فلتتذكري يا ذات العيون الأَسره، أنتِ من وافقتِ على أسري لكِ بكامل إرادتكِ، وأنتِ من وافقتِ أن تتراقصي على ألحان حبي. ليس هناك من أرغمكِ، فقد أتيتِ برغبتكِ. ما يحدث هنا من توتر الأجواء ليس كأي توتر، بل اشتعال. اشتعال النيران بكل مكان. الكل يهرول ناحية الطريق الذي يبعث منه النيران. أتت امرأة من أهل القرية تسأل أحد الرجال: _في أيه يابني؟ أخبرها مسرعاً كي يكمل طريقه:
_بيقولوا إن فريد اللي كان هيتجوز شمس بنت عيلة الصاوي حرق بيت عيلة مامتها القديم، وكل عيلة الصاوي هناك دلوقتي. شعرت المرأة بالشفقة حقاً، تتبعت أثر الرجل بعينيها: _استر يارب. أنا برضوا قولت الحكاية دي مش هتعدي على خير أبداً.
هرولت "زهره" إلى منزلها القديم تطالعه والحريق يأكل جدرانه. يتحول الزرع الأخضر أمام منزلها إلى رماد. لم تقدر قدماها على تحملها. الكل يساعد في إطفاء الحريق. تناول غدير دلو الماء إلى بدر وحسان لإخماده. أتى "الطبيب" يهرول من خلفها قائلاً والدهشة تملأ عينيه: _الحريق ده حصل إزاي؟ طالعته والدموع تقبع بعينيها:
_معرفش ياعلي، معرفش. البيت اتحرق والزرع اتاكل والحريق مابيطفيش. كل أهل القرية بيقولوا إن فريد حرق لنا البيت عشان ينتقم من اللي عملته فيه بنت المهدي. قالت جملتها تطالع تلك الواقفة مقابلها بعتاب. تقدمت "شمس" ناحيتها خطوة وأثنت ركبتيها تطلب منها برجاء نابع من عينيها قبل لسانها: _قومي ياماما، ماتقعديش كده في الشارع. لم تستجب لها. ثم سمعت صوت يأتي من خلفها، صوت عالٍ نسبياً حتى يصل لها:
_قومي من مكانك يازهره، ماتفرجيش أهل القرية علينا. استدارت تطالعه لتجده "ياسين" يسند بظهره على موتوره الخاص بهِ، يأمرها بالوقوف. فألقت بنظراتها الملامة عليه: _مش كفاية أنتَ السبب في اللي إحنا فيه، كمان الشماتة باينة في عينك. مسح على عنقه بتعب، يقترب منها وظلت هي ثابتة لم تتحرك، وكأنها ترسل لهُ بأنها ليست خائفة. استرسل حديثه ساخراً: _أخص عليكِ يا "زهورتي"، أنا برضوا أشمت في حماتي؟
مكانش العشم إنك تقوليلي كده. شيفاني قليل الأصل ولا ناقص رباية؟ هربت بعيونها تنفي ما قاله: _أنا ماقولتش إنك ناقص رباية. برزت ابتسامة جانبية على وجهُ قبل أن يقول: _بس ماقولتيش إني مش قليل الأصل. زاد اقترابه منها، يجلس القرفصاء يهمس بأذنها بشيء جعل الدماء تغلي بعروقها. تابع بعد أن ابتعد، يصعد إلى موتوره ويرتدي خوذته السوداء ساخراً: _وعشان أبقى صادق معاكي يازهره... غمز لها بطرف عينيه، يضغط على دواسة موتوره:
_أنا فعلاً ناقص رباية. ثارت ثورتها أمام أقواله التي همس بها بأذنها، وبان هذا في صرختها باسمه. تتتبع أثره بعينيها وهو يبتعد عنها: _يــــــاسين. *** منذُ أسبوع مضى... يقف كل منهما الأن على أعتاب منزل "مشيرة" بالقاهرة. كانوا بأنتظارها لفتح الباب. أما عنها، تقف خلفه شارده بما حذرها منذ قليل: _أوعي تحبيني ياشمس. اليوم اللي هتحبيني فيه، هختفي من حياتك فيه ومش هتشوفيني تاني. فاقت على صوت "مشيرة" المنبه:
_ادخلي ياشمس، واقفه عندك ليه؟ قالتها بود مزيف، تبرر تأخيرها: _اسفه إني اتأخرت عليكم في فتح الباب، أصل كنت نايمة. قالت كلماتها مما جعل "شمس" تتجمد مكانها بسبب ما وقعت عليهِ عيناها، ترى "مشيرة" تقوم بتقبيله أمامها من على وجنتيه بترحيب، تضمه إليها بحب وهي تقول: _أحسن حاجة عملتها إنك اتصلت بيا وقولتلي إنك هتبات عندي. بس مكنتش أعرف إن شمس جايه معاك. عادت تنظر إلى "شمس"، وأمام نظراتها الرافضة لكل ما يحدث، وجدت نفسها تقول:
_أنا تعبانه وعايزة أنام. تحركت "مشيرة" خطوتين ناحيتها، تطالعها بنظرات متحدية: _إيه ده كده على طول!! مش لما تشربي حاجة الأول؟ ولا أنتِ زعلتي ياشمس إني ببوس ياسين قدامك؟ كانت تطالع "مشيرة" بأنزعاج شديد. شعرت "شمس" بالارتباك، ارتجف جسدها دون أن تشعر. فلاحظ "ياسين" ارتجافها، حاوط كف يدها بعدما لاحظ ازعاج "مشيرة" لها، فقال ما يثير استفزازها:
_مش عايزك تبقي قلقانة. شمس عارفة كويس أوي إنك زيك زي بربروس وعلي بالظبط بالنسبالي. نزلت "مشيرة" بعينيها إلى كف يدهُ المتشبث بكفها، تطالعه بانزعاج قائلة تصطنع الابتسامة: _طب كويس إنك عرفتها كل حاجة، لا عروستنا تغير ولا حاجة. جاوبتها "شمس" بتحدي بعينيها: _هو ينفع برضو أغير من بربروس أو دكتور علي، وانتِ بالنسباله زيهم بالظبط؟
سحبت "شمس" كف يدها من يده بأنزعاج، طالبة منه الانصراف. برزت على شفتيه ابتسامة جانبية من رد فعلها. ابتلعت "مشيرة" ريقها بصعوبة، ثم تحدثت بأصرار: _لا والله مش هينفع تطلعي إلا لما تشربي حاجة. انتِ عايزة تقولي عليا بخيلة ولا إيه؟ أشارت بعينيها سائلة: _تحبي تشربي بيبسي ولا شيري كولا؟ عقد "ياسين" من بين حاجبيه بقرف: _بلاش البيبسي. سألته "مشيرة" مستفسرة: _ليه؟ _أصلها بتفكرني بزهره. استغربت "شمس" من حديثه،
حثها فضولها للسؤال: _وإيه علاقة أمي بالبيبسي؟ جاوبها بدون تردد: _الاتنين نيتهم صودا. بضيق من حديثه على والدتها، جذبها من يدها برفق يتوجه بها إلى غرفة النوم. استدارت تصعد معه الدرج بنار دفينة تحرق بها. وقبل دخوله، أغلقت الباب صافعة إياه بوجهه. قبض عينيه بتأفف قائلاً: _افتحي ياشمس. خرج صوتها من الداخل وهي تقول: _أنا تعبانه وعايزة أنام. هز رأسه موافقاً وهو يقول: _طيب، مش عايزة حاجة قبل ما تنامي؟ أخبرته دون تردد:
_عايزة إنك تسيبني أنام وماتخبطش عليا تاني. وبكده مش هعوز حاجة. صمت لثواني، ثم نطق أخيراً وهو يمسح على عنقه بتعب: _بس أنا عايز... حثها فضولها، ثم اقتربت من الباب ودون أن تنطق، استرسل هو حديثه: _عايزك ماتناميش زعلانه. واعرفي إن ابن الصاوي مابيحبش يشوفك زعلانه ياشمس. ابتسمت ابتسامة حانية، وتركها هو وعاد إلى تلك المنتظرة تخبره بود: _أنا عملتلك مشكلة معاها ولا إيه ياياسين؟ فأخبرها وهو يجلس على الأريكة بتعب:
_خفي شوية على شمس يامشيرة. اقتربت منه تجلس بجواره: _وأنا عملتلها إيه؟ هي اللي تقمصت وطلعت على فوق على طول. ربتت على ذراعه بحب: _ياسين، أنا حاسة إنك ضعيف بيها. ماتخليهاش تحسسك بأن مافيش زيها وأنها مالهاش بديل. _ماتحسسنيش أنتِ مالك!! كلماته موحية تضربها في مقتل. تسارعت أنفاسها من فرط الارتباك، فأخبرته بتهكم: _ليه؟ وأنا عملت إيه لكل ده؟ كل ده عشان رحبت بيك وبوستك قدامها؟ الهانم زعلت. ابتعد عنها، وأمام سؤالها،
ذكرها هو بحدث مر: _اسمعي يامشيرة، حركاتك دي لما كنتي بتعمليها مع أي بنت بتحاول تقرب مني واحنا في ألمانيا، أنا كنت راضي عشان هما مايهمنيش. بس دي لأ.. دي شمس. نطق آخر أربع كلمات ببطء شديد، محذراً إياها. استفسرت بعينيها، فنطق: _أنتِ عارفة أنتِ بالنسبالي إيه؟ أنتِ غالية أوي عندي، وماحبش إن غلاوتك تروح من قلبي. قطبت حاجبيها وتفننت ببراعة لإبراز الدموع في عينيها:
_أفهم من كلامك ده إن عشرة عشر سنين ممكن تروح في أي وقت عشان شمس؟ ممكن ما تبقاش راضية عني؟ استدارت تقص عليه بعتاب: _نسيت، نسيت أنا عملت إيه عشانك واحنا في ألمانيا. نسيت مين رجعلك عمار. نسيت عشنا إزاي هناك سوا، إحنا كنا هناك إيد واحدة. نسيت كمان الود اللي بينا. إيه اللي جرالك ياياسين؟
زاد نحيبها علّ تثير شفقته عليها وتكسب نقطة لصالحها بداخله. مسح على وجهُ بتعب، فكل كلمة قالتها لها الحق بها، فهي كانت السند لأيامه العجاف. فنطق بما يطيب خاطرها:
_أنا مش ناسي وعمري ما هنسى وقفتك معايا ولا الود اللي ما بينا في يوم. بس اختلافك معايا في معزتي لشمس يفسد الود كله. يفسد الود ويفسد العشرة ويفسد المعرفة، ويكشف إنكِ عمرك ما كنتي في يوم السند، ويكشف كمان إنكِ عدو ليا جديد كان مختفي بضمير مستتر. عشان كده بنبهك، وما بحبش أنبه تاني. مش عايز أخسرك يامشيرة. أنتِ الوحيدة من بعد أهلي اللي لو خسرتها هزعل عشانها، عشان أنتِ غالية عندي. مسح دموعها من على وجنتيها بلين:
_وبطلي عياط. أنا مابحبش أشوف دموعك دي، وبالذات لو أنا السبب فيها. لانت تقاسيمها بعض الشىء، تستطيع دائماً اكتساب نقطة لصالحها. فما فعلته طوال السنين العشر يشفع لها كل شىء. ومع ذلك، قام بتحذيرها للمرة الأخيرة وهو يقول: _شمس لأ. ابتسمت تضربه على كتفه بلين: _خلاص فهمت. استدارت تتحرك ناحية المطبخ، وقد استعاد وجهها ملامحه المتهكمة، تخبره بنبرة عالية عل صوتها يصل إليهِ: _تحب تشرب حاجة قبل ما تنام؟ أشار
برأسه بالموافقة وهو يقول: _لو عندك. فبترت حديثه قبل أن يكمل: _أكيد عندي. شيري كولا طبعاً. جلس هو على الأريكة، بينما هي تصب محتويات الزجاجة بالكوب، ولم يتخل وجهها عن التعبير القاسي بعدما أخرجت حبيبات الدواء التي تضاعف عنده حالات الهيستيريا وتجعله فاقداً للشعور بنفسه. ولكن هذه المرة ضاعفت حباتها، فأكملت بتركيز حديثها الذي لم تسمعه إلا هي:
_أنتَ عندك حق. أنا بعد كده مش هقربلها، بس هخللي عمار هو اللي يقربلها. موتك على إيده ياشمس. ***
بينما الجميع نيام، تبذل "غدير" مجهوداً ذهنياً وهي تتقلب على فراشها حتى تأخذ حقها من النوم. وما أن غفت حتى أفاقها صوت اتصال هاتفي حرمها من الساعات المتبقية للصباح. ابتسمت ابتسامة حانية عند رؤيتها لأسم المتصل، وقامت بالرد، تسمع صوت شقيقها "رعد" يسألها عن حالها وعن حال البقية. كادت أن ترد، ولكنها تذكرت تحذير ياسين لها بعدم البوح بأي شىء لكي يعيشوا بسلام. ابتسمت ابتسامة حانية بقول:
_إحنا الحمد لله كلنا كويسين. إنتوا هترجعوا أمتى؟ تناولت "ميرا" الهاتف من كف رعد: _لسه شوية ياغدير، مخلصناش كل اللي إحنا جايين عشانه. المهم، خللي بالك من نفسك. داغر وهدير معانا وعايزين يطمنوا عليكي.
أنهت الاتصال بعد محادثة طويلة بينها وبينهم، يطمئنون فيها عن حالها، بعدما حادثت "عمار" ابنهما الصغير. توجهت ناحية الشرفة عند سماع صوت دراجة تمر أسفل المنزل في هذا التوقيت. وقعت عينيها على بدر، "بدر" وهو يضع المسامير أمام منزلهم. تأففت بضيق، ثم هرولت لكي تلحق بهِ لكي تنهيه عما يفعله: _أنتَ بتعمل إيه؟ أنتَ اتجننت؟ هز رأسه بالإيجاب ناطقاً: _آه اتجننت. كررت سؤالها مرة أخرى: _بدر، بجد بتعمل إيه؟ برر "بدر" فعله قائلاً
بسخرية: _مسامير في إيدي ووش الفجر، هكون بعمل إيه؟ ما أنا قولتلك قبل كده. علمت "غدير" بأن الجدال سيزيد التعقيد. نظرت حولها تطالع الجوار بحذر حتى لا يراه أحد ويكشف فعلته. جذبته من يده مبررة: _تعالى، تعالى نمشي من هنا قبل ما حد يشوفك وتتعلق. ***
في نفس التوقيت، يقف "ياسين" على عتبة باب غرفتها من جديد، بعدما رفضت دخوله. داهمه دوار لا يوصف عند تجرعه لمشروبه المفضل "الشيري كولا" دون علمه بما بداخله. فحاوط جبهته بكفه بألم، توقف لثواني يحاول استعادة اتزانه. وما شعر بأنه أصبح بخير، حتى هتف باسمها، فلم تجب. فتح الباب ثم دلف بحذر ليجدها غافية على الأريكة، متدثرة جيداً بسبب برودة الأجواء. حيث تسند برأسها على كتفها. ثنى ركبتيه يجلس مقابلها دون إصدار صوت. يتأمل ملامحها
لثوانٍ، برزت ابتسامة بجانب شفاه رغماً عنه وهو يتأملها عن قرب. كم هي جميلة عند سكونها هكذا. سكونها هذا جعله يعود بذاكرته عشر أعوام. فكرهُ بحدث مر بألمانيا بمزرعة المرأة العجوز وهو يتأمل ملامحها كذلك أثناء نومها. وحين أفاقت تسأله عن سبب قربه،
رد وهو يقول بتلعثم: _مش عارف أنام من شخيرك ياشمس. بتشخري طول الليل.
ابتسم ابتسامة حانية، ثم عاد إلى واقعه، يخرج هاتفه من جيب بنطاله، يلتقط لها صورة وهي غافية كالملاك الصغير، وكأن ملامحها البريئة تحثه على حفظها. نهض بهدوء يحملها، واستندت هي برأسها على صدره. تحرك بخطوات بطيئة إلى الفراش، يخشى أن يصل إليهِ ويضطر إلى إبعادها عن أحضانه، يضطر لفقدان ذلك الدفء الذي يحيط قلبه. وضعها على الفراش، يعدل من نومتها. قرب كفه، يعدل من خصلات شعرها المتروكة على وجهها، ثم مسح بكفه على شعرها بحنان.
