حجم الخط:
18
استطاعت "شمس" أخيراً أقناع كل منهما بالتعاون مع الآخر.
فكان هذا ما يشغل تفكيرها وبالها. أغلقت الباب لتجد من ينتظرها بغرفتها قائله:
_ نفذتي المطلوب منك ياشمس.
أشارت برأسها بالموافقة يصاحبها ابتسامة رضا:
نعم، فلقد نفذت ما أمرت به يا "خالة حكيمة".
_ كنت عارفه وواثقة فيكي يابتي أنك الوحيدة اللي هتقدري تقربيهم من بعض. مش قولتلك ياعلي.
يظهر الطبيب علي من خلف "شمس" مباشرة قائلاً:
_ إزاي قدرتي تقنعيهم ياشمس؟ قولتي أيه لياسين عشان يوافق يبقى مع عمار؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر له. فأخذ يطالعها بنظرات تدل على الاتهام. فأجابته مسرعة:
_ أنا لم أخبره بشيء إلا المطلوب لا أكثر.
انتي عارفه الاتنين وافقوا ليه؟ انتي عارفه الاتنين يقربوا لبعض أيه؟ انتي عارفه أنك هتبقي السبب في أنك تفرقي بين أب وابنه.
شعرت "شمس" بالألم يختزل روحها. حاولت الهروب وتفادي النظر إلى عينيه قائله بهدوء:
نعم أعلم.
ظهرت "ميرا" أمامها فجأة في أقل من الثانية:
طيب وبعدين هتعملي أيه لما كل واحد فيهم يعرف أنهم أب وابنه؟ موقفك هيبقى أيه؟
انكمش حاجبها باستغراب تطالع "الخالة حكيمة" وتساءلت بغضب:
_ ما هذا؟ كيف لها أن تعلم شيئاً كهذا؟
سمعتنا بالغلط يابتي لما كنت بتكلم أنا وعلي سوا.
طالعتها "ميرا" بهدوء:
_ ماتخافيش ياشمس أنا مش هقول لحد. أنا لو كنت عايزة أقول كنت قولت من وقت ما سمعتهم.
ضغطت "الخالة" على أسنانها بغضب:
ماينفعش حد منهم يعرف قبل المعركة. ياسين هيسيبنا لو عرف. أنا بفضل أدعي المولى عز وجل أنه مايفتكرش شيء دلوقتي.
بترت شمس حديثها ثم هتفت:
_ ولكنه بدأ بتذكر بعض الأشياء بالفعل.
انكمش حاجب الطبيب "علي" سائلاً:
افتكر إيه؟
_ بدأ بتذكر أنه الألفا الأصلي وبدأ لون عينيه يعود كما كان للون الطبيعي اللون الأحمر الداكن. بدأ باسترجاع قوته الحقيقية من الواضح أن تأثير الضبع بدأ يزول من عليه.
قاطعتها الخالة مستنكرة:
لااا..
لسه مافتكرش طول ما هو مش بيناديني بـ "ياما" يبقى لسه مافتكرش، ده مكانش بيقولي غيرها.
_مش مهم كلمة "يما" يا خالة، اللي كان بيناديكي بيها. أنا عارف إن الكلمة دي وحشاكي منه. وإنك بتحسي مع ياسين إنه ابنك اللي ما خلفتوش. بس قوته بترجعله. والظاهر إنه قريب أوي هيفتكر إن عمار ابنه. عشان كده إحنا لازم نواجه العربي في أسرع وقت. وقبل ما نواجهه، نسمع رد شمس الأول.
كرر الطبيب "علي" سؤاله من جديد:
_هتعملي إيه لما ياسين وعمار يعرفوا حقيقتهم وإنهم أب وابنه يا شمس؟
أنهى الطبيب "علي" جملته مع إصراره الزائد بمعرفة ما يجول بخاطر "شمس".
شعرت "شمس" بتوجيه الاتهام إليها من قبل الطبيب، فقد رأت نظرات الاتهام في عينيه. لتبوح له بمشاعرها وهي في حالة من الضجر:
_هل تعتقد ولو للحظة واحدة أنني سعيدة بما يحدث معي؟ لا أحد هنا يفكر بي وما الذي أشعر به. لا أحد هنا يفهم ما الذي أعيشه. إني اختنق. لا أستطيع التنفس. روحي تتألم.
تحدثت ودموعها تأبى النزول، تضرب بيدها على فؤادها بقوة:
_نظرات الحب التي أراها في أعين كل منهما لي تؤلمني. فأي فتاة تتمنى ولو ربع مقدار هذا الحب. وأنا مثلي مثل أي فتاة، ولكني لست سعيدة. فأنا أتألم. كنت أريد عيش هذه المشاعر، ولكن ليس هكذا. فعندما أخبرتني الخالة بمدى قربهما من بعضهما، ذهلت. وعلمت أن ليس لي حق ولا مكان بينهما بعد الآن. ولهذا اتخذت قراري.
نزلت دموعها على وجنتيها، فقامت بمسح دموعها سريعًا.
_عند انتهاء هذه المعركة، سأختفي من حياتهما للأبد.
قالت جملتها، تاركة إياهم خلفها دون أن تتردد ولو للحظة واحدة. فكان قرارها حاسمًا في هذه اللحظة.
كانت تصعد الدرج للوصول إلى الطابق الثاني، فيأتي هو خلفها مسرعًا، ينادي عليها ولكن لم تستجب له، لتكمل صعودها. يسرع "يزن" بخطوته ليصبح أمامها ليوقفها عن التحرك. يضع يده على جدار الدرج ليمنعها من الصعود قائلًا:
_أنا نفسي أعرف أنا مالي. شمس وعمار متخانقين، تدخلينا إحنا في حواراتهم ليه؟
تحني ظهرها لكي تعبر من تحت ذراعه، محاولة التملص منه. ينزل بذراعه إلى الأسفل حتى لا تستطيع العبور، لتشعر بالضجر من فعلته قائلة:
_سيبني أمشي يا يزن.
يطالعها بتحدي وهو يضغط على كلمته التالية:
_لأ.
تنهدت بغضب وتأففت قائلة:
_خلاص، خلينا واقفين كده على السلم. مش عايزة أطلع. أقولك وادي قاعدة.
جلست "سارة" على الدرج، ليجلس هو بجانبها مبتسمًا، ينظر بجانبه ليزيحها قليلاً:
_وسعي، إنتي واخده السلم كله. إنتي تخنتي كده امتى؟
تنظر هي لجسدها بهلع:
_أنا؟ أنا ما تخنتش أصلًا.
