شعور العجز مقيت، فهو الأن عاجز أمام رغباته، رغبات "عمار" التي تزداد سوءٍ يوماً تلو الآخر. يتردد إلى ذهنه آخر كلماته وهو يؤمره بقتلها، ما عاد يعنيه نفسه بشيء، فهو مستعد بالتضحية بنفسه طالما "عمار" رغب بذلك، ولكن "شمس" ما ذنبها؟ هل حقاً تستحق الموت؟ وجد نفسه ينخرط بذكرى داخل عقله، وتلك الرجفة التي أصابتها عندما حاوط كفه كفها الصغير، يحتضن عين عينيه بصدق.
فاق من تلك الذكرى التي حدثت بينهما منذ ساعات قليلة، فوقف يتحداه مجدداً للمرة الثانية، يطالع عينيه بتحدي. "مش هقتلـ ـها ياعمار" هُناك حزن يرغمك على الكلام، وهناك حزن يرغمك على البكاء، ولكن أشد أنواع الحزن هو ما يرغمك على الصمت، عدم البوح بما بداخلك، ألم داخل صدرك، وحمل يثقل كاهلك. هو الأن يجلس بداخل غرفة مظلمة، تناسبه وتناسب حالته تماماً، يتقلب على فراشه يساراً ويميناً، يجاهد لأخذ حقه من النوم.
محاولات عدة قام بها "يزن" لأرغام نفسه على النوم حتى تهدأ تلك العاصفة بداخل رأسه، ولكن محاولاته باءت بالفشل، فما علمه منذ قليل لم يكن بالهين. محاولة تهدئة نفسه والتصرف بحكمة لم تجدي نفعاً، حاول التنفس وكأن أحدهم سرق أنفاسه. فخرج من غرفته يبحث عن ياسين، ظناً منه بأن ربما لديه الحل، قام بمهاتفته ولكن دون إجابة.
لم يمنعه ذلك من البحث عنه، ظل يسير هنا وهناك لا يعلم إلى أين ستأخذه قدماه، كل ما يريده هو التقاط بعض من أنفاسه الهاربة وإيجاده. لا يعلم كيف قادته قدماه أمام مقبرته، مقبرة نصفه الآخر ورفيق دربه. وجد "ياسين" يقف هناك أمام المقبرة، يتحدث إلى الفراغ أمامه قائلاً بضجر، بنبرة تحمل من الغضـ ـب ما يكفي: "قولتلك مش هقتلـ ـها" قال جملته بصوتٍ مزعج، نبرة خشنة.
لم يستطع يزن تمييز ما قاله، فانكمش حاجبـ ـه بريبة مما يحدث، وعاد خطوة للخلف. فانزلقت إحدى قدميه بصخرة، استدار "ياسين" بجسده يطالعه وهو يعود للخلف، ووجهـ ـه مقابل لهُ يوجه له حديثه: "أنتَ كنت بتكلم مين ياياسين؟ رأى "ياسين" الذعر على ملامح وجهـ ـه، حاول أن يطمئنهُ، محارباً خوفه الذي وصل ذروته. استدار ينظر أمامه من جديد، فلم يجد "عمار". تنفس بعمق وهو يستنكر ما قاله يزن للتو: "تقصد إيه؟ رفع ذراعه للأعلى وهو يشير
بأصبعه على اللوح الرخامي: "أنتَ كُنت لسه حالاً بتبص للوح الرخامي اللي مكتوب عليه اسم عمار وكأنك بتكلمه، وقولت جملة ماقدرتش أميزها.. قولت مش هقولها.. أو.. مش عارف ماقدرتش أسمعها كويس" تطلع لـ "يزن" وغزت ابتسامة ظهرت على فمه، محاولاً بها إخفاء حقيقة ما سرده يزن للتو: "من ساعة ما جيت هنا وأنا بحب أجي أتكلم مع عمار في أي حاجة، بحس إنه موجود معايا.. بس أنتَ بقى إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟
وجه له سؤاله وكأنه ينتظر فقط أن يسأله أحد ليفيض بما بداخله: "أنا كمان بعمل كده لما بكون مخنوق، مابلاقيش غيره أتكلم معاه، بلاقي رجلي بتجيبني هنا لوحدها وكأنها عارفة طريقها. أنا المفروض كنت بدور عليك، جيت هنا إزاي مش عارف" حاوطه "ياسين" بنظراته قبل أن يحادثه: "أنا كنت حاسس إن في حاجة من وقت ما خرجنا من المستشفى، كنت حاسس بيك" فقال "يزن" دون تردد وهو يبتلع ريقه بنبرة يملؤها التوتر:
"عارف، عشان كده لاجئتلك، وعارف إن عندك الحل" انكمش حاجب "ياسين" يطالعه باستغراب، فجلس "يزن" بجانب اللوح الرخامي يتكئ بظهره عليه، يرفع نظره يطالعه بنظرة راجية: "هتساعدني ياياسين؟ أكد "ياسين" على كلمته دون تردد: "أكيد، لو أقدر أساعدك مش هتأخر يايزن" قال سؤاله وهو يجلس بجواره: "الأشعة طلع فيها إيه يايزن؟ كان هذا سؤال "ياسين"، فجاوبه "يزن" بشفة مرتعشة لا يقدر على نطقها: "كانسر" ظهر على وجه "ياسين" الذهول، فتابع "يزن"
حديثه: "في المرحلة التانية.. سارة ماينفعش يجرالها حاجة ياياسين، أنا فتحت عيني على الدنيا دي، لاقيتها هي وعمار قدامي. ما عرفتليش لا أب ولا أم، هي وعمار كانوا كل أهلي، وبعد عمار هي اللي سندتني عشان أقدر أقوم على رجليا من جديد وأكمل" حرك كتفيه يسأل بعينين أوشك الحزن على قتلهما: "أنتَ مش هتسمح إنها تمـ ـوت صح ياياسين؟ علم "ياسين" مقصده، فأطبق الصمت. استقام "يزن" واقفاً أمامه يسأل بجسد يرتجف كل أنـ ـبهِ وعينان دخلا
في ملحمة عظيمة من الدموع: "أنتَ مابتردش عليا ليه؟ أجابه "ياسين" وهو يقف أمامه، لمعت عينيه بلمعة حزينة وهو يجاوبه:
