هَـمَسَ "ياسين" بأذنيها: _أنا هاروح أركن العربية في مكان قريب وأنتَ اطلع العيادة يا "يزن" وأنا هطلع وراكم. أشار "يزن" برأسه بالموافقة. ضغط "ياسين" على المكابح مسرعاً وكأنه يهرب من شيء ما، ربما من عدم النظر إليها، أو ربما من نفسه هو نفسه. لا يعلم. *** ربما هناك ألم بداخل صدورنا، مهما حاولنا إخفاءه، تفضحه الأعين بمجرد النظر إليهما.
لاحظ "بربروس" الحزن بعيون "مارال" من آخر محادثة بينهما، وهي تحاول تجنب حديثه. بحث عنها بعينيه حتى شعر بها. هي الآن بداخل غرفة غدير، تضب أغراضها بحقيبتها تستعد للمغادرة. لم يستطع الدخول ولكنه انتظر بالخارج، حتى لا يكونا بمفردهما بداخل غرفة مغلقة. انتهت هي مما تفعله، تنادي على غدير من الداخل. لم تجب عليها حتى خرجت تبحث عنها، لتجده أمامها. صنع "بربروس" عدم معرفته بتجاهلها له، فبدأ بقول: _أنويتي العودة؟ فأجابت،
تنظر بعيون باحثة عن غدير: _آه.. ماشوفتش غدي. تجاهل سؤالها وهو يصوب نظره تجاهها أكثر: _أسنعود بتلك السرعة؟ كمشت حاجبيها وهي تصوب نظرها تجاهه، تكرر كلمته: _سنعود!! بالتأكيد، فلن أتركك تعودين بمفردك. تحركت من أمامه تجاوبه: _بيبيوس أنا مش عيلة صغيرة وزي ما عرفت أجيب لوحدي، أكيد هعرف أروح لوحدي. استدار بوجهه يتابعها بعينيه تبتعد عنه، يتجاهل ما قالته قائلاً بسخرية بصوت عالٍ نسبياً: _حسناً، خذيني أنتِ معك لأني ضللت الطريق.
ابتسمت مارال دون أن تنظر خلفها، فأكملت طريقها تبحث عن غدير بالخارج. *** دخل "يزن" بخطوات بطيئة مترددة للعيادة، يخشى أن يصل إليها ويضطر لسماع ما يؤكد بإصابة حبيبته "سارة" بهذا المرض اللعين. يتقدم نحو الممرضة على أمل أن ينفي الدكتور ما بالأشعة التي أحضرها معه. ابتلع ريقه بتردد وهو يردد: _في حجز باسم سارة العربي. أشارت الممرضة برأسها بالإيجاب بعدما تحققت من دفتر المواعيد:
_آيوة يا فندم، بس للأسف الدكتور هيتأخر النهارده شوية، لو تسمحوا تقعدوا تستنوه. هو قدامه بالظبط نص ساعة. أشارت "سارة" برأسها بالموافقة بعدما قرأت اليافطة المكتوب عليها تخصص الطبيب. جلست على المقعد سائلة "يزن" بهمس: _دكتور مخ وأعصاب؟ ليه يايزن؟ فمال هو بوجهه هامساً بأذنها: _إنتِ هبلة يا سارة، إنتِ مش بتحسي بصداع ودوخة في راسك؟ هوديكي فين غير مخ وأعصاب.
ذمت على شفتيها من كثرة اهتمامه بهذا الدوران الخفيف الذي شعرت به. فلم يأتي ببالها قط بأن يكون لديها ذلك المرض الخبيث. وقفت "شمس" بعدما رفضت الجلوس، تسأل الممرضة عن الدكتور "سمير فايز" إذا كان بالقرب من هنا. فأجابتها الممرضة تشير بإصبعها جهة اليسار: _تقصدي دكتور سمير، دكتور أمراض نفسية وعصبية. أشارت "شمس" رأسها بالإيجاب: _أيوه هو. استكملت الممرضة أجابتها قائلة: _هتلاقيه بعدنا بشارعين، برج الجوهره، الدور الرابع.
ابتسمت شمس بسمة شاكرة لها، تاركة إياها تخبر يزن وسارة قائلة: _طالما الدكتور هيتأخر شوية، هاروح أعمل حاجة جيت عشانها مخصوص. فردت "سارة" مسرعة: _طيب افرضي اتأخرتي، ماتقلقيش، معايا تليفوني في الشنطة، أول ما تخلصوا رنوا عليا على طول. اعترض "يزن" على طلبها وهو يقول: _لأ يا شمس، إحنا جينا مع بعض وهنمشي سوا، استني نكشف ونيجي معاكي مكان ما تحبي. فأجابته بعينين راجيتين:
_أرجوك يا "يزن"، أنا مش هتأخر، عشان خاطري سيبني أمشي قبل ما ييجي ياسين، أنا هسأل عن حاجة قريبة من هنا وهاجي بسرعة. تنهد بعد إلحاحها، وهو يخبرها بما استمعت له برضا: _طيب، ماتتأخريش، ساعة بالكتير وتكوني هنا. هتصل بيكي كل شوية. أشارت برأسها وهي مبتسمة، تبتعد عنهم ناحية الباب: _مش هتأخر، مسافة السكة. ***
لم تطأ قدمه العيادة حتى الآن. كان يتسكع في الطرقات محاولاً تجنبها على أي حال. فأتاه اتصال في هذه اللحظة ليجد المتصل "الطبيب علي". رد وهو متوقع سيل الأسئلة التي ستنطلق عليه الآن. ليسمع صوت "الطبيب" يقول: _إنتَ أخدت "شمس" معاك ياياسين؟ رد عليه بإيجاز: _مش أنا اللي أخدتها، هي اللي جت فمشيت. وصل إلى مسامعه تعنيف "زهره" الشديد، تلك الواقفة بجوار "الطبيب" تتحدث بصوت عالٍ، عل صوتها يصل له: _يعني إيه هي اللي جت؟