فابتسم هو ابتسامة زادت من حسنه:
_مالك اتخضيتي كده ليه؟
_حتى لو تخنتي وبقيتي بطة محشية فريك، هتفضلي في عيني أجمل شريك.
وضعت يدها على وجنتيها تحاول جاهدة ألا تبتسم. ليضرب هو كتفه بكتفها بحنية متبسمًا. ضغطت على شفتاها بأسنانها قائلة:
_بس برضو مش هتصالح بسهولة كده. أنا عايزة أعرف انتوا بتعملوا كده ليه؟ إنت وعمار بجد.
ابتسم وهو يطالعها لتبادله النظرات قائلًا:
_تعرفي إنك زي القمر النهاردة.
احمرت وجنتيها خجلًا، فنظرت بجوارها ممسكة بخصلات شعرها وأخذت تطالعه من جديد:
_المفروض بقى بكلامك ده أنسى ومانت...
بتر كلماتها قائلًا:
_بس تسريحة شعرك تحسي إنها مختلفة. غيرتي فيها إيه؟
اتسعت عيناها وملأت البسمة وجهها:
_بجد عجبتك؟ أنا قولت مش هتاخد بالك أصلًا.
غمز لها بعينيه:
_ما أقدرش ماخدش بالي. ده أنا حافظ تفاصيلك.
_مممم تمام. يعني نكنسل النكد النهارده يا يزن؟
تنهد هو بفرحة:
_ياريت.
_ماشي. كنسل النكد النهارده.
قالت جملتها وهي تنظر له بابتسامة جعلتها أجمل مما تبدو عليه. ليهتف هو:
_إنتي مش ملاحظة إن بقالنا 18 ساعة و 30 دقيقة و 15 ثانية ضاعوا من عمرنا وإنتي مابتكلمنيش وزعلانة مني؟
سألته ضاحكة بشقاوة:
_ياسلام. وانت مش قادر على بعدي بقى وبتعد الساعات؟ ما انت سايبني أصلًا من وقتها وما جيتش تكلمني.
ابتلع ريقه وهو يفرك بجبينه بأصابعه يحاول ألا تلتقي نظراتهم:
_لا. ما انت مش فاهمة. أنا قولت أصالِحك في مصر أحسن. يمكن الحر يسيحلك دماغك ويشيلك الأفكار الهبلة اللي في دماغك دي.
نظرت له بعينين جاحظتين:
_أنا أفكاري هبلة يا يزن؟
ضيق عينيه وهو يغمز لها بالأخرى:
_جداً.
_وطالما أنا هبلة، قاعد معايا واحدة هبلة ليه؟
_عشان الهبلة ما بيقعش في حبها إلا الأهبل زيها.
ضحكت بصوت مرتفع قائلة:
_هدف جميل. ولكن في مرماك.
_طيب بمناسبة الهدف، تيجي نحط الأكل هدف قدامنا. جعان جدًا ومأكلتش بقالي كتير.
وضعت يدها على معدتها دليلًا على شدة جوعها:
_أنا كمان جعانة أوي.
قال هو مسرعًا:
_طيب نطلب إيه؟
_اطلب إيدي.
قالت جملتها وهي تغمز له بطرف عينيها وتبتسم بشقاوة.
ابتسم هو واضعًا يده على رأسها، يضمها إلى صدره بكل حنان قائلًا:
_هيحصل. وقريب أوي.
عاد "عز" و "شريف" إلى الفيلا الخاصة بهما بعدما قاما بإيصال "غرام" وشقيقتها الصغيرة إلى المنزل وتأكدا أنهما الآن بأمان. دخل "عز" إلى غرفة مكتبه وجلس على مقعده المحبب لقلبه. ولكنه في هذه اللحظة شعر بعدم الارتياح، فقد نحتت ملامحه مزيجًا من القلق والعصبية على وجهه. نعم هو لا يتحدث ويفضل عدم البوح بما بداخله، ولكن ما بداخله صدره يظهر على ملامح وجهه رغما عنه. كانت مشاعر عز ما هي إلا عبارة عن بحر ثائر تتلاحقه أمواج لتتحطم فوق الصخور. وعندما أعياه التفكير وأنهكه التعب، غفى فوق مقعده بضع لحظات مرت عليه كأنها سنين، مما جعل شقيقه الأصغر "شريف" سائلًا:
_هتفضل مخبي عني اللي جواك كتير يا عز؟
فاق من شروده يطالعه يحاول جاهداً الهروب من سؤاله:
_شريف، أنا تعبان ومحتاج أرتاح. خلينا نأجل أي كلام لبكرة.
قام من على مقعده واستقام بعدما ربت بروية على كتف "شريف" بهدوء قائلًا:
_أنا عارف إن جواك ألف سؤال محتاج إجابة، بس سيبني أفكر الأول في هدوء علشان أعرف هتصرف إزاي. وخليك واثق فيا يا شريف. ينفع؟
أخذ يطالعه باهتمام زائد وعلم من نظراته التي بان عليها الجدية أنه مهما حاول لن يتحدث معه بشيء الآن. أشار برأسه بالموافقة:
_تمام يا عز. أنا هسيبك على راحتك واللي تشوفه أكيد.
استدار عز تاركًا شريف خلفه ينظر له وهو يبتعد عنه ويصعد الدرج. وقف فجأة ليسأل:
_هو فين عم حسين؟
_أديته إجازة هو ومحمود ورجعوا البلد. بما إننا كنا مسافرين، هيقعدوا يعملوا إيه هنا لوحدهم؟
هز "عز" رأسه بالموافقة وأكمل طريقه. دخل إلى غرفته الخاصة به و "غرام". ينظر إلى صورة عرسهما الموجودة أعلى الكومود. ينظر لها ويسرح بملامحها اللطيفة. يضم صورتهما التي تجمعهما معه إلى صدره ليلقي بجسده على الفراش ليعطي عقله هدنة من التفكير المستمر.
في تلك الأثناء، كان القمر يستعد للرحيل مودعًا اليوم بانتهاءه، تاركًا مكانه بالسماء ليشع النور مجددًا معلنًا انتهاء دوره في هذا اليوم، لتأتي الشمس لتضيء محله وتعلن عن قدوم النهار.