"علشان لو أنتَ مفكر إن بعد اللعنة في إيدي شيء أعمله تبقى غلطان. بعد اللعنة ما تجددت كل واحد عنده موهبة راحت منه، ولو تقصد إنـ ـي أحولها فده ممكن.. بس هتمـ ـوت. اللعنة معموله عشان كده يا "يزن"، عشان مانتكاثرش، واللي نحوله هيبقى ضعيف شهر والتاني وهيمـ ـوت. أي حد اتحول بعد اللعنة بيمـ ـوت، وأنتَ عارف كده كويس" نزلت دموع "يزن"، فحاول "ياسين" الاقتراب منه ناطقاً:
"أنا لو في إيدي شيء مش هستناك حتى تطلب. أنا نفسي مابقيتش زي الأول، بقيت ضعيف. اللعنة كل يوم بيعدي بتنهش في قوتنا، أه مش بيبان على شكلنا، بس إحنا بنضعف وهييجي علينا يوم هنكبر ونمـ ـوت مهما مرت من سنين" فنطق "يزن" مستفسراً بعدم فهم: "يعني إيه.. يعني أنتَ هتسيبها تمـ ـوت زي ما سيبت عمار يمـ ـوت؟ أطلق كلماته كسهم، فبعض الكلمات كالقبور لا يشعر صاحبها كم أنها ممـ ـيتة، ولكنها تترك أثر بقلب المستمع. طالعه "يزن" بجدية
أكثر وهو يسترسل حديثه: "أيوه.. مستغرب ليه؟ وكأنك مش عارف إنك السبب في مـ ـوته. لو ماكنتش سيبته يواجه العربي لوحده كان زمانه عايش وسطنا. لو كنت حطيت إيدك في إيده من الأول وماكنتش بتتخانق معاه على شمس كنتوا هتبقوا إيد واحدة" ظهر "عمار" من جديد يقف خلف "يزن"، يبتسم ابتسامة داعمة لما يقوله "يزن"، فنطق بقهر وهو يقف أمامه:
"أنا اتقهرت منك وقلبي اتشرخ لما شوفتك سيبته ومشيت وهو لسه سايح في د مه، مشيت وبعدت عنه.. طول عمرك بعيد في حياته وحتى في مـ ـوته، ماهانش عليك تفضل جنبه وتدفنه؟ مادورتش على حل إنه يفضل عايش؟ سيبته واختفيت وهو قلبه بره جسمه" طالع ياسين ذاك الفراغ خلف "يزن"، فأشار "عمار" برأسه لهُ يميناً ويساراً ينفي ما قاله "يزن" للتو: "لاء ماتصدقهوش، أنا عايش ماموتش ياياسين"
لاحظ "يزن" شرود "ياسين" وكأنه يطالع أحداً خلفه، استدار بجسده ليرى من خلفه فلم يجد سوى الفراغ وراءه، فنظر لياسين مجدداً: "أنتَ حتى مش مهتم باللي بقولهولك. أنا حاسس إني لوحدي وبكلم نفسي، أنا إيه اللي خلاني أفكر للحظة إنك ممكن تقف جنبي وتساعدني؟ أنتَ عمرك ما كنت ولا هتبقى زي عمااار" استدار بجسده يستعد للمغادرة، يمسح وجنتيه بكف يده من دموعه المنهمرة، فأوقفته كلمات "ياسين" التالية:
"سارة مش هتمـ ـوت، مش هتبقى لوحدك، عشان أنا مش هسيبك في يوم يايزن. هنجرب دكتور واتنين وتلاتة، هنسافر تتعالج بره لو مافيش أمل هنا. ماتفقدش أملك في الله. أنا عارف إن الكلام اللي بقولهولك ده أنا آخر واحد تسمعه مني، بس لو أنتَ ضعفت سارة هتضعف بيك ومش هتكمل، بس وجودي جنبك هيقويك. أنا مابأسش، أنا ممكن ماكونش زي عمار، بس هعمل كل جهدي عشان أرجع أشوف البسمة على وشك من جديد أنتَ وسارة. ولو مافيش أمل من شفائها هحاول مع أمي عشانها حتى لو المحاولة هتجيب على حسابي.. بس مش عايزك تيأس، أنتَ لسه في الأول والمشوار قدامنا طويل"
كلماته مشابهة لكلمات "عمار" بالماضي، فكلما كان يقع بمشكلة يلجأ إليه كالعادة، ويوعده عمار بأنه سيظل بجواره حتى يخرج من ذلك المأزق. صدق كلماته، فكانت كل كلمة يقولها كان يقولها بنبرة صادقة وبنظرات تبعث الطمأنينة بقلب المتلقي. كسا أعين "يزن" بريق نادم على ما قاله، ارتمى بأحضان ياسين يبكي، يريد أن يفيض بكل همه داخل ضلوعه، ورحب ياسين بذلك. ما أجمل الوصول لغرفتك الخاصة بعد يوم متعب.
فتحت "شمس" غرفتها لتجد كلا من "حسان وغدير" ينتظرونها بالداخل، يجلسون بالشرفة يضعون أمامهم أطباق بها حبات اللب وبعض من المكسرات. أشارت غدير بكف يدها على المقعد المجاور لها وهي تمضغ اللب بأسنانها: "تعالي مستنيينك" انتزعت "شمس" سترتها وألقتها على الفراش بملل وهي تقول: "لا لا.. مش وقته النهارده خالص، أنا تعبانة أوي وهمـ ـوت وأنام، نبقى نقعد مع بعض وقت تاني" وضع حسان الحامل الذي وضع عليه أكواب العصير وهو يقول بتحذير:
"خلي بالك، أنا عندي امتحانات الأيام اللي جاية ولو مقعدناش مع بعض دلوقتي، مش هنقعد تاني أقلها أسبوعين" وافقت "شمس" بعد الضغط عليها من الاثنين، واتخذت مقعدها في الشرفة بجانب غدير، سائلة: "ومن أمتى ياحسان بتهتم بامتحاناتك أوي كده؟ لاء وكمان عارف معاد الامتحان ده، فيه تطور كبير" ضحكت "غدير" ورمقت "حسان" بتشفي: "أصل ياسين حذره لو مانجحش في الملحقين هيشرب من د مه، وأنتِ عارفة ياسين يعملها بجد"