لمسات حانية بأمان أعادت لمحات من شريط حياته سريعاً أمامه. والمشهد الوحيد الذي أوقف اللحظة عنده كان وجهها. تركها وغادر إلى الشرفة، يخرج لفافة تبغ، ينعش الهواء البارد. ملامح وجهه اشتد الدوار عليه مرة أخرى، ولكن هذه المرة وجد عمار بجواره يسند بمرفقيه على سور الشرفة،
يخبره بسخرية: _طلعت أناني أوي ياياسين. أخبره وهو يسحب الهواء من لفافة تبغه: _أنا عمري ما كنت أناني. أنتَ اللي من أول ما بقينا سوا، وأنتَ دايماً اللي بتتحكم. أنتَ الأمر الناهي. أنتَ تؤمر وأنا أنفذ، أنتَ تهدد وأنا أركع، أنتَ تقول وأنا أسكت. عشر سنين وأنا خاضع، ما سألتش حتى ليه. بس لما جينا هنا... ارتسمت على وجه "عمار" بسمة ساخرة، وأكمل حديثه:
_لما جينا هنا، وقعت زي الجردل، وكأن العشر سنين اللي بعدتهم عنها كانوا عشر دقايق. نطق نافياً لكلامه: _محصلش. سبه "عمار" من بين شفتيه، فشعر "ياسين" بالإهانة، مردداً كلماته بصراخ حتى شق صراخه أذن تلك النائمة، لتجده يقول: _كفاية بقى، كفايــــــه، كفايــــــه ياعمار. شتيمة، كفاية إهانة، كفاية تحكمات لحد كده. سألته بخوف ليس منه بل عليه: _بتكلم مين ياياسين؟
اقتربت منه تجده ينظر للفراغ أمامه، تطالعه بنظرات حادة. لاحظت "شمس" تلك الرعشة في يده، فعلمت أنها الكارثة. حاولت التقرب منه في محاولة بائسة منها لجعله يلتزم الهدوء، قائلة: _ياسين، فوء. أنتَ بتكلم مين؟ مافيش حد هنا. لم يكن يراها أمامه، فقد كان شبه مغيب. جرعة الدواء كانت مضاعفة، زادت من نوبته، مما جعل "عمار" يسيطر على عقله بالكامل، قائلاً بتهكم:
_لأ، مش كفاية. وهقت ـلها عشان ترجعلي، وهترجع تسمع كلامي من جديد. هنمشي من هنا وهنعيش بعيد ياياسين، أنتَ فاهم؟ أصبح الأن مغيباً. وصلت حالته للذروة، فقد سيطرت عليه الشخصية الوهمية التي نسجها من وحي خياله على عقله بالكامل. احتدت نظراته لها وهو يؤمره:
_اقت ـلها عشان نرجع سوا. اقـ ـتلها وأنا هسامحك وهفضل معاك وارجع معاك زي الأول. وخليك عارف إن اللي قدامك دي هي السبب الوحيد اللي هيبعدنا عن بعض، وأنا عارف إنك مش عايزني أبعد ياياسين. أصدر أمره، وما عليهِ سوا الإيجاب. اقترب منها ببطء، فعادت خطوات للخلف. كانت ترتعد داخلياً من نظراته. حل الذهول عليها، لأول مرة ترى الشر في عينيه لهذه الدرجة منذ فتره، منذ خروجها من ذلك القبو. حاولت تهدئته بقول:
_ياسين، أهدى. ماتخليش حاجة تأثر عليك. ياسين، أنت بتبصلي كده ليه؟ طالت يدها الكوب الزجاجي الموضوع على الطاولة، فقذفته على رأسه، نزف جبينه مما زاد غضبه أكثر مع حاله اضطرابه التي مازالت متمكنة منه. وضع كفه على جبينه، يفرك د مـائه بيده، يخبرها باستفزاز: _حلوة. بصي أنا بقى الحركة دي.
قبض بكف يده على عنقها. أصبح كل أنش بجسدها يرتعد. حاولت التملص منه ولكن دون جدوى. وضعت يديها الاثنتين على كف يده في محاولة بائسة لعلها تستطيع الهرب، ولكن كفه كالأفعى التي تحاوط عنقها. أصبح وجهها كالدماء، حاوطته بنظرات عينيها، عينيها التي لطالما أحبها. سمع صوت داخلياً ينبههُ لما يحدث، فقد قاربت روحها على فراق جسدها. ملامحها البريئة التي اقرب اليه من الوتين للقلب، نظرات عيونها التي لطالما أحبها، جعلته يستفيق لما يحدث.
فك قبضه يده من على عنقها ببطء، فشـهقت شهقة وكأنها حرمت من الأكسجين لعام كامل. وضع يده على جبينه وكأنه بصراع مستمر مع داخله. أما هي، وجدت أحداً ما يفتح باب الغرفة ببطء. هرولت ناحيته كغريق لمح طوق نجاة بعد يأسه من نجاته، لتجد "مشيرة" أمامها. جذبت حقيبتها وهرولت للأسفل، هرولت وكأنها تهرب من وحش توعد بألتهامها. نعم، أنه وحش عند تحوله يسمى بـ"ياسين".
*** أتى الشروق وانتشر ذلك الضوء الذي يبعث الراحة في النفوس. يجلسان في منتصف الزرع والخضرة. تلفح النسمات الباردة وجهها. قطف "بدر" واحدة من ثمار التفاح الموجودة على الشجر، يعطيها لها. ابتسمت تمد كف يدها وهي تقول: _أنا برضو مستغربة، أنتَ مابتخافش حد يشوفك بجد. أهمل سؤالها بقوله: _وأنتِ مابتخافيش تنزلي وش الفجر؟ سردت له ما تريد بصوت منخفض:
_أنتَ أصلك غلبان. أنا ما بخافش. لو تعرف أنا اتربيت إزاي، ماكنتش هتفكر تسأل سؤال زي ده. سألها وقد جسد الاهتمام ببراعة: _واتربيتي إزاي؟ واحدة زيك من عيلة الصاوي متربية في بيت كبير مع عيلة بتحبها. ابتسمت وقد علت صوت ابتسامتها بسخرية: _أصلاً عيلة الصاوي مش عيلتي الحقيقية. أنا آه منهم، بس مش هما أهلي الحقيقيين. بس في نفس الوقت، تقدر تقول أكتر من أهلي. لم يقتنع بما تقول، فحثها للتوضيح: _مش فاهم، فهميني أكتر.
تطلعت حولها ثم أجابته: _حكاية طويلة، هبقى أحكيهالك بعدين. فنطق هو بلهفة: _وليه مش دلوقتي؟ استفسرت بعينيها، فتابع بارتباك: _أقصد يعني، وراكِ إيه دلوقتي؟ ادينا قاعدين بنتسلى. بس لو مش حابة تحكي خلاص، بس ماتسبنيش. خليني أفضل أبص لملامحك الجميلة وأشبع منهم. ابتسمت بخجل، تضع عيونها بالأرضية: _أهي حتى ملامحي دي، لو كنت شوفتني من كام سنة، كنت هقرف أبص في وشي. قطب حاجبيه باستفسار، فبدأت بقص ما يخصها:
_أنا اتولدت في بيت مرعب بوش محروق. أي حد يشوفني كان يترعب مني. اتولدت واللي رباني كان مايعرفش للرحمة طريق. هو كان قاسي على نفسه، فمن الطبيعي يقسى عليا. عشت كل طفولتي بفضل الصمت عن الكلام من اللي كنت بشوفه من قطع الرقاب اللي بتدخل بيتنا. لمعت عيناها وهي تتذكر حدث مر:
_كنت بشوف داغر أخويا بيفصل رقبة أي حد يدخل البيت قدامي، قدام طفلة عندها أربع سنين. طفلة أي حد يشوفها يترعب من ملامحها البشعة. لحد ما دخلت علينا هدير وكأنها الضوء اللي جه يبدد العتمة. هز "بدر" رأسه بتأثر: _عيشتي حياة صعبة. فنطقت دون تردد: _جداً. بس دايماً بيبقى آخر الضلمة نور. والنور ده كان ياسين والخالة. وأصبح لينا عيلة. وبعد ما كانش لينا أهل، بقوا هما أهلنا. جاءت تسرد له ما يريد، فحاول عدم الاهتمام بقول: _إزاي؟
مش فاهم. أصل... وقبل أن تنطق، سمعت صوت يناديها من بعيد. طالعت الصوت خلفها لتجده حسان. قامت تهرول قائلة: _معلش، أنا لازم أمشي دلوقتي. حسان بينادي عليا. ابتسم ابتسامة حانية لها، يتتبع أثرها بعينيه، وارتفع صوته قائلاً: _هشوفك تاني أكيد. *** دقات الباب المتتالية بعنف جعلت "يزن" يهرول ناحية الباب. ينظر لساعته يجدها السابعة صباحاً. يتساءل من الطارق بمثل هذا التوقيت، فأتاه الرد من الخارج: _افتح يايزن، أنا شمس.
