كم قبرًا سأحتاج لأدفن كل ما مات بداخلي؟ الأبشع من الشعور السيء هو محاولة كتمان ما تشعر به. ربما تعتاد الروح على إعطاء الحنان بالرغم من فقده، فأسوأ شعور يمر على المرء هو إظهار عكس ما بداخله. شعور مميت، مميت إلى حد لا حد له. كما هو معروف، نتائج حماقاتك تتحملها وحدك. ولكن في قاموس "ياسين"، حماقات الأقرب لقلبه يتحملها هو. كحماقات "شمس" التي تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.
هكذا الوضع، ما زالت تستند برأسها على صدره. يمسح بأصابعه على خصلاتها بهدوء. تشعر بالسكينة والاطمئنان. نطق "ياسين" بما شعرت وكأنها تسمعه للمرة الأولى: "مرتاحة أنتِ كده؟ انتهى شرودها. ترفع رأسها من على فؤاده. فثبت هو رأسها بكف يده على صدره قائلًا بمشاكسة: "رايحة فين؟ ده أنا ما صدقت."
أنهى كلماته وتركته. تركت عينيه متعلقة بها بعدما أجبرت شفتاها على الابتسام. تترجل من السيارة. تابع أثرها بعينيه حتى وقفت تسند بظهرها على مقدمتها. ضغط على زر تشغيل الكشافات ودون قصد فتح المذياع. لم يغلقه بل تركه ورحل خلفها. وقف أمامها يتأمل ملامحها الباهتة. اقترب منها وأمسكها من خصرها ثم رفعها وأجلسها على سطح مقدمة السيارة. تفاجأت "شمس" مما فعله. حاولت النزول ولكنه طالعها بنظراته. لديه القدرة دائمًا على سلبها منها بنظراته البريئة لها.
حاولت الهروب بعينيها بالنظر أرضًا. حاولت كتم شهقاتها. مد يده ليلتقط ذقنها رافعًا رأسها لأعلى. يطالعها بعيونه السوداء كسواد الليل. يحاوط كفه كفها بحنان: "ما فيش سبب في الدنيا يستاهل إن دموعك تنزل عشانه." ثم أشار على نفسه متابعًا: "وطول ما الروح جوه الجسد لسه ما خرجتش، اعرفي إن كل حاجة هتبقى تمام." قال كلماته عله يبث بها بعض القوة. حاوطها بعيناه. شعرت وكأنها تغرق داخله. استرسل حديثه بقول:
"اعرفي إني هفضل معاكي دائمًا وجنبك. وعايزك تعرفي إن ابن الصاوي بيحس بيكي يا شمس." لمعت عيناه ببريق مختلف وهو يخبرها الآتي: "تعرفي إن أمي الله يرحمها... كمشت حاجبيها باستغراب على تغيير مجرى الحديث هكذا فجأة. فهز رأسه بالإيجاب متابعًا قوله: "آه، ما تستغربيش. ما أنا برضوا اتولدت من أم زيكم، مش زرع شيطاني."
فابتسمت من بين دموعها بعدما جذب انتباهها. فهذه هي المرة الأولى التي يتحدث بها عن والدته الحقيقية. فأكمل هو يخبرها بعدما رأى بعينيها طلب المزيد: "كانت بتقولي الضحكة الصافية اللي بتطلع من جوه القلب، وانتَ في عز غضبك، دوا لقلوب نهشها الوجع. اضحك يا ياسين، اضحك في وش الوجع، يمكن الوجع يختشي على دمه ويسيبنا في حالنا ويمشي." تابع بابتسامة مصاحبة لقوله:
"الظاهر كان عندها حق يا شمس. لما سمعت كلامها، طلع الوجع بيختشي من الضحكة اللي بتطلع من القلب بجد. لمجرد إنك مع ناس بترتاح معاهم وبتطمنلهم. من وقتها وأنا سمعت كلامها وبحاول أضحك في عز وجلعي." تابع كلامه بتأثر: "وأنا عارف إنك موجوعة. وعارف إنه هييجي اليوم اللي هكون فيه أول واحد تشتكيله وجعك وترمي عليه حمولك، وهبقى السبب في ضحكتك في عز وجعك. بس كله مع الوقت." استدار يعطيها ظهره يطالع الفراغ أمامه:
"اللي أنا ما عنديش أكتر منه، وانتِ تستاهلي." طالعها مرة أخرى يخبرها بصدق نابع من عينيه: "تستاهلي أستنى عشانك طول الوقت من غير حساب." فاختتم هو بنبرة أذابتها كليًا بما قاله سابقًا: "أضحكي يا شمس، عشان ضحكتك بتنور دنيتي." قالها بابتسامة وتوجه للدخول بداخل السيارة. فنطقت هي بما أوقفه: "كنت مرعوبة." ظهرت ابتسامة جانبية على شفتيه. فاستدار بصمت لتسرد له ما يريد سماعه:
"بالرغم إني ما كنتش برد على اتصالاتك، بس قلبي كان متعلق بدعاء واحد بس وهو إنك تبقى جنبي ومعايا. وبالرغم إنك كنت بعيد، بس إحساسي ما خيبش إنك هتيجي وتنقذيني من اللي كنت فيه." اقترب منها. فطالعته بحزن ظهر في عينيها حين تذكرت ما فعله بها "فريد" منذ ساعات مضت: "أول ما هجم عليا حسيت إن الدنيا ضلمت. حسيت إني مش قادرة آخد نفسي. إحساس وحش أوي يا ياسين." احتضن عينيها بنظرات أسف يعتذر لها على ذنب لم يرتكبه. فأكملت بنبرة مرتعشة:
"لما لمس جسمي، كنت حاسة إن في جبل واتحط فوقيا." مطت شفتيها وابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تسترسل: "حسيت إن نفسي بيتسرق والدنيا ضلمت. حسيت إن رجعت تاني أيام القبو وأنا محبوسة بين أربع حيطان. بس المرة دي اتحبست بين أحضانه ومش عارفة أخرج. كنت هستسلم... كنت هستسلم من كتر الوجع اللي كنت حاساه. بس قبل ما تفتح الباب حسيت بيك وحسيت بقربك مني في المكان. حسيت إن الدنيا نورت بقربك مني."
