حينما تعجز عن التقاط أنفاسك، حينما تعجز عن شعورك بالأمان من المقربين إليك، حينما تشعر بضيق العالم من حولك، عندما يهرب منك دفء جسدك، حينها فقط أعلم أن روحك قد ماتت بداخلك ولم تعد تستطيع أن تشعر بشيء ولم تعد ترغب في شيء غير أن يمر يومك فقط بسلام. "ده أنا هخرب بيته."
كانت هذه كلمات "ياسين" الأخيرة وهو يتبادل النظرات مع "عمار" ينصتون إلى ما قاله "الغريب" منذ قليل عبر الهاتف لـ"العربي". اندفع "ياسين" للتحرك لكي ينقض على "الغريب"، ولكن هناك من وقف أمامه يمنعه عن فعلته المتهورة، أنه "عمار". وقف أمام "ياسين" تعتليه نظرة تحدي على ملامح وجهه الصغير، ملامح بريئة توضح مدى صغر سنه. نظر "ياسين" إلى ملامحه بتمعن، فهذه هي المرة الأولى التي ينظر إلى ملامحه من قرب. وجد تلك الوَحمة الصغيرة بداخل خصلات شعره، كاد يفقد صوابه، بل كاد يجزم أنه رأى هذه الوَحمة من قبل، فهذه الوَحمة مميزة، ولكن قد خانته ذاكرته فلم يستطع معرفة أين رآها. شرد قليلاً في ملامحه حتى أفاقه صوت "عمار"
يطالعه باستغراب: "سيبهولي أنا، أنا هعرف أتصرف معاه." انكمش حاجب "ياسين" بعدم فهم بعدما فاق من شروده: "هو مين ده اللي أسيبهولك؟ "الغريب، سيبلي الغريب بلاش تتهور، أكيد في سبب للي عمله." أنهى "عمار" جملته وهو يراقب "ياسين" بعينيه، يراه يضع يده على جبينه وخانته قدماه فخر أرضاً ممسكاً بجبينه وأطبق عينيه وكأن باب الذكرى المدفونة بداخله انفتح من جديد، فكان مجبراً على سؤاله: "أنت كويس يا ياسين؟
قابل سؤاله بالصمت، فكانت تراوده في هذه اللحظة ذكرى أخرى من جديد، يرى بداخل عقله وميض أبيض يأخذه معه ليرى ما بداخله: "كانت ليلة ممطرة وهناك فتاة عشرينية تحتضن طفل رضيع، أنهكه صراخه المستمر من شدة الجوع، ترتجف من البرد تدق باب كوخ بسيط بكل قوتها والدماء تسيل من بين أقدامها، تنادي باسمه بصوت ضعيف أنهكه التعب قائلة: "أفتح ياياسين، أفتح أنا عارفة إنك جوه."
لم تجد هذه الفتاة المسكينة رد على سؤالها، جلست على الأرضية باستسلام تحتضن ذلك الرضيع بقوة تستكمل حديثها: "أنا بموت ياياسين، بموت ومش عايزة ابني يموت معايا، ابننا مالوش ذنب في أنه يطلع للدنيا يلاقييني أنا أمه وأنت أبوه."
مرت دقائق ولكنها مرت عليها كالدهر، لم تستطع أن تضم وليدها أكثر بداخل صدرها فخانتها ذراعها، لم تستطع أن تحمله أكثر من ذلك، أصبحت عيونها كالجبال من ثقلها، وضعت الصغير بحذر بجوارها وقطرات المطر تبلل كلاهما، فقدت وعيها بجانب صغيرها، أخذت تتعالى صرخات طفلها أكثر فأكثر دون جدوى. بعد ثوانٍ قليلة بدأ "ياسين" بفتح باب الكوخ الصغير ينظر إلى الطفل الرضيع باستغراب، بدت على ملامحه نظرة عدم معرفته، وبالرغم من ذلك حمل الفتاة بين ذراعيه وأدخلها بداخل الكوخ هي وطفلها وأغلق الباب من خلفه."
مع غلق الباب، أغلق باب ذكرياته من جديد، حاول مراراً وتكراراً أن يتذكر ما الذي حدث بعد ذلك ولكن دون جدوى. جلس "عمار" القرفصاء يسأله عن حاله: "أي اللي جرالك ياياسين؟ فيك إيه؟ رفع "ياسين" وجهه لتلتقي عيناه مرة أخرى، نظر "عمار" لعينيه ليجدها حمراء كالدم، نظر إليه بصدمة والذهول تمكن من ملامح وجهه سائلاً إياه باستغراب: "أنت ألفا!! رد عليه بما هو بعيد تماماً عن سؤاله صارخاً بوجهه: "سيبني دلوقتي."
أنهى "ياسين" جملته بصراخ عالٍ، وقبل أن يرمش لـ"عمار" جفن لم يجده أمامه، فقد أثره في ثوانٍ معدودة. تجمع الجميع على صرخته، وكانت "الخالة" هي أول السائلين: "في إيه يا عمار؟ حصل إيه وفين ياسين؟ "معرفش." كان هذا هو جوابه، كان جواباً مليء بلا مبالاة بسيط ومختصر، مما زاد غضب "الخالة" من ردة فعله، مما جعلها قائلة: "وعشان أنت ماتعرفش روح وراه واعرف؟ أشار بأصبعه على صدره: "أنا يا خالة." كان ردها حازم: "وماتجيش غير بياسين."
"أيوه بس مش معنى أنا، أنا أصلاً... بترت هي كلمته من جديد: "واعتراض تاني منك مش هتبقى منا." صك هو على أسنانه بعدما أخذ نفساً بعمق: "اللي تشوفيه يا خالة، بس الغريب... "سيبلي أنا الغريب، أنا عارفة كل شيء." أشارت "الخالة" بعينيها لعمار لكي يتتبع "ياسين"، فما كان عليه سوى الطاعة وتنفيذ ما أُمر به. طالعت "الغريب" بعدما رحل "عمار" قائلة: "تعالى معايا يا غريب، عز وداغر مستنينا جوه." نطق "بربروس" وهو يطالع "الطبيب علي":
"ما الذي يحدث لياسين ياعلي؟ فقد عرف القلق طريقه لقلبي من جهته." تنهد "علي" يستعيد بعضاً من ثباته المفقود وهو يقول بنبرة ثابتة: "ماتقلقش يابربروس، كل حاجة هتبقى كويسة، كل حاجة هترجع زي الأول وأحسن." رأى "بربروس" القلق بعينيه، ولكن أخذ يؤكد على كلامه: "أواثق أنت مما تقول ياعلي، فنبرة صوتك غير مطمئنة بالمرة." هز كتفيه دليلاً على عدم تأكده:
"والله ما أنا عارف يا شيخ عجوه، أهو كلام بحاول أصبر نفسي. ياترى فعلاً كل شيء هيبقى كويس ولا لأ، مش عارف، يا ويلي من اللي هيحصل بعد المعركة." هما الآن في الغرفة الكبيرة وكان في انتظارها الجميع. فتحت باب الغرفة ودخل من بعدها "الغريب". نظرت "الخالة" من حولها لكل فرد منهم وهم يقفون يداً واحدة، فقالت:
"داغر حكالي من شوية إنه راح بيت هدير لقى حماه مدبوح وهدير مش موجودة في البيت، وحسام سايبله رسالة مكتوبة بالدم عشان هدير ترجع لازم نسلم شمس والسلسلة في نفس الوقت، وأنا أخدت قراري." طالعها الجميع بانتظار قرارها الصارم: "أنا شايفه إننا هنسلم شمس والسلسلة عشان خاطر هدير."
طالع الجميع بعضهم إلى بعض، تتلاقى نظراتهم وكان الصمت سيد الموقف، ولكن نظراتهم كانت بها من الكلام ما يكفي لسنين قادمة، أسئلة تدور بداخل عقولهم ليس لها إجابة. بترت "زهرة" الصمت بحديثها: "أنتِ بتقولي إيه يا خالة؟ وتهون عليكي بتي؟ عايزة تسلمي بتي للعربي بإيديكي؟ ماتنطق ياعلي أنت هتسيبهم ياخدوا بتي؟ رد دون تردد ولو للحظة: "أنا واثق في الخالة يازهره، الخالة مابتخدش قرار إلا وهي عارفة هي بتعمل إيه." ابتلعت
ريقها وارتفعت نبرة صوتها: "يعني إيه؟ يعني أسيب بتي تموت؟ علم "يزن" أن الجدال سيزيد التعقيد، رفع كفه مقاطعاً يطلب الحديث، فصمت الجميع استماعاً لقوله، فأشارت الخالة برأسها له قائلة: "قول يايزن، عايز تقول إيه؟ أنا بتعجبني دماغك." لفت "يزن" أنظار الجميع له، فمط شفتيه ثم أردف:
"إحنا لازم نسلم شمس عشان نقدر نقتل العربي ونمنعه إنه يجيب العبقري الزمن بتاعنا عشان مانرجعش نعيد الحكاية من جديد. طيب هو العربي هيسيبنا نقرب منه بسهولة؟ أكيد لأ. بموته كل شيء أتحول بعده هيموت." دب الرعب بقلب ميرا من جملة يزن، فنطقت سريعاً: "تقصد إيه؟ يعني أنا هموت؟ أمسك رعد بكف ميرا ونظر لها نظرة حنونة: "أكيد لأ، الخالة مش هتسمح بكده، هي وعدتني إنك هتلبسي السلسلة وهديهالك وطول ما أنتِ لابساه مش هتموتي أبداً."
نزعت كلماته جزء من القلق الذي امتلكها للتو، فردت الخالة قائلة: "شيلي الخوف من قلبك يابتي، إحنا كلنا هنا إيد واحدة. كمل يايزن، كمل كلامك." أكمل يزن حديثه: "العربي عنده جيش من المستذئبين، أكيد هيحمي نفسه بيهم."
"وهيبعد هو عن المعركة، بس الوحيدة اللي هتخلينا نعرف مكانه هي شمس عشان لازم هو اللي يقتلها بإيديه، وإحنا هنسلم شمس جهاز يبقى معاها نعرف منه طريق العربي، وبكده ياسين وعمار هيبقى عينهم عليها، وما أفتكرش يازهره إن لا ياسين ولا عمار هيسمحوا أبداً إن شمس يمسها شيء." ردت شمس موافقة على كلامه ممسكة بكف والدتها لتطمئنها قليلاً: "لا تخافي يا أمي، فأنا بأمان معهم، أنا على يقين من ذلك." استرسل يزن حديثه: "أما بقى عن حسام...
قاطعه "داغر" فور سماع اسم أكثر شخص يمقته بالحياة: "سيبلي أنا حسام ده ليا أنا." رد عز قائلاً: "وأنا الجزار ده مسؤوليتي." أشار يزن بيده: "كده كويس. أما عن المستذئبين التانيين فدي مهمتي أنا ورعد وبربروس وميرا وعلي وطبعاً الخالة. أنا عارف إن عددهم كبير، كبير أوي عشان كده محتاجين كل شخص معانا." أردفت سارة قائلة: "وإحنا روحنا فين؟ أنت نسيتني أنا ومارال ولا إيه؟ دعمت "مارال" حديث "سارة":
"سايه عندها حق، ولا أنت مش بتؤمن إن الميأه مش زي اليجل؟ رد بربروس مسرعاً بلهفة: "أنا اعترض." نجح في جذب انتباه الجميع له بكلمته، فتوتر هو من نظرات البعض له، فنطق كلماته بتقطع: "أنا أعني، أنهم لا يستطيعون القدوم معنا، فنحن لا نعلم ما الذي سوف نواجهه هناك، وأنتم نساء ليس لكم باليد حيلة." رفعت مارال رأسها فتقابلت عينها بعين بربروس: "تقصد يعني إننا ضعاف ومالناش لازمة؟ "لم أعنِ ذلك."