انكمشت ملامح "شمس" تتصنع الصدمة وهي تقول لـ "حسان" بعتاب: "يعني هو لازم حد يهددك عشان تذاكر؟ ماينفعش تذاكر لوحدك أبداً وتنجح لنفسك مش عشان حد؟ سمعوا طرق الباب، فكانت الطارقة هي سارة، فتحت باب الغرفة لتجدهم يجلسون بالشرفة، وتبعتها "مارال". لم تجد مقاعد شاغرة، فوضعت الوسادة على الأرضية وجلسوا هما الاثنان عليها، فبدأت سارة الحديث: "سمعنا صوتكم من البلكونة عرفنا إنكم صاحيين، مانمتوش"
التقطت "شمس" بعض من حبات اللب والمكسرات تضعها بكف سارة وهي تقول: "دخلت لاقيتهم مجهزين القاعدة زي زمان. خيي ما عملتوا، أنا أصلاً مكنش جايلي نوم النهاردة، حاولت أنام ما عرفتش" كان هذا رد مارال، وتابعه قول سارة: "أنا بقى ببص من الشباك لاقيت يزن نزل من أوضته وما جاش لحد دلوقتي، وبتصل بيه مابيردش، قلقانة عليه أوي" أخبرها "حسان" ببساطة شديدة، دعمتها ابتسامة:
"ماتقلقيش، أنا شوفت ياسين وهو ماشي ويزن بعدها مشي وراه، أكيد هما مع بعض دلوقتي، وطالما مع ياسين فامتقلقيش عليه" فردت "غدير" مسرعة: "بما إننا جبنا سيرة ياسين، بصوا لاقيت إيه على الفيس وأنا بقلب من يومين" فردت مارال والفضول يسبقها: "لاقيتي إيه ياذبـ ـلة؟ "أكونت ياسين، بصوا كاتب إيه على البيو بتاعه" أخرجت هاتفها وانحنى الجميع يصوبون نظراتهم تجاه شاشة هاتفها، فأكملت هي حديثها قائلة:
"ياترى والجاموسة بتولد الطور بيحزأ ليه" ضحك الجميع بعدم فهم على جملته، مستفسرين ما معنى هذه الجملة الغريبة، باستثنائها هي، فهي الوحيدة التي تعلم معناها جيداً، فهي ليست مجرد جملة عادية بالنسبة له. تنهدت "شمس" وهي تتذكر سنين مضت من عمرها، ولكنها تركت أثر كبير فيها:
"كانت قد بلغت عامها الخامس عشر، اليوم هو يوم ميلادها، ومثل كل عام لا يسمح بمرور يومها المميز كيوم عادي. نزل إلى القبو بعدما وضع قرص المنوم بداخل شراب خليله المربية بعدما تأكد بأنها قد استغرقت بالنوم، فمد لها كف يده وهو يحاول أن لا يصدر أي صوت حتى لا يسمعه "الضبع"، فاخبرها هامساً:
"أنا عارف إنك ما طلعتيش من هنا وماتعرفيش في إيه بره ولا شوفتي السما قبل كده ولا شميتي هوا نضيف. أنا هخرجك بره، اعتبري خروجك ده هدية عيد ميلادك زي كل سنة. بس أوعي تعملي صوت، الضبع لو حس إني خرجتك هيـ ـقتلـ ـنا احنا الاتنين سوا، هو آه عجوز بس جبار". قالها ببسمة حانية، فأشارت برأسها بالموافقة، فهي تتوق للخروج منذ سنين. عادت إلى الواقع عندما نطقت غدير بصوت مرتفع:
"طلع عيني لحد ما قبل طلب الصداقة، وأصلاً كان قافل الأكونت بتاعه، بس لما قبله وقلبت في الصور لاقيت صوره كلها لوحده" كانت تقلب الشاشة على جميع صوره، فأوقفها حسان على صورة وهو يمسك بذئب أبيض بين يديه، يحني ركبتيه وينظر له بابتسامة ساحرة، فقالت سارة بعدم تصديق: "الذئب ده شبه شيزار أوي" وجهت حديثها إلى مارال: "فاكراه يامارال؟ "أكيد فاكياه، ده شبه بتاع داغي" نفت غدير ما قالاه للتو: "هو شبه بس مش هو، شيزار مميز عن الذئب ده"
فسأل حسان سؤاله: "بس مش غريبة كل الصور الجامدة دي ومش معاه ولا صورة ليه هو ومشيره؟ فطالعته غدير قائلة: "لاء، استني لي صورة هو والعقربة مشيرة دي، بس هي عملاله منشن فيها عشان كده ظاهرة عنده" بحثت غدير عن الصورة حتى وجدتها: "آهيه" أتى صوت "مارال" تخبرها بعدم فهم: "هو ماله بعيد عنها في الصورة كده ليه؟ معقول دول اتنين المفيوض بيحبوا بعض وهيتجوزوا؟ مسحت سارة على خصلاتها مردفة بضحك:
"أقطع دراعي لو ما كان هيتجوزها تخليص حق، مش لايقين على بعض خالص" كانت "شمس" تستمع لما يقولون دون أن تتدخل في حديثهما، فسألها "حسان" قائلاً: "وأنتِ إيه رأيك ياشمس؟ هو فعلاً واخدها تخليص حق؟ فأجابت بعيون زائغة تأكد ما ستقوله: "ياسين اللي أعرفه مابيعملش حاجة غصب عنه" أمسكت سارة بالهاتف بلهفة تشاهد صور أخرى لهُ: "أوبا، الصورة دي جامدة أوي وهو حاطط البيزونت عليه تحفة" فوافقها حسان قائلاً: "والعربية اللي ساند عليها رهيبة"
فأكملت غدير حديثهما: "ما دي عربيته، شوفته قبل كده صدفة وهو سايقها ومشيرة جنبه" ارتفع حاجبي "مارال" بتفكير وهي تسأل: "بس أنا بموت وأعاف، هي الجاموسة لما بتولد الطور بيحزأ ليه؟ ماتعيفيش انتي ياشمس؟ انخرطت للمرة الثانية بنفس الذكرى، كل شيء يتجسد أمامها الآن، تستطيع الآن أن ترى نفسها وهي تقف بجواره بمنتصف القرية، بعدما حرص هو على الخروج ليلاً لعدم استطاعتها الرؤية عندما تكون الشمس بمنتصف السماء.
