الفصل 100 | من 107 فصل

رواية الهجينة الفصل 100 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
18
كلمة
5,271
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18
صدق من قال بعض الكلمات كالقبور، تدفنك حيا على الرغم من إنك على قيد الحياة. وهذا ما فعلته جملة "ياسين" بـ "فريد" وهو يتابع قوله: _ أنا وشمس اتجوزنا ودي ورقة جوازنا. كان "فريد" يقود سيارته ولكن عقله ذهب في جولة للمواجهة التي تمت منذ قليل مع "ياسين" وهذه الجملة تحديداً. حاول "فريد" انتزاع ورقة الزواج من يد "ياسين" ولكنه فشل في انتزاعها من كف يده. فنطق "ياسين" متهكماً: _ لو هسمح لحد يشوف ورقة جوازنا، فأكيد مش هيبقى أنت. تطلعت "مشيرة" إلى "ياسين" وقد انكمشت حاجباها بريبة تطلب إجابة عما يحدث. ولكن تلك النظرة التي أصابتها من "ياسين" كانت الأسرع، حيث فرضت على "مشيرة" الصمت. طالعت "شمس" تلك المتشبثة بكف يده، فكانت نظراتها لها ليست إلا ناراً وشراراً تشتعل في الخفاء. تنظر إليها نظرة مفترس يترقب فريسته. كان الجميع مصوب نظراتهم إليهم كالسهام، لا تستطيع عقولهم استيعاب ما يحدث. يطالع أحدهم الآخر بنظرات من الجلي معرفة بأنها نظرات عدم رضا. هبت "زهرة" واقفة تحاول أن تستوعب ما يحدث، ولكن أنهتها "الخالة" عن فعل شيء أمام الحضور. قام "والد فريد" وهو ينظر هنا وهناك بعينيه، فوجد جميع من بالمكان ممسكاً بهاتفه ويقوم بتصوير ما يحدث. ضغط على أسنانه ولكنه حافظ على ثباته الانفعالي. زرّ جاكيث بدلته السوداء يستعد للرحيل، فأوقفه "فريد" ينطق بقهر وهو يرى والده يبتعد ناحية الباب: _ بابا أنت هتسيبني كده، إحنا لازم نعلمه الأدب. شمس دي بتاعتي، شمس ليا مش لغيري. قاطعه "ياسين" وهو يقترب منه وجعل كل من بالغرفة يوجه أنظاره عليه. يطالعه بتحدي وهو يقول: _ شمس من اللحظة دي بقت عقيدة محرمة على أمثالك. عاد والد "فريد" يقترب من "ياسين" بنظرات مشتعلة. لو كانت ناراً لأكلت الأخضر واليابس. تصنع البسمة على وجهه وهو يقول بهمس: _ أنا صحيح مكنتش موافق على الجوازة دي، بس وحياة القهرة اللي شرخت قلب ابني وشوفتها في عيونه، لا هخلي الموت من ضمن أحلامك اللي مش هتعرف تحققها في يوم. هنا حيث ظهر على وجه "ياسين" تقاسيم مسترخية على عكس ما توقعه "والد فريد". فقد انتظر غضبه وثورته على ما قاله، ولكنه لبس قناع البرود وهو يقول باستفزاز مع ابتسامة ساخرة زينت ثغره: _ إن شاء الله، مستني. طالع "والد فريد" الذي اشتعلت ثورته من هذا المتبجح الذي يتحدث معه بطريقة لا تتناسب مع مركزه. يراقب الحضور بعينيه وهو يحاول تنظيم تنفسه. رحل ومن خلفه "والدة فريد" وهي تقول بصوت عالٍ نسبياً عل صوتها يصل إليه: _ استنى يا دمنهوري، خدني معاك. أشارت برأسها بنبرة صارمة إلى فريد قائلة: _ يلا بينا يا فريد. فأجاب يحثها على الانتظار: _ استني ياما، ماتمشيش. عاد يطالع "ياسين" بعيون ثابتة. تابعها بقوله: _ هتندم، أنت ماتعرفش إيه اللي مستنيك. لو تعرف كنت فكرت ألف مرة قبل ما تعمل حركة زي دي. فأجاب بما هو بعيد تماماً عن سؤاله، يشير إلى والدته بعينيه: _ ماما حلوة يا فريد. تسارعت أنفاسه وهو يخبره بقهر: _ أنا عايزك تفرح بنفسك دلوقتي عشان هتزعل عليها بعدين. طالع "ياسين" وتحدث بنبرة ذات مغزى أدت دورها جيداً في جعل "فريد" يستشيط غضباً: _ اتكل. كلمة واحدة فقط قالها ببطء شديد وهو يشير برأسه ناحية الباب يحثه على الخروج. فطالعه "فريد" بنبرة تحمل من التوعد ما يكفي: _ بكرة تشوف يا ياسين. جذبته والدته من مرفقه تحاول إخراجه للخارج قائلة: _ ماتحرقش دمك مع ناس