وإزاي تاخدها وتمشي من غير ما تقول لحد؟ أنا بنتي مش هتركب معاك لوحدها، أكيد أنتَ اللي أجبرتها. أضاف بعض البرود بكلامه يحاول استفزازها أكثر: _سكت الولية اللي جنبك دي يا علي. حاول "الطبيب" إضفاء بعض الهدوء لفض النار المشتعلة بين الاثنين: _ياسين، ارجوك، زهره مراتي وشمس بنتها، ومن حقها تقلق عليها. هنا ظهر ضجره جلياً وهو يقول:
_أنا ساكتلها بس عشان هي مراتك يا علي، وبعدين أنا ما أجبرتهاش تيجي معايا زي ما هي بتقول، هي اللي ركبت معانا بإرادتها. فأتت "غدير" من خلف الطبيب تدعم كلامه: _أيوه أنا شوفتها يا طنط زهره وهي بتركب معاهم أول ما عرفت إنهم رايحين أسيوط، وياسين ما اتكلمش أصلاً. رمقت مشيرة غدير بنظرات، لو كانت النظرات سيوف لقطعتها أربًا. فأكد عليها الطبيب: _إنتِ متأكدة يا غدير إن مش هو اللي قالها تعالي معانا؟ فأجابت مسرعة
تؤكد كلامها مرة أخرى: _آيوة متأكدة.. وبالعكس، دي سارة هي اللي قالت لها تعالي معانا، مش ياسين، وهي ما صدقت وركبت معاهم على طول. _طيب هي فين دلوقتي؟ أدهاني. قالتها زهره بانفعال جراء فعلتها الهوجاء هذه. فأجاب هو بالنفي: _مش معايا. اتصلي بيها على موبايلها، هي مع يزن وسارة. تنفست مشيرة بارتياح عندما علمت بعدم تواجدها معه. فردت زهره بعصبية أكثر: _ما لو كان تليفونها معاها كنت اتصلت بيها، وأنا هتصل بيك ليه؟
شمس ناسيه تليفونها هنا. زفر "ياسين" بتعب وتابع بقوله: _خلاص، هاروح لهم أنا العيادة وهخليها تكلمك من هناك. كاد الطبيب أن يغلق الهاتف، فهتفت مشيرة برجاء: _ينفع ما تقفلش. مد "الطبيب" كف يده بالهاتف لها. فأغلقت زر المكبر، واضعة الهاتف على أذنها، قائلة بحنان تبتعد عنهم بخطوات بطيئة: _ياسين، أنت كويس؟ طمني عليك. مسد على عنقه بتعب، يشير برأسه بالإيجاب: _أنا كويس يا مشيرة، ماتقلقيش عليا. _أنا بس حبيت أطمن عليك مش أكتر.
ابتسم ابتسامة امتنان. فقال ببسمة حانية: _أنا آسف يا مشيرة، من ساعة ما وصلتي القرية وأنا سايبك خالص. حصل حاجات، هبقى أحكيلك عليها بعدين. أنتِ عارفة يزن مهم بالنسبة لعمار إزاي، واللي يهم عمار يهمني. بس لما أجي وأخلص اللي أنا فيه، هنقعد مع بعض زي الأول. ابتسمت ابتسامة عريضة، وأخذت نفس عميق تتحدث بامتنان: _أنا قولت إنك نسيتني لما رجعت لأهلك وناسك. فرد عليها بثقة مما يقول:
_أنا ما أقدرش أنساكي يا مشيرة، ولا أنسى اللي عملتيه معايا ووقفتك جنبي طول العشر سنين اللي فاتوا. ابتسمت متابعة: _أنا مهما عملت معاك مش هنسى وقفتك جنبي في يوم. كاد أن يغلق الهاتف، فتحدثت هي مسرعة تخبره بما تذكرته للتو: _ياسين صح.. نسيت أقولك، أنا عارفة إنك بتحب الشيري كولا، فحطيتهالك في الإزايز اللي بتحبها، وهتلاقيها في درج العربية. شكرها بامتنان على اهتمامها بأدق تفاصيله. فأغلقت الهاتف تتنهد بارتياح من حديثه معها.
***
هناك طرقات تجبرنا على تذكر ما نحاول نسيانه، وهذا ما تفعله هذه الطرقات بـ "شمس" الآن. حين مر أمام عينيها أحداث من السنين الماضية، نفس الشوارع، نفس المحلات، ونفس الفندق. نعم، هذا الفندق الذي قضت به ليلة هي وعمار. مضى على سيرها في هذه الطرقات أكثر من عشر سنوات. طرقات يركضون بها هرباً من "ياسين"، وهي الآن تركض بنفس الطرقات لتداوي نفس الشخص الذي كان سبباً في هروبهما وفزعهما، وهو "ياسين".. غريبة هي الحياة، وكذلك الأيام، أليس كذلك!!
أخيراً، بعدما أرهقت عينيها بالبحث، وقع نظرها على يافطة دكتور "سمير فايز". ابتسمت بعدما أخذت وقتها الكافي في البحث عنه، صعدت إلى عيادته تنتظر دورها. ولم تنتظر كثيراً حتى وجدت الممرضة تنطق باسمها. دخلت وهي مترددة بالدخول، فحثتها نبرته المطمئنة على التكلم بارتياح، جعلها تنتزع جزء من مخاوفها: _أهلاً بيكي، قبل أي شيء، عايز أقولك خدي نفس عميق وحاولي ترتاحي، شايف نظراتك متوترة. جلست أمامه تفرك بأصابعها وبدأت بقول:
_بصراحة آه، أول مرة أدخل عيادة دكتور نفسي. _حد قالك إن الدكاترة النفسيين بيخوفوا؟ كان هذا سؤاله. فردت هي مسرعة: _ما قصدتش بس. فهم هو مقصدها، فتابع بقول: _المرض النفسي زيه زي المرض العضوي بالظبط يا آنسة. نظر في الورق أمامه الموضوع عليه اسمها. فبادرت هي بقول: _شمس، اسمي شمس. _تشرفنا يا آنسة شمس. قوليلي إيه اللي خلاكي تقرري إنك تتعالجي نفسياً؟ إيه الأعراض اللي بتحصلك؟ _لأ، ده مش أنا.