كانت هذه كلمته، فردت هي عليه باستهجان وكأنها تحاول رد جزء بسيط من كرامتها عندما أخبرته بحبها ولم ينطق بحرف واحد: "لأ أنت تقصد، ولو ماتقصدش فعلاً يبقي ياريت ماتتكلمش." أحرجته أمام الجميع وعلم هو ما بداخلها، فصمت ونظر لها نظرة دليل على لومه لها، فأشاحت بوجهها محاولة ألا تنظر إليه من جديد. "خلاص خلصتوا كلام؟ كانت هذه جملة الخالة بعد أن انتهى عراكهم، فاسترسلت حديثها:
"إحنا فعلاً محتاجين كل شخص معانا هنا في الأوضة، عشان كده مارال وسارة هيبقوا معانا، وماتقلقوش عليهم، هما هيبقوا بعيد. الأيام اللي فاتت الغريب ويزن كانوا شغالين على مادة السم اللي كانت في جسم "علي"، قدرنا نجمع منها كمية كبيرة وهتبقى في مسدسات بحقن، هنعلمهم إزاي يقدروا يصوبوا على المستذئبين من بعيد."
"القرية اللي إحنا هنواجه العربي فيها دي قريتي وقرية زهره وعلي وياسين، القرية دي عشنا فيها سنين وحفظناها شبر شبر، ماتقلقوش، كل شيء معمول حسابه. هنرجع تاني أخيراً بيت الصاوي اللي الضبع أخده وسماه على اسمه وقتل عيلة ياسين وعلي فيه، وهنتخلص من العربي واللي زيه، وهنقدر نرجع قريتنا من جديد." "أيوه بس اللي أنا مش فاهمه...
هذه كانت جملة "عز" بعدما بتر كلام "الخالة"، فنظر الجميع له بارتباك، لم يبد أي اهتمام بمقاطعته لكلام "الخالة"، فأكمل حديثه: "اللي أنا مش فاهمه ليه انتوا هترجعوا ضعاف من جديد بعد ما العربي يموت؟ لاحظ "علي" نظرات "الخالة" المحملة باللوم لـ "عز"، فأردف قائلاً:
"بموت العربي اللعنة هتتجدد من جديد لأن هو اللي فكها، ولو اللعنة اتجددت يعني هنضعف، ممكن مش هيبان على شكلنا قد ما هنفقد قوتنا وكمان موهبتنا، أي حد عنده موهبة هاتروح وهنبقى ضعاف ومحدش فينا هيقدر يحول حد، واللي هيتحول هيموت من الآخر، كل حاجة هترجع زي ما كانت والبشر هتعيش في أمان." ابتسم عز ابتسامة تظهر له الامتنان، فأردفت الخالة: "كله يجهز، هنتوكل على الله بعد صلاة الفجر." نطق الغريب بكلامه المتقطع كالعادة: "و...
وانا.. وانا.. مش.. مش ليا لازمة معاكم. أنا عملت.. كل.. كل حاجة طلبتيها مني يا خالة. أنا.. أنا عايز.. أروح لأولادي. ابتسمت الخالة له، فطالعته قائلة: أنت فاكر إن العربي صدق إنك معاه وهتبيعنا عشانه؟ رفع الغريب نظارته على أنفه وبدأ بالتوتر: أومال.. ليه.. ليه خلتيني أت.. أتصل بيه.. وأقوله إني.. إني عايز.. أكون معاه؟
علشان ما يقتـلـش مراتك وأولادك يا غريب. لو ما كنتش كلمته كان هينتقم من مراتك وبنتك وهيسيب ابنك بس عشان العبقري يتولد. لكن بمكالمتك لي هو حط احتمال واحد في المية إنك ممكن تبقى معاه. فبقى على حياة عيالك، ولو ما بقيتش معاه مش فارقة. هو كده كده هيقتـلك لو ما كسبناش المعركة. ابتلع ريقه بتوتر، فقد زادت كلماتها ارتباكه: شوف اللي وراك يا غريب. وكلهم هنا معاك. جهزوا الأسلحـ ـة والحـ ـقن والمسد سـ ـات.
غادر «الغريب» وهو يطلب من «يزن ورعد» مرافقته للأسفل. استعد «داغر» للمغادرة. فـ ربّتت «الخالة» على كتفه تطمئنه قليلاً: مراتك بخير وهترجعلك هي وابنك. بس مش جواها هترجعلك وهي شيلاه ما بين أيديها وخدها. كلمة مني من الخالة اللي عايشة بقالها سنين طويلة. أنت دلوقت بقيت أب. لو اكتبلك عمر جديد بعد المعركة، خد مراتك وارتاح وعيش في أمان واربي ابنك تربية طبيعية بعيد عن كل ده يا داغر.
أشار برأسه بالموافقة وغادر، يتبعه عز فهو يعلم مدى جر حه الآن. هو الآن يبحث عنه بكل مكان بداخل المزرعة ولكنه لم يجد له أثر. ذهب للخارج، ركز قليلاً، وأغمض عينيه وأخذ نفس عميق ليلتقط رائحته. وهذه هي المحاولة الأولى له لألتقاط رائحة «ياسين». فوجدها نفس رائحة جسده. انكمش حاجبه باستغراب، ظن أنه التقط رائحة نفسه هو. فرفع طرف كمه إلى أنفه ليستنشق رائحته هو. وجدها نفس الرائحة، فرائحة كل منهما مطابقة للآخر. حتى وجده يقول:
بتشم نفسك ليه؟ انفزع «عمار» من نبرة صوته وأخذ نفسه بعمق ونظر للجانب الآخر. وجد «ياسين» يجلس بجانب الشجرة الكبيرة وأمامهم ترعة صغيرة. اقترب منه خطوة ووقف بجواره حتى يلتقط رائحته مرة أخرى. وكيف يكون لهما هما الاثنين نفس الرائحة؟ أجاب عليه بغير ما بداخله: أصل بحبني أوي. وأنت مالقيتش حتة تحب فيها نفسك غير جنبي؟ جلس «عمار» بجانبه وهو ينظر أمامه. فطالعه «ياسين» بتكبر: أنا من رأيي ما تقعدش جنبي!! حك بأصبعه
جبينه مع ابتسامة صفراء: ومن إمتى العبيد كان ليها رأي؟ أخذ «ياسين» يطالعه بعدما صك على أسنانه من الغضـ ب. فابتسم «عمار» ابتسامة انتصار ظهرت بجانب شفايفه قائلاً: بتبصلي كده ليه؟ هتصورني؟ تؤ.. هصور قتيل. أنهى «ياسين» ببرود تام. فطالعه «عمار» بتحدي: أنت آخرك كلام، وكلام فاضي كمان. ابتسم «ياسين» ابتسامة سخرية مما قاله وهو يشير برأسه يجاوبه بسؤال بعيد عما قاله: تعرف ماهو أعظم سد في التاريخ؟
كمش «عمار» حاجبه باستغراب مما قاله ولكن فضوله حثه على السؤال: إيه هو؟ أن تسد فمك اللعين. أشار «عمار» بأصبعه مع ابتسامة سخرية: وانت صدقت نفسك إني جاي أتكلم معاك بمزاجي. عارف إنك مجبور، بس مع عدم احترامي ليك أمشي. تنهد عمار بغيظ. أخبره وهو يبتعد عنه خطوات قليلة:
أنا همشي، بس قبل ما أمشي عايز أقولك إنك أنت أخر حد ممكن أتكلم معاه. إحنا آخرنا مع بعض معركة بكرة وبعد كده كل حاجة هتبقى خلصت وهترجع مالكش لازمة من جديد. هترجع ضعيف وشمس هاخدها منك. وهنتجوز وهنبقى سوا يا «ياسين» باختيارها مش غصب عنها. عارف ليه؟
عشان هي بتحبني أنا.. وعمرها ما حبيتك في يوم مهما حاولت تأثر فيها. مش هتعرف ولو لـ 100 سنة قدام. الحب اللي زرعته جواها بعمرك اللي عيشته واللي هتعيشه في يوم. حبي ليها كفيل إنها ما تنسانيش عمرها كله. كانت كلماته تنزل على قلبه مثل الصاعقة. كل كلمة قالها «عمار» صحيحة وهو يعلم بأنها صحيحة. أدار «ياسين» ظهره له، يتكأ على الشجرة بيده تظهر على ملامحه الضعف وقلة الحيلة. فاسترسل «عمار» حديثه قائلاً:
لو عشت بعد المعركة فأنت هتموت من الحزن وأنا هعيش في سعادة جنبها وده وعد مني ليك. أغلق «ياسين» عينيه من الحزن ليجد دمعة على جبينه. فقد اعتصر قلبه بكلماته. استدار يطالعه ليتبين خطوته التالية وأجاب بما بداخله: خللي بالك منها، دي بنتي اللي ربيتها، وحبيبتي اللي حبيتها، ومراتي اللي اتمنتها. أنا واثق إنك حبيتها وهي من حبك ليها أصبحت حبيبها.
وقف «عمار» مكانه بعدما كان يستعد للرحيل. أدار له وجهه بعدما سمع كلماته. فاسترسل «ياسين» حديثه: ما فكرتش للحظة واحدة إني أنا كان ممكن أمسحلها ذاكرتها وأخليها تنسى إنها تعرفك في يوم. وأنت عارف كويس أوي إني أقدر أعمل ده، بس معملتوش. عارف ليه؟
عشان عارف إنها مش هتبقى سعيدة معايا قد ما هتبقى سعيدة معاك. اللي بيحب حد بيفضله عن نفسه حتى لو مش هيبقى معاه. عشان كده قولتلك خللي بالك منها. ووعد مني بكرة أنا هحميك قبل ما أحمي نفسي عشان أنت الأقرب لقلبها مني. تنهد «عمار» بعمق لصدق كلمات «ياسين». فقد أدرك حب ياسين لشمس، فحبه أعمق وأصدق بكثير. في لحظة لم يجده أمامه وقد رحل. صك «عمار» على أسنانه محاولاً التقاط أنفاسه. كان يجلس خلف المقود.
يقود سيارته بسرعة جنونية. أمسكت هي بيدها مقبض الباب تحاول النزول من السيارة. فأغلق هو صمام الأمان وضغط على فرامل البنزين بقوة. فوقف بالسيارة ينظر لها بغضب، مما جعل نبرة صوته بها شبه من العصبية قائلاً: "أنت اتجننتي يا غرام؟ عايزه تنزلي من العربية وأنا سايق؟ حاولت فتح الباب وهي تقول: "افتح الباب ده ياشريف." "مش فاتح يا غرام، مش هفتح غير لما تتأكدي أني ماليش ذنب في اللي حصلك. اديني فرصة حتى أثبت لك أني بريء." نظرت
له تطالعه بعصبية بالغة: "وأنت عايز تأكد لي ليه حاجة أنا متأكدة منها؟ "علشان أنا مظلوم وأنت مابتوقعيش ظلمك عليا، أنت بتظلمي أخويا معاكي. أخويا اللي ماحبش حد قد ما حبك. أخويا اللي غير دنيته وكيانه عشانك. خليكي معايا للآخر ولو ما طلعتش مظلوم واني فعلاً اغتصـ ـبتك أنا هسلم نفسي وهتحاكم على اللي عملته يا غرام." انكمش حاجبها وهي ترى صدق كلامه في عينيه. بدأت تسترخي من جديد. فضغط هو على البنزين بقدمه وأكمل طريقه من جديد.
هل هذا كثير عليها؟ كثير على فتاة تحملت العديد والعديد منذ رؤيته ودخول بيته المرعب. وكأن العالم أجمع على عدم راحتها. لم يستطع عقلها استيعاب أن ما يحدث لها الآن هو أمر واقع.
