شعور الخوف مقيت، خاصة إذا شعرنا به بالإرغام. هذه الكلمات تصف حالة "غدير" الآن. جُرم لم ترتكبه يعاقبها عليه "فريد"، فقط لأنها من عائلة "آل صاوي". صرخت "غدير" صرخة كانت تصدح بالأجواء، بعدما أمسك بها أحدهم وهو يقول: "أخيراً مسكنا واحدة من عيلة الصاوي." ارتعدت أوصالها لما يحدث. هاجمها أحدهم وتلطخ جسدها بالطين بعدما تكومت على الأرضية.
وأثناء هجومه عليها، كانت هي الأسرع، فقامت بركله بإحدى قدميها، محاولة الوقوف من جديد، بينما تستكمل ركضها هنا وهناك. تنظر خلفها بعينين باحثة عن النجاة بين زهور عباد الشمس الطويله، حتى وجدت "بدر" أمامها. سكنت الرياح وغمرتها موجة من الدفء عند رؤيته. هربت الكلمات من بين شفتيها حتى لم تستطع الحديث، ولكن بنظراتها المستغيثة له قد أوحت بكل شيء بداخلها. نظر خلفها ليجد ثلاث رجال وبيد كل منهم قطعة حديدية يركضون خلفها.
احتضن كف يدها يشير بأصبعه على شفتيه بمعنى أن لا تصدر صوتًا. هرول بها بين الزرع يحاول الاختباء ممن يحاولون اللحاق بها، ولكن إلى أين؟ فلا يوجد مفر. وقف "بدر" بالمنتصف يخبئها خلفه من نظرات الشر الواضحة بعيونهم. فحاوطه الرجال الثلاث وأصبحوا بالمنتصف. ابتلع "بدر" ريقه مع محاولة بائسة لبداية الحديث، ولكن نطق أحدهم ساخرًا بقول: "وأنتَ بقى يا روح طنط الفارس اللي هتنقذها." طالع المتحدث من بينهم أحدهم الواقف بجواره
وهو يقول بنبرة آمرة: "خلص اللي جايين عشانه." أقدم ذلك الرجل عليها، ولكن منعه "بدر" المساس بها بنبرة تحذيرية، مع شفاه مرتعشة يطالع الأداة الحادة بيده قائلاً: "محدش يقرب منها وإلا أنا... أنا. اقترب منه الرجل ورفع رأسه بكبر بملامح مشوهة. نشب عراك بينه وبينهم، فسدد له أحدهم لكمة بوجهه. كانت لكمة قوية. صرخت "غدير" للمرة الثانية، ولكن هذه المرة صرخاتها تحمل اسمه: "بــــــــَدر."
شق صراخها الأجواء. فرد "بدر" اللكمة لذلك الواقف أمامه بعدما استجمع شجاعته، ولكن سرعان ما التف حوله الآخرون. واستغل اثنان منهم الوضع وأمسكوا به من الخلف بشراسة. رفع الأخير عليه أداته الحادة. فقبضت "غدير" عينيها حتى لا ترى ما يحدث قبل أن يضربه بها على رأسه. ولكن كان هناك سد منيع يحول بينهما. لم تنتظر إلا ثواني معدودة حتى وجدت من يقبض على الأداة الحديدية بكف يده بعدما فتحت عينيها. فدبت الطمأنينة بقلبها
وهي تنطق بحروف اسمه: "ياسين." نطق "ياسين" بنبرة ساخرة لهم، نبرة مستفزة تعرفها هي جيدًا. فاحتدت تقاسيمها واكتسبت الشجاعة بوجوده، وكأنها وجدت الأمان على الأرض بجانبه، وهو لا يبخل به أبدًا. تستمع له وهي تنحني، تجلس بجوار "بدر" قائلة: "طالما عاملين فيها سبع رجالة في بعض، ماتورونا وشوشكم الحقيقية." طالع الرجال بعضهم البعض بحيرة وعدم فهم مما يقول. فابتسمت "غدير" ساخرة تقول من خلفه: "دي أشكالهم ياياسين، مش لابسين ماسكات."
اشمأزت تقاسيمه بالنظر إليهم، وكعادته لبس قناع البرود وهو يقول متسائلًا بجدية: "ياساتر يارب، معقول في بشر طلعوا أوحش من زُهرة؟ ابتسمت "غدير" من قوله. أما عنهم، فكانت ملامح وجوههم مستفسرة عن قصده. فنطق أحدهم وقد استفزه حديثه قائلاً: "وأنتَ بقى المنقذ بروح الحاجة الوالدة اللي جواك." شهقت "غدير" بعد قوله هذا، فنطقت بقول: "الحق ياياسين ده بيغلط في كوكي." هز رأسه ببطء، يطالعه باستنكار نافيًا دليلًا على اعتراضه:
"توء.. توء.. توء، ماتجيبش سيرة كوكي عشان بزعل وأنا ببقى وحش أوي لما بزعل." اقترب أحدهم منه يرفع الآلة الحادة يسددها على رأسه، ولكنه أمسك به بسهولة يلقيه من على بعد. فزادت مقاومتهم الضعفين بعد أن علموا مدى قوته. اجتمع عليه الجميع، ولكن بسهولة استطاع هو الإفلات منهم، بل وتلقينهم درسًا لن ينسوه بحياتهم. استغرب "بدر" من سرعته، فظل يراقب بعينين سائله. أما عن "غدير"، فكانت تعلم مدى قوته. كانت تصرخ بنبرة
صارخة ممتزجة بفرحة قائلة: "اديلوا ياياسين.. اديلوا التخين أبو شنب ده، الله يحرقه." استدار إليها يرمقها بغيظ وعاد ينظر أمامه من جديد. فرمق سلاح موجه لوجهه من إحدى الرجال وهو يقول بأنفاس متقطعة ممزوجة بالغيظ: "مابقاش دكر لو موتـ ـتك، مابقاش على إيدي." وقبل أن يضغط على الزناد، كان قد أحكم "ياسين" الإمساك به وثني ذراعه خلف ظهره بعدما أمسك بسلاحه، يشهره على رأسه وهو يقول: "بط.. دكر.. بس دكر بط يا حيلتها."
نظر الرجلان بخوف مما يحدث، فهربا بسرعة يركضون بين الحقول. أما عن هذا الرجل، فقد حاول التملص من "ياسين" بكل قوته، ولكنه لم يستطع. فزاد أكثر من ضغطه على ذراعه، فصرخ صرخة عالية امتزجت بألمه. فهمس "ياسين" بأذنه بكلمات لم يستطع كلاً من "غدير" و"بدر" سماعها، فأجاب الرجل بالموافقة يهز رأسه بهستريا قائلاً: "هقوله.. هقوله إنه باع دكر بط.. دكر بط.. أنا دكر بط وهقوله إني دكر بط."
ابتلعت "غدير" ريقها وكأنه غصة مريرة بحلقها من منظر الرجل. فصاحت قائلة: "كفاية كده ياياسين، هتـ ـموته في إيدك." أبعد "ياسين" الرجل عنه وقد رمقه بنظرات محذرة، وهو ينطق كلمة واحدة من بين شفتيه، ينطقها ببطء شديد: "اتكل." *** لم يشعروا بمرور الوقت إلا بعدما دق الباب عليهم دقات متتالية، بعدما قصت شمس كل ما حدث لها منذ خروجها من المنزل حتى لحظة وصولها هي وياسين إليه.
فنطقت "سارة" تسمح بدخول الواقف خلف الباب. دخل "يزن" وبكف يده الدواء وكوب من الماء قائلاً: "الدوا ياسارة، الساعة بقت 12." تبادلت "شمس" و"سارة" النظرات، ولكن "شمس" رمقتها بنظرات قلقة. فقالت مستفسرة: "دوا إيه ده ياسارة؟ أنتِ طلع عندك إيه؟ لم تجب عليها بالكلمات. كانت الإجابة نظرة منكسرة. علمت "شمس" من نظرتها بأنها ليست بخير، فشعرت بانسحاب أنفاسها. توقعت بأنه ذاك المرض الخبيث، فبدأ على وجهها التخبط.