كان هذا جوابها، جواب سريع دون تردد. فابتسم "الطبيب" على سرعتها في التحدث، مما جعله يسأل: _أومال لمين؟ ابتلعت ريقها بعيون زائغة تحاول أن تستجمع كلماتها هاربة من سؤاله: _ممكن أسأل حضرتك شوية أسئلة؟ فأجاب بالتأكيد. فاسترسلت حديثها:
_لو شخص عزيز على حد أوي ومات، والشخص اللي عند حد ده مات، له بقى بيتكلم زيه، وساعات بيبقى نفس نبرة صوته ونظرة عيونه، وحتى كلامه وجمله اللي كان دايماً بيقولها الشخص المتوفي ده. ومش بس كده، وأوقات كمان بيتكلم معاه، واحتمال كبير إنه بيأذي نفسه وبيطعن نفسه. يبقى هو كده بقى مجنون ومحتاج يتعالج؟ ابتسم الطبيب على أسئلتها التلقائية، فأجاب بهدوء، يترك مقعده على المكتب ويجلس بالمقعد المقابل لها:
_المريض النفسي عمره ما كان مجنون يا شمس. المريض النفسي، زي ما قولتلك قبل كده، بيبقى زيه زي أي مرض عضوي بيحصلنا. وممكن كمان المرض النفسي بيأذينا أكتر من المرض العضوي أحياناً. _يعني بيتعالج؟
_أكيد بيتعالج، بس لو هو عاوز يتعالج. أنتِ دلوقتي قولتيلي كام حاجة ما أقدرش أبداً أقرر منهم وأشخص حالته بالظبط. لازم المريض ييجي، وأول شيء بسأله إذا كان مدمن أو لأ، لأن الإدمان عامل قوي يخلي الشخص يصاب بأنواع كتير من الأمراض النفسية. _لأ.. لأ، مش مدمن خالص. كانت كلماتها سريعة وبدون أي مقدمات. فسألها الطبيب السؤال التالي: _طيب، الشخص المتوفي ده يقرب له إيه؟ طالعته بهدوء قبل أن تقول بنبرة حزينة: _ابنه. ابتلعت غصة مريرة
في حلقها قبل أن تضيف: _ومكانش يعرف إنه ابنه. عرف إنه ابنه اللي بيدور عليه سنين، قبل ما يموت بثواني، مات وهو في حضنه. ترقرقت عيناها بالدموع تتذكر تلك الليلة القاتمة: _مات ما بين إيديه. صرخ صرخة قلوبنا اترجت لما صرخها من كتر وجع قلبه عليه. كنا كلنا حواليه، بس مرة واحدة ومن غير أي مقدمات، وقف وقام بص للزاوية اللي في القبو.. هتفت بإصرار امتزج مع وجعها:
_أيوه، أنا فاكرة كويس إنه بص للزاوية اللي في القبو وابتسم، بعد ما كان بيصرخ بكل ما فيه. ابتسم ابتسامة مش هنساه أبداً، وكأنه كان شايف اللي ضاع منه من سنين. ساب جثة ابنه، وبعد ما كان
بيصرخ عليه قال بكل بساطة: أنا ماشي. كلنا كنا مستغربين إزاي يسيب جثمان ابنه وهو حتى ما دفنش ده. جسمه لسه ما بردش، بعد ما كان هيموت عليه. مشي وغاب عنا عشر سنين، بس لما رجع، ما رجعش ياسين، رجع واحد تاني. بيكلم نفسه، بيكلم بنبرة ابنه، بيحاول يأذي نفسه وبيطعن نفسه بالسكين. نظراته المرعبة، وبالذات وأنا معاه، زي ما يكون عمار ابنه عايز يقولي: أنا عايش، ما متش. مسحت بأصابعها وجنتيها بعد انهيار دموعها قائلة:
_حاسة إنه موجود بوجوده، وياريته كان موجود حقيقي. مد "الطبيب" كف يده بالمناديل: _اتفضلي، امسحي دموعك. مدت كف يدها تمسح دموعها بعدما أخذت نفس، وكأنها غريق تتنفس الهواء. فتابع الطبيب أسئلته: _الظاهر إن المرحوم كان غالي عليكم أوي، الله يرحمه. فتابع بقول: _بصي يا آنسة شمس، بعد كل اللي قولتي ده، وبعد ما حاولت أربط الخيوط ببعضها، قدرت أكون شكل مبدئي بمرضه، وهو مرض نفسي اسمه (بارانويا)
، أو بمعنى أصح، اسمه جنون الارتياب. بس قبل ما أكمل، حابب أعرف علاقته بالمتوفي كانت عاملة إزاي قبل ما يموت؟ يعني كانت علاقتهم كويسة ببعض، بما إنه مكانش يعرف إنه ابنه؟ سؤال جديد سأله الطبيب، فردت هي بحزن: _للأسف، كانوا بيكرهوا بعض جداً. _ما تعرفيش إيه سبب كرههم لبعض؟ سؤال مفاجئ من جديد يربكها، فصمتت لثوانٍ، تابعت بتردد تبتلع ريقها: _للأسف، أنا.. أنا السبب في كرههم لبعض. فسأل بعدم فهم: _معلش، توضحيلي أكتر؟
ليه كنتي السبب في كرههم لبعض؟ فأجابت بنبرة متقطعة تنظر للأسفل، تعيد خصلاتها الأمامية بأطراف أصابعها للخلف بتوتر: _اصل.. اصل الاتنين.. الاتنين كانوا بيحبوني. كمش حاجبيه باستغراب وصمت لثوانٍ، فرفعت هي رأسها تطالع ملامح وجهه. من يراه الآن يقسم بأن ملامحه خالية من أي تعبير. لم يعد يستوعب ما قالته للتو. فأدرك صمته سائلاً: _أب وابنه بيحبواكي إزاي؟
أنا قابلتني حالات كتير، بس أول مرة أشوف أب وابن بيحبوا نفس البنت. أولاً، فرق السن، بما إنه أب، أكيد راجل مسن، مش قادر يقف على حيله. إيه اللي يخليه يبص لمراهقة زيك؟ طالما من عشر سنين، وياسين ده عنده كام سنة؟ أسئلة.. أسئلة كثيرة. ماذا تخبره؟ هل تقول له بأنه مستذئب، مهما مر عليه الزمن لا يشيخ أبداً؟ هل تخبره بأنها هجينة؟ هل سيصدق حقاً؟ أدركت المأزق الذي وضعت نفسها به. ابتسمت ابتسامة مصطنعة للمرة الأولى
في هذا اللقاء قائلة: _أقصد هو أخوه، بس كان دايماً بيعتبره ابنه، وكان بيدور عليه، بس للأسف فقد الذاكرة، ولما رجعتله الذاكرة عرف إن ده أخوه. أنا بس التعبير خانى من كتر ما هو دايماً بيقول إنه بيعتبره ابنه. كاذبة.. لم تستطع قول الحقيقة. فمن سيصدقها على كل حال. تنهد "الطبيب" بارتياح عند سماعه بأنه شقيقه وليس والده، فأجابها ببسمة مريحة:
_بصي يا شمس.. أنا هجاوبك على بعض الأسئلة اللي سألتيني عليها واحدة واحدة. ياسين لما عمار مات ما بين إيديه، عقله ما استوعبش إنه فقده. عقله ما قدرش يتحمل فقده، كان ممكن وقتها يتحول للجنون، بس عقله هنا عمل حصن منيع عشان ما يفقدش قدرته، وابتدى يكون شخصية في دماغه بالحاجة اللي كان عايزها تحصل، وهي إن عمار يفضل عايش. وده سبب إن ياسين بص في الزاوية زي ما قولتي. هنا، في اللحظة دي، هو كان شايفه قدامه، ولما ابتسم، الصورة اللي
كونها في دماغه هي اللي كانت بتبتسم له. وهنا عقله محى ذكرى وفاته، واتمسحت خالص. كان لازم الشخصية اللي اتكونت دي تؤمره بالرحيل عن جثمان عمار، لأنه لو كان شافه وهو جثة وشافه وهو واقف قدامه، كان ساعتها هيتحول للجنون، فكان لازم يمشي. تاني شيء، وهو إن جنون الارتياب ده بيكون شخصيات كتيرة، في منها المؤذي وفي منها اللي بيدعمك. يعني مثلاً، لو كان عمار مات وهو بيحب ياسين والاتنين كويسين جداً مع بعض، فكان هيظهر له بنفس الصورة
بأنه طيب وبيدعمه وبيتمناله الخير دايماً. أما في حالة ياسين، فالاتنين كانوا بيكرهوا بعض زي ما قولتي، فبالتأكيد الشخصية اللي عقله هيكونها هتكون شخصية مؤذية وهتفضل تأذيه لحد ما يقتل نفسه في يوم، أو حد من اللي حواليه.
وقفت من على مقعدها بهلع تكرر كلماته: _يقتل نفسه؟ _آه، وكمان يأذي اللي حواليه، ويفقد السيطرة على نفسه لما تجيله نوبة منهم، وقتها ما بيكونش شايف قدامه. لازم يهدى، لازم يشعر إن في حد جنبه ويحتويه، قبل ما يرتكب فعل يندم عليه لما يفوق. مرض ارتياب الجنون، للأسف، من أسوأ وأعنف أنواع المرض النفسي. نظرت له ببسمة متوجعة وهي تقول: _طيب والعمل يا دكتور؟
_العمل إنه لازم يتعالج قبل ما يأذي نفسه واللي حواليه أكتر من كده، ويكون هو عايز يتعالج. ده سبب رئيسي عشان يخف. لا يوجد أمامها خيار سوى الموافقة: _هحاول. أنهت حديثها لتخرج بهدوء. فوقفت تنظر خلفها تسأله: _لو حبيت أتواصل مع حضرتك وما قدرتش أجي هنا، أتواصل مع حضرتك إزاي تاني؟ قال وهو يقوم بمد كف يده بالكارت الخاص به:
_للأسف، ده كان آخر يوم ليا في العيادة النهارده. بعد كده هبقى في عيادتي اللي في القاهرة، وهاجي هنا قليل أوي. لو تقدري تجيبهولي القاهرة، أنا هكون في العنوان والمواعيد اللي عندك في الكارت. حاولي ما تتأخريش في علاجه، امبارح أفضل من النهارده.
أشارت برأسها بالموافقة ببسمة مكسورة، تنظر بالكارت في يديها. خرجت من عند "الطبيب" لتجد توغل الليل، فعمت العتمة. كم مر من الوقت وهي بالداخل، استوعبت مرور الساعات وكأنها كالدقائق. فتحت حقيبتها لتبحث عن هاتفها، فبالتأكيد وردتها اتصالاتهم. ظلت تبحث بداخل الحقيبة بعشوائية، فلم تجده. ضربت بكف يدها على جبينها، تمسح بيدها على وجهها بضيق عندما تذكرت بأنها قد نسيت هاتفها في غرفتها. هرولت مسرعة إلى الخارج تنظر هنا وهناك تبحث
بعينيها عن الشارع. ما زالت تهرول بين الطرقات تبحث عن النقود بداخل حقيبتها، فوجدت أنها لم تحضر نقوداً أيضاً. قررت الذهاب إلى العيادة وهي على يقين بأنها قد أغلقت الآن، بالتأكيد تركوها وحدها ورحلوا. وعلى الرغم من ذلك، مدت خطواتها أسرع، ربما ينتظرونها هناك. حتى وصلت للمبنى تهرول على الدرج بأنفاس مقطوعة. وصلت أخيراً لتجد الباب مغلقاً، والإضاءة خافتة تنبعث إضاءة خفيفة من الطابق العلوي. ظلت تدق بيديها دقات متواصلة على
الباب، ربما يوجد أحد بالداخل، ولكن دون استجابة. حتى راودها شعور الإحباط. الآن توقفت عن دقاتها، فهذا ما كانت تتوقعه، ولكن كان هناك أمل صغير أن ينتظرها أحدهم. ماذا تفعل؟
لا هاتف، ولا نقود، فكيف تعود إلى قريتها؟ أغلقت عينيها وخرجت من داخلها تنهيدة يائسة. استدارت بجسدها تستعد للرحيل، فوقع على مسامعها صوته وهو يجلس على الدرج بانتظارها، وهو يقول بصوت حازم: _كنتِ فين؟ دب بقلبها شعور بالطمأنينة عند سماع صوته. رفعت عيناها للأعلى لتجده يجلس على الدرج بانتظارها، أصابعه متشابكة ينظر للأسفل، يتنفس بارتياح عند وصولها بعدما أكله القلق. فكرر سؤاله من جديد، السؤال الذي لم تجيبه هي منذ دقائق:
_كنتِ فين يا شمس الوقت ده كله؟
قال آخر ثلاث كلمات ببطء شديد من بين أسنانه. هربت الدماء من عروقها، شعرت بالخوف من نبرته. فما زال على نفس وضعيته، لم يتحرك انش واحد. شعرت ببوادر نوبة كما حدثت له من قبل. فجلست بجواره دون حديث. رفعت أصابعها ببطء تضع كف يدها على ذراعه لتهدئته قليلاً. استدار بوجهه يطالع كف يدها الموضوع على ذراعه بحنان، تسارعت دقات قلبه. تنهد بخفوت يحاول تهدئة ذلك الغبي الذي يضرب بالقرب منها، فهي ستشعر باضطرابه. فردت هي دون تفكير:
_أنا كنت.. كنت بشتري حاجات وبتفرج على المحلات ومش فاهمة الوقت سرقني إزاي. بان الكذب في نبرتها، لذا أعطاها ابتسامة خبيثة. لاحظتها هي، فسحبت كف يدها ونظرت حولها هاربة. ولكن ثبتها قوله: _وفين الحاجات اللي اشتريتيها؟ مش شايفة حاجة في إيدك. وقفت أمامه تعطيه ظهرها تفرك بأصابعها بقلق: _ما هو اصل.. اصل أنا كنت... فبتر هو حديثها قائلاً ببرود مستفز: _يلا، اكذبي كذبة تانية.. ولا أقولك.. استني، أنا مش مهتم.