فوجدت "شمس" أمامها جاموسة وبجانبها طور، تقدمت نحوهم تاركة ياسين خلفها، تنظر لهما بانبهار، فهذه هي المرة الأولى التي ترى بها شيئ كهذا. طالعت "ياسين" وكانت نظراتها مليئة بالتساؤل، فأجابها دون أن تنطق: "اللي بقرنين ده اسمه طور، أما اللي جنبه دي اسمها جاموسة" كانت تسير على أطرافها الأربعة، فلاحظت معاناة الجاموسة، فنظر "ياسين" إلى الجاموسة بترقب: "دي باين عليها بتولد، بس عارفة المشكلة في إيه؟
أنا عارف إنها بتولد بس مش فاهم الطور ده بيحزأ جنبها ليه؟ ارتسمت الأبتسامة على ملامحها عند تذكر هذه الذكرى البسيطة، ففاقت من شرودها على صوت زهره وهي تجذبها من مرفقها بعنف داخل غرفتها: "كل ده يابت المهدي مع ياسين بتعملوا إيه؟ قالت جملتها بضجر، فردت "ساره" مدافعة عنها: "مع ياسين إيه ياطنط زهره، شمس كانت معايا ماسبتنيش لحظة من وقت ما مشينا من هنا، حتى لما دخلت أعمل أشعة ياسين استناني بره، هو ويزن وشمس دخلت معايا"
ضربت "ساره" مرفق "شمس" وأشارت لها برأسها حتى تدعم كلامها، فجذبت "شمس" مرفقها من كف "زهره" تنفي ما قالته "ساره" للتو: "أنا مش عايزة أكذب عليكي ياأمي، أنا ممكن أقول أيوه أنا ماسيبتهاش وأنتِ هتصدقي وهتطلعي من هنا مرضية وراضية وأبقى كذبت عليكي وأنا مش عايزة أكذب عليكي. أنا فضلت مع ياسين بره شوية وسارة بتعمل الأشعة ويزن هو اللي دخل معاها مش أنا" بدى الإحراج ملياً على وجه "ساره"، فقالت ببسمة مصطنعة تداري بها كذبتها:
"أنا كنت بحاول أهدي النفوس يازهورتي" صكت "زهره" على أسنانها تطالع ابنتها بحذر، فأكملت "شمس" حديثها: "ياماما، ياماما أنا مابقتش العيلة الصغيرة بتاعت زمان خلاص" فردت "زهره" مسرعة: "وأنتِ مهما كبرتي مش هتكبري على أمك ياشمس" قالت بعيون راجية وهي تمسد على شعر ابنتها برفق: "أنتِ ليه مش قادرة تفهمي؟ أنا مش عايز اكي تشوفي اللي أنا شوفته، عايزاكي تعيشي عيشة أحسن مني ألف مرة" فابتسمت "ساره" وارتفع صوتها قائلة:
"أيوه بقى يا "زهور"، حني على البت ووريها حنانك" دخلت غدير من الشرفة يتبعها حسان قائلاً: "أنا كنت فاكر هيبقى فيه دم النهاردة" فابتسمت "زهره" وهي تضمه إلى صدرها بحنان: "ربنا يبعد عننا الدم يابني" أخذت تطالع كلا من شمس وحسان تضمهم إلى صدرها أكثر: "أنتوا عيالي اللي طلعت بيكم من الدنيا وماليش غيركم وعمري ما هحب ولا هخاف على حد زيكم في يوم" فطالعت غدير بعيون لامعة متحدثة بنبرة هادئة:
"حتى غدير ربتها معاكم ووسطيكم لما كانت بتيجي هنا كل إجازة.. ربي العالم أنا بخاف عليكم قد إيه وياخوفي من اللي جاي ياولادي"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"قولتلك مش هقتلـ ـها ياعمار" هُناك حزن يرغمك على الكلام، وهناك حزن يرغمك على البكاء، ولكن أشد أنواع الحزن هو ما يرغمك على الصمت، عدم البوح بما بداخلك، ألم داخل صدرك، وحمل يثقل كاهلك. هو الأن يجلس بداخل غرفة مظلمة، تناسبه وتناسب حالته تماماً، يتقلب على فراشه يساراً ويميناً، يجاهد لأخذ حقه من النوم.
محاولات عدة قام بها "يزن" لأرغام نفسه على النوم حتى تهدأ تلك العاصفة بداخل رأسه، ولكن محاولاته باءت بالفشل، فما علمه منذ قليل لم يكن بالهين. محاولة تهدئة نفسه والتصرف بحكمة لم تجدي نفعاً، حاول التنفس وكأن أحدهم سرق أنفاسه. فخرج من غرفته يبحث عن ياسين، ظناً منه بأن ربما لديه الحل، قام بمهاتفته ولكن دون إجابة.
لم يمنعه ذلك من البحث عنه، ظل يسير هنا وهناك لا يعلم إلى أين ستأخذه قدماه، كل ما يريده هو التقاط بعض من أنفاسه الهاربة وإيجاده. لا يعلم كيف قادته قدماه أمام مقبرته، مقبرة نصفه الآخر ورفيق دربه. وجد "ياسين" يقف هناك أمام المقبرة، يتحدث إلى الفراغ أمامه قائلاً بضجر، بنبرة تحمل من الغضـ ـب ما يكفي: "قولتلك مش هقتلـ ـها" قال جملته بصوتٍ مزعج، نبرة خشنة.
لم يستطع يزن تمييز ما قاله، فانكمش حاجبـ ـه بريبة مما يحدث، وعاد خطوة للخلف. فانزلقت إحدى قدميه بصخرة، استدار "ياسين" بجسده يطالعه وهو يعود للخلف، ووجهـ ـه مقابل لهُ يوجه له حديثه: "أنتَ كنت بتكلم مين ياياسين؟ رأى "ياسين" الذعر على ملامح وجهـ ـه، حاول أن يطمئنهُ، محارباً خوفه الذي وصل ذروته. استدار ينظر أمامه من جديد، فلم يجد "عمار". تنفس بعمق وهو يستنكر ما قاله يزن للتو: "تقصد إيه؟ رفع ذراعه للأعلى وهو يشير
بأصبعه على اللوح الرخامي: "أنتَ كُنت لسه حالاً بتبص للوح الرخامي اللي مكتوب عليه اسم عمار وكأنك بتكلمه، وقولت جملة ماقدرتش أميزها.. قولت مش هقولها.. أو.. مش عارف ماقدرتش أسمعها كويس" تطلع لـ "يزن" وغزت ابتسامة ظهرت على فمه، محاولاً بها إخفاء حقيقة ما سرده يزن للتو: "من ساعة ما جيت هنا وأنا بحب أجي أتكلم مع عمار في أي حاجة، بحس إنه موجود معايا.. بس أنتَ بقى إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟
وجه له سؤاله وكأنه ينتظر فقط أن يسأله أحد ليفيض بما بداخله: "أنا كمان بعمل كده لما بكون مخنوق، مابلاقيش غيره أتكلم معاه، بلاقي رجلي بتجيبني هنا لوحدها وكأنها عارفة طريقها. أنا المفروض كنت بدور عليك، جيت هنا إزاي مش عارف" حاوطه "ياسين" بنظراته قبل أن يحادثه: "أنا كنت حاسس إن في حاجة من وقت ما خرجنا من المستشفى، كنت حاسس بيك" فقال "يزن" دون تردد وهو يبتلع ريقه بنبرة يملؤها التوتر:
"عارف، عشان كده لاجئتلك، وعارف إن عندك الحل" انكمش حاجب "ياسين" يطالعه باستغراب، فجلس "يزن" بجانب اللوح الرخامي يتكئ بظهره عليه، يرفع نظره يطالعه بنظرة راجية: "هتساعدني ياياسين؟ أكد "ياسين" على كلمته دون تردد: "أكيد، لو أقدر أساعدك مش هتأخر يايزن" قال سؤاله وهو يجلس بجواره: "الأشعة طلع فيها إيه يايزن؟ كان هذا سؤال "ياسين"، فجاوبه "يزن" بشفة مرتعشة لا يقدر على نطقها: "كانسر" ظهر على وجه "ياسين" الذهول، فتابع "يزن"
حديثه: "في المرحلة التانية.. سارة ماينفعش يجرالها حاجة ياياسين، أنا فتحت عيني على الدنيا دي، لاقيتها هي وعمار قدامي. ما عرفتليش لا أب ولا أم، هي وعمار كانوا كل أهلي، وبعد عمار هي اللي سندتني عشان أقدر أقوم على رجليا من جديد وأكمل" حرك كتفيه يسأل بعينين أوشك الحزن على قتلهما: "أنتَ مش هتسمح إنها تمـ ـوت صح ياياسين؟ علم "ياسين" مقصده، فأطبق الصمت. استقام "يزن" واقفاً أمامه يسأل بجسد يرتجف كل أنـ ـبهِ وعينان دخلا
في ملحمة عظيمة من الدموع: "أنتَ مابتردش عليا ليه؟ أجابه "ياسين" وهو يقف أمامه، لمعت عينيه بلمعة حزينة وهو يجاوبه:
"علشان لو أنتَ مفكر إن بعد اللعنة في إيدي شيء أعمله تبقى غلطان. بعد اللعنة ما تجددت كل واحد عنده موهبة راحت منه، ولو تقصد إنـ ـي أحولها فده ممكن.. بس هتمـ ـوت. اللعنة معموله عشان كده يا "يزن"، عشان مانتكاثرش، واللي نحوله هيبقى ضعيف شهر والتاني وهيمـ ـوت. أي حد اتحول بعد اللعنة بيمـ ـوت، وأنتَ عارف كده كويس" نزلت دموع "يزن"، فحاول "ياسين" الاقتراب منه ناطقاً:
"أنا لو في إيدي شيء مش هستناك حتى تطلب. أنا نفسي مابقيتش زي الأول، بقيت ضعيف. اللعنة كل يوم بيعدي بتنهش في قوتنا، أه مش بيبان على شكلنا، بس إحنا بنضعف وهييجي علينا يوم هنكبر ونمـ ـوت مهما مرت من سنين" فنطق "يزن" مستفسراً بعدم فهم: "يعني إيه.. يعني أنتَ هتسيبها تمـ ـوت زي ما سيبت عمار يمـ ـوت؟ أطلق كلماته كسهم، فبعض الكلمات كالقبور لا يشعر صاحبها كم أنها ممـ ـيتة، ولكنها تترك أثر بقلب المستمع. طالعه "يزن" بجدية
أكثر وهو يسترسل حديثه: "أيوه.. مستغرب ليه؟ وكأنك مش عارف إنك السبب في مـ ـوته. لو ماكنتش سيبته يواجه العربي لوحده كان زمانه عايش وسطنا. لو كنت حطيت إيدك في إيده من الأول وماكنتش بتتخانق معاه على شمس كنتوا هتبقوا إيد واحدة" ظهر "عمار" من جديد يقف خلف "يزن"، يبتسم ابتسامة داعمة لما يقوله "يزن"، فنطق بقهر وهو يقف أمامه:
"أنا اتقهرت منك وقلبي اتشرخ لما شوفتك سيبته ومشيت وهو لسه سايح في د مه، مشيت وبعدت عنه.. طول عمرك بعيد في حياته وحتى في مـ ـوته، ماهانش عليك تفضل جنبه وتدفنه؟ مادورتش على حل إنه يفضل عايش؟ سيبته واختفيت وهو قلبه بره جسمه" طالع ياسين ذاك الفراغ خلف "يزن"، فأشار "عمار" برأسه لهُ يميناً ويساراً ينفي ما قاله "يزن" للتو: "لاء ماتصدقهوش، أنا عايش ماموتش ياياسين"
لاحظ "يزن" شرود "ياسين" وكأنه يطالع أحداً خلفه، استدار بجسده ليرى من خلفه فلم يجد سوى الفراغ وراءه، فنظر لياسين مجدداً: "أنتَ حتى مش مهتم باللي بقولهولك. أنا حاسس إني لوحدي وبكلم نفسي، أنا إيه اللي خلاني أفكر للحظة إنك ممكن تقف جنبي وتساعدني؟ أنتَ عمرك ما كنت ولا هتبقى زي عمااار" استدار بجسده يستعد للمغادرة، يمسح وجنتيه بكف يده من دموعه المنهمرة، فأوقفته كلمات "ياسين" التالية:
"سارة مش هتمـ ـوت، مش هتبقى لوحدك، عشان أنا مش هسيبك في يوم يايزن. هنجرب دكتور واتنين وتلاتة، هنسافر تتعالج بره لو مافيش أمل هنا. ماتفقدش أملك في الله. أنا عارف إن الكلام اللي بقولهولك ده أنا آخر واحد تسمعه مني، بس لو أنتَ ضعفت سارة هتضعف بيك ومش هتكمل، بس وجودي جنبك هيقويك. أنا مابأسش، أنا ممكن ماكونش زي عمار، بس هعمل كل جهدي عشان أرجع أشوف البسمة على وشك من جديد أنتَ وسارة. ولو مافيش أمل من شفائها هحاول مع أمي عشانها حتى لو المحاولة هتجيب على حسابي.. بس مش عايزك تيأس، أنتَ لسه في الأول والمشوار قدامنا طويل"
كلماته مشابهة لكلمات "عمار" بالماضي، فكلما كان يقع بمشكلة يلجأ إليه كالعادة، ويوعده عمار بأنه سيظل بجواره حتى يخرج من ذلك المأزق. صدق كلماته، فكانت كل كلمة يقولها كان يقولها بنبرة صادقة وبنظرات تبعث الطمأنينة بقلب المتلقي. كسا أعين "يزن" بريق نادم على ما قاله، ارتمى بأحضان ياسين يبكي، يريد أن يفيض بكل همه داخل ضلوعه، ورحب ياسين بذلك. ما أجمل الوصول لغرفتك الخاصة بعد يوم متعب.