مما جعلها تحتضنها بداخل صدرها قائلة بنبرة مؤكدة مما تقول: "ماتقلقيش، المرض ده بقى سهل جدًا هزيمته دلوقتي، وفيه ناس كتير خفت منه وبقوا أحسن من الأول." وتابعت بإصرار بعينين دامعة: "أعرف واحدة كان عندها نفس المرض وخفت منه واتجوزت وخلفت وعايشة حياتها طبيعي." جلس "يزن" على مقعده مشيرًا لـ "سارة" بحنان، رأته في عينيه قبل حديثه:
"عندما ينتهي مرضك سنتزوج، وستنبت الأرض زهوراً ستشبهك، ورحمك سيحمل أجمل فتاة في الكون، ستشبهك وتحبني." حل الصمت بعد جملته الأخيرة، وبقي فقط لقاء العيون. حديثه الآن أعطاها الأمل في الحياة وانتزع جزءًا من مخاوفها. فطالعته وهو يمد كف يده يحثها على أخذ الدواء: "هتخفي ياسارة.. واعرفي إن المرض ده أتفه من إنه ياخدك مني."
استطاع بجملته الأخيرة سحب ضحكة من بين شفتيها. فقاومت السكون السائد منذ بداية حديثه، حين مدت كف يدها تأخذ من يده الدواء، قائلة: "ربنا ما يحرمني منك يايزن." *** تجلس معه في الجراج الخاص به، يتفحص دراجته النارية بعين، والعين الأخرى يتفحص غدير بها. ولم يمر سوى ثوانٍ، ثم أتى سؤال "ياسين" الذي أراد عليه إجابة تفصيلية: "وأنتِ بقى ياغدير تعرفي "بدر" منين؟ فقابلت سؤاله بسؤالها: "هو أنتَ مش مصدقني ياياسين؟
ما أنا حاكيتلك واحنا راجعين." هز رأسه نافيًا: "لأ، مش مصدقك. عيدي كلامك تاني اللي قولتي." هزت رأسها موافقة تعيد عليه السرد من جديد: "أنا شوفت بدر مرتين في حياتي أصلًا، أول مرة لما وقعت بالعجلة وخبطت فيه، والتانية لما روحتله المحل بتاعه عشان هو أخد مني العجلة يصلحها. والله ده اللي حصل. وبعدين المفروض نشكره على اللي عمله، واحد غيره كان زمانه سابني وقال أنا مالي، مش كفاية البهدلة اللي اتبهدلها بسببي." فردفت
بكلماتها التالية بضجر: "وأنتَ سيبته يمشي من غير ما حتى تشكره على اللي عمله معايا؟ أردف بنبرة ساخرة منها وهو يقول: "أشكره مرة واحدة وهو كان عمل إيه يعني؟ أخبرته وهي تبتعد عنه: "ياسين ده كان ممكن يمـ ـوت بسببي النهارده، ولولاه... فبتر حديثها يردد بإصرار:
"أنا مش مرتاح للواد ده. اسمعي كلامي ياغدير، اليومين دول مش عايزك تثقي في حد مهما حصل. اللي حصل ده ممكن يحصلك تاني لمجرد إنك قريبة مني. فريد بدأ حربه بدري أوي، بس مش عايز أذيته تطولك. خدي حذرك من الكل، وأولهم بدر. ما تطلعيش مرة تانية من البيت لوحدك، خللي دايماً معاكي حسان، أو ماتنزليش غير معايا. المرة دي أنا كنت موجود، المرة الجاية مش عارف ممكن يحصل إيه." أتت الخالة من خلفه بخطوات بطيئة بعدما استرقت السمع قائلة:
"وكنت ناوي إمتى تقولي ياياسين على اللي حصل؟ فألقت نظرة معاتبة لـ "غدير" وتابعت بقولها: "وأنتِ ياغدير، ما كنتيش ناوية تقوليلي يا بتي؟ شعرت بالارتباك واردفت وهي تقول: "أكيد كنت ناوية يا خالة، بس ما لحقتش." تحدث "ياسين" يطلب طلبه بإصرار:
"فريد مش هيخلينا نلحق نتنفس، يا ما إحنا لازم نعمل حسابنا ونزود حراسة على أبواب القرية، وماحدش يدخل ولا يخرج منها إلا لما نكون عارفينه. النهارده لحقت غدير، مش عارف هعرف ألحقها تاني ولا لاء." أشارت الخالة برأسها بالإيجاب: "من غير ما تقول يا ولدي، من الليلة أهل القرية هيناموا وحراسها هيصحوا." غادرهم ورحل أمام ناظريهما. فأتى حسان من خلف الخالة مهرولاً: "أنا جيت يا خالة."
أشارت الخالة بعينيها لـ "غدير" تحثها على الخروج، فاستجابت لطلبها. صوبت كامل نظرها على حسان قائلة: "عملت إيه لما مشيت ورا مشيرة ياحسان؟ وقف في الجهة المقابلة يسرد لها ما حدث: "مشيت وراها زي ما قولتيلي، كانت ماشية بتمد في خطوتها زي المجنونة يا خالة، كانت بتقول كلام ما أخدتش بالي منه. كنت لسه هقرب منها، اتعثرت في طوبة ووقعت. على ما قمت ببص قدامي مالقيتهاش. فضلت أدور عليها، بس زي ما تكون اختفت." صكت الخالة
على أسنانها قائلة بغيظ: "وأنا إيه اللي جرالي في عقلي لما فكرت أعتمد عليك ياحسان." *** دفء الفراش هو الأمثل في ليالٍ باردة كهذه، ولكنها فضلت برودة الليل على أن تنعم جواره بالدفء. فصاح "الطبيب" بتهكم: "هتفضلي قاعدة على الكرسي عندك كده كتير يازهره؟ هبت واقفة من مقعدها وقد زاد ارتباكها وهي تخبره: "وهو أنا هيجيلي نوم بعد اللي حصل.. بنتي.. بنتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا تتجوز بالشكل ده وتخرج عن طوعي."
أخرج إحدى لفافات تبغه قائلاً وهو يدسها بين شفتيه: "بنتك مش صغيرة، اتجوزت اللي هي عايزاه." فتابعت بكلماتها التي تضـَـرب كسوط بلا رحمة: "لأ ياشيخ!! وهو مين يعوز واحد زي ياسين.. ياسين ده مافيش حد يطيقه ساعتين، مش يعيش معاه العمر كله. ده شيطان بقرنين مش بني آدم يتعاشر ويحب ويتجوز، ويوم ما يتجوز يتجوز بنتي أنا اللي ماحلتيش غيرها." صاح بها بكيل قد طفح منذ زمن: "أنتِ بتكـ ـرهي ياسين أوي كده ليه؟
أنتِ ناسيه إن اللي بتتكلمي عليه ده يبقى أخويا." طالعته فرأى في عينيها ذلك التعبير الذي لاحظه منذ قليل، وهي ترمق ياسين بنظرات البغض، فعند سماع سيره تتأكل بداخلها. فنطقت بغـ ـضب: "يا ريت أقدر أنسى إنه أخوك، على الأقل مكنتش هكـ ـره قربه من بنتي كده." قاطع حديثها الذي حاولت أن تبث فيه كل رفضها وهو يسأل بعدم فهم: "يعني إيه مش فاهم؟ أنتي تقصدي إنك بتكـ ـرهي ياسين عشان هو أخويا؟ رفعت كفها متابعة حديثها بالنفي، مما
جعله يرفع حاجبيه باندهاش: "أنا بكـ ـرهه عشان زيك.. عشان هيعيشها نفس اللي أنتَ عيشتني فيه.. مش عايزها تحس اللي أنا بحسه وأنا معاك.. مش عايزها تشوف نظرات الناس ليها بعد ما شكلها يكبر ويفضل هو شكله صغير. تقدر تقولي بعد عشر سنين شكلها هيبقى عامل إزاي وشكله هو هيبقي عامل إزاي." طالعها بضحكة غير مصدقة. فأكملت حديثها: "طب بلاش دي، ليه تتحرم من الخلفه وتتحرم من إنها تبقى أم وتبقى زي بقيت البنات؟
طب أنا كنت محظوظة بخلفتها ومعايا حسان، لكن هي.. ليه تعيش محرومة من نعمة الأطفال؟ ليه تعيش مع واحد تبقى خايفة وهي نايمة جنبه لا ما يحسش بنفسه وما يقدرش يتحكم بنفسه ويشتهي دمـ ـها؟ ليه ماتعيش عيشة طبيعية زي بقيت الخلق مع واحد يكبروا سوا وتجيب منه أطفال ويكونوا أسرة يعيشوا سوا ويمـ ـوتوا سوا؟ عجبك ميرا ورعد وهما رايحين يتبنوا طفل مش من دمهم عشان ميرا مبتخلفش؟ أنا عايزة بنتي تعيش طبيعية ياعلي."