لمعت عيناه بدموع وقفت على حافة رموشه تنذر بنزولها تأثرًا بحالتها. مسح دموعها يعيد خصلاتها الجانبية خلف أذنها. ثم أحاط وجهها بين كفيه يطمئنها بقوله المصاحب لبسمته: "هووووووش، كله مشي. كله راح يا شمس. ما فيش حاجة وحشة هتحصلك تاني." قبل رأسها وهو يعتذر محملًا نفسه ذنب ما حدث: "الغلط من عندي لو ما كنتش سافرت وسيبتك، ما كانش حصل كل ده. بس ده مش هيتكرر تاني خلاص."
احتضنها وكأنه يثبت لها بأنه هنا جوارها دائمًا وأبدًا. تشبثت به أكثر. فشعور الأمان الذي تشعر به الآن لا يضاهي أي شعور شعرت به من قبل. فبادرت بقول ما تشعر به. ساندت رأسها على فؤاده: "حاسة إني عاجزة، مش قادرة أفكر ولا أتكلم. حاسة إني محتاجة عكاز أتعكز عليه من كتر ضعفي." لم يستطع منع نفسه وأبعدها عنه ببطء حين طالعها بعينيه الصافيتين بنقاء صادق نابع منهما: "يبقى خدي قلبي اتعكزي عليه." كرر طلبه برجاء:
"اتعكزي على قلبي، يمكن ترتاحي يا شمس." قال لها هذا فشعرت بخفقان قلبها ينبض بالاطمئنان فقط لأنها بجواره. مسح دموعها فأخبرها بقوله المصاحب لبسمته: "اضحكي بقى، عشاني." حاولت الابتسام. فالتقطت أذناه في الخلفية كلمات الأغنية في المذياع وهي تقول: "تهب يا رياح الحياة دائمًا بما لا أشتهي، واللي السنين مقدماه غير اللي قولت نفسي فيه، يلاقي قلبي فين دوا؟ واللي أذاه أقرب ما لي، ده جرح بيعلم."
تركها يتجه إلى السيارة. تتبع هي أثره بعينيها. فوجدته يرفع صوت المذياع قليلًا. ينظر إليها سائلًا: "مش ده صوت حمزة اللي أنتِ بتحبيه؟ ضربت بكف يدها على جبينها. فاقترب منها هو بخطواته. فأجابته قائلة: "حمزة نمرة؟ ياياسين، احفظه بقى." فوضع يده على خصرها يقربها منه أكثر. انكمش حاجبها سائلة وقبل أن تنطق فأكمل هو بقول: "هحفظه عشانك. تسمحيلي بقى بالرقصة دي؟ ابتسمت باستغراب. فقبض بلين بكف يده على كفها يلفها مرة في الثانية على
أنغام الأغنية وهي تقول: "ركز يا قلبي فاللي جاي، وألف شكر للي باع ما صانش، حتى بق شاي، سلام يا تلتوميه وداع، واللي لقانا ما يسعوش في خانة الوداع تساع، مشاعرنا مش لعبة." لفها بكف يده وعادت "شمس" إلى أحضانه من جديد بعدما لفها عدة مرات. تخبره بابتسامة: "بس دي أغنية حزينة، ماينفعش نرقص عليها." انكمش حاجبه باستغراب يتمايل بها يسارًا ويمينًا يردد كلماتها. ومازالت كلمات الأغنية في الخلف: "حزينة!!
غريبة، أومال أنا مش شايفها حزينة ليه؟ فأجاب على نفسه يقصدها بكلماته: "ممكن عشان أنا مش عايز أشوفها حزينة." فابتسمت ابتسامة عريضة بعدما فهمت قصده. ابتسامة نابعة من قلبها بصدق. اقتربت منه تطالع عينيه الصافيتين وبدأت بقول: "أنا كمان ما بقيتش شايفة الأغنية حزينة."
فداهمتهما منتصف الأغنية من جديد بموسيقى عذبة. راقصها هو واضعًا كف يدها على فؤاده. واستجابت هي له. يتمايلون على أنغام الموسيقى. يسمع صوت ضحكاتها من بين شفتيها. ابتسامة نابعة من قلبها بصدق. وهو كان السبب بها. أسندت برأسها على صدره وأخذ هو يربت على خصلاتها بلطف. سكنت تمامًا بداخل أحضانه وهي تتعجب من جمعه للنقيضين. قبل قليل كانت تشعر أن خوفها كله هو السبب فيه. والآن أمانها كله معه. بينما هو يفكر وهي بداخل أحضانه في القادم.