فتح الباب وتراجع ليعطيها فرصة للدخول. ولم تنتظر، دخلت بالفعل. وقبل أن تتفوه بأي شىء، سأل: _شمس، حصلك حاجة؟ إيه اللي جايبك في وقت زي ده؟ الخالة بخير؟ طب أنتِ بخير؟ أسئلة، أسئلة عديدة منه، ولم تسمح حالتها بالإجابة. أتت "سارة" من الداخل مسرعة لتسمعها وهي تقول: _أنا بخير، بس... تلعثمت بالإجابة، فنطقت "سارة" بود: _واقفه كده ليه ياشمس؟ تعالي، تعالي ندخل جوه.
استجابت لها، تحركت تحت نظرات "يزن" المستفسرة عن وجودها بالقاهرة بحالتها المبعثرة هذه. فهدأت "سارة" من روعه: _مافيش حاجة يايزن، اهدى. أنا دخلتها الأوضة، سيبها ترتاح دلوقتي وهتحكيلنا كل حاجة بعدين. *** أما عنه، فقد انتهت نوبة اضطرابه. تنفس بعمق وجلس على الأريكة بتعب، يحاول الاسترخاء قليلاً. تقدمت "مشيرة" باتجاهه بعدما تأكدت من رجوعه لحالته الطبيعية. سألته بخبث: _حصل إيه ياياسين وشمس سابتك ومشيت ليه؟
وإزاي تسيبك تمشي وأنتَ تعبان بالشكل ده؟
تجاهلها ورحل، يهرول على الدرج حتى لا يسرد لها ما حدث، ساحباً مفاتيحه من على الطاولة. وما أن خرج من المبنى السكني، ركل بقدمه إطارات سيارته وكأنه يفرغ بها كامل غـ ـضبه. نظر لانعكاس صورته بزجاج السيارة، يطالع انعكاسه وقد سأم من كل شىء. أغمض عينيه بقوة، فلم يظهر في عقله سوى نظراتها المستغيثة، نظرات الخوف منه. عادت إليها من جديد. عاد إلى واقعه، يقبض بكف يده على زجاجة مياه قد أتى بها من داخل السيارة. فتح الزجاجة بأنفعال
وأخذ يدفع المياه على وجهُ وسكب محتوياتها كلها على رأسه. ظل يسكب المزيد، وكأن هذه المياه ستزيل من على عاتقه ما حدث منذ قليل. ألقى بالزجاجة بقوة بعدما أصبحت فارغة، وجلس على مقعده أمام عجلة القيادة، ثم تبع ذلك بصفع الباب. لم يقم بالقيادة، بل ضرب بقبضتيه عجلة القيادة بشدة صارخاً. وهنا فرت دموع قليلة هاربة من داخله، دموع لم يكن يعرف لها معنى. أخذ يسأل نفسه، هل أصبحت دموعه قريبة إلى هذا الحد؟
وكأن القلب يعرف مالكه أكثر من نفسه. *** العديد والعديد من الاتصالات التي قام بها "الطبيب" لـ "ياسين"، وأتى مقابل اتصالاته عدم الرد. حاول "بربروس" أن يبث بقلبه بعض الطمأنينة قائلاً: _لا تقلق عليها أيها الطبيب، فهي برفقته. رد عليه ساخراً من حديثه: _ما المشكلة إنها برفقته؟ طب على الأقل يفهمني، يعرفني هما فين. زهره هتتجن دي معاه من امبارح. جلس بارتياح على الأريكة، يضع طاولة الإفطار قائلاً: _ألم تخبرني بأنها أصبحت زوجته؟
إذاً، فما المانع أن تبيت معه هذه الليلة. حرك مؤخرة رأسه يجيب ساخراً: _هو مافيش مانع، بس زهره عندها كل الموانع. سيبك من ياسين دلوقتي وقولي، هتعمل إيه مع مارال؟ أجابه بلا تردد: _سأتزوجها الليلة. ترك "الطبيب" مقعده واستقام واقفاً، ثم قال بعدم فهم للجالس أمامه: _إزاي؟ هو أخوها وافق؟ أشار برأسه نافياً:
_لا، بل والدتها باركت هذه الزيجة، وهي ليست بقاصر. اتفقنا أنا وهي عبر الهاتف على الزواج الليلة، عند مغادرة شقيقها إلى عمله. وأريدك أن تشهد على زواجنا. ضحك "الطبيب" بلا تصديق ورد عليه بسخرية: _والله أنتَ دماغ. هز رأسه مبتسماً يؤكد على كلامه: _أعلم ذلك. وهيا، هاتف ذلك الملعون للمرة المليون حتى يستعد للحضور. ***
الكثير مر من الأحداث خلال فترة النهار، أوصلتهم إلى هذه النقطة، ولكن الحدث الأهم هو اتصال "يزن" بهِ يخبرهُ بمكانها. حاول التحدث معها، ولكنها أبت محادثته. يجلس الجميع بمنزل "يزن". تقف "مارال" أمام المرآة في غرفة "سارة"، طالعت "مارال" الواقفة بجوارها، تعتصر كف يدها بارتباك: _ياخييييياشي، حاسة إن قلبي هيقف. هاتي إيدك كده ياشمس. قبضت بكف يدها على كفها، تضع يدها على فؤادها قائلة بارتباك:
_حاسة إن قلبي هيقف. مش مصدقة إن خلاص هتجوز أنا وبيدقوس بجد. برزت ابتسامة على ثغرها، ونطقت عينيها قبل لسانها بحب: _أنتِ بنت حلال يامارال، وتستاهلي كل خير. وبربروس هو الخير اللي متشال ليكِ في الدنيا. دخلت "سارة" إلى الغرفة، تابعت بغلق الباب خلفها. وعند وقوع عينيها عليها، أصدرت صفير من بين شفتيها من شدة جمالها بيومها هذا، قائلة بصدق نابع من قلبها: _إيه الجمال ده كله يابخت شيخ عجوه بيكِ. غزَّ وجهها الحزن،
تقول بنبرة حزينة: _كان نفسي أوي أخويا يوافق على الجوازة دي ويبقى معايا في ليلة عمري. أشارت "سارة" برأسها على والدتها الجالسة على المقعد المتحرك، تخبرها بابتسامة: _البركة في مامتك، هي الخير والبركة. اتجهت "مارال" إلى والدتها، تثني ركبتيها، ترى الدموع بعينين والدتها لرؤيتها هكذا. قبلت "مارال" كف والدتها ونطقت عينيها قبل لسانها: _دي هي اللي بيقيالي في الدنيا، ومعرفش من غيرها هعيش إزاي.
ربتت والدتها بكفها المرتعش، تطالعها بحب قد نبت في عينيها. ضمتها "مارال" إلى فؤادها قائلة بود: _من اللحظة دي، أنا وأنتِ بقينا مسؤولين من راجل بجد، ومش هنشوف ظلم أخويا مرة تانية لينا. تجمعت الدموع في مقلتي "سارة" عند رؤيتهما هكذا. عندما شردت بوالدتها هي الأخرى، مسحت دموعها مسرعة بقول: _يلا بقى يامارال، مستنيينك بره. ثم أشارت بعينيها لـ "شمس" وأردفت: _زغرطي ياشمس، مابتعرفيش تزغرطي ولا إيه؟
صدح رنين صوتها بالمكان. وقف بربروس بالخارج، وبجانبه المأذون، وكأنه اشتم نسمات هواء ردت لهُ روحه المعذبة بعد سنين من الحرمان. وقد تعالت على وجهُ علامات الارتباك بعدما فرك كفيه وتعالت نبضات قلبه. مال "ياسين" برأسه، يخبره هامساً: _بالراحة ياشيخ عجوه، مش كده؟ شامم ريحة شعر جسمك وهو بيشيط من الربكة. رمقه بنظرة معاتبة، وكأنه يخبرهُ بأن هذه اللحظة من حقه. وهو يقول: _خسئت أيها اللعين.