زاد اتساع حدقتي "الطبيب" أن ما يسمعه بالتأكيد ليس حقيقيًا. أثارت اهتمامه حقًا، فانتبهت كافة حواسه لها. تقول بعيون دامعة: "أنا مش وحشة ياعلي، أنا أم وخايفة على بنتها تعيش وتحس اللي بعيشه معاك." حديثها عصف بقلبه، جعل عقله يسبح في بحور. حاول كثيرًا تكذيب نفسه بها: "بقى بتخافي تنامي جنبي لا أشتهي دمـ ـك في يوم." وقف من على فراشه يكاد يجزم أنه سمع صوت تحطم قلبه. فأكمل حديثه النابع من قلبه بصدق:
"أنا كنت حاسس من الأول إنك اتغيرتي يازهره، وما بقتيش زي زمان، بس كنت بكذب نفسي وأقول معلش ياعلي اتحمل، دي زهره بنتك الصغيرة. حاولت أعوضك عن حاجات كتير ناقصاكي وعمري ما زعلتك في يوم.. كنت باجي على نفسي عشانك، بس أنتِ ما قدرتيش ده. قبل ما نتجوز أنا قعدت معاكي وقولتلك إني يازهره مش هخلف ووافقتي، كنتِ عارفة أنا إيه من الأول وعارفة إني شكلي مابيكبرش، وإنك أنتِ اللي هتكبري، وبالرغم من ده وافقتي. أما عدم إحساسك معايا بالأمان، مش قادر أفهم هو وصلك من إيه؟
أنا عمري في يوم من اللحظة اللي شوفتك فيها ما فكرت أأذيكي، ولا حتى عدى على خيالي شيء زي ده. ولو خيروني بين حياتك ومـ ـوتي هختار حياتك من غير تفكير. طلعتي أنانية أوي يازهره، وما فكرتيش غير بنفسك وبس، ونسيتي إن الدنيا مابتديش كل حاجة. كان ممكن يبقى معاكي واحد شكله بيكبر وبيخلف، بس بيهينك وموريكي المرار وبإرادته مش غصبًا عنه زيي."
تركها ورحل، صافعًا الباب خلفه. ترددت في أذنه كلماتها بعدم شعورها بالأمان معه، كلمات قيل له عكسها من سنين. ساقته قدماه خارج المنزل، فأفاق من شروده على صوت "ياسين"، وكأن أحدهم أنقذه من الغرق في هذه البحور التي تذكره بما لا يريد. تنهد يحاول الاسترخاء قبل أن يتفوه بكلمة قائلاً: "ياسين، أنتَ كنت فين؟ أنا كنت بدور عليك." رمقه "ياسين" بتساؤل عن حالته هذه، فهرب "الطبيب" بنظراته يحاول تغيير مجرى تساؤلاته:
"أنت لسه بره لحد دلوقتي، مانمتش ليه؟ تابع حديثه بجبر نفسه على الابتسام وهو يقول: "ده أنتَ حتى عريس النهارده." طالع "ياسين" البحيرة أمامه يبتسم بسخرية مما قاله، فأجابه بما هو بعيدًا عن سؤاله: "اتخانقت بسببي أنتَ وزهره، مش كده؟ ابتلع ريقه وقد زاد الارتباك بنبرة صوته: "إيه اللي أنتَ بتقوله ده؟ لاء طبعًا.. أنا حتى سايبها وهي بتشكر فيك في البيت." ضحك "ياسين" ضحكات ساخرة من كلماته، وهو ما زال يطالع البحيرة أمامه قائلاً:
"وأنا كمان نفسي أشكر لها بسبب اللي عملته معايا بنفس طريقة شكرها ليا." قهقه "الطبيب" عاليًا. فجرع "ياسين" من زجاجته المفضلة. قبض "الطبيب" بكف يده على الزجاجة يتجرع منها هو الآخر، فقال بكلمات امتزجت بضحكاته الحزينة: "الظاهر إنك مش لوحدك اللي عايز تشكرها ياياسين." انتزع "ياسين" الزجاجة من كف الطبيب، فارتشف منها ما تبقى، فأصبحت فارغة. فألقى بالزجاجة بالبحيرة التي أمامه بكل قوته وهو يقول:
"سيبني عليها أنتَ بس، وأنا هشكر فيها شكر محدش اتشكره قبل كده في حياته." شعر "الطبيب" بانسحاب أنفاسه عند سماع كلماته، فجلس على المقعد المجاور محاولًا تمالك نفسه، فهو لم يستطع سماع مكروه يصيبها. ثنى "ياسين" ركبتيه وجلس أمامه قائلاً بحنان: "إيه ياعلي، أنتَ صدقت؟ أنا كنت بهزر، أنا لا يمكن أشكر زهره في يوم، هما عملت معايا." رمقه "الطبيب" بعيون مرهقة وجسد متعب، فرأسه على وشك الانفجار، وهو يقول:
"أنا بحبها ياياسين، بحبها ومش متخيل إن ممكن حد يأذيها في يوم، حتى لو بالكلام." فهز رأسه بيقين: "عارف، وده اللي مصبرني عليها." ابتسم يوجه سؤاله بسخرية: "بس اللي مش عارفه بقى، بتحبها على إيه الولية دي؟ أجاب "الطبيب" بعد تنهيدة طويلة خارجة من داخله بعمق: "تفتكر لو كان لينا سلطة على قلوبنا، كنا اخترنا نحب في يوم." اعتدل "ياسين" بجلسته، يجلس بالمقعد المجاور، يطالع البحيرة أمامه من جديد، يستكمل حديث "الطبيب" بعيون شارده:
"ولا حتى كنا كرهنا في يوم.. بس عايز أقولك إن كل اللي بيحصلنا ده هيعدي، وزهره هترجع لعقلها. ولو كان مشكلتك مع زهره بسببى أنا وشمس، فخليها تطمن، أنا اتجوزت بنتها عشان أحميها مش أكتر. يعني جواز على ورق. ما قدرتش ياعلي أشوفها في خطر واقف أتفرج. وبعد ما كل حاجة تنتهي ونخلص من فريد وأبوه، هطلقها عشان تشوف حياتها من جديد وتعيش مع واحد يستاهلها بجد." سأله "الطبيب" بسؤال صريح: "لسه بتحبها ياياسين بعد السنين دي كلها؟
هرب بنظراته بعيدًا يحاول إخفاءها، فابتلع ريقه بارتباك مع إجابته قائلاً: "وهو اللي زيي ينفع يحب؟ أشفق الطبيب عليه بنظراته، فقد كان حديثهم الآن ما هو إلا تفريغًا لما في الصدور، ولكنه انتهى بنظرات مشفقة يطالع كل منهما الآخر بها على ما حل بهم من كسر قلوبهم القوية. جبر "ياسين" نفسه على الابتسام قائلاً: "فين شيخ عجوة دلوقت؟ لو كان شاف حالنا كان قال وحسرتاه."
لم يكد أن ينتهي من كلمته حتى أصدر هاتفه ذلك الرنين المميز، رنة مميزة يضعها لبربروس عند اتصاله. صوته وهو يقول: "وحسرتــــــــاه." علت ضحكات "الطبيب" وقد مد كف يده لـ "ياسين" يضرب كف بكف. طالعه "ياسين" وهو يعرف جيدًا كيف يخرج الشخص الحزين من حزنه ويدفن هو آلامه بداخل صدره. فتح المكالمة مع مكبر الصوت، فسمع بربروس ينطق متهكمًا: "أين أنت أيها اللعين؟
لقد هاتفتك عدة مرات وكنت قد أتلقى هذا الرد الآلي الذي جعلني أفقد صوابي. كم هو صعب إيجادك أيها الملعون." رد "ياسين" بنبرة يملؤها الغرور ساخرًا: "لقد أطفأنا الأنوار، من يجدنا فليحرق نفسه." فرد عليه باستنكار: "لا والله، بعقد إلهاء لن أحرق نفسي يا أحمق، وسأجدك وقتما أشاء." فنطق "الطبيب" مازحاً بقول: "ما تقولش كده يا شيخ عجوة، ده ياسين الخير والبركة بيهزر معاك، ما أنتَ عارفه." فكان رد "ياسين" محرجًا ونطق بضجر:
"الخير والبركة!! ليه كنت الست والدتك.. ماتبوس إيدي أحسن." أوقفهما "بربروس" بكلماته: "كفى.. كفى أيها الأحمقان، فلدي لكما خبران، أولهما حزين والآخر سعيد. بماذا تريدون أن أبدأ؟ ضحك "الطبيب" وهو يقول: "أي حاجة يابربروس، انطق." فأجاب بربروس بضحكة عريضة: "لقد وافقت مارال أخيرًا على زواجنا." رد "ياسين" بتلقائية مفرطة: "طب وأيه الخبر الحلو؟ حاول "الطبيب" كتم ضحكاته وهو يقول: "ده أكيد الخبر الحلو ياياسين، ناقص الخبر الوحش."