تلاحقت الأنفاس في صورة غير منتظمة. أنفاس أنهكها التعب. تقف "سارة" الآن على أعتاب منزل خالها. فهو كل ما تبقى من عائلة والدتها. دق "يزن" الباب بدقات متتالية ولكن دون رد. فطلب بإلحاح: "مش قولتلك يا سارة ما فيش حد جوه. تعالي معايا نرجع شقتي." اعترضت "سارة" بعدما أسندت ظهرها على الحائط والتعب بدا على وجهها جليًا: "لأ، كفاية عليك أنتَ كده يا يزن. أنتَ معايا من الصبح وما نمتش من امبارح. أنا هرجع عند خالي." أشار
إلى حالها الذي يرثى له: "مين قالك إني تعبان بس. خليكي في نفسك يا سارة، أنتِ شايفة حالتك عاملة إزاي. وبعدين ما فيش حد جوه." وما انتهى من قوله حتى سمع خطوات أحدهم يقترب من الباب. فابتسمت سارة قائلة: "شوفت، أكيد كانوا نايمين. هيفتحوا دلوقتي." وما مرت إلا ثواني ففتحت ابنته خالها الطفلة التي لم تتجاوز السابعة من عمرها. تبسمت سارة تستعد للدخول بقول: "أنتِ اللي صاحية يا خديجة. أومال فين خالي ومرات خالي؟ أتت من خلفها زوجة
خالها التي صدمتها بقول: "خالك مش موجود يا حبيبتي. أو بصراحة كده موجود بس مالهوش وجود." فأتى خالها من الخلف يبتلع ريقه بعدما كسا الخجل ملامحه من ابنة شقيقته الواقفة على أعتاب منزله. فبادرت "سارة" بسؤالها الناتج عن عدم فهم: "تقصد إيه طنط بالكلام ده يا خالو؟ لم يقدر على النظر إليها بل وضع عيونه بالأرضية. فأجابت زوجة خالها بدلاً عنه: "يعني يا حبيبتي القرشين اللي كنتي بتدهوملنا عشان نقعدك معانا بيهم خلاص، خلصوا. بح...
كفاية طول العشر سنين اللي فاتوا دول شلناك وخدمناكي فيهم وخلصتي جامعتك وكمان اتخطبتي، يبقى كفاية علينا لحد كده. أنتِ دلوقتي واحدة مريضة وعايزة حد يشيلك ويشيل مرضك وأنا ما فيش صحة لكل ده."
كان عقلها عاجزًا عن الاستيعاب. لم تصدق ما تفوهت به تلك المرأة الواقفة أمامها الآن. بهتت تقاسيمها وهي تسمعها. أضافت كلماتها عليها المزيد من الإرهاق وزاد عليها التعب بشكل كبير بعد أن قضت يومًا حافلًا بالمشفى. حاولت "سارة" أن تجمع كلماتها ولكن تفاجأت بفعله "يزن" بعدما بصق على خالها وانخرط بغضبه: "أخص على اللي سماك راجل!
أنتَ راجل أنتَ بعد كل اللي سارة ادتهولك من ورث أمها ووقفت جنبكوا طول السنين اللي فاتت دي تعمل فيها كده؟ دي صرفت كل فلوسها عليكم وعلى جوازة بنتك! ليست كلمات بل صفعات متتالية. لم تطق زوجة خالها سماع كلماته فأردفت بغضب: "زي ما هي ادتنا إحنا، ادناها. كنا بالنسبالها العيلة والأمان وبقت وسطنا طول العشر سنين اللي فاتوا. يعني خدمة قصاد خدمة. لكن بقى مرض ونطبطب ونسهر وندلع، لاء، كفاية لحد كده." طالع زوجة خالها
باشمئزاز واضح بعينيه: "أقسم بالله لو ما كنتي ست لكنت عرفت شغلي معاكي. وسارة اللي مش عايزاها دلوقتي وبتطرديها من بيتك عشان المرض، عرف طريقها بكرة أجيبك تبوسي جزمتها عشان بس تنولي رضاها. وحياة قهرتها قريب أوي، أندمك على كل كلمة قولتيها في يوم. يلا يا سارة." استدار ليتابع سيره متحكمًا بذراع "سارة" التي بدت معترضة بقول: "استنى يا يزن." اقتربت "سارة" من خالها بعيون دامعة لتجده يرفع نظارته يمسح بسبابته دموعه. فابتسمت
من بين دموعها وهي تقول: "بلاش تبكي يا خالو. أنا عارفة إن ما فيش بإيدك حاجة. ما تزعلش من يزن، هو مش قصده." هنا تحدث "يزن" يربت على كتفها أثناء قوله: "يلا يا سارة. مالهوش لازمة الكلام ده. قلته أحسن." طالعها فوجد توازنها شبه يختل. أدرك أن حالتها ليست الأفضل فدقق التركيز يسألها: "أنتِ كويسة؟ أشارت برأسها بالإيجاب. فقرر هو أن يأخذها معه إلى المنزل. يكرر عليها سؤاله أثناء قيادته للسيارة:
"سارة لو حاسة بأي حاجة قوليلي. أوديكي المستشفى حالًا." هزت رأسها نافية. فأكمل بها إلى حيث منزله. فتح باب منزله فرأى ترنحها. تقبض بكف يدها على رأسها. أسرع هو لمساعدتها. فتح الباب بمفتاحه ودخل بها. تتكئ عليه حتى تمددت على الفراش. فأسرع بقول: "هجبلك الدوا حالًا." تقدم خطوات قليلة للأمام ثم استدار يطالعها. فتابع قوله عله يبث لقلبها الطمأنينة: "كل اللي بيحصل ده طبيعي. الدكتور قال إن بعد الجلسة هتحسي بتعب ودوار وترجيع."