فتحت "شمس" غرفتها لتجد كلا من "حسان وغدير" ينتظرونها بالداخل، يجلسون بالشرفة يضعون أمامهم أطباق بها حبات اللب وبعض من المكسرات. أشارت غدير بكف يدها على المقعد المجاور لها وهي تمضغ اللب بأسنانها: "تعالي مستنيينك" انتزعت "شمس" سترتها وألقتها على الفراش بملل وهي تقول: "لا لا.. مش وقته النهارده خالص، أنا تعبانة أوي وهمـ ـوت وأنام، نبقى نقعد مع بعض وقت تاني" وضع حسان الحامل الذي وضع عليه أكواب العصير وهو يقول بتحذير:
"خلي بالك، أنا عندي امتحانات الأيام اللي جاية ولو مقعدناش مع بعض دلوقتي، مش هنقعد تاني أقلها أسبوعين" وافقت "شمس" بعد الضغط عليها من الاثنين، واتخذت مقعدها في الشرفة بجانب غدير، سائلة: "ومن أمتى ياحسان بتهتم بامتحاناتك أوي كده؟ لاء وكمان عارف معاد الامتحان ده، فيه تطور كبير" ضحكت "غدير" ورمقت "حسان" بتشفي: "أصل ياسين حذره لو مانجحش في الملحقين هيشرب من د مه، وأنتِ عارفة ياسين يعملها بجد"
انكمشت ملامح "شمس" تتصنع الصدمة وهي تقول لـ "حسان" بعتاب: "يعني هو لازم حد يهددك عشان تذاكر؟ ماينفعش تذاكر لوحدك أبداً وتنجح لنفسك مش عشان حد؟ سمعوا طرق الباب، فكانت الطارقة هي سارة، فتحت باب الغرفة لتجدهم يجلسون بالشرفة، وتبعتها "مارال". لم تجد مقاعد شاغرة، فوضعت الوسادة على الأرضية وجلسوا هما الاثنان عليها، فبدأت سارة الحديث: "سمعنا صوتكم من البلكونة عرفنا إنكم صاحيين، مانمتوش"
التقطت "شمس" بعض من حبات اللب والمكسرات تضعها بكف سارة وهي تقول: "دخلت لاقيتهم مجهزين القاعدة زي زمان. خيي ما عملتوا، أنا أصلاً مكنش جايلي نوم النهاردة، حاولت أنام ما عرفتش" كان هذا رد مارال، وتابعه قول سارة: "أنا بقى ببص من الشباك لاقيت يزن نزل من أوضته وما جاش لحد دلوقتي، وبتصل بيه مابيردش، قلقانة عليه أوي" أخبرها "حسان" ببساطة شديدة، دعمتها ابتسامة:
"ماتقلقيش، أنا شوفت ياسين وهو ماشي ويزن بعدها مشي وراه، أكيد هما مع بعض دلوقتي، وطالما مع ياسين فامتقلقيش عليه" فردت "غدير" مسرعة: "بما إننا جبنا سيرة ياسين، بصوا لاقيت إيه على الفيس وأنا بقلب من يومين" فردت مارال والفضول يسبقها: "لاقيتي إيه ياذبـ ـلة؟ "أكونت ياسين، بصوا كاتب إيه على البيو بتاعه" أخرجت هاتفها وانحنى الجميع يصوبون نظراتهم تجاه شاشة هاتفها، فأكملت هي حديثها قائلة:
"ياترى والجاموسة بتولد الطور بيحزأ ليه" ضحك الجميع بعدم فهم على جملته، مستفسرين ما معنى هذه الجملة الغريبة، باستثنائها هي، فهي الوحيدة التي تعلم معناها جيداً، فهي ليست مجرد جملة عادية بالنسبة له. تنهدت "شمس" وهي تتذكر سنين مضت من عمرها، ولكنها تركت أثر كبير فيها:
"كانت قد بلغت عامها الخامس عشر، اليوم هو يوم ميلادها، ومثل كل عام لا يسمح بمرور يومها المميز كيوم عادي. نزل إلى القبو بعدما وضع قرص المنوم بداخل شراب خليله المربية بعدما تأكد بأنها قد استغرقت بالنوم، فمد لها كف يده وهو يحاول أن لا يصدر أي صوت حتى لا يسمعه "الضبع"، فاخبرها هامساً:
"أنا عارف إنك ما طلعتيش من هنا وماتعرفيش في إيه بره ولا شوفتي السما قبل كده ولا شميتي هوا نضيف. أنا هخرجك بره، اعتبري خروجك ده هدية عيد ميلادك زي كل سنة. بس أوعي تعملي صوت، الضبع لو حس إني خرجتك هيـ ـقتلـ ـنا احنا الاتنين سوا، هو آه عجوز بس جبار". قالها ببسمة حانية، فأشارت برأسها بالموافقة، فهي تتوق للخروج منذ سنين. عادت إلى الواقع عندما نطقت غدير بصوت مرتفع:
"طلع عيني لحد ما قبل طلب الصداقة، وأصلاً كان قافل الأكونت بتاعه، بس لما قبله وقلبت في الصور لاقيت صوره كلها لوحده" كانت تقلب الشاشة على جميع صوره، فأوقفها حسان على صورة وهو يمسك بذئب أبيض بين يديه، يحني ركبتيه وينظر له بابتسامة ساحرة، فقالت سارة بعدم تصديق: "الذئب ده شبه شيزار أوي" وجهت حديثها إلى مارال: "فاكراه يامارال؟ "أكيد فاكياه، ده شبه بتاع داغي" نفت غدير ما قالاه للتو: "هو شبه بس مش هو، شيزار مميز عن الذئب ده"
فسأل حسان سؤاله: "بس مش غريبة كل الصور الجامدة دي ومش معاه ولا صورة ليه هو ومشيره؟ فطالعته غدير قائلة: "لاء، استني لي صورة هو والعقربة مشيرة دي، بس هي عملاله منشن فيها عشان كده ظاهرة عنده" بحثت غدير عن الصورة حتى وجدتها: "آهيه" أتى صوت "مارال" تخبرها بعدم فهم: "هو ماله بعيد عنها في الصورة كده ليه؟ معقول دول اتنين المفيوض بيحبوا بعض وهيتجوزوا؟ مسحت سارة على خصلاتها مردفة بضحك:
"أقطع دراعي لو ما كان هيتجوزها تخليص حق، مش لايقين على بعض خالص" كانت "شمس" تستمع لما يقولون دون أن تتدخل في حديثهما، فسألها "حسان" قائلاً: "وأنتِ إيه رأيك ياشمس؟ هو فعلاً واخدها تخليص حق؟ فأجابت بعيون زائغة تأكد ما ستقوله: "ياسين اللي أعرفه مابيعملش حاجة غصب عنه" أمسكت سارة بالهاتف بلهفة تشاهد صور أخرى لهُ: "أوبا، الصورة دي جامدة أوي وهو حاطط البيزونت عليه تحفة" فوافقها حسان قائلاً: "والعربية اللي ساند عليها رهيبة"
فأكملت غدير حديثهما: "ما دي عربيته، شوفته قبل كده صدفة وهو سايقها ومشيرة جنبه" ارتفع حاجبي "مارال" بتفكير وهي تسأل: "بس أنا بموت وأعاف، هي الجاموسة لما بتولد الطور بيحزأ ليه؟ ماتعيفيش انتي ياشمس؟ انخرطت للمرة الثانية بنفس الذكرى، كل شيء يتجسد أمامها الآن، تستطيع الآن أن ترى نفسها وهي تقف بجواره بمنتصف القرية، بعدما حرص هو على الخروج ليلاً لعدم استطاعتها الرؤية عندما تكون الشمس بمنتصف السماء.