هي الآن تجلس بغرفة مبطنة بالحديد. كان هناك إضاءة خافتة تأتي من الخارج عن طريق بضع فتحات صغيرة من بين قضبان الحديد المتواجدة على النافذة. تشعر بانقباضات داخل أحشائها. للوهلة الأولى شعرت بأنها مجرد تقلصات عادية تحدث لها، ولكنها لا تعلم بأنها آلام ما قبل الولادة. فكل شيء جديد وغريب عليها يحدث لها الآن وهي وحيدة. سمعت صوت يأتي من الخارج، صوت هي تمقته كثيراً. نعم، فهو صوت "حسام" ابن عمها يتمتم بكلمات لا تستطيع تمييزها من بعد المسافة بينهما. ولكنها استطاعت أن تميز اسم "داغر" من بين كلماته. وضعت يدها أعلى بطنها، حاولت استجماع نفسها. قامت تسير بحرص في اتجاه النافذة لتسمع ما يقوله "حسام" وما الذي ينوي فعله. شكرت قدمها على تحمل السير وهي في حالتها هذه،
لتسمعه يقول: "إحنا هانروح القرية إمتى؟ خلاص مفيش وقت." حاولت رؤية الشخص الذي يقف أمامه ولكن دون جدوى، فظهره هو الواضح أمامها. رد عليه "العربي" قائلاً: "هنبدأ نتحرك حالا، لازم نكون موجودين قبلهم." فأكمل حسام حديثه بتردد: "هو... هو إحنا هناخد هدير معانا؟ أقصد إنها تعبانة وحامل وكمان ممكن يجرالها حاجة هناك. أنا بقول نسيبها هنا يعني أحسن." وصل إلى مسامعه سؤاله الذي وجد به شيئاً من الضعف أو الحب لا يعلم. لذا سأله بخبث:
"بعد كل اللي عملته فيك ده يا حسام، لسه بتحبها؟ ابتلع ريقه محاولاً الهروب بنظراته: "إيه اللي جاب سيرة الحب والضعف؟ أنا بس بقول." بتر "العربي" كلماته بعدما قبض بيده على رقبته، قبضة محكمة كأنها أفعى قررت أن تضغط على فريستها بإحكام:
"أنا اخترتك ما بينهم عشان أنت الوحيد اللي حسيت أن مفيش حاجة ممكن تضعفك. شوفت الشر جواك، بحثت عن أي ذرة خير مالقيتش. لقيت الحقد والغِل مالي قلبك عشان كده اخترتك تبقى معايا ودراعي اليمين. سبت الأقوى مع إنك الضعيف وخليتك تبقى معايا، بس لو حسيت ولو للحظة أن ممكن البت اللي جوه دي تضعفك وتقلل من كرهك وحقدك وشرك مش هتردد لحظة في أني أقطعها حتت بسناني قدامك يا حسام، أنت فاهم؟
أصبح وجهه أحمر كالدماء بل وأشد حمرة بسبب عدم وصول الأكسجين إليه. فكانت قبضة "العربي" محكمة كقبضة الأفعى لفريستها. كاد يفقد الوعي. فرفع "العربي" قبضته عنه. خر في الأرض يمسك برقبته يحاول ملء رئتيه بالأكسجين. جلس "العربي" القرفصاء أمامه قائلاً: "جهز البت اللي جوه دي، اللي بالمناسبة هي مرات داغر وأم ابنه وسابتك وراحتله."
رحل من أمامه و"حسام" يراه يبتعد عنه. نظر أمامه وجدها تنظر من النافذة. أبعدت ناظرها بسرعة وحاولت العودة إلى مكانها. وقبل أن تجلس وجدته أمامها في لمح البصر: "يلا عشان هنتحرك." "حسام هانروح فين؟ كان يفك وثاقها دون رد منه. "رد عليا يا حسام، هانروح فين؟ حسام أنا تعبانة، أنا باين عليا بولد، ارجوك طلعني من هنا." ضغط على أسنانه وأمسك بمرفقها بعنف:
"أنت السبب، أنت اللي وصلتينا لكده يا هدير، منك لله. كنت زماني في شغلي لسه ظابط زي ما أنا. كان كل حلمي أنك تبقي مراتي في يوم. أرجع من الشغل ألاقيِك مستنياني بأكلة حلوة بضحكة مرسومة على وشك." انهمرت الدموع من عينيه وتحولت نبرة صوته إلى نبرة بها من الحنان ما يكفيها: "أسألك عن أطفالنا تقوليلي أنا أكلتهم ونيمتهم على السرير عشان نسهر أنا وأنت براحتنا. أنا ما أكلتش عشان ناكل سوا، وتبقى الفرحة مش سيعاني." رفع
سبابته يمسح دموعه برفق: "ونروح يوم الجمعة لعمي ومرات عمي اللي ربوني نتغدى سوا، ونلعب أنا وعمي شطرنج زي زمان وتيجي وتشجعيني. تخيلي أن كل أحلامي كانت بس بتدور حوليكي. جيتي أنتِ هديتي كل آمالي. مكنتش عايز حاجة من الدنيا غير نظرة رضا منك، بس انتي فضلتِ داغر عني." اعتلى الغضب ملامحه عند ذكر اسمه واستكمل حديثه: "فضلتِ الأعمى ده عني؟ عشان إيه؟ عملك إيه؟ أنا هوريكي، أنا هخليكي تشوفيه بعينك وهو بيتقطع قدامك. تعالي معايا."
جذبها خلفه من مرفقها بعنف فصرخت هي من الألم: "أنا بولد، الوجع في بطني رهيب، أنا هموت يا حسام." أخذ يطالعها بقلق والخوف يملؤه. ابتلع ريقه ينظر لها بحيرة: "أنت متأكدة أنك هتولدي؟ أشارت برأسها بالإيجاب. فاسترسل حديثه: "أنتِ محتاجة حد معاكي عشان يولدك." ابتلعت ريقها وأشارت له برأسها بالإيجاب والدموع تنهمر على جبينها: "وأنا هجيب لك اللي يولدك." تركها وغادر الغرفة في الحال. تركها تتألم في صمت تواجه كل شيء وحيدة تماماً.
مر الكثير من الساعات وغابت الشمس وراء السحاب وبرز احمرار الغروب. كانت هناك نسمة منعشة تلامس وجهك. تستطيع سماع تطاير أوراق الشجر من حولك ورؤية النجوم مرصعة بالسماء. جاء هو ليجلس بجوارهما من جديد يحاول دفن ألمه بداخله. تنهد عند رؤيتهما سوياً يرسم البسمة على وجهه الحزين. مد "ياسين" كف يده بمشروبه المفضل بعدما أصبح يلازمه دائماً قائلاً وهو ينظر إلى وجهه العابس: "مالك مكشملنا وش رجلك ليه يا شيخ عجوة؟
رفع "بربروس" رأسه فتقابلت عينه بعين "ياسين". نظر له نظرة تبث عما بداخله من توتر وقلق ونظر أمامه من جديد. هز "ياسين" كتفيه بلا مبالاة ومد كف يده إلى ذلك الجالس بجواره: "تاخد أنت يا علي." مد الطبيب "علي" كف يده بابتسامة زادت من وسامته: "هات." أشار "ياسين" بعينه على الطرف الثالث بينهم وهو يرتشف من مشروبه: "ما عرفناش برضوا ماله ده." أجابه الطبيب "علي" وهو يشمئز من ذلك المشروب الذي أعطاه له منذ قليل: "إيه القرف ده؟
إيه البتاع ده؟ ابتلع "ياسين" ريقه وهو يمد كف يده ويتحدث بحنق: "هات أنا غلطان. تصدق خسارة فيك الشيري كولا ده. أنت مش أخويا يا علي." أبعد "الطبيب" يديه وهو يحاول بلعه: "لا... لا خلاص هشربه. أهوه أي حاجة نشربها في الحر ده." نظر "علي" إلى "بربروس" الصامت مرة أخرى وتوجه بحديثه إليه: "بص أنا عارف أن سكاتك ده وراه مارال. فانت قولنا كده إيه اللي حصل مابينكم؟ وضع "بربروس" وجهه بين كفيه وقد تملك الحزن من ملامحه قائلاً:
"لقد اعترفت مارال لي بحبها هذا الصباح." اعتلت البسمة وجه الطبيب مردداً: "قالت لك إيه؟ أقصد يعني اعترفت لك إزاي؟ مال "بربروس" بعينيه لـ "الطبيب علي" مع ابتسامة لطف: "كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء." ارتشف "ياسين" من زجاجته وانكمش حاجبه عند سماع جملته وهو يشاور بسبابته يحاول استجماع ما قاله للتو: "صرتاحبي؟ " إزاي يعني مش فاهم؟ ضرب الطبيب "علي" "ياسين" بمرفقه بلين:
"يابني افهم، هي تقصد أن هي كانت فاكرة أنهم صحاب بس بعد كده صار حبها من الآخر 'صرت حبي'." أشار بأصبعه على باطن يده بإصرار: "أيوه ماشي بس فين الألف؟ أنا عايز الألف. أكلت الألف يا شيخ عجوة، ده حتى عيبه في حقك." صك "بربروس" على أسنانه ينظر لـ "ياسين" بغيظ: "فليلعنك الله وما همك أنت من حرف الألف. يكفي أنها حاولت أن تتحدث بلغتي." وقف "ياسين" أمام "بربروس" الجالس أمامه وكلامه يظهر به السخرية:
"لالالا، مسمحلكش معلش، كله إلا لغتنا الأم مانغلطش فيها ولا ننسى حرف من حروفها أبداً. هو يعني حرف الألف ده مالهوش صاحب يدور عليه؟ رد "الطبيب" عليه بلا مبالاة: "سيبك منه يابربروس كمل وبعدين عملت إيه؟ جلس "ياسين" مرة أخرى ولكن هذه المرة جلس بجوار "بربروس" أشار بعينيه له: "ماتنجز يا شيخ عجوة؟ "لم أستطع قول شيء، لم يكن ببالي شيء أستطيع قوله في هذه اللحظة وهذا ما يقهرني." ارتشف القليل من مشروبه المفضل قائلاً بجدية:
"كنت قولتلها 'يا أحلى البشر والشين قاف'." ضحك "الطبيب" بصوت مرتفع لم يستطع تمالك نفسه قائلاً وضحكاته تظهر في كلامه: "أو كنت قولتلها كنت أظنك مقرب حتى تبدلت الميم عين." علت ضحكاتهما هما الاثنان سوياً. مد "ياسين" كفه لـ "للطبيب" فضرب كفه بكف آخر وهما يبتسمان معاً قائلاً: "لا حلوة، دي أجمد. أهوه أنت دلوقتي طلعت أخويا بحق وحقيقي يا بيضا."
قاطعهم "بربروس" وقد اشتعلت ثورته من "ياسين" ومن "الطبيب علي" أيضاً. فنظر لـ "ياسين" قائلاً: "اتعلم أنك إنسان سيء للغاية." فرد "الطبيب" مدافعاً عنه: "ما تقولش كده يابربروس." فدعم "ياسين" ما قاله "بربروس": "لا أنا إنسان سيء فعلاً، هو ما كذبش."
تبادلا النظرات وعم الصمت الأجواء. انمحت البسمة من ملامحهم ببطء عند رؤيتهم لمدى جدية "بربروس". ألقى "ياسين" الزجاجة من يده بعيداً بعدما أدرك من ملامح "بربروس" التي ارتسمت عليها الحزن أهمية الموقف. وضع ذراعه على كتف "بربروس" بحب بعدما اعتلت الجدية وجهه قائلاً: "لا تكن قفاشاً ومحراجاً يا سيدنا." نظر له بربروس نظرة بعدم رضا فابتسم هو قائلاً: "للدرجة دي هي مهمة بالنسبالك؟ ابتلع "بربروس" ريقه وتنهد لتخرج كلماته مع تنهيدته:
"نعم.." وضع الطبيب علي ذراعه على كتف بربروس بحب: طيب ومستني أيه؟ دور عليها وقولها اللي جواك وافتكر أنك عارف كويس إنه يجوز جدا إنك تتزوج مسيحيه. ضربه ياسين بكتفه بلين: يلا اتحرك مستني أيه؟ ماتسيبهاش تضيع من إيدك. ابتسم بربروس لهما هما الاثنين فأكمل حديثه: أتعلمان؟ ما الحسنه الوحيدة اللي فعلها العربي في مسيرته المسيئة؟ رد ياسين قائلاً وهو يضع يده في جيبه الخلفي: اكيد إنه عرفك عليا، دي حاجة معروفة يعني.