وقبل أن ينتهي من حديثه حتى وجدها تخفض رأسها لطرف الفراش تشعر بالغثيان. هرول ناحيتها يضم كف يديه الاثنتين ببعضهما يستقبل غثيانها بين يديه. لم يشمئز من غثيانها القابع بين كفيه. حاول منع نفسها بصعوبة من البكاء ولكنها لم تفلح. بكت تطالعه بعيون دامعة: "أنا آسفة. ما كانش قصدي. ما عرفتش أمسك نفسي. مرة واحدة لقيت نفسي بستفرغ." توقف هو حديثها. يمسح يده بالمنشفة بجواره: "سارة، أنتِ بتقولي إيه؟
لم يتحمل عبراتها المتتالية من عينيها. فجلس بالجهة المقابلة لها على طرف الفراش. يتابع حديثه سائلًا: "سارة، أنتِ مكسوفة مني؟ هربت بعيونها تطالع الفوضى التي أحدثتها على الفراش. رفع ذقنها حتى لا تهرب عيونها عنه: "بتخبي عيونك مني ليه؟ طالعته بثبات تخبره بما تشعر: "خايفة لا تقرف مني. هتفضل لحد إمتى تضيع عمرك عشاني؟ رد دون تردد: "العمر كله." كرر يؤكد على كلماته سابقًا:
"العمر كله يا سارة. تحت رجلك عمري كله. ولو طولت أعيش عمرين على عمري بس لخدمتك هعيشه وأنا راضي." كل أقواله في هذه الليلة تأسرها. كلماته الحانية بأمان مست قلبها. اقترب منها فتاهت في عينيه. وقبل أن تنطق بما تريده شعرت بالغثيان مرة أخرى. هرولت على دورة المياه تقف أمام الصنبور حانية رأسها حتى لا تحدث فوضى من جديد. هرول هو خلفها يمسح على رأسها يعيد خصلات شعرها للخلف بحنان. وبعد أن انتهت استدارت له
تمسح فمها بظهر يدها سائلة: "هو أنتَ بتحبني أوي كده ليه؟ اقترب منها أكثر. يخبرها وهو يراقب تفاصيل وجهها وكأنه يحفظها: "عشان أنتِ قاسية أوي على نفسك. فلو كنتِ ما بتحبيش نفسك، أنا هحبهالك." لمعت عيناها ببريق مختلف. فنطق بما يطمئنها: "أنا رافض إني أقبل إنك تكوني خايفة." عادت البسمة لها من جديد من بين دموعها. وقالت بامتنان حقيقي لهذه المشاعر: "أنا مش خايفة من المرض. أنا خايفة ما أبقاش معاك."
كأنه أنهت جملتها. فدمعت عيناه. ضمه إلى فؤاده بقوة. لمساته الحانية بأمان مست قلبها. حاوطته بذراعها هي الأخرى. تغلل شعور الأمان إلى قلبها. سكن كل شيء حولهما وغمرها موجة من الدفء بين أحضانه. لم تهدأ "زهرة" منذ الساعة التي علمت بها بعدم وجود ابنتها داخل المنزل. طلبت "الطبيب" بعدما بحثت عنها بكل مكان بالقرية. تجلس "الخالة" بتوتر بجوارها بعدما شعرت بالخوف والقلق بسبب عدم تواجدها. تلقى "الطبيب" اتصالها يهتف بضجر:
"عايزة إيه يا زهرة؟ "الحقني يا علي." خرجت كلماتها منها بشهقة مكتومة. أتلفت أعصابه مما جعله يسأل بلهفة: "في إيه يا زهرة؟ مال صوتك؟ هتفت بقهر مرارته في حلقها كالعلقم: "شمس، شمس مش موجودة في أوضتها من المغرب. دورت عليها في كل مكان في القرية. حتى عم نصير روحت له، ما لقيتهاش. بتصل بيها تليفونها مقفول." قطب "الطبيب" حاجبيه بتساؤل: "أنتِ مش عارفة إنها في القاهرة؟ استكملت هي بحزن وتوالت بالأسئلة على الطبيب:
"لأ معرفش. أوعى يكون ياسين غصبها إنها تنزل معاه على مصر." تنهد بعدم رضا: "يادي ياسين اللي واكل دماغك. بنتك مش صغيرة. ياسين نفسه ما يعرفش إنها في القاهرة. واستغرب زيك بالظبط. هو عرف طريقها ورحلها. بحاول أكلمه بس ما بيردش. هو كمان أنا قلقان ومش فاهم في إيه." لم تصدق فكل شيء يخبرها بالعكس. لذلك هتفت بعتاب: "وهو اللي مفهمك كده؟ وأنتَ طبعًا زي الأهبل صدقته؟ سقط حديثها كدلو ماء بارد على مسامعه. فردد كلماتها بعدم تصديق:
"أهبل!! فأهملت قوله وعادت تحذره من جديد بضيق: "بنتي ترجعلي في أقرب وقت وأنتَ اللي هترجعها لي يا علي. أنا مش هكلم ياسين. أنتَ أولى بيا مني." أغلقت زهرة الهاتف من دون حتى إلقاء السلام. تعلم أنها بداية النهاية بينها وبين "الطبيب". ولكن لم تكترث للأمر. فكل ما يهمها الآن هو إبعاد ابنتها عن "ياسين". سأمت "الخالة" من حماقاتها المستمرة. سندت بيدها على عكازها تحذرها من جديد:
"اللي بتعمليه ده مش في مصلحتك يا زهرة. أنتِ كده بتخسري علي، واللي يخسر ولدي يخسرني." بقيت صامتة أمامها ولم تتكلف عناء الرد. أكملت الخالة أمام صمتها:
"طول عمري معتبرك زي بتي وقريبة مني. رغم إني كنت بحب المهدي وكبرت معاه لسنين، بس لما شافك وافتكر فيكِ مهجة مراته الأولانية، ما اعترضتش على جوازكم وقربت منك أكتر. وخصوصًا لما مات واتغدر بيه. كنت بشوفه في ملامحك أنتِ وشمس. بحس بوجوده طول ما أنتوا موجودين حواليا. ساعدتك كتير ومعنديش مانع أساعدك أكتر. ولما ولدي طلبك وحبك، وافقت ورحبت عشان تفضلي أنتِ وشمس في حضني. بس أنتِ مش هتيجي أغلى من ولادي. ياسين وعلي دول ولادي اللي حجري اتملى بيهم من بعد دنيا فاضية. ومش هسمح أشوفك بتدمرى علي قدامي وأسكت."