فأكمل بربروس حديثه: "ربــــــــــاه، لقد طفح الكيل. هذا هو الخبر السعيد أيها الملعون، أما عن الخبر السيء فهو بأنه سوف يتقدم لخطبتها شخص آخر بغضون ساعات. يجب عليكم أن تأتيا على الفور حتى أتقدم لخطبتها أولًا." كانت كلماته سريعة يترجى بها "الطبيب" بالحضور إلى القاهرة بأسرع وقت. هنأه "الطبيب" على الزيجة المباركة مقدمًا بعدما أغلق الهاتف. ***
استيقظت تشعر بضوء الصباح من حولها، ولم تجد "سارة" بجوارها على الفراش، بل وجدتها تستعد للمغادرة ممسكة بحقيبتها قائلة: "أشوف وشك بخير بقى ياشمس." تحدثت وقد ظهر في صوتها أثر النوم: "على طول كده." تحدثت بهدوء قبل أن تخرج من الغرفة: "أنا لازم أرجع القاهرة النهارده، أول جلسة كيماوي ليا هاخدها النهارده، ادعيلي عشان أنا خـ ـايفة أوي." غادرت "شمس" الفراش داعية لها الوصول سالمة بعدما طمأنتها بأن كل شيء سيصبح بخير.
قامت واستقامت تتجه ناحية النافذة، وجدت الجميع يستعد للمغادرة، ومن بينهم "ياسين" و"مشيرة"، بعدما أقنعته بضرورة السفر للقاهرة لتحضير بعض الأوراق الخاصة بها. قام بإحضار سيارة أخرى، وقبل مغادرته، رفع رأسه يطالع نافذتها فوجدها تطالعه. ابتسم ابتسامة حانية ظهرت على ثغره. فانتفضت من مكانها عند رؤيتها لها، تضغط بأسنانها على شفتيها، تعود خطوة للخلف بحركة لا إرادية منها، متمنية بأن لا يراها.
وما مرت سوى ثوانٍ معدودة حتى تقدمت خطوة أخرى بالقرب من النافذة بحذر، يحثها فضولها على رؤيته من جديد. فلم تجده. اقتربت من النافذة أكثر حتى تستطيع الرؤية بوضوح، باحثة بعينيها هنا وهناك، لتجد من ينقر بأصبعه على كتفها بلين: "بدوري على حاجة؟ التفتت مسرعة بعدما وقعت عيناها عليه. ابتعدت عنه بعيون هاربة حتى لا يراها، هكذا تحاول التنفس بهدوء: "حاجة.. حاجة زي إيه؟ أهمل سؤالها بقوله: "أومال كنتي بتبصي على إيه في الشباك؟
فأردفت بقول: "عادي ياياسين، بلاش أقف في الشباك يعني." لم يقتنع بما يقول، ولكنه حثها بقول: "فين تليفونك؟ أشارت بعينيها على الأريكة المجاورة لها، فالتقط الهاتف وبدأ بتسجيل رقم هاتفه، فوجدها قد دونته بالفعل، وبجانب اسمه قلب مكسور. ابتسم باستهجان. فقام بفعل شيء آخر لم تفهمه هي، فبادرت بالسؤال باستغراب: "أنتَ بتعمل إيه؟ ضحك على استغرابها وأخبرها وهو يدون شيئًا ما على الهاتف:
"أنا مسافر القاهرة، هخطب لشيخ عجوة، وللأسف لازم أسافر وأسيبك عشان لو ماسافرتش هيحس إن فيه حاجة غلط، وهي سيب كل شيء وييجي، وأنا مش عايز يدخل في الليلة دي. أنا ما صدقت إن مارال وافقت على جوازهم." اقترب منها خطوة يقبض على ذراعيها بحنان أمام صمتها وعيونها المراقبة: "لو طلبت منك طلب ياشمس، هتنفذيه؟ طالعها بعينين يشع منهما البراءة، وكانت تنتظر هي المزيد. وأرضى هو انتظارها بقوله:
"مش عايزك تطلعي من البيت مهما حصل لحد بكرة مش أكتر. أوعديني ياشمس." حاولت سؤاله، ولكن قبل أن تلفظ كلماتها من بين شفتيها، قاطعها هو بقول: "ومن غير ليه. عايزك تثقي فيا وبس. واعرفي إن ابن الصاوي مش هيقولك حاجة فيها شيء يضرك." قال كلماته بعيون صادقة أسرتها، فاستجابت تلبي طلبه فقط لأنه هو من طلب ذلك. ***
عدت ساعات مرت على سفره، فوجدت "غدير" حجة للذهاب لإحدى صديقاتها. حاول "حسان" الذهاب معها، ولكنها رفضت بإصرار. صعدت على دراجتها بعدما وعدته بالعودة سريعًا، متجهة إلى محل "بدر" باحثة عنه بالمحل تنادي بأعلى صوتها: "بدر.. يابدر." خرج بدر من الدكان، وآثار الضرب ظاهرة على وجهه قائلاً: "إيه اللي جابك؟ كلماته أحرجتها وزادت من ارتباكها، فبرر هو مقصده:
"أقصد، إنك ممنوعة من الخروج، مش ياسين نبه عليكي قبل ما أمشي إنك ماتطلعيش بره البيت تاني لوحدك." سؤاله جعلها عاجزة عن الرد لثوانٍ، حتى قالت أخيرًا: "عارفة، بس أنا حبيت على الأقل أطمن عليك وأشكرك على اللي عملته معايا، وخصوصًا إن ياسين... بتر حديثها قائلاً: "تقصدي إنه مادانيش وش. طب ما عنده حق." استغربت من إجابته مما جعله يستكمل حديثه:
"أنا واحد غريب بره القرية مش منها، وإن أظهر لك مرة واحدة دي حاجة ما بين الزرع، دي حاجة تخلي يشك فيا، وأنا احترمته على فكرة، ما تضايقتش منه خالص، أنا لو مكانه كنت هعمل كده وأكتر." حثها حديثه على سؤاله تقول: "طب وانت كنت بتعمل إيه في القرية في وقت زي ده ما بين الزرع؟ تردد بإخبارها، ثم تابع بقوله: "بحط مسامير في الطريق للعجل، أومال انتِ فاكرة كل العجل اللي عندي ده بييجيلي دايماً إزاي؟
وأنا بحط المسامير على الطريق كالعادة سمعت صرختك ما بين الزرع وجيت جري عليكي." جحظت عيناها بعدم تصديق، فأكمل هو بقوله: "عجلاتي بقى، معلش، ولازم أقلب رزقي." طالعته بجانب عينيها بغيظ: "أيوه بس كده غلط وحرام." قبض بالكتب الموضوعة على الطاولة بكف يده يقول: "لو ما عملتش كده مش هعرف أشتري كتب الجامعة ولا هعرف أصرف على نفسي." جلست بجواره سائلة: "انت بتدرس؟ أشار برأسه بالإيجاب: "أيوه، أنا في هندسة، آخر سنة ليا السنة دي."