ابتسم بربروس وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً: أيّها اللعين! مع قبح وجهك هذا، ولكن كلماتك صحيحة. ابتسم الطبيب لهما هما الاثنين: انت أخونا التالت يا بربروس. رد قائلاً: أنا أحبكما. ابتسم ياسين ابتسامة سخرية: لا يا عم، ماليش في الألوان. انكمش حاجب بربروس باستغراب: ماذا؟ رد الطبيب مسرعاً: لا أبداً، مافيش. سيبك منه وروح شوف مارال. رحل بربروس ليستدير كلٌ من ياسين وعلي ليجدوا الخالة أمامهم فأردف ياسين بقوله:
أي يا كوكي مش تقولي أي حاجة كده بدل ما تجيبلنا ساكتة تقلب بجلطة في الركب. جلست الخالة وهي تنظر له: مش ناوي ترجع تقولي ياما من جديد؟ جلس ياسين بجوارها يضرب كتفه بكتفها بلين: مش لايقة خالص كلمة ياما على شكلك الجديد، وبعدين ده إنت أصغر مني. جلس علي بجوارها من الجانب الآخر فاسترسلت هي حديثها: وحشتني قعدتنا مع بعض يا ولادي، بقالنا زمن ماقعدناش القعدة دي. رد علي وعيناه تطالع ياسين بثبات:
ساعات كتير كنت بتمنى نتلم تاني من جديد. أكملت الخالة: للدرجة دي أنا شخص مؤثر في حياتكم؟ ضربته الخالة بخفة على رأسه: بطل نرجسية يا ياسين، بس إنت بتتكلم صح، إنت فعلاً كنت مؤثر في حياتنا كتير. فسألها هو سؤاله التالي: أنا ليه كنت بقولك بأمي وأنت مش أمي الحقيقية؟ ردت الخالة: عمرك ما ندهتني بأمي، دايماً بتقولي ياما، وبعدين إنتوا عيالي. "حتى لو البطن ما شالتكوش، القلب حضنكم وقفل عليكم يا ولدي."
واليوم اللي هترجع تندهلي فيه بإسم ياما من جديد هيبقى بالنسبالي عيد. ابتسم علي بعدما تنهد ينظر إليها بامتنان فأخذته هي في حضنها لتضمه إليها، تفرد ذراعها الآخر لتضم ياسين، ولكنه استغرب مما حدث للتو قائلاً وهو يهز رأسه بالنفي: لا، ماليش في العلاقات المحرمة أنا. ضحك الثلاثة معاً فوجد تلك الصغيرة تقترب منهما، ابتسم لها بلطف يجلس القرفصاء أمامها ليصل إلى مستواها: آه، الزبلة جت أهه. ظهر الحزن على ملامحها فأنمحت
البسمة من على وجهه ببطء: مالك وشك مكرمش ليه؟ ردت الطفلة: هي هدير فعلاً حسام خطفها؟ نظر خلفه إلى الخالة التي كانت تطالعه هي الأخرى فأشارت له بعينيها أن يجيب على سؤالها فأجاب عليها بما هو بعيد تماماً عن سؤالها: إيه رأيك لو أسألك سؤال، لو جاوبتيه صح هقولك هدير فين بالظبط. أشارت الطفلة برأسها بالإيجاب متحمسة لسؤاله فأردف هو قائلاً: لو معانا سبع كراسي ومعانا عشر أطفال، هنعمل إيه عشان نخلي عدد الكراسي قد عدد الأطفال؟
استغرب كلٌ من علي والخالة سؤاله فجاءت إجابة الطفلة بعدم تأكيد مما تقوله: هنجيب تلات كراسي تانيين. قال ياسين: غلط، هنـ ـتل تلاتة، احنا لسه هنجيب كراسي. أنهى جملته وقف واستقام ينظر لها بثقة: إنت كده جاوبتي غلط وعشان كده مش هجاوبك على سؤالك، بس بكرة لما تلاقي هدير رجعتلك وبقت معاكي هي هتجاوبك بنفسها وهتقولك هي كانت فين. أجابت الطفلة بفرحة تملأ وجهها: يعني بجد هدير هترجع؟ أشار برأسه بثقة:
أكيد هرجعها لك، وعايزك ماتنسيش، هتجيبي كراسي لو بقيتي في مشكلة. أشارت الطفلة برأسها بالنفي: لو هتجيبلي هدير هبقى قوية وهقـ ـتل التلاتة. ابتسم ابتسامة رضا: حبيبة قلب ياسين والله. ترجل من سيارته يفتح باب السيارة لها يجذبها من مرفقها بلين قائلاً: انزلي يا غرام. وكان جوابها كالتالي: مش نازلة. جذبها بقوة من ذراعها وأغلق باب السيارة، أبعدت هي يده عنها بقوة: سيبني خلاص، هاجي معاك.
ترك شريف مرفقها لينظر خلفه ليتأكد من مجيئها، دق باب صديقه مازن المقرب له، فتح صديقه باب منزله فلكمه على وجهه بشدة، وقع أرضاً مغشياً عليه، قيد يديه وقدمه بالحبال، وكانت تقف معه غرام مذهولة مما يحدث: بتعمل إيه ياشريف؟ أدار رأسه يطالعها وهو مازال يستكمل تقييد صديقه: بربطه زي ما أنت شايفه. قالت غرام: شريف أنا مش فاهمة حاجة. أجابها: دلوقتي هيفوق وهنفهم إحنا الاتنين سوا.
ذهب شريف إلى المطبخ بعدما قيد مازن بالحبال جيداً وأتى بزجاجة كبيرة من الماء ألقاها بوجهه، فاستعاد صديقه وعيه وهو يشهق مما حدث، نظر لهما بعدما أفاق سائلاً: إيه يا شريف، أنت بتعمل كده ليه؟ أجاب والبرود ملازم لملامحه: إنت اللي هتقولنا دلوقتي وحالاً، أنت عملت كده ليه؟ ابتلع ريقه بعدما سحب نفساً جاهد في التقاطه: إنت عرفت؟ أشار برأسه بالإيجاب فرد هو مؤكداً:
أنا عملت كده ياشريف عشانك، كنت وقتها ضايع ومضايق، كنت بدور على العيال اللي اغتصـ ـبوا غرام معاك دي بأي طريقة، ماكنتش بنام ولا باكل ولا بشرب لحد ما لقيتهم، ولما طلبت مني إني ألاقييهم أنا ما اتأخرتش وجبتلك عيل منهم هنا، فاكر ياشريف؟ أشار شريف بأصبعه بحركة دائرية: وبعدين كمل، إيه اللي حصل لما جبته هنا؟ أجاب مازن:
اتكلمت معاه قبل ما إنت تيجي، والعيال دي طلعت غلابة ياشريف، إضحك عليهم من جابر المنفلوطي زي ما أضحك عليك بالظبط، دي عيال صغيرة ومستقبلهم كان هيضيع، ووقتها لو كانت غرام عرفت إنك اغتصـ ـبتها فعلاً، مكانتش هترضى تتجوز أخوك وأنت كنت هتحس إنك السبب وكانت هتبقى مشكلة كبيرة. انكمش حاجب غرام سائله: يعني إيه؟ يعني شريف هو اللي اغتصـ ـبني فعلاً؟ أجاب مازن:
أيوه هو اللي اغتـ ـصبك، بس هو مكانش في وعيه، جابر المنفلوطي أمر والعيال دي تحطله مخـ ـدر عشان يحصل اللي حصل، ولما مسكت عيل منهم لاقيتهم غلابة عايزين يعيشوا مش أكتر، يعني أكتر واحد كان هيضر فيها هو شريف. لكمه شريف على وجنته بقوة: انجز، أخدت كام؟ تألم بعدما صك على أسنانه: ٢٥٠ ألف، أخدت ربع المبلغ اللي المنفلوطي اداهولهم، ولما أنا اتصلت بيك وجيبتك والواد كان هنا اخترعنا عليك حتة إنك مغتصـ ـبتهاش، وبكده الكل يكون فرحان.
سأل شريف: طيب والدكتورة؟ كانت غرام تسأله والرجفة تظهر على شفتاها فرد هو على سؤالها: لااا، دي سهلة، إحنا عارفين بتشتغلي في أنه مستشفى وأكيد هتكشفي فيها. أديناها اللي في النصيب عشان تقول اللي إحنا عايزينه، وبكده الكل بقى مبسوط. أنتِ رديتي تتجوزي عز، وشريف الذنب اتشال من عليه، والعيال دي مادخلتش السجن، وشريف ماتحبسش، وأنا أخدت اللي فيه النصيب. ما هو كده كده شريف مكانش في وعيه، وأنا عملت كده عشانه.
امسك شريف به بغيظ بعدما قبض يده يستعد لضربه من جديد، فأوقفته غرام عن فعلته. كفاية كده يا شريف، أنا خلاص عرفت الحقيقة. فتحت الباب تستعد للرحيل، فجذبها هو من مرفقها قائلاً: غرام استني، أنا مكنتش في وعيي اليوم ده، أنا كنت ضحية مؤامرة دنيئة عملها جابر عشان يوقع أخويا، ياريتني كنت مت ولا إني أشوفك وأشوف أخويا بتتعذبوا بسببي في يوم. نظرت له غرام والدموع تملأ عينيها، جاوبته بكل تلقائية:
ياريتك كنت مت وقتها، أنا مش عارفة أعمل إيه، وأتصرف إزاي، مش قادرة أشوفك قدامي وأنت دمرتني، وأرجع أقول غصب عنك نفسي آخد حقي منك ومش عارفة. رحلت تبعد عن ناظره، يراها تبتعد عنه. أوقفت تاكسي حتى وصلت إلى منزلها، نزلت أمام منزلها لتجد من يضعها بالسيارة عنوة ويأخذها من أمام المنزل. ظلت تصرخ كثيراً، فضربها على رأسها ضربة أفقدتها الوعي تماماً.
ذهب هو يحاول البحث عنها بكل مكان، حتى وجدها تحضر علبة الحقن وتحاول فتح الصندوق الخاص بها، ولكنها لا تستطيع، فكان الصندوق محكم الغلق. فوجدته أمامها وفتح لها الصندوق بكل سهولة. تبادل بربروس ومارال النظرات قليلاً، فارتبكت هي قائلة: شكراً. انكمش حاجبه باستغراب سائلاً: من أجل ماذا؟ أدارت ظهرها له، تنحني لتلتقط ما بداخل الصندوق بيديها: عشان فتحتلي الصندوق. ابتسم هو بعدما أشار برأسه وهو يقول: على الرحب والسعة.
حاولت تركه وترحل لاستكمال ما تفعله، ولكنه وقف أمامها من جديد يحاول التكلم معها: أريد التحدث معك لدقائق قليلة. قاطعته هي: بيدقوس، صدقني مفيش حاجة تتقال. تركته لتستكمل ما كانت تفعله، ويراها تبتعد أمام ناظره، فارتفع صوته قائلاً: ماذا لو أخبرتك بأنني أشتاق إليك كل ليلة، وأنك لا تفارقين عقلي، وأني لا أشعر بالحياة إلا بوجودك.