سألت "زهرة" بنفاذ صبر: "عايزة تقولي إيه يا خالة؟ طالبت "الخالة" بتبرير فوري لما تفوهت بهِ "زهرة" للطبيب. أبدت "زهرة" انفعالها وهتفت بضجر: "زي ما أنتِ خايفة على ولادك اللي مش من صلبك، أنا كمان خايفة على بنتي اللي من لحمي. واللي هييجي عليها ويقرب منها هاكله بسناني." تابعت بقلب أم خائفة على طفلها:
"ياسين ما يصلح لهاش يا خالة. ومش هسمح أبدًا إنه يلمس شعرة منها في يوم ولا تكون حلاله. أنا أم وعارفة مصلحة بنتي كويس. هي لسه صغيرة وفي غشاوه على عينيها. من اللحظة دي أنا هاخد حسان وأرجع بيتنا القديم عشان أعرف أحافظ على بتي فيه." قالتها وقد داهمتها الدموع وتجمعت في مقلتيها: "ما تزعليش مني يا خالة. بصيلي بعيون أم خايفة على ضناها. الضنا اللي أغلى من كل شيء. وده ياسين اللي مهما اتغير هيفضل برضوا ياسين."
غادرت "زهرة" المكان وتتبعت "الخالة" أثرها بعينيها. تغلق الباب خلفها. أدارت وجهها بصمت تجلس على المقعد. الدهشة تملؤها وتردد في ذهنها سؤال لم يسمعه أحد إلا هي: "معقول يا زهرة ترمي حب علي ورا ضهرك بطريقتك دي؟ بكرة تندمي في وقت ماينفعش فيه الندم عليه." ما زال يقبض على هاتفه بكف يده. لم يستوعب ما بدر منها منذ لحظات. أتى "بربروس" من خلفه قائلًا: "عمت مساءً يا أخي." رد متهكمًا: "بربروس مش فايقلك." علم بحدوث شيء ما بسبب
الضيق في نبرته فسأل بجدية: "ألم تعلم عن ياسين وشمس شيئًا بعد؟ تنهد بضجر وهو يمسح على وجهه ثم قال أثناء جهاده ليلزم الهدوء: "لأ، لسه ما ردش." قطب حاجبيه يجلس بالمقعد المقابل لهُ سائلًا: "ماذا بكَ يا صديقي؟ أحدث لهم خطبًا ما؟ جاهد لكي لا يتفوه بشيء بعدما أجبر شفتيه على الابتسام نافيًا لسؤاله: "لا، أبدًا. ما فيش حاجة." أنا بس...
قطع حديثه دقات الباب المتتالية. فأسرع "بربروس" بفتحه ليجد أول شخص تمنى أن يراه. وجد "مارال" أمامه. ابتسم ابتسامة حانية لرؤيتها. وانمحت ابتسامته سريعًا عندما رأى الضجر يطغى على ملامحها. تراجع ليعطيها فرصة للدخول. ولم تنتظر هي بل دفعته للخلف مما جعله يسأل بهدوء لكي يمتص غضبها: "ما بكِ يا بلوتي؟ والباء حاء." أثار غيظتها بهدوئه مما جعلها ترد بطريقته: "بعمل خير يا خيي ومابلاقيش مقابل قصاده." فجادلها ساخرًا:
"ذكريني بعمل خيري واحد أقدمتي عليهِ بحياتك." "حبيتك." جمدته إجابتها. جاهد لالتزام الهدوء. فنطقت بعينين لامعتين: "أيه اللي أنتَ هببته ده يابيدقوس؟ ييضيك كده أهوه أخويا هيتنيل يجوزني لـ 'كي كي'. هو مش إحنا كنا متفقين بلاش ياسين يتكلم خالص ونسيب دكتوي علي هو اللي يتكلم؟ استدار "الطبيب" يطالعها بابتسامة بسيطة: "أهدي بس يا مارال." أشار لها بعينيه يحثها على الجلوس. فقابلت طلبه بالرفض:
"ما ينفعش. أنا سايباها ماما لوحدها وأخويا ممكن ييجي في أي لحظة." وجهت حديثها لـ "بربروس" بعتاب: "أنتَ مقديتنيش يابيدقوس." فأكملت بنحيب: "ده حتى الويد اللي أنت جايبه بيحتاج تقديي." طالعها هو بعدم فهم: "ولكنك لستِ وردة يا مارال." رد لها ما شعر به منذ ثواني. فوجهت حديثها "للطبيب": "شايف، شايف يا دكتوي علي بيقول إيه. قول بقى إنك مش عايز أصلًا الجوازة دي وأنا هايوح أتجوز كى كى."