وقبل أن تتحرك شفتاه لتوبيخه أكثر، أشار "ياسين" برأسه لكي ينظر أمامه، فقد أطلت العروس بطلتها المبهجة. لانت تقاسيمه عند رؤيتها بفستانها الأبيض الرقيق، زُين أكمامه بالخرز الصغير المرصع عليه، وانتثرت على قماشته دانتيل بسيط على شكل زهور صغيرة أعطته بريق، وكأن الفستان يتنفس، يحمل من الرقة والبساطة ما يكفي. قد ابتاعته "سارة" لعقد قرانها قبل أن يؤجل. اقتربت بخطواتها البطيئة منه، وكلما اقتربت، تحدثت عيناه بدلاً عنه لتخبرها كم هي جميلة، ووجد لسانه ينطق ما يبوح به قلبه هامساً
لنفسه: _أيا فريدة الجمال والجيم كاف، فقد استجاب الله لدعائي وابتهالي. فقد أردت أن تكوني يوماً ملكاً لي. ومن كثرة دعائي، أبدلت الميم كاف، فأصبحت كُلك لي. أشاح ببصره عنها وحاول الحفاظ على انتظام وتيرة تنفسه. جلست مقابله تنظر للأرضية بعدما غزت الحمرة وجهها بنظراته. ثم قاطع تلك النظرات الطبيب وهو يقول:
_مارال وكلتني يابربروس، وطالما وكلتني، فكنت عايز أقولك كلمتين، مع إني عارف إنهم مالهمش لازمة، بس هقولهم عشان يبقوا وصية في رقبتك. انتبه الجميع لهُ بعدما نجح في جذب انتباههم، ثم أردف بقول: _البنت بيطلبها ألف واحد، وفي الآخر بياخدها واحد. تمتم "ياسين" بعدما حك جبينه قائلاً بهمس: _ماحصلش، محدش طلبها غيره.
لم يستطع "يزن" كبت ضحكاته بعدما التقطت أذنه ما تمتم بهِ "ياسين"، فهو كان الأقرب إليه في الواقفين، فمال إلى الأسفل يضحك بصمت. استرسل الطبيب حديثه وهو يردف: _الست لما بتوافق على جوازها من الراجل، بتوافق عشان تلاقي السند اللي يحميها من الدنيا وشرها. اهتمامك وقت الحب ده شيء وارد، لكن اهتمامك وقت الاختلاف والزعل، ده اللي مايعملهوش إلا محب صادق.
حديثه لفت انتباه "ياسين" وكأنه يقصده بكلماته. صمت تماماً، يطالع بعينيه الصافيتان تلك الواقفة مقابله. هناك مسافة محدودة بينهم. رفعت "شمس" رأسها، فتقابلت عيناها بعينه. ثم استرسل "الطبيب" حديثه: _وهو كمان لو أخطأ في يوم، التمسيله العذر وعامليه بلين. ارفقي بقلبه اللي اتحمل ظلم السنين. نظراته لـ "شمس" نطقت بدلاً عنه، وكأنه يرجوها أن تسامحه على فعلته تلك. عاتبته بنظرة بان فيها وجعها، بينما استرسل الطبيب حديثه:
_ولو أخطأتوا انتوا الاتنين في مرة وحصل ما بينكم خلاف، اوعوا حد فيكم يكابر في الاعتذار، مهما كان شدة الألم. صمت للحظات، يشير بعينيه إلى بربروس وهو يتابع قوله: _ابدأ واعتذرلها أنتَ الأول، عشان دي الأصول. ولما هي تزعلك، اعتذرلها برضو عشان يومك يعدي. برزت الابتسامة على وجه الجميع إلا "ياسين". نظراته التي يطالعها بها أربكتها وجعلتها تهرب، تتلاشى النظر في عينيه، فكانت نظراته نابعة من القلب، وما ينبع من القلب يصل إلى القلب.
*** صنع الأكاذيب هو أكثر ما يخيب الآمال، ككذبة "أبو المعاطي". ظل سنين يصطنع الود بعدما أخذ الخداع قناعاً لهُ. يستمر بخوض اللعبة والحقارة تسري بدمه، وأصبح بلا شرف. هو الأن يقف أمام "فريد"، تستطيع أن ترى المكان الذي اعتاد "فريد" مقابلته فيه، يجلس على مكتبه، بينما "أبو المعاطي" يقف أمامه يقص عليه ما يريد بقول:
_هما المفروض دلوقتي في بيت يزن متجمعين عشان جوازته من مارال. ده اللي بربروس قالهولي، وبعد كده هيرجعوا يعيشوا في القرية وهياخدوا والدتها معاهم. وطبعاً ده من غير ما أخوها يعرف عشان المشاكل. رد عليه "فريد" وقد حملت كلماته الشر: _بس طبعاً، إحنا بنحب المشاكل. ابتسم "أبو المعاطي" ساخراً وهو يقول: _ماتقلقش، أنا بعت لأخوها رسالة من رقم غريب وعرفته باللي بيحصل كله. بس تقريباً كده لحد دلوقتي لسه ماشافهاش. صمت "فريد"
بنظرات مستفسرة: _وإنتَ هتسافر معاه إمتى؟ وضع عينيه بالأرضية يخبره بتردد: _للأسف، بربروس مارضاش ياخدني معاه. بتر حديثه باستهجان: _عشان حمار. حاول التبرير: _أنا عملت اللي عليا وأكتر. حاولت كتير إنه ياخدني معاه القرية وهو رفض. لو كنت أصرت أكتر من كده، كان هيحس بشيء. نظرات "فريد" له رافضة تصديقه، فاسترسل حديثه بقول: _بس، بس أنا هحاول معاه تاني. أنا هاروحله دلوقتي وهعرفك كل شىء بيحصل. وأتمنى إنه يرضى ياخدني معاه المرة دي.
_ومستني إيه؟ أنا عايز أعرف كل حاجة بتحصل معاهم، تحركاتهم وطريقهم، وأي شىء بيحصل تقولي عليه. أنتَ فاهم؟ أشار برأسه بالإيجاب بعدما ساد التوتر بالأجواء. أشار "فريد" بعينيه لكي يحثه على المغادرة، فاستجاب لطلبه على الفور. ***
هناك لحظات تدوم للأبد ولا يمكن نسيانها أبداً، كلحظاتهم تلك. علت الفرحة الوجوه بعد عقد قرانهما. يهنىء بعضهم البعض على إتمام هذه الزيجة المباركة. يلتقطون الصور الفوتوغرافية مع العروسين. اقترب "ياسين" ببطء من "شمس". قبل قوله برفق مع ابتسامة حانية زادت من وسامته: _وإحنا مش هنتصور؟ حاولت "شمس" الابتعاد عنه، ولكن منعتها يد "ياسين" الذي قال: _شمس، استني.
طالعت بعينيها كف يدهُ الممسك بمرفقها بإحكام، فحرر مرفقها من قبضته بلين، يرجوها بعينيه قبل لسانه يحاول التبرير: _شمس، اسمعيني. أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي. عارف إن مافيش حاجة تبرر اللي عملته، بس... قاطعته قبل أن ينطق حديثه بجمود، وقد حسمت قرارها، قائلة بجمود: _ابعد عني ياياسين. أنا مابقيتش أأمن على نفسي معاك. طالعته بعينين امتزج بهما الخوف، فرأى في عينيها تلك النظرات التي كانت تطالعه بها حين كانت بالقبو،
تخبره مصارحة: _أنا رجعت أخاف منك من جديد. استدارت وتركته يتتبع أثرها بقلب يأس، تمنى أن تكون آخر دقاته الآن، فما حدث لا يغتفر. أما عنه، هو عن "بربروس"، اقترب من زوجته ببطء، يقف مقابلها بعدما لمعت الدموع بعيناه. تعلقت عيناها بعينيه، ثم اقترب هو منها بشكل ملفت، بعدما أصبحت حلاله. مال برأسه عليها، يقبلها من جبينها. اقترابه منها بهذا الشكل زاد من نبضات قلبها. شعر هو بذلك، ابتعد عنها يتأمل ملامحها بأعجاب صريح، متغزلاً بها:
_من بين كل نساء الأرض، فقد عشقها القلب. يالله، وأنتَ وحدك من أحببتني فيها، وأخيراً وجدتها. ومن بين سائر النساء، جُبر القلب بها، وأصبحت من القلب قريبة. وياحظ قرب قلبي بقلبك، بعدما كنتِ غريبة. لم أكن أنويكِ حباً، فقد وقع القلب فيكِ سهواً. فكيف أعدل الميزان وقد ملئتِ الكفتين عشقاً؟ ربي أوصيك بها خيراً، فعبدك الفقير لم يدق قلبه لأحداً من خلقك كما دق القلب لها دقاً.