في تلك اللحظة تحديدًا، كانت الصدمة ما زالت تعتلي وجهه عندما سمع من "سارة" وبالصدفة العابرة عن ديانة "مارال". لم يكن يستوعب لماذا أخفت أمر ديانتها عنه. ابتلع ريقه وقد أنهكه التفكير، ليجدها تخرج من باب المزرعة بهدوء متوجهة إلى الخارج. أغلبه فضوله وخرج خلفها ليجدها تجلس على الساقية شارده الذهن. التقطت رائحته دون أن تراه. نعم، فقد استطاعت تمييز رائحته. فلا يوجد شيء بالدنيا يجعل المرء يشعر بشخص آخر غير أن يكون له مشاعر خاصة، إما كره أو أن يكون حب. نظرت خلفها مسرعة لتجده أمامها. ابتسمت بلطف شديد قائلة:
_لحظة الشروق هنا تحفة يا بيدقوس.
لم يكن ينظر إلى الشروق، ولكن كان يصب كل تركيزه عليها. حتى نطقت سائلة:
_كنت فين؟ أنا كنت لسه بدوي عليك.
انكمش حاجبه باستغراب. نظرت أمامها لتطالع الماء قليلاً:
_واقف عندك ليه؟ ما تيجي تقعد جنبي. القاعدة هنا حلوة أوي.
جلس بجوارها وهو ينظر أمامه دون كلام، فكان بداخله صراع بين السؤال وعدمه. قطعت هي شروده قائلة:
_ما بتتكلمش ليه؟ حاسك متغيّر النهاردة مش زي كل يوم.
_إنت كويس؟
هل تسأله حقًا؟ سؤال ليس له إجابة. فهو نفسه لا يعلم إذا كان بخير أم لا. قرر أخيرًا سؤالها والبوح بما بداخله:
_قيل بالأمس إن المواجهة باب للحقيقة، وأنا أريد معرفة الحقيقة منك.
استطاع أن يجذب انتباهها أكثر بكلماته، فنظرت له باهتمام زائد بالرغم من أنها شعرت بما يريد قوله. فقلبها أخبرها من نظرات عينيه صدق من قال أن النظرات تبوح بما بداخلنا. وعلى الرغم من معرفتها بالذي يدور بداخل رأسه، إلا أنها سألته عن قصد:
_تقصد إيه يا بيدقوس؟
_أأنت حقًا نصرانية؟
كانت تشعر وكأن سؤاله اخترق قلبها قبل أن يخترق أذنها. أغلقت عينيها لثوانٍ معدودة وحاولت التئام روحها قائلة:
_هتفيق معاك.
رد مسرعًا:
_ويحك يا فتاة، فبدون شك ستفرق معي.
_وأيه اللي هيفيق معاك بقى؟ إحنا صحاب؟ ولا أنت ما بتصاحبش مسيحيين؟
رد هاتفا:
_معاذ الله. لكم دينكم ولي دين. ولكن لماذا أخفيت عني حقيقتك؟
_أنا مخبيتهاش. أنت اللي مسألتش.
كاد الضيق يظهر بنبرة صوته، ولكنه حاول جاهداً ألا يتعصب عليها قائلًا:
_أنا لم أسأل أيضًا على أشياء كثيرة، ولكنك أخبرتني بها، مثل أخيك المتعجرف، وأمك التي كانت تنعتك بالبايرة، مثل ما تحبين وما تكرهين. كل هذا أخبرتني به بمفردك دون سؤالي لك. لقد تعمدت عدم إخباري من البداية. حتى الآن أنت لم تخبريني، فقد علمت بمفردي. كنت أتمنى أن أعلم منك على الأقل. لقد أنهك التفكير عقلي. هو سؤال واحد أريد إجابته بحق.
لماذا لم تخبريني يا مارال؟
نظرت للأرضية وهي تحاول تجمع الكلمات لكي تكون جملة مفيدة:
_كنت خايفة يا بيدقوس. كنت خايفة.
من ماذا؟
_أن تكوني نصرانية ليس بذنب تخافين منه.
نطقت مسرعة دون تردد وكان بنبرتها شيء من العصبية:
_أنا عمري ما فكرت أو ييجي على بالي إني أكون مسيحية. ده ذنب. بالعكس، ده فخ ليا إني أكون مسيحية. أنا من الناس اللي متمسكة جداً بديني ومقتنعة تمام الاقتناع إن المسيحية هي اللي على حق. شايف ديني في كل حتة وعمري ما خفت أقول إني مسيحية لحد إلا معاك.
تنهد بربروس ليستعيد بعض من ذلك الثبات المفقود وهو يقول بنبرة ثابتة:
_ولماذا أنا بالذات؟
استدارت وأعطته ظهرها محاولة الهروب من نظراته لها:
_مابقاش مهم خلاص إنك تعرف.
رد بإصرار:
_ولكنه مهم بالنسبة لي.
قالت كلماتها بنفاذ صبر:
_يعني عايز تعرف.
_بالتأكيد.
قال كلمته وهو يصمم على المعرفة. أخذت تطالعه بعينيها وتبادلوا النظرات لثوانٍ فقالت بهدوء وهي تنظر إليه مع ارتفاع نبضات قلبها نبضة تلو الأخرى ليسمعها هو قائلة:
"كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء."
قالت كلماتها وهي لا تصدق ما قالته للتو. وضعت يدها على فمها لم تكن تستوعب بما اعترفت به. أردفت بكلمات متقطعة:
_أنا... أنا لازم أمشي.
نظر لها بحب يحاول تهدئتها قليلاً فقد أفزعها ما أخبرته به منذ لحظات. اقترب منها خطوة فابتعدت عنه:
_أنا ما قصدتش اللي قولته. أنا مش عارفة قولت كده إزاي.
ابتسم وهو يراها تبتعد عنه وأخذ يتردد في أذنه ما أخبرته به منذ قليل:
"كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء."
لم يكن يصدق أنها تتكلم بطريقته وتكن المشاعر له.