تلاعب "مارال" بالكلمات واضح بالنسبة لهُ. فأخذ يستغفر ربه هامسًا وهو يقول بنفاذ صبر: "أهذا اعتقادك؟ فلا والله وبعقد الهاء لن أتركك لهذا المدعو المثير للسخرية والاشمئزاز. وما هذا الاسم اللعين؟ هل انتهت الأسماء من على وجه الأرض؟ أردفت بغضب: "اللعين ده لو ماتصفتش بسيعه يابيدقوس، هيبقى جوزي وأخويا هيصمم نعمل اكليل كامل في أسرع وقت." أخبرته بدموع تتلألأ بعينيها. ملامحها البريئة أقرب من الوتين للقلب. طالعها هو
يخبرها بصدق نابع من قلبه: "أتعلمين بأنك حبرًا ضممتُه من دون راء إلى قلمي والميم باء. أرعونة أنتِ، خرقاء. فوالله وبعقد الهاء، لن أتركك لغيري، حتى لو أخاكي شاء. فقد أصبحتِ لي قمر والميم دال. ولا يستطيع أحد الهروب منه إلا الجبان." لانت تقاسيمها تطالعه بحب. يطالعهما الطبيب ببسمة مشفقة على جنونهم. يقول بداخله: "مجانين والله."
أتى الفجر وانتشر ذلك الضوء الذي يبعث الراحة في النفوس. نسمات منعشة تعم الأجواء. خصوصًا بتوقيت الفجر. من يراهُ أثناء الذهاب يقود بسرعة جنونية وكأن الموت يهرول خلفه. يقود بلا أي ذرة تعقل. لا يراه الآن وهو يعود مطمئنًا فقط لأنها بجواره. توقف "ياسين" بالسيارة أمام مقهى "الفيشاوي". ذاك المقهى الذي طالما كان يتردد عليه قبل معرفته "بالضبع". أمرها بالنزول. فترجلت من السيارة بتردد سائلة: "أحنا بنعمل إيه هنا؟
قبضت بكف يدها على حقيبتها وبداخلها مذكراته. فأجابها بما تود سماعه: "طالما عدينا على الشارع ده، فحبيت أعرفك على القهوة اللي عشت فيها أجمل أيام حياتي." سألها بهدوء وتوسلت عينيه للقبول: "إيه رأيك تحبي نقعد فيها شوية؟
وأمام نظراته بعينيه الصافيتين تلك لم تستطع الرفض. أشارت برأسها بالموافقة وتحركت معه طواعية. حاوط كف يدها لكي يعبر بها الطريق. نزلت عيناها إلى كف يده المتشبث بكفها تبتسم ابتسامة حانية بأمان. فأشار لها بيده للجلوس على إحدى الطاولات يخبرها بحنين نابع من قلبه لهذا المكان: "تعرفي المكان ده لي عندي ذكريات كتيرة أوي."
فانصتت له باهتمام. سندت وجهها بكفها تتذكر ما دونه بالمفكرة الخاصة به عن هذه القهوة. كم مرة حثها فضولها وأتت إلى هنا بمفردها لمعرفة ما تبقى من القصة. ما الشيء الناقص الذي لم يدونه. أسئلة كثيرة وضحت بعينيها. فأرضى هو أسألتها بقول: "القهوة دي أحسن حاجة فيها إنها ما بتتغيرش. تخيلي إن بقى لها أكتر من 120 سنة. جه فيها شعراء وأدباء كتير أوي."
استكمل حديثه يدور بعينيه وهو يطالع كل شيء بالقهوة. يدرس ما طرأ عليها من تغيير أيضًا. فابتسم ابتسامة حانية عند رؤيته للصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود الموجودة بالحائط. فأشار لها بسبابته بلهفة مراهق يشتاق لذكرياته: "شايفة.. شايفة الصور دي.. دي صورة محمود درويش. أكتر شاعر كنت وما زلت بحبه وحافظ كل أشعاره. كان بييجي هنا كل ما ينزل مصر ويقعد مع نجيب محفوظ. هو أصلًا فلسطيني، عرفاه." فأشارت برأسها بالإيجاب قائلة:
"آه طبعًا عرفاه." فاستكمل حديثه ببريق يلمع بعينيه: "مكانش لي ساعة معينة بييجي فيها وكنت بفضل أستناه هنا بالساعات على ترابيزتي. من كتر ما كنت باجي هنا، كان ليا ترابيزة معينة هي اللي بقعد عليها. ومن كتر ما صاحب القهوة عرفني وعارف قد إيه أنا كنت بحب محمود درويش، خلى الترابيزة دي ليا وعشاني وخلاني أكتب عليها اسمي بالطباشير. وكنت كل ما أجي هنا أمشي على خطوط اسمي بالطباشير لحد ما اسمي انطبع على الخشب."