تجمعت الدموع بعينيها أثر حديثه، وتمتمت والدتها من فرحتها بهما. اقتربا الاثنان منها بعدما أشارت لهما بالاقتراب. حاولت البوح بما داخلها، ولكن مرضها منعها. ولكنه استطاع فهمها، فاسترسل حديثه بقول: _لا تقلقي يا أماه، فلا أريدك أن تحملي همها الآن، فقد أصبحتما تحت حمايتي. ولن يستطيع مخلوق خلقه الخالق أن يمسها بسوء. ابتسمت والدتها ابتسامة رضا على ما قال. فهبت "سارة" تخبرهم بابتسامة واسعة:
_أكيد مش هنعدي اليوم كده، إحنا لازم نحتفل. رفع "الطبيب" كفه باعتراض: _لا، لو على الاحتفال، فاحتفلوا انتوا. أنا لازم أرجع البلد أنا وشمس. زهره ما بطلتش اتصالات. انتفضت عند سماع اسم والدتها. وبالرغم من حديثها مع "ياسين"، إلا أنها بحثت عن الأمان بداخله حين تبادلت معه النظرات القلقة. فشعر "ياسين" بذعرها، فنطق قائلاً: _سيب شمس ياعلي، هاتروح معانا بعد ما نحتفل ببربروس ومارال. اعترضت "شمس" على طلبه بارتباك، بينما "مارال"
بترت حديثها: _اخس عليكي ياشمس، بقى هتسبيني في يوم زي ده؟ أنا اتفقت أنا وسايه إن إحنا هنحتفل بيومي في مكان حلو أوي. هزعل منك أوي لو ماجتيش معانا. ثم أكملت حديثها بابتسامة واسعة تشير بعينيها إلى بربروس: _هو أنا هتجوز أنا وبيدقوس كل يوم؟ دعمت "سارة" حديثها بقول: _وبعدين إحنا حجزنا خلاص ومش هينفع ماتجيش معانا.
لم يكن هناك أي علم لـ "بربروس" بهذا الاحتفال، ولم يكن يعلم على ماذا ينوون، ولكنه التزم الصمت، على الأقل حتى لا يكسر فرحة مارال بيوم كهذا. لم يكن أمامها حل سوى الموافقة، فلا تريد كسر فرحتها بيومها هذا. ذهبت "مارال" لتغيير ملابسها بعدما اتفق الجميع على العودة إلى القرية. أما عن "الطبيب"، اتفق معهم على العودة قبلهما ومعه والدة "مارال". ***
أسدل الليل ستاره. هي الأن جوار "ياسين" في سيارته، تجهل وجهته. حل الصمت واتخذت مكانها النظرات، فأصبحت هي المسيطرة الوحيدة بينهما. قاطع "بربروس" تلك النظرات أثناء قيادة "ياسين" بسؤاله وهو في حيرة من أمره: _إلى أين سنذهب أيها اللعين؟ أأنا آخر من يعلم بوجهتنا بليلة كهذه؟ وأين "سارة ويزن"؟ أجابه "ياسين" محذراً: _أنا بحذرك، بلاش تعرف إحنا رايحين فين. ولو على سارة ويزن، فهما سبقونا على هناك بعربية يزن.
تبادلت "شمس" و "بربروس" النظرات المحيرة، بينما ابتسمت "مارال" إلى "بربروس" قائلة برجاء: _سيبلي نفسك خالص النهاردة يابيدقوس، عشان خاطري النهاردة يومي. وتحت إلحاحها بعيون راجية، انصاع لطلبها. وما مر سوى القليل حتى وصلا إلى وجهتهما، بانتظارهما سارة ويزن. وعند رؤيتهما، قال: _اتأخرتوا ليه؟ إحنا مستنيينكم من بدري، أنا حجزت في الأول. بررت "مارال" التأخير بقول: _أسفة، لحد ما غيّرت هدومي. عقد "بربروس" ما بين حاجبيه مستفسراً:
_ما هذا الحشد اللعين؟ وما أبشع هذا الضجيج بالداخل؟ أشار لهُ "ياسين" برأسه بعدما حثه على الدخول: _ادخل ياشيخ عجوه، إحنا لسه على البوابة. الزحمة هتلاقيها جوه مش بره. طالعته "شمس" باستغراب، أجبره على الضحك، ثم أرضا هو حيرتها بإجابته: _عارف إنك مش فاهمة حاجة. هندخل دلوقتي وهتعرفي كل شىء. ***
هناك من لا يستطيع عقله التوقف عن التفكير. هاتفته "زهره" للمرة التي سئم عددها. طالع "الطبيب" هاتفه بضجر وهو يستعد للنزول من المنزل، وبرفقته والدة "مارال". لم يقدر على الإجابة، فهو يعلم ما ينتظره عند الرد. وقبل مغادرته، قابل "أبو المعاطي" بطريقه سائلاً: _واضح كده إني جيت متأخر. أومال فين شيخنا؟ رأسه يخبره بابتسامة ساخرة: _مش هتصدق. بربروس راح يحضر حفلة كبيرة لحمزة نمرة، وكلهم معاه. طالع "أبو المعاطي" بعدم تصديق:
_معــقــولة. *** الحشد يملأ المكان، والضجيج أصبح صاخباً بالمكان أكمله. اتسعت ابتسامتها عند رؤية مطربها المفضل من على بعد. تراه أمامها، لا يوجد بينهما سوى عدة أمتار قليلة، يغني أغانيها المفضلة. يقف "ياسين" خلفها، يحميها بذراعيه من الحشد الكثيف، وكذلك يزن وبربروس يفعلون المثل. مال برأسه هامساً بأذنها. نطق بهدوء شديد جعلها تشعر بالقشعريرة من كثرة اقترابه: _مفيش شكراً طيب. حاولت التشبث بغضبها. استدارت تطالعه ولم تتخل
عن تعابير وجهها القاسية: _على إيه؟ أنا ماطلبتش منك تجيبني هنا. كان جوابها مخيباً لآماله. اتبع معها أسلوبه الملتوي: _يعني مش مبسوطة؟ تحبي نروح؟ ارتبكت وهي تجاهد لكتم بسمة سعيدة على وشك فضح أمرها، ناهيك عن صوت نبضات قلبها الذي دوى صوته في أذن "ياسين". أخبرته بعكس ما تشعر به تماماً: _مش فارقة، لو حابب تروح نروح عادي. ابتسم بمكر، يطالعها بعينيه الصافيتان ببريق يسحرها كالعادة. سألته بتذمر: _ياسين، أنتَ شايف نفسك على إيه؟
بعد اللي حصل؟ ابتسم بابتسامته الساحرة، يطالعها بعينيه السوداء كسواد الليل قائلاً بجدية: _أدب وأخلاق ومتربي وخفة دم. والله لو ينفع أبوس نفسي كنت بوستني. حاولت كبت ابتسامتها بين شفتيها، ففلتت منها ضحكة صامتة. اقترب منها هامساً بأذنها: _اضحكي، ماتخبيهاش. بصي، هو نادراً لما تلاقي حد قمر ودمه خفيف، بس أنا موجود، فمتفقديش الأمل.
طالعها بعيونه واستدارت هي مسرعة تعطيه ظهرها قبل أن تغرق بهما. تطالع مطربها المفضل تدندن معه أغانيه بانسجام. وما مرت عدة دقائق حتى سمعت صوت "بربروس" يهتف معترضاً: _وحسرتـــــا ه! استغفرك ربي وأتوب إليك يا الله. أهكذا نبدأ حياتنا يامارال؟ نبدأ حياتنا بما حرم الله. لم تنتبه لما قاله ببادئ الأمر من كثرة الضجيج. مالت عليه برأسها قائلة بصوتٍ مرتفع سائله: _بتقول إيه؟ مش سامعة. اقترب منها قائلاً بصدق لما يشعر بهِ:
_أنا لا أشعر بالراحة بذلك المكان. افتقد لنفسي وأنا بداخله. أشعر وكأن شياطين الأرض تحاوطني. إذا أردتِ، ستأتين معي. وإذا اعترضتي، ستأتين معي أيضاً. ليس هناك خيار آخر. هل من اعتراض؟ تدخل "يزن" بالحديث قائلاً: _اهدى بس يابربروس، هو خلاص الحفلة قربت تخلص. إحنا بقينا في نصها والمطرب أخد الراحة بتاعته. صاح وقد فقد كل ذرة ثبات لديهِ: _لا والله! وبعقد الهاء لن أبقى هنا لدقيقة واحدة.