كانت تتمنى ولو أن كل ما حدث يصبح حلم. حلم مزعج تدعي ربها وهي تحاول أن تفتح عينيها بأن يصبح كل هذا مجرد حلم لا أكثر. استيقظت ولم تجد سوى الظلام. تشعر بضوء الصباح من حولها ولكنها لا تراه. وهنا أدركت الحقيقة. الحقيقة المرة التي جعلت جسدها ينتفض. لتجد حسام أمامها من جديد. نطق ببرود باسماً ابتسامة ظهرت بها نواياه الخبيثة ضاغطاً على كلماته التالية:
_صباح الخير يا مدام هدير. يا بنت عمي. أتمنى أن إقامتك معانا تكون مريحة. إيه كل ده نوم؟ هو داغر مكانش بيخليكي تنامي وانتي معاه ولا إيه؟
هرولت هدير سريعاً إلى الخلف وكأن الموت يأتي خلفها ليقف هو أمامها في لمح البصر قائلاً:
_إيه شوفتي عفريت؟ ده أنا حتى وسيم حد الجحيم.
حاولت التظاهر أمامه بالقوة وبداخلها يملؤها الضعف:
_عايز مني إيه يا حسام؟
أستدار دون أن ينظر لها وتابع حديثه:
_عايز مني إيه؟ قولي مش عايز إيه؟ عشان لو فضلت أقول اللي عايزه منك مش هخلص. بس تعالي نبدأ اللي عايزه منك واحدة واحدة.
نظر لها وجلس القرفصاء ليجلس بمستوى جلستها:
عايزك تشوفينا وأنا بقتل داغر قدامك. عايزك تتمني الموت ألف مرة وما تلاقيهوش. عايزك تشوفي ابنك وهو بيتولد على إيدي وأقطعه حتت قدامك. عايز أشوف الحسرة في عينيكي. مش عايزك تشوفي يوم حلو في حياتك. عايزك تكرهي قرب الناس منك عشان قربهم منك معناها موتهم حواليكي. عايزك تعيشي وحيدة وما تلاقيش حد جنبك. عايز حياتك تدمر زي ما دمرتيني. ها... عايزة تعرفي أنا عايز منك إيه تاني ولا كفاية كده؟
نظرت له وقد دب الرعب بقلبها مما قاله:
_ليه ده كله؟ مش كفاية اللي عملته في أمي وأبويا؟ مش كفاية اللي حصل؟
نظر لها صارخاً بكلماته:
_مش كفاية. اللي عملته ولسه هعمله. لسه مطفيتش النار اللي جوايا منك. انتي فضلت تعشميني بيكي سنين طويلة بنيت أحلام وحياة على عشمك ليا.
بترت كلماته لتقاطعه هي:
_محصلش. محصلش يا حسام. أنا عمري ما حبيتك في يوم. أنت اللي كنت دايماً بتفرض نفسك عليا. أنا عمري ما أدتيك ريق حلو. عمري ما وعدتك بحاجة.
بتر هو جملتها والصراخ يعتلي نبرة صوته:
_بس عمي وعدني. وعدني بيكي هو وأمك طول عمرهم واحنا صغيرين يقولولي هدير ليك. هدير ملكك. هدير مراتك.
_هما اللي قالوا يا حسام مش أنا. وانت صدقتهم. لكن أنا لأ. ما حبيتكش.
_وليـــــــــــه؟ ليه ما حبيتيش يا هدير؟ فيا إيه ما يتحبش؟ أنا بعت كل حاجة عشانك. أنا مكنتش شايف غيرك. أنا وصلت للي أنا فيه ده بسببك.
جلس أمامها يمرر أصابعه بين خصلات شعرها برفق ومزج نبرة صوته بالحنان:
_كان نفسي تحبيني يا بنت عمي زي ما حبيتك. كان نفسي أسمع منك كلمة حلوة في يوم. في إيه داغر أحسن مني عشان تفضلي عليا؟ الأعمى ده ليه؟ عشان قوي؟
تحول عيناه إلى اللون الأسود لينظر لها بخبث:
_شايفه؟ شايفه أنا...
أنا كمان بقيت قوي يا هدير، مابقيتش حسام الضعيف بتاع زمان. دلوقتي بقيت أقدر أحميكي من العالم كله، بس انتِ تبقي معايا وجنبي. عارفة لو بقيتي جنبي وعارفة لو بقيتي معايا هنعيش إزاي.
توقف البكاء في حلقها، فلم تقدر على إخراجه:
مش عايزة أعرف يا حسام، مش عايزة. أنا ست دلوقتي متجوزة وحامل، أنا مش هدير بنت عمك بتاعت زمان، افهم بقى.
نظر لها وأخذ يطالعها بكل هدوء والابتسامة تملأ وجهه:
بس أنتِ كلها النهارده أو بكرة بالكتير وتبقي أرملة وهتبقي ليا. مش هتلاقي حضن غيري يحتويكي، وماتقلقيش، هخليكي تاخدي وقتك في الحزن خالص على جوزك وأبوكي وأمك. ما أنا برضه راجل بعرف في الأصول، مش هتجوزك على طول.
نظرت له وهي تمقته، فهي تكرهه من أعماق قلبها، وجدت لسانها ينطق ما بداخل فؤادها:
أنا بكرهك.
انمحت الابتسامة من ملامحه ببطء، وارتفع صوت تنفسه والغضب ملأ عينيه، ليصفعها على وجنتيها بقوة. وضعت كف يديها على وجنتها بألم تحاول التماسك أمامه.
اخفض اصبعه ليزيح دمائها المنسدلة من فمها وهو يخبرها بحب:
بس أنا بقى بحبك، وماتقلقيش خالص، أنا هعرف إزاي أخليكي تحبيني.
أدار ظهره، وفي أقل من اللحظة اختفى. شعرت بالألم في أحشائها، تحس بشيء غريب يحدث لها، لا تعرف ما هو.
كان القلق ينهش بقلبه، سأل "رعد" للمرة التي لا يعلم عددها:
رعد، هدير اتصلت؟
الساعة لسه مجاتش سبعة الصبح يا داغر، أكيد نايمة. دي واحدة على وش ولادة وأكيد تعبانة ونامت.
أخذ يتحرك بالغرفة هنا وهناك:
لأ لأ لاء، أنا قلبي مش مطمن. أكيد حصل حاجة. هدير مش هتنام إلا على الأقل تتصل بيا من عند بابها. أنا مش عارف فضلت مستني إزاي، مكنش ينفع أسمع كلامك أنت وميرا. اتصلي بـ "عز" حالاً.
تنهد بعمق يحاول إقناعه:
أكيد نايم دلوقتي يا داغر، الساعة لسه مجاتش سبعة.
صرخ به وأصبحت حالته لا تطاق:
اسمع اللي بقولك عليه، أن شاء الله حتى لو الفجر. كلمة بقولك.