كشـ ـنـ ـحـ ـاجهـ ـا وكـ ـسا تقاسيمها تعابير غامضة مما جعله يسأل: "إيه، صعبت عليكي؟ صدمها بقوله، فرمقته باهتمام: "بالعكس، هتصعب عليا ليه؟ أنا أصلاً استجدعتك وحسيتك كده راجل مسؤول عن نفسك وعايز تبقى حاجة كويسة في يوم." استدار يلتقط إحدى الدراجات المعطلة لإصلاحها، فتأوه بألم من كتفه المصاب. فنطقت هي باهتمام وضح بنبرة صوتها: "خلي بالك." استدار بوجهه يشير برأسه بالإيجاب مع ابتسامة حانية: "حاضر." ***
لا يوجد أبشع من الانتظار، فقد كان ينتظرهما "بربروس" على أحر من الجمر، يتجول بمسكنه يمينًا ويسارًا، حتى وجد أبو المعاطي بوجهه قائلاً: "أخبرني ماذا حدث، هل أتى العريس مبكرًا؟ ابتسم "أبو المعاطي" بسمة ساخرة: "ولا حد عبره." تحرك "بربروس" باتجاهه، يقبض بكف يده على ياقة قميصه من الخلف بغضب وهو يقول: "بماذا تفوهت أيها الأحمق الصغير؟ فتمتم "أبو المعاطي" بكلمات بسيطة بصوت منخفض، مما جعل "بربروس" صارخًا به لكي يوضح كلماته:
"طيب هقول أهو.. أنا واقف من الصبح قدام بيتها لحد ما رجلي فاـ ـتـ ـت وطلعلي كلو، عشان لو حد جه أعمل اللي اتفقنا عليه وأتوّهه ما خلهوش يدخل البيت، ولحد دلوقتي ولا حد عبرها. أنتَ متأكد إن فيه عريس جايلها النهارده زي ما بتقول؟ طالع "بربروس" بشك يتحدث داخليًا بما لم يسمعه: "أيعقل؟! قاطع شكه جرس الباب، مما جعله ينسى كل شيء وأسرع بفتحه. وصلا إلى القاهرة أخيرًا بعدما أوصل كلاً من يزن وسارة ومشيرة إلى وجهتهم.
وكما توقع "الطبيب"، فسرعة ياسين رهيبة. وعند لحظة رؤيته للطبيب، أمسك "بربروس" بكف يده يجذبه خلفه قائلاً: "هيا، لقد تأخرنا بالفعل." أشار بأصبعه لـ "ياسين" محذرًا: "ياسين، لا تتفوه بشيء أيها اللعين، فقط دع علي يتحدث بالأمر." سأله "ياسين" بغير تصديق: "ولما أنتَ مش عايزني معاك، جايبني لحد هنا ليه؟ فصدمه "بربروس" بقوله: "كمالة عدد ليس إلا.. تابع قوله بضجر: وأيضًا أنت لا تعلم ماذا فعلت؟ نطق "الطبيب" سائلًا:
"عملك إيه بس يابربروس؟ أجابه "ياسين" بغضب: "عملت له قيمة." هز "بربروس" رأسه بقول: "قيمتي عالية، أعلم ذلك.. فأنا لا أحبذ أن يثرثر فمك اللعين هذا بشيء أشعر بأنك ستخربل الزيجة، وأنا لا أحبذ هذا." أشار بيده للطبيب: "أتُحبذ أنتَ ياعلي؟ أشار الطبيب برأسه بالنفي قائلاً: "أنا لا أحبذ." "طب أنا ماشي." قالها "ياسين" يستعد للرحيل، فجذبه "الطبيب" من ذراعه يحثه على المغادرة: "يلا بقى ياياسين، ماتأخذش على كلامه." ***
هناك جلسات ننضم إليها رغماً عنا، كهذه الجلسة. تدخل "سارة" إليها بجسد رافض وأيد مرتعشة، فهذه المرة الأولى التي يستقبل جسدها العلاج الكيماوي. احتضن "يزن" كف يدها لكي يطمئنها بأن كل شيء سيصبح بخير. ابتسمت هي بسمة أمن بوجوده، فهو بالنهاية هنا كما اعتادت دائمًا، فوجوده بجانبها يهزم مخاوفها. قابل "الطبيب" يزن وسارة ببسمة مرحبة، يحاول قليلاً تهدئتها بقول:
"ماتقلقيش، العلاج الكيماوي ما هو إلا محاليل، هركب لك كالونيه في الوريد لمدة ساعتين بالكتير وممكن أقل." فداهمته بسؤالها: "شعري هيقع يادكتور؟ طالع "الطبيب" يزن بنظرة مترددة، فأجابها "يزن" بدلاً عنه: "وايه المشكلة لو وقع.. حتى لو وقع ياسارة هيطلع غيره." ابتسم "الطبيب" وبدأ بقول: "ماتقلقيش، مش كل الحالات الشعر بيقع فيها. ندعي بس الأول إذا كان جسمك هيتقبل الكيماوي ولا لأ." ربت "الطبيب" على كتفها بطمأنينة
وهو يغادر يستكمل قوله: "وبعدين نشوف حكاية الشعر دي بعدين. أشار بيديه على المقعد المجاور لهما: اتفضلوا اقعدوا.. شوية وهتدخل آنسة سارة تاخد جلستها." جلست "سارة" على المقعد، فأثنى يزن ركبتيه مقابلها قائلاً:
"اوعي تفتكري للحظة إني مش حاسس بيكي، أنا عارف اللي جواكي وعارف بتفكري فيه، بس الخوف اللي جواكي ده شيء طبيعي، كل حاجة بتحصل جديدة عليكي زي ما هي جديدة عليا. أنا واثق في الله إنه مش هيأذيني فيكي، وإن اللي إحنا فيه ده ما هو إلا مجرد اختبار صغير من ربنا عشان نرجع له ونلجأ له وما ننساهوش. مش عايزك تخافي ياسارة، طول ما أنا معاكي ماتخافيش."
أمسك كف يدها يقبله بحنان. ابتسمت برضا وأغمضت عينيها باطمئنان، وقد عرفت للراحة طريقًا الآن، فقط لأنه هنا كما اعتادت دائمًا. *** ساعات ما قبل الغروب هي أقصى ما تحب. تجلس أمام نافذة غرفتها. الهدوء والسكينة التي تشعر بهما الآن هو كل ما تريد بعد أيام شاقة مرت بها. لم يمر الكثير حتى وجدت "شمس" هاتفها المحمول يرن برنته المميزة، فوجدته "فريد". طالعت الاسم ببغض وضح على تقاسيمها، فأبت الرد.
وما مر إلا ثوانٍ حتى بعث لها بفيديو قصير على موقع الواتساب. ضغطت على زر التشغيل، فوجدت "سارة" و"يزن" بالمشفى، تنتظر "سارة" دورها لتلقي العلاج، ولكن هناك من يوجد خلفها ومعه حقنة مسممة. فبعث "فريد" برسالة نصية وهو يقول: "الحقنة دي مسممة وهتدخل جوه الكيماوي اللي سارة هتاخده. لو ما جيتليش حالًا على اللوكيشن اللي هبعتهولك ده، أنا مستنيكي." بهتت تقاسيمها وهي تقرأ كلامه. فأكمل كتابة قائلاً:
"آه، مش محتاج أفكرك لو حد عرف بالمسيج دي أو إنك جايبالي، أنتِ طبعًا عارفة هيحصلهم إيه؟ لقد أصابها الذعر بكل أنش في جسدها الآن. بعدما قرأت عيناها رسالته. أغلقت الهاتف وقامت مسرعة بالاتصال بـ "سارة"، ولكن دون جدوى، فهاتفها مغلق وكذلك "يزن". حتى بعث لها هو برابط على تطبيق الواتساب، حثها فيه على فتحه، باعثًا رسالة نصية أخرى وهو يقول: "ما تحاوليش تتصلي بيهم عشان تليفوناتهم مقفولة."