استطاعت كلماته أن تلمس قلبها، وتوقفت قدماها عن الحركة. ظلت ثابتة مكانها، أغلقت عينيها تستشعر مذاق كلماته التي اخترقت قلبها دون استئذان. شردت لثوانٍ بعدما عرفت البسمة طريق شفتاها، ثم فاقت من شرودها، حاولت عدم الانخراط فيه. انمحت البسمة من على وجهها ببطء، ثم استدارت له لتصبح أمامه من جديد قائلة: ما ينفعش يابيدقوس، ماينفعش أنت مسلم وأنا مسيحية و... بتر كلامها قائلاً: فديني يسمح بالزواج... قاطعته هي قائلة:
لكن ديني أنا اللي مقتنعة بيه ما يسمحش، ولا الكنيسة هتوافق في يوم، وأنا مش هتنازل عن دين المسيحية مهما حصل، حتى لو كنت... توترت بكلماتها الآتية، فتنهدت قائلة: حتى لو كنت بعزك. اقترب منها خطوة واحتضنت عينيه عيناها، يرتوي من ملامحها الصغيرة. ارتسمت البسمة على شفتيه، فزادت من وسامته، فوجد قلبه يقول حروفاً يترجمها لسانه إلى كلمات: "يؤمن العقل بعقيدته ويعشق القلب من عقيدة غيره، فقد أحبك القلب يا بهجة القلب". وضع
يده على خصلات شعره بحنق: رباه، لقد أحبك القلب بصدق. خفق قلبها بشدة عند سماعها جملته، تلألأت الدموع بعينيها. فرحت عند سماع جملته وحزنت أكثر عندما أدركت مدى حبه لها وهي لا تستطيع أن تجاريه في مشاعره. مسحت دموعها من على خديها قائلة: أنا لازم أمشي. كان قرارها حاسماً، مما جعله يقول: لا أعلم ما الذي سيحدث بالغد، ولكن أريد أن أوصيك بشيء، فربما تكون هذه المرة الأخيرة التي نتقابل بها يا مارال.
"فليشهد الله أني أحببتك، فإذا نمت وغابت النون فالدعاء وصية بيننا يا أخت عمار". ابتلعت ريقها وتنهدت دون النظر إليه، مكملة سيرها، ليقول هو بداخله: تباً للبشر. كانت تقف بعيداً، نسمات الهواء تداعب خصلات شعرها. أغمضت عيناها لتملأ رئتاها بنسمات الهواء الباردة المنعشة. فتحت عيناها من جديد لتجده أمامها. تغلغل التوتر إلى قلبها، مما جعل ياسين سائلاً: خوفتي؟
ابتلعت ريقها تحاول تهدئة نفسها، فقربه منها يزيد من توترها ونبضات قلبها. ابتسمت ابتسامة تحاول فيها إخفاء توترها قائلة: ومم أخاف؟ كان جوابه سريعاً وهو يقترب منها خطوة ليصبح أمامها: من قربي منك، أو ممكن من اللي هيحصل بكرة، ومن اللي هيحصل بعد اللي هيحصل بكرة. ولكني متأكدة من فوزك، طالما وضعت يدك بيد عمار سوف نفوز بالتأكيد. تحدث ياسين موافقاً على كلماتها: أنت عندك حق، أنتوا هتفوزوا، بس أنا في الحالتين هخسر.
انكمش حاجبها باستغراب، فلم تستطع فهمه بجملته الأخيرة. وهو لم يستطع كبت ما بداخله أكثر من ذلك، لمعت الدموع بعينيه، كل كلمة بداخله تحدث بها نابعة وصادقة من قلبه: مالك مستغربة ليه؟ أيوه يا شمس، في الحالتين أنا اللي هخسر، في الحالتين أنا اللي هموت، لو مامتش في المعركة، فهمت، لو فزنا، مش هقدر أتحمل لو شوفتك بعد ما نفوز يبقى هو أول واحد تجري عليه وتترمي في حضنه، في الحالتين هموت يا شمس.
وضع أصابعه بين خصلات شعره ينظر بالاتجاه الآخر، يحاول إخفاء دموعه حتى لا تراه وتلمس نقطة ضعفه. عارفة المشكلة في إيه؟ أغلق عينيه ووجد دموعه تنهمر منه أمام عينيها بغير رضاه، استسلم لقلبه أخيراً وطاوعه عقله قائلاً: المشكلة إني مش قادر أفضل أحبك. ولا قادر حتى أكرهك، حاولت، حاولت أكرهك كتير بس معرفتش.. ماقدرتش.
أنا مش عايز حاجة منك، أنا بس كل اللي عايزه إني ما أحسش بحاجة تجاهك، قلبي واجعني، مش عايز أفكر فيك، ولا عايز أهتم بيك، ولا عايز أحبك، أنا مش عارف أعمل ده إزاي، مش عارف أكرهك إزاي، أوعي تفتكري أني ما حاولت، حاولت، وحياة ربي حاولت.. حاولت أشيلك من قلبي ما عرفتش، ياريتني ما كنت شوفتك ولا دخلتي بيتي في يوم.
كانت تطالعه باهتمام زائد، فكل كلمة نطق بها الآن كانت صادقة، من صدق كلماته النابعة من صميم قلبه لامست كلماته قلبها، وجدت الدموع تلمع بعينيها، حاولت إخفاء ملامح وجهها ولكنها لم تستطع، فلامست دموعها خديها. كانت هناك لحظات صمت بينهما، فنظرات عينيهما أعظم من الكلمات الآن. كسرت هي صمتهما بقولها هذا: انساني ياياسين. قالت كلماتها وهي تسمع صوت تحطيم قلبها، فدعم هو قوله بقولها ممسكاً بمرفقها بعنف: أنا عايز أنساكي بس إزاي؟
لازم تساعديني عشان أنساكي، ساعديني، أنا كسرت نفسي قدامك ألف مرة، ولسه بكسر نفسي تاني وأنا واقف قدامك بترجاكي. "الروح تعبت من الرفض ياشمس". لحد ما كرهت نفسي، وكرهتك، وكرهت الدنيا كلها، كرهتك عشان وصلتي للي أنا فيه دلوقتي، أنا حتى مش عارف عشقتك ليه؟ فاستكمل حديثه قائلاً: "وإن سألني أحدهم لماذا أحببتك لهذه الدرجة وأنا ورب العزتي لا أعلم سوى أنني وجدت روحي فيك". أدار ظهره لها يستعد للرحيل، فنطق لسانها
حروف اسمه دون أن تشعر: يـــــاسـيـن. تحدث دون أن ينظر لها، فكان الأمر أشبه بشعور طفل أبكم، أغلق الباب على يده ولم يستطع الصراخ، فرد قائلاً: أي كلمة هتقوليها بعد اللي قولته هعتبرها شفقة وأنا ما أقبلش أن حد يشفق عليا بحبه في يوم، من بعد المعركة أوعدك ووعد الحر دين، مش هتشوفيني تاني يا شمس. وعد ياسين لم يكن بأي وعد، فعندما يوعد يوفي، وكان هذا الوعد، الوعد الثقيل على قلبه. هي مارال جابت الصندوق اللي بره ولا لسه؟
كانت هذه جملة يزن للواقفين أمامه. نظر أمامه يبحث بعينه عليها، حتى أردفت سارة: لسه ما جاتش من بره، أنا بعتها تجيبه. فسألت ميرا قائلة: أنت متأكد أن احنا ممكن نفوز بكرة فعلاً يايزن؟ أشار برأسه بالنفي على سؤالها: والله مش عارف ياميرا، بس على الأقل هنحاول، هنحاول نعمل كل شيء في إيدينا ونسيب الباقي على ربنا. أشارت ميرا برأسها تدعم قوله، فاقترب يزن من سارة قائلاً: مش ناوي تعقلي بقى وما تجيش معانا بكرة؟ أخذ رعد يطالعهم،
فنادى على ميرا: ميرا عايزك بره ثواني. رحلت ميرا معه، فاستكمل يزن حديثه مع سارة: بلاش ياسارة تيجي بكرة معانا، أنا مش هتحمل لو جرالك حاجة. فردت هي عليه بقوله بعدما جلست على الأرضية تربع قدمها: ولو أنت جرالك حاجة تفتكر أنا اللي هتحمل؟ وبعدين بقولك إيه، نعيش عيشة فل يا نموت إحنا الكل، إيه رأيك بقى؟ أنطق هو كلماته سريعاً:
بعد الشر عليكي من الموت، أنت هتعيشي لحد ما يبقى عندك ١٠٠ سنة وهتبقي عجوز كركوبة في سريرك وحوالينا أحفادنا بيتنططوا حوالينا، وأنت مش هتبقي طايقة نفسك وتقوليلي ابعد عني العيال دي يايزن، ما أنت هتبقي كبيرة بقى ومش متحملة. ابتسمت هي تضربه بخفة على يده: ياسلام، وأنا هكبر لوحدي وأنت مش هتكبر يعني؟ ما أنت هتكبر وهتبقى عجوز وكركوب قد كده كمان. "العجز في قربك، ولا الشباب في بعدك ياسارة". ابتسمت هي بخجل، لاحظه هو:
الضحكة دي يا كووتي يا خلااصي يا جماله. احمرت وجنتيها أكثر قائلة: بطل بقى يايزن، بس تعرف إنك عسل أوي وجميل أوي. فرد هو يغمز لها بطرف عينيه: "ده جمالك ياسارة هو اللي محرك الستارة ونافخ في السيجارة ومحير العمارة". ردت هي معترضة على جملته السابقة: لالا... بطل أي القرف ده سيجاره وعمارة وستارة. بطل، يايزن. "طب والله حلوة يا سارة." "لأ وحشة أوي، وبعدين خلينا نتكلم جد شوية." تنهدت هي قائلة:
"أنا بجد آسفة يا يايزن، أنا مش عارفة إزاي ضيعت الوقت ده كله في بعدك، إزاي ما حسيتش بيك وبحبك من زمان." نظر بجوارها ممسكاً بكف يدها: "تحت رجلك الوقت اللي ضاع واللي بيضيع واللي لسه هيضيع، فداكي الدنيا بناسها وهمومها يا سارة." "كنتي فين يا شمس؟ كان هذا سؤال "عمار" لها بعدما تعب في البحث عنها. مسحت هي دموعها سريعاً حتى لا يراها، فسألها برفق: "أنتِ كنتِ بتعيطي؟ حد زعلك؟ في حد ضايقك؟ هزت رأسها تنفي ما يقوله:
"لأ، لم أكن أبكي من سبب معين، بل طرفت عيني لا أكثر." لم يصدق كلمة مما قالته، فسألها سؤالاً آخر: "أنتِ خايفة من بكرة عشان هتيجي معانا صح؟ أنا مش عايزك تخافي، المرة دي أنا بقيت أقوى من الأول بكتير يا شمس وهعرف أحميكي منهم، وهقتل العربي وهنرجع بكرة كلنا مبسوطين. عارفة إيه أول حاجة هعملها أول ما نرجع؟ نظرت له تحاول أن ترسم البسمة على شفتيها: "لأ أعرف." قالها سريعاً:
"هتجوزك، هنتجوز ونبعد عن أي مشاكل ممكن تحصلنا في يوم، هنخلف عيال كتيرة وكلهم هيبقوا بنات وكلهم هسميهم شمس." نظر إلى الأرضية فوجد رباط الكوتشي مفكوك، فانحنى وهو يذم شفتيه يربط لها رباط الكوتشي: "رباطك يا شمس." ابتسمت ابتسامة عريضة من كلمته هذه قائلة: "بعد يوم الغد سأحاول تعلم ربطه الكوتشي منك." فرد عليها هو يطالع ملامحها البريئة: "وأنا لما أرجع من المعركة هطلب أيدك من مامتك."
كان الجميع مشغولاً بما يفعله إلا هو، فالقلق ينهش من قلبه، يتمنى مرور الساعات بفارغ الصبر. شعر وكأن الدقائق تمر ببطء كبطء سلحفاة عاشت من الزمن ما يكفي لتقف مكانها دون حراك. فنطق "عز" قائلاً: "حاول تهدّي نفسك يا داغر، أنا متأكد إن هدير بخير، عمره ما هيعمل فيها حاجة."