هز "رعد" رأسه بالموافقة، فقد علم من نبرة صوته أنه لن يرجع عن قراره. حاول الاتصال به مراراً، وجد الهاتف مغلق.
تليفونه مقفول يا داغر.
مش قولتلك في حاجة؟ توديني حالاً عند هدير بسرعة.
طيب استناني، هحاول أطلع عربية من جراج المزرعة وجايلك حالا.
وأنا هستناك هناك.
أنهى جملته واختفى من أمامه بلمح البصر.
هبط "رعد" الدرج ليجد "ميرا" أمامه وتجده مسرعاً بخطوته، لتقوم بسؤاله قائلة:
رايح فين بسرعة كده؟
تحدث بانفعال غاضب:
هدير لسه ما اتصلتش بداغر من امبارح بالليل، وبنتصل بـ عز فونه مقفول، وانتِ عارفة داغر مش قادر يتحمل وخايف عليها جداً.
هي بصراحة حاجة تقلق، استنى أنا هاجي معاكم.
لأ لأ خليكي انتِ، مالوش لزوم. أنا أول ما أروح هناك هطمنك.
قبضت بكف يدها على معصم يده:
متأكد؟ أوعى تنسى تطمن.
لأ لأ ماتقلقيش.
هبط "رعد" الدرج مكملاً لطريقه ليأتي بالسيارة ليجدها فارغة من البنزين ليتأفف بزهق:
يادي النيلة وبعدين بقى.
يسمع هاتفه المحمول وهو يرن، أخرج الهاتف من جيبه الخلفي ليرى من المتصل، فيجده عز يقوم بالرد عليه مسرعاً:
الو، أيوه يا عز.
أخبره رعد بما حدث الآن، أمسك داغر الهاتف من يده مسرعاً:
هدير مش بخير يا عز، أنا متأكد، أنا قلبي واجعني عليها.
تعالى حالا عشان نروح لها سوا، ماتروحش لوحدك، أنا مش هفضل مستني تليفونك.
بسرعة يا عز، ماتتأخرش، أنا هستناك على الطريق.
كانت هذه كلماته بعد أن أنهى داغر الاتصال، ثم اردف:
عز في الطريق، أنا هستناه على الشارع، خليك أنت هنا طالما العربية مافيهاش بنزين.
وأيه المشكلة لما أجي معاك؟
أنا عز معايا، خليك أنت هنا عشان غدير، ولو حصل حاجة أوبقى كلمني على تليفون عز.
أسرع "عز" بالنزول من على الدرج وهو يرتدي السترة السوداء الخاصة به منادياً على شريف:
شريف، شريف.
لم يتلقى رد ولم يستطع إيجاده بالڤيلا. قام بالاتصال به ولكن دون جدوى، صعد إلى سيارته بعدما أغلق الباب خلفه متجهاً إلى داغر بأسرع ما يمكن.
هبطت "غرام" من المبنى الخاص بها متجهة إلى عملها لتأخذ إجازة مفتوحة، لتجد "شريف" بانتظارها، ترجل من سيارته مسرعاً فور رؤيته لها. أسرعت "غرام" بخطواتها فور رؤيته. قبض بكفه على معصم يدها يأمرها بالوقوف:
اقفي يا غرام، أنا مستنيكي من الصبح.
عايز إيه يا شريف؟
عايز أتكلم معاكي، عايز أعرف إيه اللي بيحصل.
وده بقي على أساس إنك مش عارف؟
وهعرف منين؟ وإنتي ما بتقوليش ولا إنتي ولا عز بتقولولي على حاجة.
جذبت يدها من يده بقوة ونظرت له نظرة مليئة بالاحتقار. أخذ يطالعها من جديد، ينظر إلى نظرتها له بتمعن حتى أردف:
نظرتك دي وكلامك معايا، كل حاجة متغيره. مش إنتي غرام خالص اللي سبتها يوم فرحها وكانت مبسوطة. إيه اللي اتغير يا غرام؟ قوليلي. أنا عارف إن أنا السبب في خلافك إنتي وعز، بس مش عارف ليه محتاج حد ينطق منكم، حد يحكيلي اللي بيحصل.
أجبرها على التطلع له وهو يسترسل بدموع لامعة بعينيه:
إيه اللي مخبيين أي عني إنتي وعز مخلي حياتكم جحيم بالشكل ده؟
أخبرته وعينيها لا تفارق الأرض:
إنت السبب في كل اللي بيحصلنا. إنت كذاب وغشاش وأنان. كذبت عليا لما قولتلي إنك ما لمستنيش. قولتلي إن إني عذراء وإن كل ده كان لعبة من جابر المنفلوطي وإنك يا حرام مالكش أي ذنب.
أخذت تطالعه وانسدلت إحدى دمعاتها على خديها:
المشكلة إني صدقتك. وروحت زي الهبلة أكشف عند الدكتورة بتاعت المستشفى اللي بشتغل فيها، وطبعاً إنت كنت متفق معاها إنها تقولي إني عذراء ومحدش لمسني عشان الدنيا تمشي وأحط جزمة في بوقي وأسكت وأتجوز أخوك والدنيا تمشي، مش صح يا شريف؟ عملت كل ده ليه؟ إنت حتى ماديتنيش الحق إني أرفض أو أوافق إني أفضل معاكم. للمرة التانية بتخدعني وأنا بقيت زي العبيطة مصدقاك. أنا كل اللي قاهر قلبي إني وثقت فيك وكنت عايزة أعمل مفاجأة لعز إنه هو أول واحد في حياتي واكتشف إني مش عذراء يوم فرحي.
المشكلة إنك عارف كل ده وعامل فيها عبيط يا حرام مش فاهم.
بتر حديثها قائلاً:
لأ فعلاً مكنتش فاهم. أنا معرفش، معرفش أي حاجة من اللي إنتِ بتقوليها. ورحمة أمي تاني وغلاوة عز عندي ما كنت أعرف أي حاجة من اللي قولتيها دلوقتي.
بترت كلماته صارخة برعشة في صوتها:
أنا مش هصدقك تاني لو حلفتلي على الماية تجمد. ماهصدقك مرة تانية خلاص. خلصت يا شريف، كل حاجة خلصت خلاص.
استدارت لكي تستعد للرحيل، فأوقفه هو قائلاً:
غرام استني.
أعطته ظهرها دون النظر إليه:
مش عايزة أشوف وشك تاني، إنت فاهم.