فتحت الرابط مسرعة، فوجدت نفسها داخل بث مباشر. هناك من يجلس بجانبهم الآن ويصورهم في الخفاء، يضع جهازًا صغيرًا بالقرب منهم يشوش على إشارة هواتفهم ليجعله مغلقًا. وضح القلق جليًا على وجهها. توقف عقلها عن التفكير، فهي تعلم جيدًا مدى شره وخبثه. ودون أن تتردد، أحضرت حقيبة يدها مسرعة تهرول خارج المنزل، تتبع اللوكيشن بهاتفها، تبعث له رسالة نصية بأيد مرتعشة:
"أنا جايلك حالًا، مسافة الطريق، ارجوك ما تأذيهمش، هما مالهمش ذنب في اللي بيحصل." انتظرت ثوانٍ ترى علامة "يكتب الآن" حتى بعث لها بكلمة واحدة فقط وهي: "مستنيكي." *** "ابنك فين يا ست هانم؟ قالها الدمنهوري بصوت جهوري، بينما هي ردت عليه بعدم اهتمام لسؤاله، تنفخ بأظافرها حتى يجف طلاء الأظافر قائلة: "من ساعة مارجعنا معرفش عنه شيء." ضرب على الطاولة وهو يتحدث بغضب:
"طبعًا ماتعرفيش عنه حاجة وأنتِ فضيالة، يعني كفاية عليكي المانيكير والباديكير والنفخ والشد." فألقى بالهاتف بوجهها يحثها على النظر بداخله، فأخذت تقلب تطالع الصور بإهمال: "ماله؟ صور لفريد ابنك بيشرب على البار، إيه الجديد يعني؟ هي أول مرة يشرب فيها ولا أول مرة يرقص مع بنات؟ فتابع حديثه بغيظ: "يا برودك يا شيخة، أنتِ اتجننتي؟
أنتِ مش عارفة إن ليا أعداء وممكن حد يصوره وينزلها في أي حتة وأتشال من الوزارة بسببه. للدرجة دي ما فيش دم؟ تأففت بانزعاج: "يوووه، ماتسيبه يادمنهوري يفك عن نفسه شوية، مش كفاية البت دي واللي عملته فيه، هتبقى أنتَ وهي على ابني. أنتَ بس حركة التنقلات بتاعت الوزارة واكلة عقلك اليومين دول، مش عارفة مش معنى المرة دي اللي خايف أوي كده؟ وبعدين مين ده اللي يتجرأ ويتحدى الدمنهوري؟ تخشى "الدمنهوري" من القادم قائلاً:
"لحد دلوقتي لسه ما فيش، بس أعدائي كتروا." *** هنا حيث هم على أعتاب المنزل، يطالع "بربروس" "الطبيب" بفرحة ممسكًا بباقة من الورد قائلاً: "هل هذه الزهور كافية؟ أم كنا أحضرنا شيئًا آخر؟ ابتسم "أبو المعاطي" بسمة عريضة بلهاء، يغمز له بطرف عينيه قائلاً: "يابختك ياشيخنا! تفتكر هييجي اليوم اللي ألاقي واحدة تحبني وأحبها وتوريني من الدنيا حلوها؟ هتف "بربروس" ولم تبتعد عيناه عن باقة الزهور:
"لا بأس يا صديقي، سيأتي أحدهم يومًا ويعترف لك بحبه، وتبدأ أيامك السعيدة أيها الأبله." جحظت عيناه يقول بفرحة: "بجد ياشيخنا؟ قبل أن يقول "بربروس" أي شيء، قاطعه ياسين بجدية: "أكيد لاء.. بذمتك شوفت قبل كده واحدة اسمها أحدهم عشان تعترف لك بحبها؟ طالع "أبو المعاطي" ياسين باستغراب من رده، فتحدث "بربروس" بانزعاج: "دعك منه يا أحمق، فقط انتظر بالخارج، وكما اتفقنا إذا أتى أحدهم." فأكمل "أبو المعاطي" يغمز له بثقة نابعة من داخله:
"ماتقلقش، هزحلقه، بس ده إن كان فيه عريس من أصله." فسأل "الطبيب" أبو المعاطي مستفسرًا: "انت بتشتغل إيه يا أبو المعاطي؟ تذكر "أبو المعاطي" ما حدث، فضاق صدره: "النهاردة الصبح سبت الشغل، ما استحملتش اللي المدير قاله." رد "الطبيب" وقد غلبوه فضوله: "وقالك إيه؟ هز "رأسه" بهدوء قائلاً وهو يتركهم: "انت مطرود." رحل أبو المعاطي، فحذره "ياسين" من حماسه الكبير هذا:
"بقولك إيه، إحنا هندخل جوه، بلاش تدلق في الكلام عشان ناخدها بأقل سعر ومايطمعوش فينا." أبدى "بربروس" اعتراضه بضجر: "ربــــــــــاه، تباً للبشر." ضغط "ياسين" بإصبعه على جرس الباب بقوة، فأصبح رنين الجرس متواصلًا دون انقطاع. حثه بربروس بقول: "تريث يا أخي، تريث."
فتح شقيق "مارال" الباب على مصرعيه ليجد العريس ووالدته يجلسون بالردهة المقابلة، وأمامهم أكواب من العصير وقطع الجاتوه. اتسعت عين "بربروس" وقد ظهرت الصدمة على وجهه مما رأى. فمال "ياسين" عليه هامسًا بسخرية: "كنت جبت جاتوه ياشيخ عجوة." صاح بربروس بوجه باكي: "ياوكستــــــــــاه." ***
هناك خسارة صعبة وخسارة مستحيلة، ولكن الأصعب من إحساس الخسارة هو الشعور بضياع الفرص. تقف "مشيرة" أمام "فريد" وسط ملهى ليلي والضوضاء العالية، تقترب من أذنه هاتفة بصوت عالٍ من كثرة الضوضاء حولها: "شوفت فكرتي نفعت إزاي." تجرع "فريد" من الكأس الممسك به بكف يده مرة واحدة وهو يقول: "المصلحة واحدة، لو أنا خدت شمس، أنتِ هترجعي لياسين، يعني ما بتعمليش كده عشان سواد عيوني." رمقته بشراسة:
"آه صحيح، المصلحة واحدة، بس برضه ما تنكرش إن أنا هبقى السبب في إنها تبقى ملكك." هتف وهو يستدير لها بنبرة متهكمة: "ما تفرحيش أوي كده، لما نشوف اللي هيحصل الأول، وبعد كده نبقى نقرر خطتك نجحت ولا لأ." استكملت حديثها تؤكد على ما قالته: "هيحصل.. أنتَ بس أول ما تيجي خدها على الأوضة جوه، خلص معاها وهات مناخيرها الأرض، وهي بعد كده هتبقى تحت رجلك." رمقه مستفسرًا: "أنتِ متأكدة إن ياسين ما لمسهاش؟
"زي ما أنا متأكدة إني بكلمك دلوقتي." تجرع كأسًا آخر يمسح بكف يده على فمه: "تبقى بتاعتي." *** ثلاثتهم الآن يجلسون على الأريكة يتوسطهم بربروس. الصمت كان له النصيب الأكبر من جلستهم. فطالع شقيق مارال ساعة يده متأففًا بضيق شديد، محاولًا فتح حديث سائلاً له: "يا شيخ بربروس، أنا بقالي فترة كده مضايق ومش طايق حد، يبقى كده عندي إيه؟ رد "ياسين" بدلاً عنه وهو على يقين من إجابته: "يبقى عندك حق."
ابتلع كمال ريقه يهز رأسه بالموافقة، بعدما ساد الصمت مرة أخرى، فقرر أن يسأله دون تردد: "في حاجة ياشيخ بربروس، أول مرة تشرفنا." طالع ثلاثتهم بعضهم البعض، فتوترت الأجواء مما زاد تعقيدها. ذلك العريس الجالس هو ووالدته بالمقابل. أشار الطبيب بعينيه لـ "بربروس" حتى يبدأ حديثه. حسنًا، نظراتهم لبعضهم البعض أصبحت مخيفة الآن. استغرب "كمال" مما جعله ينطق مرة أخرى: "لو ما فيهاش إساءة أدب ياشيخ بربروس، ممكن أعرف أنتَ جاي ليه؟
طبعًا زي ما أنتَ شايف الوضع." رفع "بربروس" حاجبه باستغراب سائلًا: "وما هو الوضع؟ ابتلع ريقه يشير على قطع الكعك والعصير بيده، ثم أشار بعينيه على العريس قائلاً: "يعني جاتوه وعصير وناس قاعدة، هيبقى عندنا إيه؟ كشـ ـنـ ـحـ ـب "ياسين" حاجبه وهو يقول: "عيد ميلاد!! كان ذلك رد "ياسين" الذي نفاه "كمال": "لأ عيد ميلاد إيه ده اتفاق جواز، عقبال عندكم."
أشعلت نار الغيرة بقلب "بربروس" الذي لو كان نارًا الآن لألتهم الجميع. شعر به "ياسين" وغيرته، فربت على كتفه بلين بعدما أظهر تعبير الاستغراب الذي صنعه ببراعة على وجهه قائلاً: "عشان كده إحنا جينا شيخ عجوة.. أقصد شيخ بربروس، لما عرف إن فيه عريس جاي للآنسة مارال، قال والله ما في حد هيكتب كتب الكتاب غيره." ضغط "ياسين" بكف يده على فخذه ساخرًا، يحاول استفزازه: "مش كده ياشيخنا؟ زاد التوتر بجسد "بربروس"، فنطق "كمال" باستغراب:
"كتب كتاب إيه؟ إحنا مسيحيين." تصنع "ياسين" عدم المعرفة: "ياراجل صلي على النبي، قول كلام غير ده." خرج بربروس عن صمته وهو يصيح قائلاً: "ياحسرتــــــــــاه." اشتعلت النيران في داخله، ولكنه نجح في إخفائها وهو يقول: "إذا كان الجالس أمامك هذا العريس، ماذا أكون أنا؟ مال "ياسين" برأسه على أذنه هامسًا بضحكة مكتومة: "تبقى طيشه." خرج "الطبيب" عن صمته قائلاً:
"كفاية بقى ياياسين.. أنا هفهمك يا أستاذ كمال، شيخ بربروس جاي يتقدم لأختك مارال." لم يستوعب "كمال" مطلب علي، فصحح كلامه له بضحك: "انتوا أكيد بتهزروا يا جماعة." طالع وجوههم الثلاثة التي بان عليها الجدية بل الشراسة أيضًا، فأعاد كلماته من جديد: "انتوا بتتكلموا بجد؟ فنطق العريس بنبرة نسائية وهو يقف من على مقعده بجسد ملتوي: "أنتوا.. انتوا بتقولوا إيه يا وحشين؟ انتوا مش شايفني قاعد ولا إيه..