لمعت عينيه اللامعتين بسعادة. فهتفت سائلة: "للدرجة دي كنت بتحبه؟ ابتسم وقد وصلت إلى سبب ابتسامته: "كنت بعشق حروف قلمه وكلامه." وقفت أمام الصور الفوتوغرافية تشير بأصبعها عليه: "أنتَ اللي هناك ده."
كانت صورة بداخلها الشاعر محمود درويش يجلس بالمنتصف واضعًا قدم فوق الأخرى. ومن خلفه شباب المقهى يرتدون البذلات. يظهر بينهم ياسين والطبيب. بالطبع كان ما زال شابًا لم يتعد العشرينات من عمره. كانت ملامحه أصغر مما تبدو عليه اليوم. فسألها بدهشة بوجه ضاحك غامزًا لها: "لأ لعيبة، عرفتيني إزاي؟ وقبل أن تنطق بالإجابة وجدت من يتكلم من خلفهما والرعشة تمتلك صوته. يتعكز على عكازه بمعاناة يخبره: "أنا ذات نفسي عرفتك."
استدار الاثنان ليجدا رجلًا مسنًا يتجاوز التسعين من عمره قائلًا بجدية تمتلك الدهشة ملامحه: "ياسين الصاوي مش كده؟ بس إزاي وانتَ لسه شباب ماتغيرتش؟ طالع كلا من ياسين وشمس بعضهما بحيرة: "أنتَ مش عارفني؟ أنا محمد العيل الصغير اللي كنت بتاخدني على رجلك لما ما لقاش مكان لما محمود درويش ييجي في القهوة ونسمع أنا وأنتَ الشعر بتاعه. جدي هو اللي كان صاحب القهوة دي وقتها."
حاول ألا يتفوه بشيء يندم عليه لاحقًا. تنهد قبل أن يقول بعينين براعة في تحويل الكذب للصدق: "أيوه.. أيوه افتكرت. محمد العيل الصغير اللي كان بيحب. كنت بتقعد على رجلي." أشار الرجل برأسه بحماس بالموافقة: "أيوه. وكنت بتلبس دائمًا شورت كحلي وكان نفسك تطلع دكتور." ابتسم الرجل ابتسامة عريضة يحاول أن يفرض جسده من كثرة انحنائه: "أيوه." "ولما كان محمود درويش بيتأخر كنت بتحب تسمع الشعر بتاعي."
ارتفعت آمال المسن كثيرًا ناطقًا بالاستجابة. فهز "ياسين" رأسه بالرفض مخيبًا أمال الرجل في لحظة وهو يقول: "لأ مش أنا. ده جدي." لم يصدق فكل شيء سمعه والشبه يخبره بالعكس. لذلك اقترب منه وسأله من جديد: "أنتَ متأكد يا ابني إن ياسين الصاوي ده يبقى جدك؟ أضاف "ياسين" وقد زرع الألم في عينيه بالإجبار يتصنع الكذب ببراعة:
"أيوه للأسف جدي ومات من عشر آلاف سنة. ادعيله بالرحمة يا حج وأنا طالع نسخة منه. أصل أمي كانت بتحبه، أبوها بقى ولازم تحبه. أصل أنا سمعت... فتر حديثه قبل أن يكمل: "إيه اللي أنتَ سمعته؟ "أوعى تصدق أي كلمة من اللي قولتهالها ده. أنا بس سرح بيها مش أكتر وهي هبلة وبتصدق. أنا جدي كان بيحب يحكيلي كل حاجة كانت بتحصل معاه في قهوة الفيشاوي وحكالي عنك كمان." طالعته "شمس" بنظرة معاتبة. فأشار لها يرفع حاجبيه مع ابتسامته الساحرة.
فوافقت وهي تقول: "على فكرة بقى أنا عارفة إنك بتسرح بيا. هو برضوا يا حج في واحد يبقى عايش أكتر من تسعين سنة ولسه شباب كده." اقتنع العجوز بحديثهما فابتسم وهو يردد: "الترابيزة اللي كان جدك ياسين بيقعد عليها لسه موجودة هي وطرابيزة محمود درويش. أصل كنت بحب شعر جدك أوي زيه زي محمود درويش. عشان كده احتفظت بالترابيزتين دول. بس هي في المخزن. هبعت الولد يجييها."
لم يكد يصدق "ياسين" ما قاله. وما مرت سوى ثواني حتى أتى بها الشاب من المخزن. جلس ياسين عليها يمرر أصبعه على خطوط اسمه. تجلس "شمس" بجواره على مقعدها يطلب مشروبه المفضل. أما عنها فقد طلبت كوبًا من القهوة. أخرجت هاتفها من حقيبتها لتلتقط صورة للطاولة التي تحمل اسمه. فسألها باستفسار عن سبب إخراجها لهاتفها. فتحت كاميرا الهاتف وهي تقول: "هاخد صورة للطربيزة وهي عليها اسمك."