أخذت تخطو لترحل عنه، فتنهد هو بعمق ضاغطاً على أسنانه ثم أمسك بها من معصم يدها يجذبها بداخل السيارة قائلاً:
اركبي.
حاولت فك قبض يده قائلة وهي تنظر له باستغراب:
إنت اتجننت يا شريف، إنت بتعمل إيه؟
اركبي وإنتي تعرفي أنا هعمل إيه.
أنهى جملته بعدما أغلق الباب الأمامي يأخذها بالقوة معه ثم قاد السيارة مسرعاً متجهاً بطريقه.
كانت "ولاء" تقف بالنافذة الخاصة بها تنظر لما حدث بينهما وترى السيارة مبتعدة عنها.
الآن هو وقت الصباح وقد خيم الصمت على الأجواء، وارتفع صوت تضارب الشجر، أمرت "الخالة حكيمة" باحضار طاولة الإفطار من "زهرة" قائلة:
حضر لنا الفطار يا زهرة إنتِ والبنات.
يدخل "يزن وسارة" إلى الردهة ممسكين بأكياس ممتلئة بالخضروات والفول وبعض الجبن، يضعهم على الطاولة التي أمامه وهو يردف:
إحنا فتحنا التلاجة لقيناها متشفّرة، روحت أنا وسارة اشترينا فطار.
ركضت غدير مسرعة إلى الطاولة تفتح الأكياس لتضربها ميرا على ظهر يديها بخفة:
استني لما نغسل الأكل الأول.
أيوه بس أنا جعانة أوي.
قالت "غدير" جملتها وهي تضع يدها على معدتها دليل على جوعها، لتنطق ميرا بحنق:
برضه مافيش أكل إلا لما يتغسل الأول.
أخذت زهرة الأكياس من على الطاولة قائلة:
أنا هحضر الفطار.
دخلت إلى المطبخ تخرج ما بالأكياس لتبدأ بتحضير الفطار، لتجده هو خلفها بلمح البصر:
مش عايزة مساعدة.
انتفض جسدها مفزوعة من سرعته، أخذت نفساً بعمق وهي تنظر له بحنق:
علي خضتني بجد، مرة واحدة لقيتك هنا، مكانش في حد ورايا.
أنا آسف، مكنتش أقصد أخضك. لقيتك دخلتي لوحدك قولت أحضر معاكي الفطار عشان ماتتعبيش.
ابتسمت له ابتسامة بسيطة وهي تضع الزيت بطبق الفول:
أتعب من تحضير شوية فول على شوية جبن، ما إنت معذور ماشوفتش في البلد كنت بعمل إيه.
أخرج الخيار والجرجير من الأكياس ووضعهم بطبق، سائلاً بلطف:
لأ معرفش، قوليلي كنتي بتعملي إيه؟
ردت قائلة:
يـــــوه، ده أنا كنت بصحى قبل ما الفجر يأذن أحلب الجاموسة وأنضف من تحتها وأعلف في البهايم وأنضف بقيت الزريبة، وآخد لبن الجاموسة وأحطه في المنشة.
استغرب "علي" من ذلك الاسم "المنشة"، فقال مستفسراً وهو يمد يده بقطعة من الخيار في فمها:
منشة؟
تبتلع هي قطعة الخيار مسترسلة حديثها:
آه منشة، إنت مش صعيدي ولا إيه؟ منشة دي عبارة عن خوص متربط ببعضه نحط عليه اللبن ونفضل نبث فيها لحد ما تعمل جبنة قريش، ده كان بياخد مجهود كبير ده غير شغل الدار كله.
استدارت لكي تلتقط الطبق بكف يدها لتجده بمكان ما عالٍ، لتقف على أطراف قدمها ولكن دون جدوى. يقف هو خلفها ويمد يده ممسكاً بالطبق ويعطيها إياه، تستدير هي لتجده خلفها ليلتصق جسدها بجسده، تعالت نبضات قلبها وهي تطالعه وتأخذ منه الطبق قائلة:
متشكرة أوي.
أنا اللي بشكر ربنا إنه خلقك.
قال جملته ومازال ينظر لها، فكانت هذه اللحظات بينهما لا تقدر بثمن، ليأتي "ياسين" ويقطع تلك اللحظة بينهما قائلاً:
طيب نجيب اتنين لمون متلج في الحر ده عشان يطري ولا نعمل إيه؟
ابتعدت "زهره" على الفور ممسكة بالأطباق قائلة:
أنا خلاص خلصت أهو، أنا هاروح أحط الأكل على السفرة.
ينظر "ياسين" إلى الأطباق الممسكة بها ليجد بها فول وبعض الجبن ليهتف قائلاً:
إيه ده فول؟ أنا عايز واحد تشيكن فراخ.
تذهب "زهره" ويرها الطبيب علي تبتعد عنه، ينظر لـ"ياسين" وهو يضغط على أسنانه:
كده كسفتها.
لأه..
وانا أعملك إيه وبعدين حد يحب حد الساعة تسعة الصبح؟ طب خليها عشرة، كنا قولنا ماشي.
اشتعل الغضب بعينيه وهو يقول:
هو الحب بالمواعيد؟ انت كمان!
أنا مش عارف بتحب إيه في الولية دي.
نظر له علي نظرة توعد:
ياسين، كله إلا زهرة، ما بحبش حد يتكلم عنها وحش.
ابتسم ابتسامة رضا وهو يطالعه:
بتحبها قد إيه؟
قد ما أنت بتحب بنتها.
يبقى بتعشقها يا خويا، مش بتحبها.
أشار برأسه بالموافقة:
أيوه، حاجة زي كده. مستني لما المعركة تخلص وهتقدملها، مش هسيبها غير على قبرها.
أشار له بعينيه وهو ينظر إلى شمس الواقفة أمامهم تحضر السفره مع والدتها:
علي، كنت عايز أطلب منك طلب.
اؤمرني يا خويا.
لو جرالي حاجة، شمس أمانة في رقبتك. زفها على عمار، أنا عارف إنها بتحبه ومش هتحب غيره في يوم.
رفع حاجبه الأيسر يضم شفتيه:
أنا خلاص استسلمت يا علي، الحب مش بالعافية.
قبض حاجبه باستغراب:
مين بيقول كده؟ ياسين الضبع؟
هز رأسه يسارًا ويمينًا بالرفض:
لأ، ياسين الصاوي.
تغيرت نبرة صوته على الفور:
بس مش معنى كده إني هوافق ياخدها مني وأنا حي. ياخدها وأنا ميت، آه.