ليست هي الكاذبة الوحيدة الآن، فهو أيضاً يكذب. فضوله ينهشه من داخله، ولكنه سبقها يهرول على الدرج، وهي تتبعه. يزن وسارة مستنيين، ياريت مانتأخرش عليهم أكتر من كده. *** تحمل حقيبتها بين كفيها، تضعها بالسيارة. تنظر خلفها تطالعه ببرود: _كان ممكن تفضل مع دكتور علي يا بيبيوس، مش لازم تيجي دلوقتي. يدرك موقفها جيداً، يدرك الضجة التي أحدثها بداخل عقلها بحديثه الأخير معها، لذا حاول تقبل كل كلمة تتفوه بها بصدر رحب:
_أعتقد هذا يكفي، فجلوسي في القرية أكثر من ذلك لا فائدة منه. فقالت دون تردد تقلد طريقته: _وجلوسك في الحياة أيضاً لا فائدة منه يا شيخنا. أغلقت حقيبة السيارة بانزعاج وصعدت على الفور، تاركة إياه خلفها يحاول استيعاب ما قالته منذ ثوانٍ. فتذكر كم قسى عليها من قبل. تنهد بعمق محاولاً ألا يفقد أعصابه. فصعد بالمقعد الأمامي، فأمر السائق بالتحرك إلى محطة القطار. ***
كان يجلس على مكتبه يضع أمامه كتاب الكيمياء الذي رسب به، واضعاً على أذنه سماعة الرأس يستمع إلى الموسيقى المفضلة له. يستذكر دروسه جيداً، فغداً هو يوم اختباره. دخلت عليه هامسة تحاول أن تقترب منه ببطء حتى أمسكت بكتابه فجأة قائلة: _بتعمل إيه؟ كان هذا سؤال غدير بعدما دلفت غرفته دون استئذان. انزعج من دخولها هكذا، فطالعها بانزعاج يملأ عينيه. هتف بإصرار قائلاً:
_غدير، إحنا ما بقيناش عيال صغيرة عشان تدخلي عليا كده مرة واحدة من غير ما تستأذني. قولتلك ألف مرة قبل كده، على الأقل خبطي، افرضي كنت بغير هدومي أو مش لابس أصلاً، أو حتى بعمل حاجة مش عايزك تعرفيها. لم تأخذ حديثه على محمل الجد كعادتها، فجلست على فراشه تربع قدميها ممسكة بكتابه تخبره بمشاكسة: _ياسلام، وده من إمتى يا حسان؟
ما أنا طول عمري بدخل عليك عادي، مش معنى الأيام دي يعني. وبعدين أنا بعتبرك أخويا زي رعد وداغر كده، إحنا متربيين سوا، وأعرف عنك كل حاجة زي ما أنتَ تعرف عني كل حاجة. إيه اللي جد يا ابني؟ _عشان إحنا مش إخوات. جحظت عيناه وقال جملته بثبات يؤكد ما قاله من جديد:
_أيوه يا غدير، إحنا مش إخوات. مش معنى إنك بتيجي تقضي هنا كل إجازة طول العشر سنين اللي فاتوا تبقي أختي.. أنا ما بطلبش كتير، كل اللي بطلبه إنك تخبطي مش أكتر قبل ما تدخلي، زي ما أنتِ عندك خصوصياتك، أنا كمان كبرت وعندي خصوصيات.
نبرته الجادة أحرجتها. لم تعتد على حديثه هذا، فهو بمثابة أخ لها، ولكن كلماته كانت كالصفعات على وجهها. غزت الحمرة وجهها، تتمنى لو تنشق الأرض وتبلعها الآن. أشارت برأسها بعيون دامعة تبتلع ريقها بصعوبة، تشير بكتفيها: _تمام.. ماكنتش أعرف إني بضايقك أوي كده. أنا أصلاً مش هدخل عليك تاني، ماتقلقش. رحلت صافعة الباب خلفها. هز رأسه وعيناه لا تفارق الباب قائلاً بجدية: _تمام يا غدير.