فوجدت "شمس" أمامها جاموسة وبجانبها طور، تقدمت نحوهم تاركة ياسين خلفها، تنظر لهما بانبهار، فهذه هي المرة الأولى التي ترى بها شيئ كهذا. طالعت "ياسين" وكانت نظراتها مليئة بالتساؤل، فأجابها دون أن تنطق: "اللي بقرنين ده اسمه طور، أما اللي جنبه دي اسمها جاموسة" كانت تسير على أطرافها الأربعة، فلاحظت معاناة الجاموسة، فنظر "ياسين" إلى الجاموسة بترقب: "دي باين عليها بتولد، بس عارفة المشكلة في إيه؟
أنا عارف إنها بتولد بس مش فاهم الطور ده بيحزأ جنبها ليه؟ ارتسمت الأبتسامة على ملامحها عند تذكر هذه الذكرى البسيطة، ففاقت من شرودها على صوت زهره وهي تجذبها من مرفقها بعنف داخل غرفتها: "كل ده يابت المهدي مع ياسين بتعملوا إيه؟ قالت جملتها بضجر، فردت "ساره" مدافعة عنها: "مع ياسين إيه ياطنط زهره، شمس كانت معايا ماسبتنيش لحظة من وقت ما مشينا من هنا، حتى لما دخلت أعمل أشعة ياسين استناني بره، هو ويزن وشمس دخلت معايا"
ضربت "ساره" مرفق "شمس" وأشارت لها برأسها حتى تدعم كلامها، فجذبت "شمس" مرفقها من كف "زهره" تنفي ما قالته "ساره" للتو: "أنا مش عايزة أكذب عليكي ياأمي، أنا ممكن أقول أيوه أنا ماسيبتهاش وأنتِ هتصدقي وهتطلعي من هنا مرضية وراضية وأبقى كذبت عليكي وأنا مش عايزة أكذب عليكي. أنا فضلت مع ياسين بره شوية وسارة بتعمل الأشعة ويزن هو اللي دخل معاها مش أنا" بدى الإحراج ملياً على وجه "ساره"، فقالت ببسمة مصطنعة تداري بها كذبتها:
"أنا كنت بحاول أهدي النفوس يازهورتي" صكت "زهره" على أسنانها تطالع ابنتها بحذر، فأكملت "شمس" حديثها: "ياماما، ياماما أنا مابقتش العيلة الصغيرة بتاعت زمان خلاص" فردت "زهره" مسرعة: "وأنتِ مهما كبرتي مش هتكبري على أمك ياشمس" قالت بعيون راجية وهي تمسد على شعر ابنتها برفق: "أنتِ ليه مش قادرة تفهمي؟ أنا مش عايز اكي تشوفي اللي أنا شوفته، عايزاكي تعيشي عيشة أحسن مني ألف مرة" فابتسمت "ساره" وارتفع صوتها قائلة:
"أيوه بقى يا "زهور"، حني على البت ووريها حنانك" دخلت غدير من الشرفة يتبعها حسان قائلاً: "أنا كنت فاكر هيبقى فيه دم النهاردة" فابتسمت "زهره" وهي تضمه إلى صدرها بحنان: "ربنا يبعد عننا الدم يابني" أخذت تطالع كلا من شمس وحسان تضمهم إلى صدرها أكثر: "أنتوا عيالي اللي طلعت بيكم من الدنيا وماليش غيركم وعمري ما هحب ولا هخاف على حد زيكم في يوم" فطالعت غدير بعيون لامعة متحدثة بنبرة هادئة:
"حتى غدير ربتها معاكم ووسطيكم لما كانت بتيجي هنا كل إجازة.. ربي العالم أنا بخاف عليكم قد إيه وياخوفي من اللي جاي ياولادي"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"قولتلك مش هقتلـ ـها ياعمار" هُناك حزن يرغمك على الكلام، وهناك حزن يرغمك على البكاء، ولكن أشد أنواع الحزن هو ما يرغمك على الصمت، عدم البوح بما بداخلك، ألم داخل صدرك، وحمل يثقل كاهلك. هو الأن يجلس بداخل غرفة مظلمة، تناسبه وتناسب حالته تماماً، يتقلب على فراشه يساراً ويميناً، يجاهد لأخذ حقه من النوم.
محاولات عدة قام بها "يزن" لأرغام نفسه على النوم حتى تهدأ تلك العاصفة بداخل رأسه، ولكن محاولاته باءت بالفشل، فما علمه منذ قليل لم يكن بالهين. محاولة تهدئة نفسه والتصرف بحكمة لم تجدي نفعاً، حاول التنفس وكأن أحدهم سرق أنفاسه. فخرج من غرفته يبحث عن ياسين، ظناً منه بأن ربما لديه الحل، قام بمهاتفته ولكن دون إجابة.
لم يمنعه ذلك من البحث عنه، ظل يسير هنا وهناك لا يعلم إلى أين ستأخذه قدماه، كل ما يريده هو التقاط بعض من أنفاسه الهاربة وإيجاده. لا يعلم كيف قادته قدماه أمام مقبرته، مقبرة نصفه الآخر ورفيق دربه. وجد "ياسين" يقف هناك أمام المقبرة، يتحدث إلى الفراغ أمامه قائلاً بضجر، بنبرة تحمل من الغضـ ـب ما يكفي: "قولتلك مش هقتلـ ـها" قال جملته بصوتٍ مزعج، نبرة خشنة.