بترت كلمته قائلاً:
بعد الشر عنك يا خويا.
الموت عمره ما كان شر، أنا الشر يا علي، مش الموت.
انت اتغيرت أوي يا ياسين.
أشار له بعينيه على تلك الواقفة من بعيد:
شمس غيرتني يا علي. ما فيش غيرها غيرني.
مش هتيجوا تاكلوا بقى ولا هتفضلوا واقفين كده بعيد؟
بترت كلامهما الخالة حكيمة قائلة جملتها ليرد علي هاتفًا:
جايين أهوه يا خالة.
جلست الخالة حكيمة تتوسط السفره وبجوارها غدير، جلس رعد وميرا وأمامهم سارة ويزن، ليأتي بربروس يجلس بجانب ياسين ويجلس أمامهم شمس وعمار. يفتح دكتور علي المقعد لزهره لتجلس عليه ويجلس هو بجوارها. تنظر له بامتنان على ما فعله.
يجلس الجميع باستثناء مارال على الطاولة. نظر بربروس لعمار سائلاً إياه:
أين شقيقتك؟
يميل برأسه ليخبره هامسًا بأذنه:
حاولت أنزلها عشان تفطر معانا بس مارضيتش.
سمعت سارة ما قاله عمار لتقف معترضة:
إزاي يعني مارضيتش؟ كلنا متجمعين، لازم تبقي معانا. دي ما أكلتش حاجة من الصبح. أنا هطلع أجيبها.
وقفت ميرا قائلة:
استني يا سارة، هطلع أجيبها معاكي.
نطق علي قائلاً:
كده ناقص الغريب. هو فين؟
سيب الغريب يا علي، هو مشغول دلوقتي.
مشغول بإيه يا خالة؟
قالها عمار بقلق، فأجابته الخالة بتشدد:
هتعرف بعدين يا عمار.
أتت مارال مع سارة وميرا وجلست أمام بربروس، لتهتف الخالة قائلة:
مش عايزة تاكلي ليه يا بتي؟
أبداً يا خالة، ماليش نفس.
طيب اقعدي عشان نتجمع على الأقل كلنا على سفرة واحدة. كله يسمي الله الأول قبل ما ياكل.
سمى الجميع الله ما عدا عمار ومارال. لتميل شمس برأسها على أذنه قائلة:
قل بسم الله يا عمار.
هز رأسه بالموافقة يصاحبها ابتسامة بسيطة:
بسم الله الرحمن الرحيم.
لتصلب مارال على الطعام وتنطق قائلة:
بسم الأب والأبن والروح القدس إله واحد أمين.
هتفت بجملتها وهي تطالع بربروس وتبادلا النظرات قليلاً، ليبدأ الجميع بتناول طعامه.
عم الصمت على الأجواء لتأتي رسالة على الهاتف الخاص بـ رعد على الواتساب. يقرأها ويبتسم ثم يعود لاستكمال طعامه، لتسأله ميرا قائلة:
الرسالة دي من داغر؟
يهز رأسه بالنفي:
لأ، دي من واحد صاحبي بيسألني فيها عايز حاجة حلوة تكون من خمس حروف بيلعبوا لعبة على الجروب.
ياسين طبعاً، حلو ومن خمس حروف.
رد ياسين بجملته هذه مسرعًا دون تردد، لينظر له عمار قائلاً:
ومين من الناس اللي قالك إنك حاجة حلوة؟
نظر له بكل برود وعدم مبالاة:
مابستناش الناس تقولهالي، أصل أنا الناس.
قاطعت الخالة حديثهم وهي تضرب بيديها على الطاولة بغضب:
ياسين، عمار، عايزاكم جوه بعد ما تاكلوا.
وقفت واستقامت وأعطتهم ظهرها دون النظر إليهم:
وانت يا يزن انت ورعد وعلي وطبعاً بربروس مستنياك معاهم.
دخلت الخالة إلى غرفتها لينظر كل منهم للآخر، لتنطق الطفلة بسخرية:
ما تعرفوش تقعدوا ساكتين أبداً على الأكل زي مخاليق ربنا.
أسكتي انتي يا زبلة.
كانت هذه كلمة ياسين لها "زبلة"، فكان يناديها بهذا الاسم باستمرار. نظرت شمس بجوارها لبربروس قائلة:
أريد استشارتك بشيء ما يا بربروس.
وضع قطع من الجبن بفمه وهو يقول:
بالتأكيد، تفضلي.
إذا كان هناك شخص يعيش على أنه مسيحي ولكنه بالأصل مسلم ولكن لا يعلم، فما هي ديانته الأصلية؟
مسلم بالطبع.
كانت إجابته سريعة لم يتخذ حتى وقت للتفكير.
تنهدت شمس قائلة:
متأكد؟
نعم متأكد، ولكنه مسلم مع إيقاف التنفيذ. معنى أنه لا يعلم بديانته الحقيقية إذن فهو لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يؤدي فرائضه، فبالتالي مسلم اسماً وليس فعلاً.
استغرب يزن من هذا الحديث، انقبض حاجبه قائلاً:
أنا مش فاهم حاجة. انت ناوي تسلم يا عمار؟
ردت مارال مسرعة:
هو مش مسيحي عشان يسلم من الأول يا يزن. أنا دلوقتي بس فهمت ليه أمي سمتك عماي وليه مش بتاخدك معانا الكنيسة وليه أمي أسلمت. دلوقتي بس فهمت إنها أسلمت عشانك يا عماي.
رفع بربروس يده بمرح:
حسناً، فلننطق كلنا الشهادة ولتبدأ حياتك من جديد يا عمار.
يبتسم كل من عمار وشمس لبعضهما البعض، لتنادي عليهما الخالة من الداخل ليقفوا مسرعين جميعاً.
يقف الجميع أمامها تطلب منهم الجلوس وتخبر زهره لتحضر لهم كاسات من الشاي. ينظر لها الجميع بانتباه.
طبعاً، كلكم بتسألوا أنا جمعتكم هنا ليه؟
رد ياسين بثقة:
لأ، أنا عارف.
أخذ عمار يطالعه بتحدي:
وطالما عارف ما تقول.
لأ، ماليش نفس، بحب أوفر صوتي.
أخذت الخالة حكيمة تطالعهما بزهق:
خلاص خلصتوا؟
أشار الاثنان برأسهما بالموافقة، فاسترسلت حديثها:
في اللحظة اللي انتوا بتتناقروا فيها وواقفين لبعض على الواحدة، العربي بيجهز جيش قوي بيسقيه بدمه.