رحلت "غدير" تهرول على الدرج. بالخارج، التفتت خلف المنزل ودموعها تنهمر على وجنتيها بعدما فتحت قفل الدراجة الخاصة بها. صعدت على الدراجة تقودها بين الطرقات المظلمة، على يسارها البحيرة، وعلى يمينها الحقول. ينساب الهواء بين خصلات شعرها القصير. كانت تقود الدراجة بسرعة كبيرة في المناطق الوعرة. وعلى حين غرة ودون أن تشعر، ظهر أمامها فتى يقف بطريقها. لم تستطع أن تقف بالدراجة في الوقت المناسب، تسمع صوته قائلاً:
_حاسبي.. حاسبي يا آنسة. لم تستطع كبح الفرامل لتصطدم به بعنف شديد. سقط الفتى للخلف على الأرض، لتقع هي فوقه والدراجة تقع عليها، فأصبح هو بالأسفل قائلاً من بين أسنانه بألم يظهر بنبرة صوته: _مش قولتلك حاسبي يا آنسة. قالت بوجه باكي: _مكانش قصدي. *** كان حاضراً بالسيارة خلف المبنى الخاص بالعيادة. حث "شمس" على الركوب وهو يلوح لها بكف يده على استعجال: _اركبِ. أمسكت بمقبض الباب وقبل أن تصعد السيارة، قالت سائلة:
_هو إحنا رايحين فين؟ وهو يركب على مقعده جوارها: _هخطفك. أدار سيارته قبل صعودها، فحنى رأسه يطالعها سائلاً بعصبية: _هتطلعي ولا أمشي؟ قال جملته، يضغط بقدمه على مكابح الوقود، يستعد للرحيل. هو هكذا، مربك دائماً. لا يوجد أمامها اختيار سوى الصعود معه. وقبل أن تغلق الباب، ضغط على المكابح على استعجال، يشق الطريق شقاً. راوده اتصال. فنظرت "شمس" على شاشة هاتفه دون أن تلمسه. عقدت حاجبيها باستغراب تنظر لاسم المتصل مستفهمة:
_عملي الأسود!! مين عملك الأسود ده؟ _أمك. قالها سريعاً دون تردد، فاستكمل حديثه دون أن ينظر إليها: _ردي عليها بقى عشان أخلص من صداعها. تنهدت وهي تبلع ريقها، تستعد لسيل الأسئلة التي ستواجهها الآن: _أيوه يا ماما. انتظرت حتى انتهت زهره من توبيخها، ثم أردفت: _ضيعني إيه بس يا ماما، أنا عيلة صغيرة، أنا بس كنت... فقاطعتها زهره توبخها من جديد، تتوعد لها عند عودتها:
_خلاص يا ماما. خلاص، عشان خاطري، لما أروح أنا خلاص في الطريق راجعة. ابتسم "ياسين" بخبث على تأكيدها لها، حتى أوقف السيارة لتجد نفسها أمام محطة القطار، يأتي يزن مسرعاً: _اتأخرتوا كده ليه؟ القطر قدامه تلات دقايق ويمشي. شعرت بأنها لا تفهم شيئاً. لا تعلم حتى إلى أين وجهتهم الآن. وقف "يزن" مقابلها بنفس متقطع:
_يلا يا شمس، مافيش وقت. إحنا لازم ننزل القاهرة. سارة مستنيانا في القطر. ماينفعش نسيبك تروحي القرية لوحدك في وقت زي ده. وقفت تفكر في والدتها لثوانٍ. تراهم أمامها يصعدون للقطار. صعد "ياسين" ومن خلفه "يزن" يقفان على باب القطار، وهي ما زالت واقفة. هل تصعد حقاً معهم؟ ماذا عن والدتها؟
وضع "ياسين" يديه بجيوبه الخلفية خلف يزن، يطالعها بابتسامة شامته، يرى عيناها الحائرة. تحرك القطار ببطء في بادئ الأمر، فمد "يزن" كف يده لـ "شمس" يحثها على الصعود: _يلا يا شمس، مش هينفع نسيبك هنا. ودون أن تشعر، مدت كف يدها لـ "يزن" وصعدت معهم. تركها يزن وتقدم إلى الأمام. تراه يبتعد عنها وهو يقول: _تعالي، أوديكي لسارة. تجمدت قدماها من الذهول. هل حقاً صعدت معهم إلى القطار؟
لا تعلم إلى أين سترحل. فابتسم ياسين بسمة شامته ومال بوجهه هامساً بأذنيها: _ده إنتِ هتتنفخي. *** ده أنا هنفخها.. بس لما تجيني. قالت زهره كلمتها وهي في قمة نرفزتها، تضرب كف بأخرى. _اهدي يا زهره، مش كده. حاول "الطبيب" تهدئة "زهره" قليلاً، فردت بعصبية: _ما أنتَ طبعاً حاطط إيدك في الماية الباردة يا سي علي ومش حاسس بيا. وهتحس بيا إزاي وإنتَ عمرك ما هتحس باللي أنا حاسة بيه، ولا عمرك هتبقى أب، ولا هتخلف في يوم.
قالت كلماتها دون وعي لما تقوله. نزلت كلماتها كالصاعقة تشق قلبه نصفين. طالعها بعدم تصديق مما قالته. فعقدت "مشيرة" حاجبها باستغراب، فهمست لنفسها قائلة: _معقول؟ حتى علي كمان طلع ما بيخلفش. حاول أن يهدأ ولا يقدم على فعل شيء يندم عليه بعد الآن: _أنا صحيح ما بخلفش، بس أنتِ كنتِ بنتي الصغيرة. كان هذا رده الذي تبعه بقول:
_زي ما بتخافي على شمس، أنا كمان بخاف عليها يا زهره. وبخاف على أي حد هنا، بالرغم إنه مش من دمي. شمس طلعت القطر معاهم بمزاجها، مش غصب عنها.. أنا عارف إنك مش عايزاها تبقى مع ياسين.. بس اللي أنا متأكد منه، إنك لو لفيتي الدنيا كلها، مش هتلاقي حد يخاف عليها ويحميها أكتر من ياسين. وسبب إني ما بخلفش، إنتِ عرفاه كويس ورضيتي بيا قبل ما نتجوز، فما تجيش دلوقتي تعاقبيني بحاجة غصب عني.
قال كلماته تاركاً إياها خلفه، تراه يبتعد عن ناظريها. ما الذي تفوهت به تلك الحمقاء؟ أخذت تؤنب حالها على ما قالته. فنطقت اسمه حتى توقفه: _علي.. استنى. لم يستمع لها تاركاً إياها يغادر المنزل. فأوقفتها الخالة تضرب بعصاها الأرض: _سبيه يا زهره.. سبيه يعيد حساباته.. وانتِ كمان يا بتي، عيدي حساباتك من أول وجديد، قبل ما تخسري علي وتضيعيه من بين إيديكي.