حاولت "مارال" أن تستعطفه وهي تسعى لإيقافه، ولكن دون جدوى. فقد جذبها من مرفقها إلى الخارج. هدأ الضجيج قليلاً. استدارت "شمس" تبحث بعينيها عن "ياسين" وكأنه تبخر. اقترب منها "يزن" طالباً برجاء: _قربي مني ياشمس، ماتبعديش. _هو فـيـ... وقبل أن تستكمل سؤالها، بتر "يزن" حديثها بقول: _مشي وقالي أخللى بالي منك. شعرت بثقل كاهلها عندما علمت برحيله. هوى قلبها أرضاً. هل حقاً تركها ورحل؟
شردت للحظات، لا تعلم كيف مرت عليها. فاقت من شرودها على صوت "حمزه نمره" من جديد، يقول هاتفاً بمكبر الصوت: _الأغنية اللي جايه هتبقى أغنية كلكم حبتوها ونجحت بيكم، أغنية رياح الحياة. صاح الحشد عند سماع كلماته يهتفون باسمه، فاسترسل حديثه قائلاً بصوتٍ مرتجف، ينظر يساره، وبدا الخوف على ملامحه جلياً: _الأغنية دي مميزة لبنوته معانا هنا اسمها شمس المهدي، بتحبني. وكأن هناك من توعد لهُ، وهو ينظر يساره، فصحح حديثه:
_أقصد، بتحب الأغنية دي أوي ومميزة بالنسبالها. هناك أفعال صادمة، ولكن فعله كان أكثر من صادم. لم تكد تصدق ما تسمعه أذنيها. شهقت "سارة" عند سماع اسم "شمس". استدارت لها "شمس" ولم تستطع أن تكبح سعادتها هذه المرة. فاستكمل حمزه نمره حديثه قائلاً وهو يردف: _أحب أهديلك الأغنية دي وأقولك، بالرغم من الأغنية حزينة، بس هو مش عايزك تشوفيها حزينة، عايز يشوفك سعيدة دايماً وبتضحكي. راحته في ضحكتك ياشمس.
ارتجافة صوت "حمزه" واضحة بنبرته. مال "ياسين" بجسده شيئاً بسيطاً من جانب المسرح، تراه يحرك شفتاه قائلاً ببطء حتى تستطيع قراءة ما يقول على شفتيه: _أسف.
فعله جذب الأنظار إليها. أفعاله تربكها. هو هكذا مربك دائماً. تقف بتوتر، ولمعت عيناها ببريق مختلف. كل أفعاله تؤثرها. كان الجميع يصب نظره عليها. وجدت قدميها تسحبها للخارج. خرجت بين الحشود بقلب أصابته الرجفة. وجدت من ينقر بأصابعه على كتفها، وكأن الأنفاس تنسحب منها الأن. قلبها يدق بعنف، قائلة بلين: _عايز مني إيه ياياسين؟ فأجابها آخر شخص تتمنى أن تراه: _عجبك الشويتين اللي بيعملهم عليكي؟
دب الرعب بقلبها من نبرته، فهذه النبرة تعلمها جيداً، نبرة "فريد". استدارت تطالعه ببغض، رائحته مقيته تذكرها بأسوأ لياليها. ابتسم ساخراً وهو يردف: _مفاجأة، مش كده؟ لا تعرف ماذا تفعل، وكأن محركات عقلها قد أصيبت بالصدأ المفاجئ. أردفت بأول سؤال ورد ببالها: _أنتَ عرفت مكاني منين؟ أجابها بما هو بعيداً عن سؤالها: _بس ياترى، مفاجأة حلوة ولا وحشة؟
نبرته مخيفة. عادت بخطواتها للخلف، حتى اصطدم ظهرها على مقدمة السيارة. استرسل حديثه بانفعال، وظهر هذا في صيحته المنفعلة: _عنيكي بتقول إنها مفاجأة، بس للأسف مش حلوة. مع إنّي حلو وأتحب، بذمتك مش أنا أتحب؟ لم تجب، بل أجابت الدموع بدلاً عنها، تتذكر ما كان يريد فعله بها آخر مرة قابلته بها. أضاف لحديثه السخرية عند رؤية دموعها قائلاً: _بلاش دموعك دي، عشان ما بقتش أصدق إنك لسه البنت البريئة الشريفة. إيه، طلعتوا كلكم كده؟
مافيش بنت شريفة الأيام دي. _طب، قولت الكلام ده لأمك؟ وجه "ياسين" سؤاله لهُ بعدما ظهر من العدم ووقف بالمنتصف بينهما، وكأنه سد منيع. من يصدق الأن أنهم يقفون في مواجهة لأول مرة بعد زواجه من شمس، الذي قلب كل شىء رأساً على عقب. طالعه "فريد" بعدما انفعل وظهر هذا في صيحته المنفعلة: _مش لما تقولوا لأمك أنتَ الأول.
لم يجب عليهِ بالكلمات، كانت الإجابة نظرة نارية منه. وقبل أن يهتف وتزداد الشرارة بينهما، طالع "ياسين" من حوله ليجد رجال تابعة لـ "فريد"، وكأنهم ينتظرون رد فعله. أدرك بأنه ينصب له الفخ. فاستدعى كل ذرة ثبات لديه، ثم مال برأسه عليه هامساً: _مترفعش صوتك على تلاتة. _أمك. _أبوك. _أنا. سأل "فريد" مراوغاً: _وده عشان إيه؟ رد مسرعاً: _عشان مصلحتك. نطق "فريد" بكلماته، وقد حملت عيناه الشر ورغبة شديدة في أن يذوق مما يشعر بهِ الأن:
_تعرف إن ممكن أقتلك هنا ومحدش يحس بيك. طالعه "ياسين" باستخفاف: _لا، ده أنتَ لو قتلتني أضايق أوي. وقبل أن ينهي حديثه، أنذر الطقس بنزول أمطاره بليلة باردة كهذه. شعر بأنفاسها الباردة من خلفه، وعلم بأنه يجب إنهاء الشجار من أجلها. تأوه عالٍ صدر من "فريد" حين قبض ياسين على ذراعه وثناها خلف ظهره، هاتفاً بغلظة: _اسمع يلا، أنتَ استهلكت 100% من ردة فعلي المحترمة. أنتَ دلوقتي على نظام لو مش متربي أربيك. أخبره بما يتوعد لهُ
وهو يحرر يده من قبضته: _حاول تقرب منها تاني، وأنا هخليك تحضر زفتك على قبرك. خرج الجميع من الحفلة بعد انتهائها، وهناك من صور هذه المشاجرة. حاول "فريد" إنهائها قبل أن تعلم الصحافة بمشاجرته. اقترب يبتسم بغيظ ويمد يده بالسلام، يتمتم من بين أسنانه: _بكرة نشوف مين اللي هيضحك في الآخر. طالع كف يده بسخرية، وقد برزت الابتسامة على ثغره قائلاً: _والله أنا كان نفسي أمد إيدي وأسلم عليك، بس شمس بتغير عليا لما أسلم على حريم.
جذب بيده تلك المتشبثة بستترته القطنية من الخلف، قائلاً لها بنبرة يأمرها بها: _يلا ياشمس. تحركوا تحت نظرات "فريد". صعدت إلى السيارة، وجلس هو على مقعده أمام عجلة القيادة، ثم تبع ذلك بصفع الباب. ضغط على زر المساحات حتى يمسح قطرات المطر من على زجاج سيارته بعدما قاد سيارته بغيظ. يمكنك سماع احتكاك صوت إطارات السيارة من شدة انزعاجه. جلست بجواره وهتفت بامتنان لكل ما يفعله: _شكراً.