"أنا حاسس إن هيجرالي حاجة يا عز، عايز أتحرك بس عمايا مخليني واقف مكاني مستني أمر حكيمة، مش عارف أتحرك من غيرها. أنا معرفش حتى فين القرية اللي بيقول عليها الزفت اللي اسمه حسام. مش عارف أعمل إيه، حاسس إن إيديا متكتفة، إزاي أسيبها وأنا عارف إنها بتتألم، دي بتكرهه، بتكره حتى سيرته، إزاي أسيبها معاه طول الوقت ده شيفاه قدامها." رد عليه عز قائلاً وهو يحاول تهدئته قليلاً: "طيب إيه رأيك؟
إيه رأيك لو نفكر شوية، ما هو برضه عصبيتك دي مش هتفيد بشيء." رد على كلامه بسؤال آخر: "الساعة كام؟ قدامنا قد إيه على الفجر؟ نظر "عز" في ساعة يده: "الساعة دلوقتي... بتر "بربروس" كلامه بدخوله عليهم الغرفة: "أذان الفجر سيؤذن بعد قليل، هيا فلنتوضأ جميعاً ونصلي الفجر حاضراً، ندعي الله عز وجل حتى ينصرنا عليهم بإذن الله." ذهب بربروس لياسين ليجده يجلس وحيداً، فسأله: "ألم تسمع أذان الفجر وهو يؤذن؟ تنهد وأخذ نفسه بعمق:
"آه سمعته." جلس بربروس بجانبه: "حسناً، هيا لنصلي سوياً." "أيوه بس... أمسك بكف يده يجذبه خلفه قائلاً: "صلاة الفجر يا يايزن، هيا أيها العاق." شروق يرتدي لون النقاء بعد عتمة الليل، فيبث أنفاسه بنسمات تبعث في الروح أملاً بأن القادم أجمل بإذن الله.
كان الكل يستعد ليتوضأ ويصلي الفجر، أجواء جميلة تحدث بينهما وكأنهم عائلة تجمعت من بعد غياب. الكل يتوضأ، النساء ترتدي ملابس بيضاء، يرتدون الحجاب الأبيض على رؤوسهم، والرجال تستعد للوقوف في الصفوف الأمامية، يترأسهم بربروس يصلي بهم صلاة الفجر. ما أجمل صوته في تلاوة كلمات الله عز وجل، يقول:
"يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا" وفي هذه اللحظة وعندما قال "بربروس" الله أكبر، ركع الجميع لكي يدعي بما داخل قلبه، حتى سلّم وانتهى من صلاة الفجر. رفع يده ليدعو ربه وأخذ يدعي والكل من خلفه يؤمن من خلفه:
"اللهم ارحمنا، وخذ بيدنا ولا ترجعنا إلا ونحن منتصرين." الجميع من خلفه بصوت واحد: "أمــــين." وفي هذه اللحظة أشعلت مارال شمعة تضم كفيها وهي مغمضة العينين تدعي الله عز وجل قائلة: "أبانا الذي في السموات، تمجدك كل الطغمات، نصرخ إليك في الضيقات، يا أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك يا معين، وليتبارك في كل حين." واجعلها سنة حصاد يوسف بعد تعبه وراحة أيوب بعد صبره. الجميع من خلفه: "أمـــين." مازالت مارال تدعي رب العالمين:
"ارحم عبيدك الخاطئين، كما في السماء كذلك، على الأرض أنت السيد المالك، نج عبيدك من المهالك، يا أبانا نج بربروس من هذه الضيقة ورجعه سالماً غانماً." أغلقت عيناها ونفخت من روحها في الشمعة. وسلّم بربروس يساراً ويمينًا، وسلّم الكل من بعده يستعدون جميعاً للمعركة. تحرك الجميع يصعدون إلى السيارات، ولكن بدون الغريب وزهرة، تاركين الطفلة معهم. ليجد عز شريف يصعد بجانبه إلى السيارة، فاعتلت الصدمة على وجهه: "شريف إيه اللي جابك؟
"وإنت تفتكر ولو للحظة إني ممكن أسيبك لوحدك؟ أنا في كتفك يا عز." ابتسم عز لشريف بامتنان، ليتحرك الجميع باتجاه القرية. وجدت نفسها بغرفة مظلمة، تحاول أن ترى ما حولها ولكنها لا تستطيع بسبب القماشة السوداء التي تغطي وجهها. نزع القماشة من على وجهها ينظر لها باشمئزاز، فدب الرعب بقلبها عند رؤيته: "إيه شوفتي شيطان يا غرام؟ ده أنا حتى ملامح وشي تستحق تبقى بصمة لكل ضائع."
أخذت تدمدم بكلمات لا يفهم معناها بسبب ذلك اللاصق على شفتيها، فنزع هو اللاصق بقوة فشعرت بالألم الشديد على شفتيها مما جعل صرخاتها ترتفع: "كنتي بتقولي حاجة يا غرام؟ صكت على أسنانها بغضب عارم: "إنت عايز مني إيه؟ أدار لها ظهره يتكلم ببرود: "مش أنا اللي عايز." أزاح الستارة بيده وأشار بأصبعه على تلك الموجودة هناك: "شايفة اللي موجودة هناك دي، هي دي اللي عايزة، مش أنا." اعتلت الصدمة ملامح وجهها قائلة: "هدير."
كانت الشمس تتوسط السماء تبث أشعتها الحارقة بكل مكان. دخلوا هما من جهة الصحراء، طريق لا يعلمه سوا حكيمة و"ياسين" قبل أن يفقد ذاكرته. وقف "العربي" أمام منزل "ياسين" ينظر لهذا المنزل بابتسامة سخرية، يتذكر ما حدث بهذا المنزل قديماً باجتماعه هو والضبع والمهدي. ينظر لنفسه نظرة انتصار، فهو الناجي الوحيد بينهم الآن. أدار وجهه لجيشه الذي صنعه حديثاً، قائلاً:
"القرية دي كانت قريتنا زمان والبشر أخدوها مننا، احتلها عيلة الصاوي، بس دوام الحال من المحال. من اللحظة دي هنبيد أي حد من عيلة الصاوي، اللي فاضل منهم هرب، واللي باقي منهم هنقتله. اللي هيحصل النهارده مش هيحصل تاني في يوم، عشان هيحصل مرة واحدة بس." بدأت "حكيمة" بتوزيع الأدوار عليهم جميعاً: "البسوا دي." كانت الملابس التي توزعها عليهم عبارة عن عباءات سوداء بها عشبة القصيص حتى لا يشم "العربي وحسام" رائحتهم. وزعت
الأدوار عليهم كالتالي: "مارال وسارة، زي ما علمتكم إزاي تطلعوا الشجر العالي هتطلعوه دلوقتي." اعتلت كلا من "مارال وسارة" شجرة عالية بعيدة عن القرية ومعهما قناصات بها من الحقن ما يكفي على ظهورهما. فأشارت للبقية بيديها: "ميرا، بربروس، علي، ياسين، داغر، عمار، إنتوا معايا جوه المعركة. ياسين وعمار من اللحظة دي مهمتكم العربي، إنتوا أيد واحدة." "شريف، عز، رعد، يزن." "هتبقوا جوه البيوت الفاضية اللي قدامكم."
أشار الجميع برأسه بالموافقة وكل منهم اتخذ مكانه على حدة. ذهبت حكيمة يتبعها الآخرون، يتوغل كل منهم بداخل الواقفين يتخذ مكانه على حدة، فيستكمل العربي حديثه: "بعد ما نكسب معركة النهارده اللي أكيد هنكسبها ونقطع أعدائنا لقطع بأظافرنا، عايز أقول لكل واحد فيكم إن العالم هيبقى ملكنا، مش هيبقى ناقصنا شيء."
ارتفع هتاف الموجودين في الأرجاء، بينما يتوغل داغر بينهما هو وحكيمة وياسين وعمار والأخرين على حدة، يستمعون لما يقوله العربي، ينظرون هنا وهناك بحذر، فأستكمل العربي حديثه: "إنتوا عارفين المشكلة في إيه؟ إن اللي بيحاربونا مننا، من دمنا، عايزين يقطعوا نسلنا، دول مش من أهلنا، دول أعدائنا ولازم يموتوا ونقلع جذورهم من أرضنا، مايستاهلوش نقول عليهم من جنسنا." فهتف الجميع وارتفع الصياح موافقين على ما يقوله العربي.
نظر "العربي" إلى جهة اليمين يوجه كلامه إليها: "خيبتي يا حكيمة ومابقاش ليكي عازه خلاص، لو افتكرتي للحظة إن عشبة القصيص مش هتخليني أشم ريحتك بعد ما اللعنة اتفكت فتبقي عبيطة، مابقاش في حاجة تقف قدامي خلاص." أتجهت جميع الأنظار من المستذئبين جهة اليمين ينظرون للخالة. فاستكمل العربي حديثه ووقف بجانبه حسام والجزار داعمين له:
"أنا شامم ريحة كل واحد فيكم حتى لو مكنتش شايفكم، إنتوا دخلتوا النار برجليكم، بس ماجيبتوش الشمس معاكم عشان كده." أشار العربي بعينيه إلى حسام، فجاء بغرام وهدير الممسكة ببطنها بألم شديد قائلاً: "هدير بتولد يا داغر، هستمتع بتقطيع ابنك بعد ما أمص دمه." نظر عز إلى غرام وقد اعتلت الصدمة وجهه، فهذا هو آخر مكان ممكن أن يراها فيه. حاول أن يخرج من المنزل المهجور هذا، ولكن منعه كلا من رعد وشريف:
"اهدأ يا عز لسه الإشارة ماجتش، ماتبوظش كل حاجة." أنهى شريف جملته وصك عز على أسنانه من الغضب محاولاً تهدئة نفسه من جديد. وضع حسام أظافره على رقبة غرام، والعربي وضع أظافره على رقبة هدير، فسالت دماءها من بين يديه، فاستنشق جميع المستذئبين دمها، فقال العربي: "دي آخر مرة هطلب منك فيها إنك تسلمني 'شمس' يا داغر، وإلا بعد كده هسيبها ليهم."
دخلت "شمس" من بين الجميع مرتدية القلادة، دخلت دخول مميز، وكلما تحركت خطوة يفسح الجميع لها المجال. فوقفت أمام العربي بينها وبينه مترين تقريباً، تضع السلاح على رأسها: "أنا أمامك بكامل إرادتي ولن أسلمك نفسي قبل أن تتركهما معاً." ابتسم العربي على هذه الخدعة التافهة، ولكنها نجحت بجذب انتباهه لها. فتحرك "ياسين" و "عمار" بين الحضور يحاولون الاقتراب منه، كل واحد منهم من جهة، يقتربون ببطء حتى لا يلتقط رائحتهم سريعاً:
"وإنت بقى عايزة تفهميني إنك فعلاً هقتلك نفسك؟ فردت عليه بثقة مبالغ بها: "نعم، وأنت تعلم جيداً أني قادرة على فعلها." اذا مت أنا على يد أي شخص هنا غيرك سيمتلك هو القوة وستصبح أنت الضعيف. نظر المستذئبين لبعضهم البعض بحيرة. أحقا ما تقولينه صحيح؟ فأستكملت شمس حديثها: وإذا قتلت نفسي بيدي ستظل أنت ضعيفا والموت سيحاوطك من كل مكان. اعتلى الغضب ملامح وجهه، فقد نالت منه بنت المهدي حقا. وقالت بنبرة بها من الإصرار ما يكفي:
اتركهم في الحال. أنزل العربي أظافره من على رقبة هدير ببطء وأشار بعينيه إلى حسام. فبعد يديه عن غرام قائلاً: قربي يا بت المهدي. اقتربت شمس منه بحذر. فأمر الجزار رجاله أن يحاوطوه. العربي فأصبحوا كالجدار يحموه بأرواحهم. ترك هدير وغرام فابتعدوا خطوة. وتقترب هي خطوة أخرى منهم. ويقترب داغر معها ليأتي بهدير. نظر حسام لداغر يحدث نفسه قائلاً: مش بالسهولة دي هتاخدها مني يا داغر.
وقبل أن ترمش لها عين، وقف حسام أمامها يأخذها لبيت من البيوت المهجورة أمامهم. يخبأها من داغر. استطاعت غرام الهرب. وعمت الفوضى في الأرجاء بعدما أعطت حكيمة الإشارة لهم. فكلا من سارة ومارال يصوبون بالحقن عليهم. فيقع المستذئبين أرضاً. وحكيمة سرعتها عالية حقاً. كانت تقتل كل من يعترض طريقها. أما عن ميرا فتحولت لذئب شرس يستطيع أن يفتك بأسنانه ما يقابله أمامه. وبربروس وقف بظهر علي يحمي كل منهما الآخر.