ابتلعت مشيرة ريقها. فرؤية الخالة تشعرها بالتوتر. هيبتها.. كلامها الحكيم.. نظرتها المدانة دائماً، وكأنها تخبرها بأنها ستكشفها يوماً ما. أسرعت بالدخول إلى غرفتها ممسكة بكف زهره، تأخذها معها داخل الغرفة. ***
كانت تجلس أمام الباب بالقطار وهو مسرعاً. تستطيع سماع أصوات بوق القطارات من حولك. تسند هي بظهرها على إحدى الجوانب، تنظر إلى الحقول والمباني، تتنفس الهواء مع نسماته الباردة. فأتى "بربروس" يجلس في الجهة المقابلة لها. أدارت وجهها مسرعة تطالع الخضرة مع سرعة القطار. فبدأ هو حديثه قائلاً: _أعلم ما بداخلك كما أعلم جيداً سبب معاملتك لي، ولكنكِ طلبتي مني سائلة أن أقنعك بدين الإسلام. فلا ذنب لي يا مارال.
ما أن أدركت ما قاله حتى وقفت مسرعة تبتعد عنه. قبض بكف يده على معصم يدها. فنزلت بعينيها إلى موضع يده. فسحب كف يده مسرعاً من عليها يقول بعيون راجية: _أرجوكي اجلسي.. فأنا لا أتحمل لحظة يحمل بها قلبك شيئاً ضدي. ابتلعت ريقها، تعود أدراجها جالسة تنظر له بعيون باكية. فنطق هو بما لا تريد البوح به، فقال بلطف: _حسناً، لقد سمعتني. أريد سماعك الآن. لما كل هذا الغضب؟ قولي ما عندك، فأنا أحتاج لسماعه. _إنتَ غلطت يا بيدقوس.
ابتسم هامساً لنفسه. حسناً، لقد عادت تناديني ببيدقوس. وهذا شيء مطمئن. فأكملت هي حديثها: _غلطت لما قلت إن إحنا بنعبد 3 آلهة. الكلام ده غلط أوي. إحنا بنؤمن بإله واحد بس، ما عندناش تعدد آلهة. بسم الآب والابن والروح القدس دي، زي مثلاً الشمس بتطلع نور وحرارة وضوء، ومع ذلك هي كيان واحد، هي الشمس، فاهمني يا بيدقوس؟ كانت تشرح له بغضب عارم. حاول ألا يتحدث معها أكثر من ذلك. حاول أن يمتص غضبها، يشير برأسه بالموافقة:
_أفهمك يا مارال.. حسناً، دعينا لا نتحدث بالدين. "لكم دينكم ولي دين". هل توافقينني على ذلك؟ أشارت برأسها بالموافقة، فمسح على وجهها بأنامله دموعها التي كانت تنهمر بغزارة. يحتضن عينه عيناها بحب. فابتسمت هي ابتسامة من بين دموعها. فطلب منها مرة أخرى ما يتمناه منذ سنين: _أتتقبلين أن تكوني زوجتي يامارال؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة. حاولت الحديث من وسط نحيبها، فخرجت الكلمات متقطعة: _أأ.. أيوه.. أيوه.. أتجوزك يا بيدقوس.
ابتسم ابتسامة عريضة زادت من وسامته وهو يصرخ بأعلى صوته بالقطار: _ربـــــــــــاه. *** كان يستلقي بظهره على سقف القطار، يضع كف يده خلف رقبته يطالع السماء والنجوم المترصعة بها. بين أصابع كفه الآخر سيجاره ينفخ بها ما يريد إخراجه من صدره. يعبث الهواء بخصلات شعره الكثيف ههنا وهناك. تلاحقت أنفاسه في صورة غير منتظمة. حاول كثيراً أن ينام، ولكن النوم هجره عقله. لا يتوقف عن التفكير بـ "شمس". أين ذهبت ولماذا تكذب؟
أخذ نفساً آخر من سيجارته ينفخ بها بزهق. تراوده أفكار لا يستطيع إخراج تلك الأفكار من عقله. *** _شمس، كنتِ فين كل ده؟ جلست بجوارها تطالعها بهدوء: _بلاش أقولك يا سارة، كنت فين، أصل مش عايزة أكذب عليكي، وفي نفس الوقت مش عايزة أقول. همست "سارة" إليها قائلة: _إيه ده، للدرجة دي الموضوع كبير؟ أشارت برأسها بالإيجاب، فأكملت سارة حديثها:
_اسكتي، ده ياسين كان هيموت عليكي، كان عامل زي المجنون. ما سابش حتة إلا لما دور عليكي فيها، كان بيتحرك بسرعة جداً، مهمهوش إذا حد يشوفه ولا لأ. راح الفندق اللي كنتي فيه مع عمار، وراح كمان شقة الدكتور علي، بس غريبة، مش عارفة ليه بيقول عليها شقة يزن وعمار. فردت سائلة: _هو قال كده؟ _أيوه، لولا إن الدكتور طلب أشعة وتحاليل لازم تتعمل في مصر، يزن مكانش خلانا نسافر. معلش بقى عشان سافرنا فجأة. ابتسمت "شمس" تهز رأسها بلطف:
_ما تفكريش فيا، أنا أهم حاجة إنتِ. وضعت "سارة" يدها على ذراعها بابتسامة واسعة: _عارفة ياسين فين؟ بعدم فهم: _لأ، هيكون فين؟ رفعت سبابتها تشير إلى الأعلى قائلة: _فوق القطر، ابن المجنونة. هزت "شمس" كتفيها ببراءة: _ياسين.. هتتوقعي منه إيه غير كده. أتى "يزن" يمد كف يده إلى سارة: _سارة، عايزك. طالعت شمس قائلة: _طيب عن إذنك يا شمس.
نظرت "شمس" إلى الأعلى وابتسمت وهي تجلس على المقعد بجوار النافذة، تسند برأسها على الزجاج تتابع بعينيها الطريق. رائحة السفر بكل مكان. الهواء الشديد. تحرك القطار بسرعة كبيرة. إضاءة خافتة تعتمد على ضوء القمر في الرؤية. أخرجت من حقيبتها مذكرته التي لا تفارقها يوماً. أخذت تقرأ ما بها من جديد، تتخيله ممسك بقلمه، يجلس على البحيرة المقربة إلى قلبه وهو يكتب:
"عاداتي مع النساء غريبة. أكره لمستهن لي. ولكني أستمتع بدماؤهن الدافئة عند غرزي أنيابي بأجسادهن. ولكن أمامها هي، كل ما أريده هو أن تتجول يداها الجميلتان هاتان على جسدي بحرية، تكتشف جسدي كما لم تفعل امرأة من قبل. اللعنة عليك يا قلبي، لماذا هي؟ لما "شمس"؟ هي حقاً امرأة مميزة. حتى اسمها مميز مثلها. أظنني سأتذكر هذا الاسم لوقتاً طويلاً."