***
خرج حسام من غرفة هدير لينتظره العربي بالخارج قائلاً:
كل حاجة جهزت، مش ناقص غير شمس والسلسلة وبس. موتها هينهي كل شيء.
ابتسم ابتسامة خبيثة:
ماتقلقش، هتيجي. طول ما هدير هنا، داغر هيعمل أي حاجة عشان ينقذها وهيقدملنا شمس على طبق من فضة.
جذب العربي حسام من يده إلى المعمل:
شايف الجيش ده؟ شايف المستذئبين دول كلهم؟ أنا رويتهم بدمي.
أخذ حسام يطالع كم المستذئبين، فهناك عدد لا حسر لهم منهم.
***
استغرب بربروس وانقبض حاجبه:
ولكننا قلاقل على هذا العدد.
ردت الخالة مسرعة:
إحنا أه قليلين بس بيهم كلهم. هما قش ورق مش أكتر. إحنا أقوى منهم، وبوجود ناس معينة معانا هنكسبهم، بس بشرط.
سأل عمار الخالة:
إيه هو الشرط ده يا خالة؟
رد ياسين مسرعًا:
إن شمس ماتموتش.
التفتت الأنظار إليه، فاستغرب هو مما قاله للتو، فقال بكلمات متقطعة:
أنا... أنا مش عارف أنا عرفت إزاي، بس حسيت إن حد بيقول الجملة دي في دماغي.
صح ياسين بيتكلم صح، عشان العربي يبقى أقوى شخص على الأرض وتكمل فك اللعنة لازم شمس تموت، وده اللي لا يمكن نسمح بيه كلنا.
أنهت الخالة جملتها وهي تنظر لهم، لينطق يزن قائلاً:
أيوه، بس تعالوا نفكر سوا. لما نيجي نروح للعربي، هو أكيد مش هيبقى لوحده، هو وحسام. واكيد هيستخدم الجيش اللي عمله لخدمته، حتى لو كانوا المستذئبين دول ضعاف. عشان نوصل للعربي لازم نحارب كل دول، وكمان ماتنسوش إنه عايز يجيب العبقري اللي بتقوله عليه ده إذا ما كانش قدر يجيبه.
لأ، ماتقلقش، مش هيقدر يجيبه من غير السلسلة، والسلسلة مع الخالة في رقبتها.
أنهى علي جملته وهو متأكد مما يقوله.
***
الخالة أكيد عارفة إن بموتي كل شيء هيموت معايا، مع إن أنا لو موت كل شيء هيرجع زي ما كان وهترجع هي عجوز بتموت على سريرها، وكل واحد منهم معاه موهبة هاتروح منه، وأي حد اتحول بعد اللعنة هيموت. عشان كده يا حسام أنا ماينفعش أموت مهما حصل. أنا لازم أبقى أقوى، وبعد كده هموتهم واحد واحد براحتي.
***
دب الرعب بقلب رعد عند سماع ما قيل للتو:
تقصدي إيه يعني لو العربي مات ميرا كمان هتموت؟
مش عايزك تقلق يا رعد، أنا عاملة حسابي لميرا، مش هخليها تموت عشان هخليها تلبس السلسلة، وطول ما هي لابسة السلسلة هتبقى في أمان.
تنهد رعد بعدما تغلغلت الطمأنينة إلى قلبه.
شرد يزن بتفكيره قليلاً:
برضوا احنا ناسيين الرصاص مابيأثرش فيكم وبتقدروا تقوموا منه وجرحكم يلم، وبكده أنا ورعد وعز مش هيبقى لينا لازمة وهنعرض حياتنا للخطر بدون أي داعي. لكن لو قدرنا نوفر السم اللي اخترعه الغريب اللي اتحقن بيه علي ونملى مسدساتنا بيه على هيئة حقن كده هنقدر نموت كم كبير من المستذئبين.
رفعت الخالة حاجبها الأيسر:
ودي برضوا حاجة تفوتني؟ نادي على الغريب يا علي.
جاء الغريب ومعه كمية من السم بيده يتكلم كعادته بكلماته المتقطعة:
أنا... أنا جه... جهزت... كل... كل شيء.
رفع ياسين كف يده وأشار للغريب:
كفاية انت كده يا غريب، عرفنا انت تقصد إيه؟
عادت الخالة تسترسل حديثها من جديد:
السم موجود وكل شيء جاهز، ومن بكرة الصبح هاخد شمس لمكان ما يعرفهوش بني آدم علشان تبقى في أمان ونخلص من العربي.
سيبولي أنا حسام.
استغرب الجميع مما يقوله داغر، لتطلب منهم الخالة بهدوء الخروج جميعاً، ليتركوهما بمفردهما قليلاً.
***
يخرج الجميع بالفعل ويبدأ الغريب بالأنسحاب، فيسمع ياسين صوت شيئاً ما يهتز بجيبه، يضع يده على جيبه ليطفئه مسرعاً، ويظهر الأرتباك على ملامحه. يشعر عمار بشيء ما غير طبيعي ليتحرك خلفه دون أن يراه، ليذهب خلفه بهدوء، ليجد ياسين يقف أمام نافذة الغرفة الخاصة بالغريب، يضع إصبعه على فمه حتى لا يصدر أي صوت، ليسمع كل منهما الآخر الغريب وهو يتحدث بالهاتف قائلاً:
أيوه... أيوه يا عربي بيه، كل... كل شيء ماشي تمام. أنا هحطلهم السم في الأكل كلهم ما... ما عدا شمس زي... زي ما اتفقنا. ولو... لو ما قدرتش خطة هدير شغالة. داغر قال إنه...
انه هيسلمك شمس
ينظر كلاً من عمار وياسين بعضهما البعض والصدمه تعتلي ملامحهم فيضغط ياسين على شفتيه بحده قائلاً
ده انا هخرب بيته
____________________
حاولت اختصر كتير بس في تفاصيل لازم تتقال وهتعرفوا ده بعدين اتمنى البارت يكون عجبكم الحرب ان شاء الله البارت اللي جاي بس تفتكروا هيحصل ايه وداغر فعلا هيسلم شمس للعربي ولا لاء ده اللي هنعرفه البارت الجاي ان شاء الله وياترى مين االلي هيكسب الحرب
ابق قريبًا من جديدنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!