تجمع حولهما عدد كبير من المستذئبين. فتحت عينه للون الأسود وفرد أظافره ليهتك بهم. وظهر الجانب السيء من شخصيته. فكان يقف علي خلفه يشق رقبة كل من يتعدى عليه في الحال. دخل المستذئبين البيوت المهجورة. فكان يطلق عليهم عز الرصاص الممزوج بالفضة في قلوبهم. يمنعهم من دخول البيت. ويحاول الوصول إلى غرام يحميه شريف من الخلف. أما عن يزن فهو يجلس فوق السطوح يملأ قناصته بالرصاص. يحميه رعد من الخلف. ويقتل كل كائن حي يتحرك بالمكان.
يريد جميع المستذئبين الآن الوصول إلى شمس. فمن يقتلها تصبح قوته أكبر. يحميها كلا من ياسين وعمار بروحهما. يفتكون بكل من يحاول الوصول إليها. ينظر ياسين إلى عمار نظرة صارمة قائلاً: حاول تخرج بيها من هنا وسيب الباقي عليا. يفتك عمار برقبة واحد منهم وهو يقول: مش هتقدر عليهم لوحدك. فكانت نبرته هي الأقوى وهو يحول عينيه للون الأحمر قائلاً: اسمع كلامي بقولك. قبض عمار على كف يدها بقوة محاولاً الخروج بها من هذا المكان البغيض.
فتجمع المستذئبين من حول ياسين فعددهم كبير. تحولت عين ياسين للون الأحمر القاتم وأخذ يهتك بهم هنا وهناك. فكانت سرعته مبالغ بها. هو نفسه لم يصدق ما يحدث له. فكان يقتلهم بسهولة بالغة. كان داغر يبحث عنه بكل شبر بالقرية وبكل بيت بها. حتى وجدته غرام والنهجة تعتلي صدرها من كثرة الركض خلفه. ذهبت إليه مسرعة قائلة: هدير في البيت اللي وراك ده.. أنا شوفتهم وهما بيدخلوه يا داغر. هدير بتولد لازم أبقى معاها.
صك هو على أسنانه يقبض يديه بقوة قائلاً: اتحركي أنا وراكي. رحلت غرام وبدأ هو يركز سمعه على خطوة قدمها. حتى ذهبوا إلى ذلك البيت المهجور. فتح الباب بحذر وغرام خلفه. لم يجدوا شيئاً به. استغربت غرام قليلاً تسأل داغر: إزاي أنا شايفةهم وهم داخلين هنا بعنيا. أغمض هو عينه بعدما حاول التقاط رائحته. فالتقط رائحته أخيراً. فتح مخبأ تحت الأرض ليجده بانتظاره يبتسم له. تعلوه نظرة مليئة بالخبث قائلاً:
أتأخرت ليه يا حبيب أخوك مراتك بتولد. كده كنت هتفوت عليك الولادة بتاعتها. ابتسمت هدير عند رؤية داغر أمامها وهي مستلقية على ظهرها. شعرت بشعور غريب عند رؤيته. ذلك الشعور حينما تهجم علينا موجة حارة شديدة وينقذنا سريان أول خيط من نسيم الهواء المنعش. ذلك الانتعاش المحبب لقلوبنا هو ما أصابها عندما وجدت داغر يتوسطهما. منتظراً ما سيفعله حسام. ولم ينتظر كثيراً حتى وجده يقول: استنيتك كتير يا حبيب أخوك ودلوقتي جه وقت الانتقام.
وهدير بتشوفني وأنا بقطع من جسمك حتت عشان تعرف مين فينا الأقوى. صرخت هدير صرخة بها ما يكفي من ألم. فذهبت غرام إليها مسرعة وهي تقول: هدير حاولي تتنفسي. اتنفسي يا هدير. رفع حاجبه ينظر خلفه بابتسامة صفراء: الظاهر إن ابنك هيتولد ويشوفك وأنت بتموتي قدامه. ابتسم داغر ابتسامة لئيمة واكتفى بها عن الكلام. فأخرج كلمة واحدة فقط من بين شفتيه: خلصت كلام. يلا نبدأ. نظر حسام أمامه فلم يجده. نظر يميناً ويساراً يبحث عنه.
فسمع صوت داغر وهو يقول: بص فوقك. رفع حسام رأسه ليجده يغرز أظافره بالسقف ويسقط عليه مسرعاً. ليوقعه أرضاً. كانوا ومازالوا بداخل المعركة. فكلما يقتلون عدد كبير منهم تتزايد أعدادهم كالجراد بكل مكان. نظر بربروس خلفه لعلي يحاول الصمود: وحسرتـاه على ما نحن فيه الآن فهم يتكاثرون مثل الذباب. غرز علي أسنانه برقبة واحد منهم حتى شق رقبته قائلاً: اثبت يا بربروس. أحنا مش هنطلع منها غير وإحنا ميتين يا كسبانين. أنت فاهم.
أشار بربروس برأسه لعلي دليل على موافقته. وفي تلك اللحظة تحاول مارال مساعدته من بعيد. فكانت تصيب كل من يقترب منه وتغرز الحقن بأجسادهم. لاحظ مستذئب منهم قدوم الحقن من الخلف. فنظر للأعلى فوجدها فوق الشجرة. فاتجه نحوها. لاحظ بربروس ذلك فحاول اللحاق به. ولكنه لم يستطع من كثرة المستذئبين باتجاههم. كانت ميرا تحاول الفتك بأي مستذئب يقترب منها. اقتربت منها الخالة فأخبرتها بصوت مرتفع وسط المعركة:
ميرا حاولي تطلعي ياسين من اللي هو فيه. ياسين هو الوحيد اللي هيقدر يخلصنا من العربي ونخلص من كل ده. أشارت ميرا برأسها دليل على الموافقة. وأخذت الخالة مكانها. دخلت من بينهم تفتك بأسنانها كل من يحاول الاقتراب منها. وجدت لدي الكثير من المستذئبين. فنطقت الخالة مسرعة: يزن أحمي ضهر ياسين. أشار يزن برأسه واتجه يصوب على الجهة المقابلة. حتى يتسع لياسين الخروج من تلك الدائرة الشرسه. رحل عز يبحث عن غرام هنا وهناك بعينان حائرتان.
يحميه شريف من الخلف على مسافة بينهما. حتى وجد الجزار. ابتسم عز ابتسامة صفراء. فأخرج سلاحه مسرعاً. وقبل أن يضغط الزناد ضغط الجزار على سلاحه قبله. فأصابه بطلق ناري ليقع أرضاً. نظر شريف إلى عز يصرخ باسمه والصدمة تعتلي وجهه: عز. دخل عمار بشمس المنزل بداخل ذلك القبو التي لطالما كانت تمقته. أخذت تنظر إليه جيداً تستذكر ما حدث فيه. شردت قليلاً بعقلها فأفاقت على كلماته: خليكي هنا ماتتحركيش.
أنا لو قتلت العربي كل شيء هيبقى بخير يا شمس. أنهى عمار جملته وهو ينظر لها يحاول أن يطمئنها قليلاً. فقالت هي مسرعة: ولكن لا تذهب بمفردك. يجب عليك مرافقة ياسين. إياك الذهاب بمفردك يا عمار فأنت لا تعلم مدى قوته الآن. وبالرغم من تلك القوة يريد أن يصبح أقوى مخلوق على الأرض بقتلي. ابتسم عمار ابتسامة بها من القلق ما يكفيه: ماتقلقيش عليا أنا رايحله. اعتلت الصدمة وجهها وهي تنظر أمامها. انكمش حاجب عمار ينظر
خلفه ليجد العربي أمامه: أنا عرفت إنك جايلي قولت أوفر عليك المسافة وأجيلك أنا بنفسي. أعتلت أنفاس عمار وحول عينيه للون الأحمر وأخرج أظافره. يخبئ شمس خلف ظهره قائلاً: وأنا مستنيك. غرز داغر أظافره بظهر حسام بكل قوته وحمله وألقى به إلى الحائط. فوقف حسام مبتسماً تلتئم جراحه بسرعة. ينظر إلى داغر نظرة خبيثة: أوبس ماتعورتش. أمسك حسام بداغر وألقى به خارج المنزل بقوة من خلال النافذة. فأخرجه خارج المنزل من قوته.
صرخت هدير صرخة مكتومة فلم تعد تتحمل أكثر من ذلك. قائلة والعرق يصب من جبينها: خلصيني يا غرام مش قادرة حرام عليكي. اضغطي. اضغطي كمان مرة يا هدير. خلاص أنا شايفه الراس. ساعديني وساعدي نفسك. ذهب شريف مسرعاً إلى عز والقلق يملأ قلبه. فأعطاه الجزار ظهره مبتسماً بسمة الانتصار الآن. فوقف عز سريعاً يصوب طلقاته كاملة بظهره. يخر على الأرض ليصبح قتيلاً. تنهد شريف تنهيدة ارتاح بها أخيراً:
أنا إزاي نسيت إنك بتلبس صدرية واقية من الرصاص. ابتسم عز لشقيقه: عشان القلق بيخليك تفقد تركيزك. خليك هنا اطلع مع يزن ورعد بسرعة. هما محتاجينك. أنا هاروح أدور على غرام. أشار شريف برأسه بالموافقة بعدما علم من نظرة عز بأنه لن يسمح بمرافقته. ذهب شريف فوق السطوح معهم. نظر له رعد قائلاً: امسك سلاح بسرعة. إحنا اتكشفنا جايين علينا. فرد يزن: احموني بسرعة. أخذ الاثنان يطلقان النار دون توقف.
وصل المستذئب الشجرة الخاصة بمارال يهز الشجرة بعنف. فـنظرت له مارال حاولت أن تلقم سلاحها. ولكن من قوة اهتزاز الشجرة وقعت الحقيبة على الأرض من الأعلى وبداخلها جميع الحقن. ابتسم المستذئب وغرز أظافره على الشجرة وصعد إليها ووقف أمامها يكشر عن أنيابه. رجعت مارال إلى الخلف والرعب دب بقلبها. أمسك بها المستذئب ليغرز أسنانه بجسدها. فأمسك به بربروس من الخلف وألقاه بعيداً عنها. فسألها ليطمئن عليها: مارال هل أنت بخير.
هل أصابك بأذى. كان قربه منها يبث شعور الأمان بداخلها. فاقتربت منه ودفنت رأسها داخل صدره. خرج ياسين أخيراً من تلك الدائرة المليئة بالمستذئبين بمساعدة الخالة ومارال ويزن. ذهب يبحث عن العربي بكل سرعته. فوجد داغر ملقى أمامه على الأرضية وحسام يأتي إليه من خلفه. مد يده لداغر ليساعده على النهوض. فنهض داغر مسرعاً يحاول استجماع قوته. نظر حسام إلى ياسين فابتسم ابتسامة سخرية قائلاً: إيه ده أنت هنا يا حبيب أخوك.
رد ياسين وعلامات الاشمئزاز تظهر على وجهه بكلام مختصر: تؤ. تؤ هناك. رفع حسام حاجبه: ولما أنت هناك مين اللي هنا. أشار برأسه: خيالي. أخرج ياسين أظافره. فمنعه داغر من التدخل قائلاً: سيبهولي أنا. عايزك تتوصى بي يا داغر ده تعبان حي. أنهى ياسين جملته. فأشار حسام على نفسه بأصبعه: أنا تعبان يا حبيب أخوك تصدق أنا كده زعلت. فرد ياسين بنبرة ساخرة: أنت زعلت يا حبيب أخوك. اسف لو كنت قولت كلمة ضايقتك وجرحتك ياحبيبي.