استدار بوجهه بجواره: يلا يا ماما، ما فيش حد هنا محترم وجودي." تقدم العريس خطوات ناحية الباب، فقالت والدته: "استنى بس يا كركر." نظر الثلاثة لبعضهم البعض يقولون بصوت واحد: "كركر." وقف ياسين من مقعده يشير بكف يده على الباب قائلاً: "يلا يا ولية، يلا يا ولية من هنا، روحي شوفي كركر لا يكركر على نفسه وهو ماشي." رحلت والدة العريس وقد أغلق ياسين الباب خلفها وهو يشير بعينيه على "بربروس" يقول بصراحة مفرطة:
"الراجل ده عايز يتجوز اختك، قولت إيه؟ *** مرور الوقت سريع.. هاهي تترجل من القطار بعدما نزلت إلى القاهرة. وضعت الهاتف على أذنها بعدما هاتفته قائلة: "أنا وصلت يافريد، اوعى تكون قربت منهم." تلقت رده، فأجابته قائلة: "أنا خلاص هركب تاكسي وجيالك، بس أرجوك." وقبل أن تكمل حديثها، أغلق الهاتف بوجهها. قبضت عينيها بألم. أشارت لسيارة أجرة تخبره بوجهتها قائلة: "الهرم يا سطا." ***
يقف الثلاثة الآن على أعتاب الباب بعدما صفع شقيق "مارال" الباب خلفهم بقوة، يصيح من الداخل بقول: "قال يتجوزها قال، ده على جثتي." نطق "الطبيب" بانزعاج: "الراجل ده إزاي يطردنا كده؟ دي مش أخلاق بني آدمين أبدًا." رفع "ياسين" كتفيه نافيًا: "ولا حتى بشر." ابتسم "الطبيب" من رده، فلا يوجد فرق بين البشر والبني آدمين. تخطى "بربروس" الطبيب ليقف أمام "ياسين" سائلًا بنظرات قاتلة:
"ما هي أكثر اللحظات المفضلة لديك في صداقتنا أيها اللعين؟ فأجاب "ياسين" وهو يخرج هاتفه من جيبه بعدم اهتمام: "لما كنا صغيرين." ضربه "بربروس" على كتفه قائلاً بتهكم: "ولكننا لم نعرف بعضنا عندما كنا صغارًا أيها الأحمق." أشار "ياسين" برأسه بالإيجاب: "بالظبط، ابتديت تفهمني." "ربــــــــــاه، لقد طفح الكيل منك، بل أكثر لحظاتك سعادة هي عند رؤيتي حزينًا، فقد أفسدت الزيجة أيها المفسد! ألم أخبرك بألا تتكلم قبل قدومنا؟
قابل "ياسين" حديثه بإهمال بعدما كشـ ـنـ ـحـ ـب حاجبه وهو يطالع هاتفه بعدم تصديق. رأى "الطبيب" تقاسيم وجهه بعدما تغيرت للأسوأ قائلاً: "في إيه ياياسين؟ رجفة تسري في جسده وشعور بالغثيان يداهمه، صاحبه توتر. فكرر الطبيب سؤاله بحدة هذه المرة من جديد: "ما تنطق ياياسين، مال وشك اتغير كده ليه؟ فيك إيه؟ طالعه ياسين بريبة مما يرى: "الأبلكيشن اللي حطيته في تليفون "شمس"، عرفني إنها هنا في القاهرة ورايحة للهرم."
حاول "بربروس" تهدئته قليلاً: "هدىء من روعك.. هاتفها أولًا." حاول ياسين الاتصال بها مرارًا وتكرارًا، لكن دون جدوى. ترك المكان وغادر مسرعًا. صعد بداخل سيارته، ومن شدة قيادته المتهورة يمكنك سماع صوت احتكاك إطارات السيارة على الطريق. لا يعلم كيف، ولكنه شعر بضياعها منه. يقود سيارته عبر الطريق متجهًا إلى "الهرم". محاولات متكررة للاتصال بها، ولكن الإجابة واحدة وهي عدم الرد. ***
ما زالت بالسيارة الأجرة تطالع هاتفها الذي يظهر على شاشته اسم "ياسين" من كثرة اتصاله بها. تنهدت بحزن تطالع الطريق بجوارها عبر نافذة السيارة. *** انفعل من عدم ردها على الهاتف، وظهر انفعاله في صيحته المنفعلة: "ما تردي بقى." ألقى الهاتف بغضب وتابع الطريق بكل سرعته إليها. *** كانت قد قضت في السيارة أكثر من ساعة للوصول لوجهتها، واقفة بنظراتها الحائرة على أعتاب مقهى ليلي، تطالع ما يحدث بريبة. هاتف "فريد" عبر الهاتف،
فأجابته هي عليه: "أنا واقفة بره."
حثها على الدخول، وقبل أن تجيب، أغلق الهاتف بسرعة. نجح مخططه حتى هذه اللحظة. ابتلعت ريقها بذعر، تخطو خطوة وترجع الأخرى. ظهر اليأس على وجهها. دخلت "شمس" تسأل عنه. هذه الأجواء، الرقص الشرقي والمشروبات مع الموسيقى الصاخبة، كل هذه أشياء ليست مثلها. بحثت عنه وعيناها تدور بالمكان. فرفع ذراعه حتى تراه من بعيد. وجدته يجلس على البار بين شفاه لفافة تبغ. اقتربت منه بأقدام مرتعشة. ابتسم لها بود، ولكن بداخله النوايا الخبيثة. أطفأ لفافة تبغه بالطفاية التي أمامه.
فسألته بتردد بأعين دامعة: "أنا جيت يافريد، وجيالك لوحدي من غير ما أقول لحد، بس سيبهم في حالهم، سارة ويزن مالهمش ذنب." لم ينظر لها، بل تجاهلها. فاستدار بجسده يشير بأصبعه لها بأن تتبعه. تبعته وهي تسير خلفه ببطء بعدما تملكها الخوف. دخل بطريق طويل ودلف إلى غرفة من الغرف الموجودة بها. وقفت على الباب سائلة: "احنا هندخل هنا ليه؟ صاح فريد بنبرة هجومية: "ادخلي يابنت الـ **"
وقبل أن يكمل سبه، خرجت منها صرخة عالية وهو يجذبها للداخل من خصلاتها. أغلق الباب خلفها يشدد على خصلاتها بقوة، يخرج كلماته من بين أسنانه بغيظ: "بقى أنا فريد الدمنهوري أخرج من بيتكم قفايا قمر عيش؟ ده أنا مش هسيبك إلا أما أجيب أجلك النهارده." دفعها وسقطت على الأرضية، ثم تبع ذلك بشق ملابسها العلوية بوحشية وتابع بقوله: "أنتِ بتاعتي ياشمس، عارفة يعني إيه بتاعتي؟
واللي معرفتش آخده منك في الحلال، سهل أوي آخده منك في الحرام، وأنتِ اللي بدأتي." حاولت الدفاع وابعاد يده صارخة. لم يكن يسمع صرخاتها، بل لمعت عيناه عند رؤية جسدها. ***
أما عنه، فقد جاء بأقصى سرعته، يقبض على هاتفه بكف يده، ينظر عبر الشاشة فوجد نفسه يقترب من النقطة الحمراء. اجتمعت النساء من حوله في محاولة لإغرائه، ولكنه أبعدهم عنه في الحال. بحث بعينيه، ولكن التقطت أذنه صراخ متواصل بلا انقطاع من "شمس"، جعله يميز صوتها من بين الجميع ومن بين الضوضاء المزعجة. ركل الباب بقوة، فتوقفت هي عن المقاومة عند رؤيته، ناطقة باسمه بشفاه مرتعشة: "ياسين."