فبحث بعينيه قبل أن تلتقط الصورة ليجد قطعة من الطباشير ملقاة بالأرضية. أسرع بالتقاطها دون اسمًا بجانب اسمه "شمس". يشير لها بعينيه قائلًا: "دلوقتي تقدري تصوري براحتك." ابتسمت بعدما التقطت الصورة. تضع كوب القهوة على الطاولة بعدما ارتشف منه قائلة: "معقول كنت بتقول شعر زمان؟ هز رأسه بغرور يصوب عينيه اتجاهها: "احمدي ربنا بقى إنك قاعدة معايا." هربت بعينيها واتسعت ابتسامتها: "إيه الغرور ده كله؟
كان في ناس بتقول عليك مغرور وأنا كنت بكذبهم." فنطق مؤكدًا: "لأ، أنا مغرور فعلاً. هما ما كذبوش." فطالبته بنبرة لم يستطع الرفض بعدها: "طب ما تقول لي حاجة من اللي كنت بتقولها زمان يا مغرور." علق بنبرة استنبطت السخرية منها: "حاجة من اللي كنت بقولها زمان؟ لمع الإصرار في عينيها. سائلة برجاء: "ياسين، بتكلم جد." اقترب منها أكثر جاذبًا مقعده نحوها حتى أصبح وجهها على مقربة من وجهه. عيناه لا تتركها وهو يقول بنبرته المؤثرة:
"وجهها لا ينتمي لهذا الزمان. خليط من قرون عديدة. نادر وفاتن. عتيق جدًا كتحفة نادرة." فأنهى جملته يهيم بعيونها التي لطالما أحبها: "فهي نعمتي المختلفة عن كل النعم." نظراته لها. كيف له بنظراته الساحرة قادرًا على سلب روحها؟ سيهزمها فؤادها الآن. كيف لا وهو ينظر إليها هكذا؟
يمارس نظراته الساحرة عليها. تغيرت نظراتها له. لم تعد تطالعه باشمئزاز عكس السابق. بداخلها بريق مختلف. فأدار كفه الحديث بعدما قلق من نظراتها وأصبح حديثه جادًا الآن حول وضعهما. ونطق بما لم يخطر ببالها: "أوعي تحبيني يا شمس. أوعي تفكري أو ييجي في يوم في بالك إنك تحبيني." عند هذه النقطة تحديدًا شعرت بالضياع. نطق وهو يمسح على عنقه بتعب:
"اليوم اللي هتحبيني فيه اعرفي إني هختفي فيه من حياتك. الحاجة الوحيدة اللي مقرباني منك ومخليني معاكي هو إني متأكد إنك عمرك ما هتخافي عليا ولا تحبيني في يوم. عشان كده بقرب وأنا مطمن إن مهما أعمل هتصديني زي ما كنتي بتصديني زمان." فأكمل بما جعلها تتفاجأ من سؤاله: "البحر هيعمل إيه لو وقع في حب السفينة؟ "سؤال عارفة إجابته كويس يا شمس."
ألقى بسؤاله على مسامعها وأعطاها ظهره راحلًا. يغادر المقهى. تتبع هي أثره بعينيها بذهول تام. تعلم إجابة سؤاله جيدًا. فالبحر سيغرق السفينة ولن يستطيع أحد منهم النجاة. رفعها حد السماء وعلى دون غرة أو وقع بها على أرضية باردة. أحمق من ظن أنه يعرف ياسين حقًا.
الحريق في عينيه لا يساوي أي حريق. وكأن مقابلته مع أبو المعاطي وبدر تمكنت ولو قليلًا من إخماد ثورته العارمة. صعد "فريد" سلالم الفيلا يصفر ببال هادئ عكس تمامًا النار المشتعلة بداخله. فأوقفه والده بحزم وهو يقول: "فريد، كنت فين لحد دلوقتي؟ تأفف بانزعاج بعدما استدار يطالع والده بعدم اهتمام: "أنتَ عارف كويس أنا كنت فين. أوعى تفتكر إني مش عارف بالناس اللي بتراقبني كل دقيقة ويصورولك أنا فين وكنت مع مين." ابتسم "والده"
قبل أن يجيب بسخرية: "لأ شاطر. وعشان كده جبت شمس دي الكباريه عشان تعرفني إنك مش ساكت. افرض كان اللي اسمه ياسين كان قتلك فيها؟ "ما يهمنيش." كلمة واحدة قالها ببطء يدرك معناها جيدًا. يسترسل حديثه: "ممكن لو قتلني وقتها تتحرك وتعمل حاجة وتقله." "ومين قالك إن مش هعمل؟ أنا بس مستني."
"وأنا مش قادر أستنى. مش قادر أستنى لما حضرتك تقعد على الكرسي وأنتَ مطمن. مش قادر. حاسس بنار تحت جلدي. كلامه وسخريته مني ما بتخرجش من وداني. عايزة أدوق اللي دوقته." "واغتصبك ليها هو الحل؟ أجاب بنبرة هادئة بعض الشيء يشير برأسه بالإجابة: "آه. هو الحل اللي هيخليه ما ينامش." "أنتَ اتجننت؟ استدار يعطيه ظهره يصعد على الدرج متوجهًا إلى غرفته. فصاح والده بقول: "اقف يا فريد أنا بكلمك."
أهمل قول والده وأكمل طريقه وكأنه لم يكن. دخل غرفته يلقي بجسده على الفراش. يطالع السقف بعينيه. ينظر إلى صورة "شمس". فهو يضع صورتها بالكامل على السقف لتصبح أول شيء يراه عينيه عند استيقاظه وآخر شيء يراها قبل نومه.
نحيب يشعل القرية. النيران تأكل الأراضي والزرع أصبح رمادًا. يهرول أهل القرية بكل مكان ومعهم غدير وحسان. الكل يساعد الآخر يدًا بيد. ولكن النيران تطول الجميع بلا استثناء. ظنوا أنهم سيعيشون بسلام بعد سنين من التعب. ولكن كان هناك من له رأي آخر. إنه "فريد".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!