جاء قطار آخر بسرعة كبيرة بجانب قطارهما، فأحدث ضجة عالية. أغلقت المذكرة تحتضنها بين أضلعها، تخرج من صدرها تنهيدة دافئة. تطالع النافذة بجوارها، كم تتمنى لو أحضرت معها الهاند فري مع أغاني "حمزة نمرة" المطرب المفضل دائماً وأبداً إليها، فهذه الأجواء تحتاج لأغانيه الآن. وقبل أن يرمش لها جفن، وجدته بجوارها. انتفضت بانزعاج تطالعه بجوارها دون أن تتحدث. فنطق هو بما لا يصح قوله: _إيه؟ بتفكري فيه ولا إيه؟
ابتلعت ريقها وهي تحتضن المذكرة بين يديها بإحكام، تحاول تغطيتها بيديها حتى لا يلاحظها هو، وتطالعه بحذر سائلة: _تقصد مين؟ همس لها بشيء ما في أذنها جعل الدماء تغلي في عروقها بلا رحمة. وتابع هو بعد أن ابتعد يعود للخلف بخطوات بطيئة ووجه لها رافعاً كفه ببراءة، متابعاً حديثه: _اللي كنتِ عنده.. فريد طبعاً.. ولا في غيره. اتهامه لها واضح وصريح. فحذرته بنظراتها قبل حديثها: _ياسين.. بلاش غضبك يخليك تقول كلام مالهوش لازمة.
هتف باستهزاء من حديثها: _غريبة.. مع إني مابقولش كلام مالهوش لازمة. وقبل أن تنطق، اختفى من أمامها. بحثت عنه بكل مكان بالقطار فلم تجده من جديد. فعلمت أين هو. بالتأكيد عاد إلى سطح القطار. انتظرت حتى توقف القطار أخيراً وهبط كل من فيه. خرجت من المحطة تهتف باسمه. يتحرك أمامها بخطوات سريعة حتى جذبته من ذراعه قائلة بعصبية: _ياسين.. استنى، أنا بكلمك. مسح وجهُ بضيق قائلاً: _عايزة إيه يا شمس؟ _إيه اللي إنتَ قولته ده؟
إنتَ عارف إنتَ بتتهمني بإيه؟ كانت الأجواء مشتعلة والنظرات المتبادلة تكاد تحرق الجميع. فرد بسخرية: _كذبيني؟ قالت بعيون هاربة: _أنا هقولك، بس مش دلوقتي. في نفس التوقيت، هناك من يراقبهما، يجلس خالد رفيق "فريد" على الموتور الخاص به يراقبهما عن كثب. يتحدث بالسماعة إلى فريد: _أيوه يا فريد باشا، أنا شايفهم قدامي. انتظر خالد حتى أكمل فريد، فأجابه بإيقان:
_يا فريد باشا، أنا شايفه وهو بيطلع على سطح القطر بسرعة رهيبة. أنا متأكد إن الواد ده وراه حاجة. انتظر ثوانٍ ثم تابع: _تمام يا فريد باشا، ماتقلقش عليها. أنا عايزك تقلق عليه هو. طالع خالد شمس وياسين وهو يرتدي خوذته، وجدهما والنار تشتعل بينهما أكثر. _شمس، إنتِ ما تهمينيش. أنا بس صعبان عليا أمك العقربة اللي فاكرة إن أنا هبقى السبب في ضياعك.
كان يتحدث بغضب عارم. من يراه يقسم وكأن أشباح الموت تتراقص على وجهه من كثرة غضبه. حاولت أن تحتويه فقالت بنبرة متقطعة: _أنا مش هرد عليك، بس أنا بس عايزة أقولك إن ما فيش فريد ده. أصر د "ياسين" على قولها: _يبقى في غيره. صاحت بغضب وهي تتخطاه: _تاني ياياسين، برضوا بتكررها تاني؟ وبعدين إنتَ مالك أصلاً مهتم تعرف أوي كده ليه؟
_عشان كنتِ معايا.. والمفروض إن طول ما إنتِ معايا، أبقى عارف إنتِ فين. غير كده لأ. ماتخليش خيالك المريض يصورلك في يوم إنك تهميني. إنتِ لو بتتقطعي قدامي، هفضل أتفرج عليكي من بعيد.
تركها ورحل، تراه يبعد عن ناظريها حتى اختفى تماماً. تركها واقفة في صدمة وذهول مما تفوه به من حماقات سخيفة. سقط قلبها أرضاً، شعرت وكأن الأرض لا تتسع لهما سوياً. لم ترض أبداً عن أي مما قاله. حاولت منع دموعها من النزول، ولكن دموعها كان لها رأي آخر. لم تشعر بما حولها. فاقترب ذاك الفتى منها بسرعة. لم تشعر به. كانت شارده بما يشغل بالها الآن. فتح زجاجة بها ماء نار مركز، يلقيه على وجهها. نظرت إلى الزجاجة برعب دب بقلبها.
استسلمت تماماً، فلم يكن هناك أي مكان للاختباء. كل شيء حدث بسرعة غريبة. حتى وجدته هو يقف أمامها، ذاك الجدار البشري يحميها بجسده، يضمها إلى صدره، يستقبل هو ماء النار كلها على ظهره بدلاً منها. أسرع خالد بالدراجة البخارية، وهناك من يصور ذلك. احترقت سترته واحترق ظهره بالكامل. فتحت هي عينيها. لم تكن صدمة بقدر ما كانت دهشة. دهشة غريبة تشبه فرحة الخائف عند شعوره بالاطمئنان. وبالرغم مما هو فيه الآن، فكان أول ما قاله بنبرة
متقطعة
تحمل من الألم ما يكفي: _أطمني.. أنتِ بخير يا شمس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!