قبض بكف يده على سترته من الخلف بعدما رفعه وألقاه بخارج الغرفة، فارتطم ظهره بالحائط. انتزع "ياسين" سترته السوداء الجلدية من على جسده، يضعها عليها، ممسدًا على خصلاتها بحنان، يمسح دموعها من على وجنتيها. أخذ يطمئنها، باديء الأمر، وبدأ بقول: "اطمني، أنتِ بخير ياشمس."
حاول إعطائها الأمان والحنان. عيناها تقابل عينيه، وقد غزت حصونها الدموع. نظراتها المستغيثة طالبة نجدتها. ذلك الجدار البشري الذي تختبئ بداخله، وهي واثقة تمامًا بأنه لن يسقط عليها ولن يؤذيها مهما حدث. وجدها تنظر خلفه بخوف. استدار بجسده ليجد "فريد" قد غرز بجسده صاعق كهربائي قوته عالية. الألم يسري بكل أنش بجسده. نظر له "فريد" نظرة متشفية، وقد ظهرت بسمة ساخرة على شفتيه قائلاً: "كنت فاكرك أقوى من كده."
تمالك "ياسين" نفسه، فقبض بكف يده على عنقه، يرفعه بذراعه، فألقى "فريد" الصاعق من يده رغماً عنه. فنطق "ياسين" من بين أسنانه بغيظ: "وأنا كنت فاكرك أرجل من كده." هنا توقفت الثواني عند سماع صرخاتها، فقد احمرت وجنتيه. ثوانٍ ويلفظ أنفاسه الأخيرة، فقد أحكم ياسين قبضته عليه. فاق من فعلته على صرختها: "بلاش ياياسين، سيبه عشان خاطري، ماتلوثش إيدك بدمه ده، ما يستاهلش."
فاق على صرخاتها بعدما فك قبضته يده من على عنقه. التقط "فريد" أنفاسه بصعوبة، وكأنه غريق يبحث عن الأكسجين. جلس "ياسين" القرفصاء يهتف بنبرة تحذيرية: "اللي بييجي على المدام يبقى حكم على نفسه بالإعدام يا روح أمك." رفع إصبعه بوجهه بنبرة تحذيرية: "شمس.. لاء."
اعتصر كف يدها يجذبها خلفه، يخرجها من ذلك المكان المقزز بنسائه العاهرات. أصبحوا خارج المكان وما زال يجذبها من خلفه بيد، وبكف يدها الأخرى تضم سترته عليها تداري بها جسدها. لم ينطق سوى بكلمة واحدة حين فتح باب سيارته لها: "اركبي."
هزت رأسها بالإيجاب وصعدت بالسيارة على الفور. تراه وقد بدأت بوادر نوبة تظهر عليه من جديد. أغلق باب السيارة وعيناها تتابعه، يجلس على مقعده أمام عجلة القيادة. احتكت إطارات السيارة بالأرضية تصدر صوتًا مرتفعًا. كان يقود السيارة بسرعة جنونية، سرعة يبث بها غضـ ـبه المتراكم، وكأنه يلتهم الطريق. كانت تراقب الطريق بعينيها وهو يلتهمه من سرعته المهولة. حاولت التقاط أنفاسها دون أن تصدر صوتًا، فكلماتها الآن لن تزيد شيئًا سوى زيادة
غضـ ـبه. ظهر من العدم نهاية الطريق وقد كان هناك سد منيع. طالعته بخوف شديد، وقبل أن يصطدم به على بعد سنتيمترات فقط، ضغط على المكابح بكل قوته، فأصدرت السيارة صوت فرملة مرتفع. وضعت يدها على فؤادها تحاول التقاط أنفاسها. مال على عجلة القيادة يسند رأسه عليها. ابتلعت ريقها ببطء وهي ترفع كف يدها تمسح على خصلاته، لعلها تقوم بتهدئته. حالته الأكثر عدوانية الآن، لذا أزال يدها بعنف مبالغ فيه، واخترقت أذنيها نبرته الشرسة، يضرب على
مقود السيارة وهو يقول صارخًا:
"ما قولتيش ليه؟ انتفضت من مكانها تطالعه بخوف شديد، تخرج الكلمات من بين شفتيها بصعوبة: "أصل.. أصل." بتر حديثها صارخًا بوجهها بقول: "أصل إيه؟ لأمتى هتفضلي تخبي عني؟ هو بيهددك بإيه؟ لأمتى هتفضلي تتصرفي لوحدك؟ نطقت بقهر صارخة: "ماتزعقليش، ماتصرخش فيا، حرام عليك، كفاية اللي فيا." وبدأت تسرد له مخاوفها: "أنا خايفة عليكم، مش عايزة حد يتأذى بسببي." استدار يمسح على وجهه، يطالعها بشر: "من إيه خايفة علينا؟ من إيه ومن مين؟
من عيل زي ده." كانت شبه منتهية، تفعل كل شيء بارتعاد ودموع تنهمر على وجنتيها: "أنتَ مش قادر تفهم، العيل ده يقدر يعمل إيه، وممكن يأذيك ويأذي سارة ويزن ويؤذيكم كلكم، وده اللي ما أقدرش اسمح بيه أبدًا، حتى لو في أذيتي." ضرب بيده على المقود بغضب عارم، صارخًا بما جعلها تنتفض من مكانها: "أنتِ مجنونة؟ أنا لو مكنتش لحقتك النهارده، أنتِ فاهمة، كان هيعمل فيكي إيه؟ لطمت بقهر متابعة سرد مخاوفها:
"عارفة.. عارفة، وده اللي كان مخوفني، بس بالرغم من كده روحت، روحت عشان سارة ويزن ما يتأذوش." "ما يتأذوش؟ ولا أنتِ اللي عايزة كده؟ حابة إنك تعيشي دور الضحية؟ بعض الكلمات مميتة، قادرة على تمزيق أرواحنا. فقد أفقدتها كلماته النطق. أحقًا اعتقد ولو للحظات أنها تريد ذلك؟ فأكمل هو يتابع بقوله: "أقدر أفهم؟ ما قولتيش ليه؟ اتصلت بيك ألف مرة، ما رفعتيش سماعة التليفون، وقولتيلي ليه؟ عرفيني، أنا هتجنن."
قنبلة موقوتة وقد أوشكت على الانفجار. وظهر هذا جليًا في نبرتها: "عشان مش هتفهم.. مش هتفهم ياياسين، عمرك ما هتفهم." جذبت انتباهه أكثر بكلماتها. طالعها باستغراب وبدأ بقول: "ليه مش هفهم؟ ليه؟ قولي لي." فهدأت من نبرتها قليلاً وسردت ما بداخلها: "عشان بتخاف عليا، وما بتخافش على نفسك. هتمنعني إني أشاركك، هتبعدني وتحطني في أوضة وتقفل عليا." مسحت بيدها عينيها المليئة بالدموع.
"لو كنت قولتك النهارده إنه كان ممكن يحط لسارة حقنة مسممة في علاجها، تقدر تقولي كنت هتعمل إيه؟
كنت هاتروح وهو كان هيعرف وهيحط لها الحقنة قبل ما انت توصل، كانت زمانها ماتت. وكنت هتمنعني إني أروح له عشان مش هتكون شايف غير إني أكون كويسة وبس، ومش مهم الباقي. زي بالظبط لما هددني بالفيديو اللي صورهولك وأنت بتحميني من مايه النار، صور سرعتك، وكان ممكن ينزلها في كل حتة على السوشيال ميديا وتتعرف. وطبعًا مش لوحدك، وعلي وبربروس والخالة، وكلكم ياياسين، كلكم. أنا بحاول أحميكم، بس أنتَ مش فاهم، عشان كده قولتك مش هتفهم ولا عمرك هتفهم."
تسارع عنيف بدقات قلبه الآن، ما بين حزنه منها وفعلتها التي لا تغتفر. فاستدار يطالعها بنظرات نارية، وكأن ما سردته له حديث غير مقنع. هزت رأسها بيأس من بين دموعها، تفتح الباب بجوارها، تطالعه بنظرة منكسرة: "مش قولتلك مش هتفهم ياياسين." استدارت بجسدها تستعد للنزول، فجذبها بيده يضمها إلى أحضانه. قاومته بقول: "سيبني ياياسين، سيبني عشان خاطر ربنا، سيبني." "رايحة فين؟
استطاع بصعوبة وضع انزعاجه جانبًا والابتسام وهو ينظر لها، وبدأ في المسح على رأسها، سألها بنبرة هادئة. فأخرجت كلماتها من بين دموعها
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!