لم يستطع يزن تمييز ما قاله، فانكمش حاجبـ ـه بريبة مما يحدث، وعاد خطوة للخلف. فانزلقت إحدى قدميه بصخرة، استدار "ياسين" بجسده يطالعه وهو يعود للخلف، ووجهـ ـه مقابل لهُ يوجه له حديثه: "أنتَ كنت بتكلم مين ياياسين؟ رأى "ياسين" الذعر على ملامح وجهـ ـه، حاول أن يطمئنهُ، محارباً خوفه الذي وصل ذروته. استدار ينظر أمامه من جديد، فلم يجد "عمار". تنفس بعمق وهو يستنكر ما قاله يزن للتو: "تقصد إيه؟ رفع ذراعه للأعلى وهو يشير
بأصبعه على اللوح الرخامي: "أنتَ كُنت لسه حالاً بتبص للوح الرخامي اللي مكتوب عليه اسم عمار وكأنك بتكلمه، وقولت جملة ماقدرتش أميزها.. قولت مش هقولها.. أو.. مش عارف ماقدرتش أسمعها كويس" تطلع لـ "يزن" وغزت ابتسامة ظهرت على فمه، محاولاً بها إخفاء حقيقة ما سرده يزن للتو: "من ساعة ما جيت هنا وأنا بحب أجي أتكلم مع عمار في أي حاجة، بحس إنه موجود معايا.. بس أنتَ بقى إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟
وجه له سؤاله وكأنه ينتظر فقط أن يسأله أحد ليفيض بما بداخله: "أنا كمان بعمل كده لما بكون مخنوق، مابلاقيش غيره أتكلم معاه، بلاقي رجلي بتجيبني هنا لوحدها وكأنها عارفة طريقها. أنا المفروض كنت بدور عليك، جيت هنا إزاي مش عارف" حاوطه "ياسين" بنظراته قبل أن يحادثه: "أنا كنت حاسس إن في حاجة من وقت ما خرجنا من المستشفى، كنت حاسس بيك" فقال "يزن" دون تردد وهو يبتلع ريقه بنبرة يملؤها التوتر:
"عارف، عشان كده لاجئتلك، وعارف إن عندك الحل" انكمش حاجب "ياسين" يطالعه باستغراب، فجلس "يزن" بجانب اللوح الرخامي يتكئ بظهره عليه، يرفع نظره يطالعه بنظرة راجية: "هتساعدني ياياسين؟ أكد "ياسين" على كلمته دون تردد: "أكيد، لو أقدر أساعدك مش هتأخر يايزن" قال سؤاله وهو يجلس بجواره: "الأشعة طلع فيها إيه يايزن؟ كان هذا سؤال "ياسين"، فجاوبه "يزن" بشفة مرتعشة لا يقدر على نطقها: "كانسر" ظهر على وجه "ياسين" الذهول، فتابع "يزن"
حديثه: "في المرحلة التانية.. سارة ماينفعش يجرالها حاجة ياياسين، أنا فتحت عيني على الدنيا دي، لاقيتها هي وعمار قدامي. ما عرفتليش لا أب ولا أم، هي وعمار كانوا كل أهلي، وبعد عمار هي اللي سندتني عشان أقدر أقوم على رجليا من جديد وأكمل" حرك كتفيه يسأل بعينين أوشك الحزن على قتلهما: "أنتَ مش هتسمح إنها تمـ ـوت صح ياياسين؟ علم "ياسين" مقصده، فأطبق الصمت. استقام "يزن" واقفاً أمامه يسأل بجسد يرتجف كل أنـ ـبهِ وعينان دخلا
في ملحمة عظيمة من الدموع: "أنتَ مابتردش عليا ليه؟ أجابه "ياسين" وهو يقف أمامه، لمعت عينيه بلمعة حزينة وهو يجاوبه:
"علشان لو أنتَ مفكر إن بعد اللعنة في إيدي شيء أعمله تبقى غلطان. بعد اللعنة ما تجددت كل واحد عنده موهبة راحت منه، ولو تقصد إنـ ـي أحولها فده ممكن.. بس هتمـ ـوت. اللعنة معموله عشان كده يا "يزن"، عشان مانتكاثرش، واللي نحوله هيبقى ضعيف شهر والتاني وهيمـ ـوت. أي حد اتحول بعد اللعنة بيمـ ـوت، وأنتَ عارف كده كويس" نزلت دموع "يزن"، فحاول "ياسين" الاقتراب منه ناطقاً:
"أنا لو في إيدي شيء مش هستناك حتى تطلب. أنا نفسي مابقيتش زي الأول، بقيت ضعيف. اللعنة كل يوم بيعدي بتنهش في قوتنا، أه مش بيبان على شكلنا، بس إحنا بنضعف وهييجي علينا يوم هنكبر ونمـ ـوت مهما مرت من سنين" فنطق "يزن" مستفسراً بعدم فهم: "يعني إيه.. يعني أنتَ هتسيبها تمـ ـوت زي ما سيبت عمار يمـ ـوت؟ أطلق كلماته كسهم، فبعض الكلمات كالقبور لا يشعر صاحبها كم أنها ممـ ـيتة، ولكنها تترك أثر بقلب المستمع. طالعه "يزن" بجدية
أكثر وهو يسترسل حديثه: "أيوه.. مستغرب ليه؟ وكأنك مش عارف إنك السبب في مـ ـوته. لو ماكنتش سيبته يواجه العربي لوحده كان زمانه عايش وسطنا. لو كنت حطيت إيدك في إيده من الأول وماكنتش بتتخانق معاه على شمس كنتوا هتبقوا إيد واحدة" ظهر "عمار" من جديد يقف خلف "يزن"، يبتسم ابتسامة داعمة لما يقوله "يزن"، فنطق بقهر وهو يقف أمامه:
"أنا اتقهرت منك وقلبي اتشرخ لما شوفتك سيبته ومشيت وهو لسه سايح في د مه، مشيت وبعدت عنه.. طول عمرك بعيد في حياته وحتى في مـ ـوته، ماهانش عليك تفضل جنبه وتدفنه؟ مادورتش على حل إنه يفضل عايش؟ سيبته واختفيت وهو قلبه بره جسمه" طالع ياسين ذاك الفراغ خلف "يزن"، فأشار "عمار" برأسه لهُ يميناً ويساراً ينفي ما قاله "يزن" للتو: "لاء ماتصدقهوش، أنا عايش ماموتش ياياسين"
لاحظ "يزن" شرود "ياسين" وكأنه يطالع أحداً خلفه، استدار بجسده ليرى من خلفه فلم يجد سوى الفراغ وراءه، فنظر لياسين مجدداً: "أنتَ حتى مش مهتم باللي بقولهولك. أنا حاسس إني لوحدي وبكلم نفسي، أنا إيه اللي خلاني أفكر للحظة إنك ممكن تقف جنبي وتساعدني؟ أنتَ عمرك ما كنت ولا هتبقى زي عمااار" استدار بجسده يستعد للمغادرة، يمسح وجنتيه بكف يده من دموعه المنهمرة، فأوقفته كلمات "ياسين" التالية:
"سارة مش هتمـ ـوت، مش هتبقى لوحدك، عشان أنا مش هسيبك في يوم يايزن. هنجرب دكتور واتنين وتلاتة، هنسافر تتعالج بره لو مافيش أمل هنا. ماتفقدش أملك في الله. أنا عارف إن الكلام اللي بقولهولك ده أنا آخر واحد تسمعه مني، بس لو
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!