاره بلا استثناء، ومن خلفه بربروس والطبيب. فنظر لمشيرة التي كانت تنتظره على أحر من الجمر قائلة بضحكة لطيفة: "ياسين وحشتني." أسرعت لكي تحتضنه أمامهم بعدما شبكت يداها على رقبته، فأنزل هو يداها يطالع الجميع بعينيه بهدوء قائلاً ببسمة متصنعة: "مشيرة ازيك؟ عرفتي تيجي هنا إزاي؟ "أنا الحمد... وضعت الخالة يديها الاثنتين على العكاز تتكئ عليهِ، فسألته بحزم وقاطعت رد مشيرة قائلة:

"أنتَ اتجوزت من ورانا ياياسين؟ قبض حاجبيه ينظر لمشيرة باستغراب، فوجد نظرة الرجاء في عينيها جعلته يهز رأسه بالموافقة. وقفت الخالة بحزم تضرب بعصاها الأرض بغضب: "يعني اتجوزت ياياسين؟ تنهد بعمق، فصمت لثوانٍ ليفكر كيف يخرج مشيرة من هذا المأزق الذي وضعت نفسها به دون أن يحرجها، فقال مبررًا: "مش بالظبط."

كلمتان هما فقط كلمتان قالهما جعل كل الموجودين في حيرة من أمرهم وعلى رأسهم مشيرة. نظر الجميع إلى بعضهم البعض، نظرات بها من الحيرة ما يكفي، فاسترسلت الخالة سؤالها: "يعني إيه مش بالظبط؟ ما هو يا اتجوزت يا ما اتجوزتش، مالهاش تالت يا ولد." فنطق تحت أنظار الجميع، الكل يصوب نظره عليه الآن: "مشيرة تبقى خطيبتي، كنا ناويين نتجوز بس أجلنا الفرح عشان أقدر أجي فرح يزن."

شعرت مشيرة بالأنفاس تعود لها مجددًا، وكأن الحياة عادت لها من جديد. وقفت غدير أمامه تطالعه باعتراض ثم أردفت: "بس ليه تخطبها وأنت مابتحبهاش ياياسين؟ هنا صاحت ميرا بها قائلة: "غدير تعالي هنا." جذبها رعد من يدها بحزم: "تعالي معايا." أصرت غدير على موقفها فتحدثت مشيرة بإحراج: "أنا جايه من سفر بقالي أكتر مدة مارتحتش وتعبانة. فين أوضتك ياياسين؟ عايزة أرتاح." طالعتها الخالة باستنكار: "وإزاي تقعدي في أوضته وأنتِ مش على ذمته؟

صاحت الخالة باسم زهره فأتت إليها مسرعة بالإيجاب قائلة: "نعم ياخاله." فقالت بنبرة تأمرها بها: "حضري للضيفة أوضة الضيوف بسرعة." صاحبها ياسين قائلاً: "تعالي معايا في أوضتي يامشيرة لحد ما زهره تحضرلك أوضتك." أشارت بالموافقة فأوقفته الخالة: "تيجي معاك على فين ياياسين؟ أنت باين عليك نسيت عوايدنا ولا إيه؟ فصاح ياسين باعتراض: "مانسيتش يامــا، مانسيتش. وماتقلقيش، هسيب الباب مفتوح."

قبض ياسين بكف يده على ذراع مشيرة يجذبها خلفه أمام نظرات كل الموجودين. *** فعل ما قال إنه لن يفعله، أغلق الباب خلفه بقوة بعدما تملك الغضب منه، سائلاً تلك الواقفة أمامه: "إنتِ بتعملي إيه هنا يامشيرة؟ فاقتربت منه خطوة قائلة: "اتصلت بيك كتير على الموبايل ما كنتش بترد، بعتلك على الواتساب مكنتش بيهون عليك حتى تفتح المسج. قلقت عليك ياياسين." فقال بنبرة متعجبة: "وده مالفتش نظرك لحاجة؟ ابتلعت هي ريقها فأجابت مؤكدة:

"أكيد، وعشان كده قلقت عليك." فصاح بها هو بصرخة مكتومة: "تقومي تيجي يامشيرة؟ أنتِ اتجننتي؟ "أيوه أجي ياياسين، أنتَ قولت يوم والتاني بالكتير هترجع ألمانيا، مع إن كنت معترضة إنك تيجي عشان عارفة اللي هيحصل واللي كنت متأكدة منه حصل. النهارده تالت يوم وماجيتش ولا حتى اتصلت." "وأنتِ مين اداكي الحق عشان تعترضي أو توافقي من أساسه؟ أنا أعمل اللي أنا عايزه يامشيرة، أنتِ فاهمة؟ استدار وأعطاها ظهره يتقدم خطوة للأمام،

فأوقفته بكلمتها التالية: "طيب وعمــار مالهوش الحق كمان إنه يعترض؟ ولا لما شوفت حبيبة القلب نسيتني ونسيت عمار؟ طيب لو أنا مش في دماغك، عمار مش وحشك؟ مش عايز تشوفه؟ ده حتى كاتب لي وسألني عليك 3 أيام وانت بعيد عنه، دي ماحصلتش قبل كده. ياسين إيه اللي جرى لك؟ أستدار وهو ينظر لها باستغراب مما قالته للتو، فكرر كلماتها وهو يقول: "بتقولي مين اللي كتب لك وسأل عني؟ لم تدرك الذي قالته إلا بعد أن رأت نظراته الغاضبة لها،

فقالت بتلقائية: "عمار. لاقيت ورق جنبي ومكتوب فيه إنك وحشته وبيسأل عليك. إيه قولت حاجة غلط؟ أنتَ مش عايزاه يسأل عليك؟ ده كان كل شوية يكتب لي إنه خايف شمس تبعدكم عن بعض. عشان كده هو اللي قالي أجي وأجيبك معايا." على الرغم من المشاعر السيئة التي يمتلكها الآن، إلا أنه جاوب بهدوء: "إنتِ كدابة يامشيرة. عمـــار معايا هنا ووراكي."

ابتسم عمار وهو يسند بظهره على خزانة الملابس من خلفها، ينظر إليها بابتسامة ساخرة ويلوح يدهُ لها بعدما رفع حاجبه بابتسامة ساخرة. أغمضت هي عينيها وضربت بكف يدها على جبينها، فنطق ياسين قائلاً: "شكلك بقى وحش أوي مش كده. إيه مش هتسلمي عليه؟ ابتسمت ابتسامة بلهاء تستدير ببطء، ترفع كف يدها تلوح له قائلة: "هــاي عمار."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...