استدار يطالعها بعدما عقد حاجبيه، ثم عاد ينظر للطريق أمامه من جديد سائلاً: _معنى كده إننا اتصالحنا؟ هربت بعينيها نحو الزجاج جوارها، تتابع قطرات المطر التي تتساقط على الزجاج، وتجاهلت الرد عليه. تطالع الطريق. سمعته يقول: _أنتِ خايفة منه ليه ياشمس؟ ده حقير ولا يسوى. ماتبينيش ضعفك قدامه. أنتِ مش ضعيفة، ده أنتِ اتربيتي. أكمل حديثه قائلاً بانزعاج: _على الخوف. ما تربيتش غير عليه. _ولا نسيت؟ رد عليها بعينين اختلط
صفاء بريقهما بحبه لها: _لأ، مانسيتش. وعمري ما هنسى في يوم. وزي ما زرعت الخوف جواكي، هحصده من قلبك وأقتلعه من جذوره. وده وعد مني ليكي ياشمس. عم الضجيج في قلبها، وأخفت ابتسامتها مسرعة. وقف بأشارة الانتظار، وقد رسم على زجاج سيارته المغيم بقطرات المطر وجهاً ضاحكاً. عقدت بين حاجبيها تتابع ما يفعله بعدما نقش على الزجاج المجاور لهُ جملة بجانب الوجه الضاحك. قامت بقرائتها، ألا وهي: _اضحكي ياشمس. أخفت ابتسامتها مسرعة
وهي تستدير تقول بحده: _لأ. *** لم تغفو "زهره" حتى الأن، وقد قاربت الساعة على الرابعة صباحاً. تراقب النافذة كل عشر دقائق تقريباً، حتى سمعت صوت غلق باب السيارة. أتوا جميعاً سوياً بعدما حادث يزن ياسين بالهاتف. هبطت من غرفتها مسرعة. صـ ـفعت "شمس" باب السيارة من خلفها. أوقفها "ياسين" عند سماع اسمها قائلاً: _مش قادر أسيبك تطلعي قبل ما تقولي إنك مسامحاني. فردت عليه باستياء دون أن تستدير لهُ:
_أنتَ ما دوستش على رجلي بالغلط ياياسين. دي تاني مرة تبقى عايز تقتلني فيها. أنتَ لازم تتعالج. مسح على عنقه بتعب، وقبل أن ينطق هاتفاً، جذبتها "زهره" من ذراعها بحده قائلة: _كده ياشمس، كده تعملي فيا أنا كده يابنتي. تركته يتتبع آثارها بعينيه، فناداها باسمها مرة أخرى، فصمت أذنيها عن ندائه. ***
من أكثر الأشياء المغرية في ليلة باردة كهذه، هو دفء الفراش، وخاصةً مع مساء ليلة لم يرحمها الشتاء. أخيراً في غرفتها بعد ليلة طويلة مرهقة، نام الجميع، وبالأخص والدتها، ولم يبق سواها مستيقظة. شردت فيما حدث، تستذكر يومها الطويل وما حدث بهِ. ***
أما عنه، يريد الراحة بعد يوم مجهد كهذا، ولكن لأول مرة يتفق قلبه وعقله على عدم راحته. أرغماه على الإبحار في ما حدث بالقاهرة بمنزل "مشيرة". والنتيجة هو هنا، يقف أسفل شرفتها يناديها بصوتٍ هامس حتى لا تستيقظ والدتها، بعدما علم بأنها نائمة بغرفتها. اقتربت من النافذة، تنظر خلفها بارتباك لتلك النائمة على فراشها، سائلة بصوتٍ هامس: _أمشي ياياسين، بتعمل إيه هنا؟ برر "ياسين" حيث هتف برجاء: _عايزك تسمعيني. رمقت
والدتها وهي نائمة بارتباك: _مش وقته، أمي لو صحيت وشافتك هتبقى مصيبة. امشي دلوقتي. طالبته بنبرة شبه باكية، أوشكت على البكاء: _ارجوك امشي.
شعرت بتقلبات والدتها على الفراش. أغلقت النافذة مسرعة، وقبل أن تستدير من غلقها، وجدتـ ـه بغرفتها. تمسك بمرفقها، أدارها إليه لتنظر لهُ. وضع كف يده على فمها بقوة بعدما اصطدم ظهرها بالنافذة. تعلقت حينها عيناها بعينيه، وفي عيناه نظرة لن تنساها أبداً، وقد غزت حصونها الدموع التي صارت أقرب رفيق لها، ولكنها رفيق إجباري. رمقته بخوف، فقد شعرت ببوادر نوبة كما حدث من قبل. تلك الرعشة بيده، عينيه الزائغة، كل شىء تراه أمامها الأن ما هو إلا بوادر نوبة تحدث لهُ من جديد. فعلم هو نظرتها وخوفها منه. رمقها وقد انهار أمام عينيها الزيتونيه، وفعل عكس المتوقع هذه المرة. حرر فمها بعدما أنزل كف يده من على شفتيها. سألته بذعر بـنبرتها:
_بتعمل إيه هنا ياياسين؟ أجابها بما لم تكن تتوقعه بكلمة واحدة ومختصرة: _عايزك. وضع كف يدهُ المرتعش على وجنتيها برفق، اقترب منها، كاد أن يقبلها، ولكنها تراجعت للخلف، تحاول ألا تصدر صوت على قدر المستطاع حتى لا توقظ والدتها. تبعده بعيداً عنها، ولكنه استمر بالتقرب منها، فأوقفته قائلة: _ياسين، كفايه. ياسين، أهدى، أنتَ بتعمل إيه؟ أدارته بيديها بقوة، فاصطدم ظهره بعرض الحائط، وما وجدت سكين بجانبها حتى رفعته على عنقه قائلة:
_لو ما مشيتش من هنا حالاً، أنا، أنا... وضع كف يدهُ على يدها القابضة على السكين، يغرزها بعنقه أكثر، وباليد الأخرى يضمها إليه سائلاً: _ولو ما مشيتش، هتغرزي السكينة في رقبتي؟ حاول الاقتراب ليقبلها مرة أخرى، فمنعته من جديد: _ياسين، أنتَ مش في حالتك الطبيعية. فرد وكأنه غريق يطلب النجاة: _خلاص، خليني أتعافى بيكِ. أخبرته بكيل قد طفح: _أنا مش دواك عشان تتعافى بيا. فوء بقى ياياسين، أنتَ لازم تتعالج. عشان خاطري، لازم تتعالج.
أنهت حديثها، وفاق لنفسه يشعر بما فعله للتو. ابتعد عنها مسرعاً، يخبرها بصدق نابع من عينيه قبل لسانه: _أنا مش كويس. حاسس إني مش بخير. كان صريحاً معها. براءة عينيه تخبرها دائماً بصدقه، وضاعف هذا خوفها عليه. وهو يكمل: _حاسس إني بغرق وبعافر مع الموجة. مابلحقش آخد نفسي. ومش لاقي إيد تتمدلي وتقولي أنا جنبك. علمت بانتهاء نوبته. اقتربت منه ببطء، رفعت كفها ووضعت يدها على قلبه قائلة بصدق بان في عينيها: _أنا جنبك.
كلماتها بثت بقلبه الطمأنينة، وكأنها كالجذر الأخضر في عروق ذكرياته اليابسة. أنزلت كفها بارتباك من نظراته أولاً، ثم من صرخة "زهره" ثانياً. كانت صرخة "زهره" هي الصرخة الناهية لأي أحاديث جانبية. _يـــــالهــــــوي! كاد صراخها أن يفيق المنزل بأكمله، فبادرت قائلة: _هو ده اللي أنا كنت خايفة منه. بتتهجم على البت في نصاص الليالي ياياسين؟ أصابه التعب وقد أنهك الإرهاق جسده. أجابها بعيداً عن سؤالها:
_أنتِ كنتي بتسقطي في مادة الدين. عقدت ما بين حاجبيها وحثها فضولها لسؤاله: _ليه؟ أجابها ببرود: _أصلك مسقطة إنها مراتي. صاحت بغيظ: _ماتقولش مراتك. كرر كلماته بإصرار: _لأ، هقول. ومش بس كده، من هنا ورايح هقولك ياحماتي. تركها ورحل، زادت اتساع حدقتي زهره أن ما تسمعه الأن أصبح واقع مرير لم ترضى بهِ أبداً. ستحاول فعل الكثير والكثير حتى ينتهي ذاك الكابوس الذي يدعى بياسين. ***
حلت الظهيرة وحلت معها المشاكل من جديد. بعدما عقدت "زهره" العزم على المغادرة والعودة إلى بيتها القديم، تضب ما تبقى من احتياجاتها بداخل حقائبها. حاولت "شمس" منعها ولكن دون جدوى، فقد أصرت على المغادرة بأسرع وقت. لم تمنعها "الخالة"، بل تركتها تفعل ما يحلو لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!