ضرب على جبينه بيده ينطق بسخرية لاذعة ونبرة متهكمة ضربت حسام في مقتل: أخ نسيت التعابين مابيحسوش. صك حسام على أسنانه غاضباً مما قاله ياسين للتو: أنا سيدك وتاج راسك وكمان شوية هنبقى أسياد الأرض كلها. ابتسم ياسين، بل وارتفع صوت ضحكاته، فأتى عز من خلفه ووقف الثلاثة أمامه، فنطق كلماته قائلاً: تعالى ياعز، تعالى اقرأ معانا الفاتحة بنية إن ربنا يشفي كل واحد نسي أصله وهو جربوع ولا يسوى.
مد حسام خطوته ليقف أمام ياسين، فوقف داغر في الوسط بينهما وضر به ضربة بأحشائه أوقعت به أرضاً. ابتسم ياسين لداغر: أسيبك أنا بقى، أنت مايتخافش عليك. نظر داغر لعز: عز، غرام وهدير جوه البيت، احميهم وسيبهولي أنا. رحل ياسين يبحث بكل مكان عن العربي، وآخر مكان قرر أن يدخل به هو منزله. دخل المنزل بحرص شديد، وكلما يخطو خطوة يتذكر ذكرى به، ذكرى مؤلمة، فيفتح باب الذكريات بعقله من جديد.
يقف كلاهما، الضبع والعربي، بداخل المنزل يتحدث العربي بنبرة صوت عالية ومزعجة: أنت ليه مش قادر تفهم ياضبع، أحنا خلاص انتهينا، من ساعة اللعنة دي واحنا بنضعف، لازم نلاقي اللي نتسند عليه، أنت عارف المهدي ما بيخلفش. أشاح الضبع بيده معترضاً على كلامه: اعمل اللي أنت عايزه بس مالكش صالح بابني، مش معنى ياسين هو اللي عايز تعمل عليه تجارب، ما عندك مستذئبين تانيين كتير ياعربي. صك العربي على أسنانه يعتليه غضب عارم:
أنت صدقت إنه ابنك بصحيح؟ فوق ياضبع، اللي زينا مابيخلفش. سمع ياسين حديثهما فأتى على الصوت سائلاً: فيه إيه وتجربة إيه اللي بتتكلموا عنها؟ ضرب الضبع بالعكاز الخاص به الأرض قائلاً: ده العربي عايز يجرب تجارب جديدة ويحطها في بيته، ماتشغلش بالك أنت ياياسين، العربي أصلاً كان ماشي. فاق من شروده على صرخة شمس، نزل مسرعاً إلى البدروم ليجد العربي يغرز أظافره برقبة شمس. وقف أمامه يتحداه: مستني إيه؟ ماتقتلـ ـها.
تبادل عمار وشمس النظرات القلقة من حديث ياسين: عايز تفهمني إنك مش مهتم إني أقتلها؟ رفع ياسين رأسه، فتقابلت عينه بعين عمار، أشار له بعينه أن ينظر إلى الأرض، فأكمل حديثه مع العربي: ابقى بكذب بصراحة، أنا مهتم.
تبادل ياسين النظرات العدوانية مع العربي يحاول لفت انتباهه عن عمار، ليخطو عمار خطوة للخلف، وبحركة سريعة منه يجذب السلسلة الحديدية من تحت قدم العربي بقوة، فيقع أرضاً. ركضت شمس وقفت تهرول خلف ياسين مسرعة محتمية بذلك الجدار البشري، مدت كفها وقبضت على سترة ياسين من الخلف، فأصابته الدهشة، كان من الممكن أن تتشبث وتحتمي بـ عمار، لماذا هي إذن تحتمي به الآن وأخذته ملجأ لحمايتها؟
نظر لها عمار باستغراب محاولاً فهم ما حدث للتو، ولكن قاطع نظراته العربي وهو يمد يده ليلقي به على الحائط من قوة الضربة، هدم الحائط من فوقه. أخرج ياسين أظافره وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاتم، يقاتل العربي بكل ما فيه من قوة. ركضت شمس نحو عمار ترفع الطوب من فوق رأسه تسأل لتطمئن عليه: عمار، أنت بخير؟ وقف واستقام يشير برأسه بالإيجاب، ينظر أمامه ليجد العربي يلقي الضربات لياسين بأظافره وأصبح جسده مليء بالدماء.
ما زال الكل في معركته، فقد ضيق المستذئبين الخناق على الطبيب، فكاد يهزم. أما عن مارال وهي متحولة على هيئة ذئب، فاستطاعوا أن يكبلوا قدميها بالسلاسل الحديدية. تستطيع الخالة الصمود، ولكن إلى متى؟ يقف مارال وبربروس أعلى الشجرة، ينتظرهم العديد من المستذئبين، يحاول بربروس جاهداً ألا يصعدوا إليهم، يحاول حمايتها من الأذى. أما عن سارة، فقد استنفذت جميع الحقن الخاصة بها. وشريف ورعد ويزن، شكل المستذئبون دائرة حولهم.
ما زالت المعركة قائمة بين داغر وحسام، استطاع حسام أن يهزم داغر أخيراً، فوقع في الأرض ذليلاً. التف حسام من حول داغر ببطء شديد يقول ساخراً: كنت فاكر نفسك هتهزمني. انحنى يهمس بأذنه: تبقى عبيط ياداغر. هدير، اضغطي شوية، الولادة متعثرة والعيل مش راضي ينزل. كانت هذه كلمات غرام وهي مغطاة بدماء هدير، فأكملت حديثها: قولي يارب ياهدير، قولي يارب. صرخت هدير من قلبها: يـــــارب.
الظاهر إن مراتك ولادتها مش سهلة، عايز أقولك أنا هموتك بالراحة عشان أستمتع بموتك. وضع حسام أظافره على رقبة داغر، فرفع داغر أظافره بعين حسام بقوة، فأطبق عينه ودماؤه تسيل منها. قام داغر ووقف وراء ظهره بآخر نفس لديه قائلاً: بس أنا هقتلك بسرعة عشان كفاية عليك أوي كده بصراحة. شق داغر رقبة حسام، فأصبحت رأسه منفصلة عن جسده. خر أرضاً من الألم، فكل إنش بجسده استطاع حسام أن يغرز به أظافره.
القى عمار جسده بالكامل على العربي يقطـ ـعه بأظافره الحادة، فالتأم جرح ياسين واستقام، فكان الاثنان كيد واحدة تضرب العربي في مقتل. استطاعا أخيراً هما الاثنان إضعافه ووقع أرضاً. نظر كل منهما للآخر، فأمسك عمار برأس العربي ويفسح المجال لياسين لشق رقبته، ولكنه في هذه اللحظة شعر ياسين بصداع كاد أن يفتك برأسه من جديد. وضع يديه على رأسه من كثرة الألم، خر على الأرض وعادت له جميع ذكرياته من جديد. حاول عمار أن يحادثه:
ياسين، أنت بتعمل إيه؟ قوم، مافيش وقت، مش قادر عليه لوحدي. انفصل ياسين تماماً عن العالم وانخرط في باب ذكرياته: ادخل ياسين المرأه والطفل إلى الكوخ وضعها على الفراش، ظل ينظر إلى ملامحها هي والطفل الذي ما زال يصرخ ولا يتوقف عن البكاء. حمل الطفل الصغير بين ذراعيه، وفتحت هي عينيها ببطء، أمسكت كف يده قائلة: ياسين، ده عمار ابننا، أنا سميته عمار، عرفت أهرب بيه من العربي قبل ما ياخده مني، خلي بالك منه ياياسين.
نظر لها ياسين باستغراب: ابننا؟ ابننا إزاي؟ أنتِ مين؟ ابتلعت ريقها والنهجة تعتلي صدرها. حاول تفتكر ياياسين، الضبع بيمسحلك ذاكرتك دايماً، بس أنت آخر مرة افتكرت وهتقدر تفتكر تاني دلوقتي، مابقاش في وقت، أنا بموت ياياسين، مش عايزة ابني يموت معايا.
لفظت المرأة أنفاسها الأخيرة والدموع على وجنتيها. استطاع ياسين تذكر ما حدث وأخذ عمار بحضنه ينظر للوحمة فوق رأسه، فهي نفس وحمة والدته. قام بدفنها والدموع تملأ عينيه، وأخذ الطفل الصغير إلى عائلة الحربي مسرعاً. عاد إلى الضبع الذي علم بفعلته، فخاف عليه من العربي، فقام بمسح ذاكرته من جديد، ولكن هذه المرة مسح ذاكرته إلى الأبد.
فاق من شروده يتذكر الوحمة بداخل رأس عمار وكلام الخالة، نظر أمامه ولم يستوعب عقله ما حدث للتو، ليجد العربي ممسكاً بعمار من عنقه بقوة قائلاً: شايف من نظرة عينك لابنك إنك افتكرت، فضلت تحاول تدور عليه سنين، مع إن الضبع كان ماسح ذاكرتك، بس قلبك كان بيدلك عليه لحد آخر خمس سنين. طالع ياسين ابنه بذهول، فقد أحكم العربي قبضته على رقبة عمار كالأفعى السامة، ووضع أظافره على صدره بجهة قلبه، فأكمل حديثه: إيه رأيك مفاجأة مش كده؟
إن عمار يطلع ابنك، افتكرت كل حاجة صح؟ ابتلع ياسين ريقه وحاول أن يستجمع شتات روحه: سيبه، خدني أنا بداله. هز العربي رأسه يساراً ويمينًا: وأنا هعمل بيك إيه؟ أنا هقتله قدامك عشان أقهر قلبك عليه، وهقتل شمس قدامك، هخليك تعيش مذلول طول عمرك، إزاي ما أخدتش بالي إنك الفا وحكيمة قدرت تخبي عني السنين دي كلها.
اندفع ياسين باتجاه العربي ليمسك به، فغرز أظافره بسرعة فائقة بداخل صدر عمار ليخرج قلبه من صدره، ويصبح قلب عمار بكفه، ليخر عمار أرضاً، يقع قتيلاً، تفارق روحه الحياة هنا. تجمدت الثواني وتجمد الوقت، صرخت شمس ناطقة باسمه: عمـــــــار. أهو، أهو أنا شيفاه ياهدير خلاص نزل. "يا مخلص روح من روح" كانت هذه كلمات هدير وهي تستعد لإخراج ابنها للحياة. تعالت صرخات الطفل إلى الحياة، فقد انقطعت حياة عنا، وبعثت حياة أخرى من جديد.
ابتسمت غرام وهي ممسكة بالطفل بين يديها، ليذهب عز للخارج يبلغ داغر بولادة ابنه، ليجده ملقى على الأرض يحاول جاهداً أن يقف على قدمه.
جلس ياسين ينظر إلى عمار، فالصدمة كانت كثيرة على عقله. نظر إلى العربي، صاح بتأوهات جعلت ياسين يندفع نحو العربي كالثور الهائج تجاهه، ليغرز أظافره بقلبه ويفصل رأسه عن جسده. كان يملك قوة بهذا الوقت لا مثيل لها، قوة لا محدودة. ارتجف جسد شمس رعباً مما تعيشه الآن، خاصة حينما جلست القرفصاء تلمس جسد عمار لتجده قتيلاً أمامها لا يتنفس. هرول ياسين إلى ابنه مسرعاً، ضمه إلى صدره يتحسس خصلات شعره يتذكر كل ما فات. رفع رأسه ينظر للسماء ووجد نفسه يصرخ بأعلى صوته قائلاً:
يـــــاما. سمعت حكيمة صراخ ياسين ونظرت من حولها لتجد المستذئبين يخرون أرضاً جميعاً، فعلمت بأن ياسين قام بمهمته، ولكن قلبها علم أيضاً بموت ابنه، فهذه الصرخة ليست من فراغ. لتجد نفسها قائلة: "يا حسرة قلبك على ابنك يابني". جاءت ميرا أمام الخالة وارتدت القلادة الحقيقية، فما كانت ترتديه شمس ما هو إلا قلادة مزيفة. واستطاع ياسين ضم ابنه إلى صدره عندما فقد حياته كاملة. هكذا هي الدنيا، نفقد روح لتولد روح جديدة للحياة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!