زي دول، لا هما مننا ولا من مستوانا. استدار "ياسين" بجسده يطالعها وقال بابتسامته الماكرة: _ نورتي يا طنط، كان نفسي أفرحك بابنك بس مبسوط إني معرفتش أفرحك. مما أدى إلى اشتعال ثورة "فريد" ووالدته تجذبه من ذراعه وهو يقول: _ أنا هوريك، أنا هندمك، أنا هخليك تشوف النجوم في عز الضهر... أنا... صفق "ياسين" بيديه في حركة مسرحية وهو يقول ساخراً: _ ماشي يا ابن الأحبه. طالعته والدة فريد بغضب، فاصطنع ابتسامة مزيفة وهو يقول: _ الغاليين طبعاً، الأحبه الغالييــن. رحل "فريد" وترك المكان ولم ينطق بحرف بعدما رحل. الصمت أصبح رفيقه الأول والغضب رفيقه الثاني. أفاق "فريد" من تلك الذكرى التي حدثت منذ دقائق على صوت والده يستغيث بصوت مرتفع: _ حاسب، حاسب يا فريد، أنت كده هتموتنا. استفاق "فريد" من ذاكرته يضغط بقدمه على دواسة الوقود بقوة ولكن دون جدوى. فقد اصطدم بجرو صغير على الطريق. هبط من السيارة يصفع الباب من خلفه يرى ما الشيء الذي قام بالاصطدام به. فوجده جرو غارق بدمائه. جلس القرفصاء بجواره لم تعد تتحمله قدماه. يتكئ بظهره على السيارة وهو يبكي. يبكي بحرقة عما حدث. فهبط والداه من خلفه. فقامت والدته باحتضانه تراها تبكي من جديد. فدمعت عيناها وبدأت بقول: _ قولتلك من زمان يا فريد، البنت دي مش عايزاك ولا عمرها حبيتك، بس أنت ماسمعتش كلامي. طالع والده بنظرة استحقار مما يفعله بنفسه قائلاً: _ أخس على الرجالة، حتة بت فلاحة مالهاش لازمة تعمل فيك كده، تعمل في فريد ابن الدمنهوري وزير الداخلية كده. قوووم، قووم اقف على حيلك. ولو ما جبتهاش راكعة تحت رجليك وجييتلك الواد ده يبوس جزمتك، مابقاش الدمنهوري. انتعشت روح فريد وكأن عادت إليه الحياة عند سماع حديث والده وقد عاد الأمل له. يقول وهو يقف على قدميه: _ بجد يابابا؟ بجد مش هتتخلى عني؟ أشار له والده بالإيجاب يتابع بقوله: _ الأيام دي في حركة تنقلات في الوزارة والعين مفتوحة عليا حبتين. اصبر عليا شوية لحد ما أبقى في الوزارة الجديدة. وإياك ثم إياك تعمل أي شيء قبل ما أبقى ضامن إني من ضمن الوزارة الجديدة. وقتها بس هجيبهولك راكع. تطلع لوالده وهو يقول بقهر: _ وأنا لسه هستنى يابابا؟ وافرض مكنتش من ضمنها، هنسيبه؟ فأكد عليه والده بقول: _ أنا ماقولتش إني هسيبه بأي حال من الأحوال، بس لازم نستنى اليومين دول. أنا محطوط تحت الميكروسكوب الأيام دي وأي شوشرة عليا هطلع منها خسران. أخذ يربت على كتف ابنه مسترسلاً حديثه ينطق كلماته الآتية ببطء: _ اصبر يا فريد، الصبر حلو يابني. ما زال الحضور وكذلك المأذون الجالس على الأريكة في صدمة مما حدث. أما عن "ياسين" فبمجرد رحيل "فريد" تأفف بأنزعاج. فكل شيء يضغط على أعصابه أكثر. مدت "شمس" كفها وقبضت على سترة "ياسين" من الخلف. كانت تنتفض من نظراتهم الملامة على ما حدث. تحاول الهرب بعينيها من نظرات الجميع، وبالأخص نظرات والدتها لها. فاختارت أن تختبئ خلف ظهره تشعر بالأمان بوجوده. ذلك الأمان الوحيد الذي نشعر به في لحظات خوفنا. وكأنه سد منيع بينهم وبينها. وقد قطع صمتهم الرهيب صوت "الخالة" وقد أقدمت على الحديث: _ كتب الكتاب واتكتب واليوم وخلص. مشكور كل واحد جه وبارك، نردها لكم في أفراحكم. وواجب كل واحد فيكم هيترد لكم يا رجالة في يوم. خرجت كلمات "الخالة" حاسمة لهذا الموقف، فغادر كل من بالمنزل من خارج عائلة "ال صاوي". ومع خروج آخر شخص من المنزل أشارت الخالة بعينيها إلى "حسان" تحثه على غلق الباب خلفه. أسرع "حسان" لغلقه وأصبحوا بمفردهم من جديد. اقتربت "زهرة" من "شمس" وهي تصيح بنبرة لاذعة. نبرة متهكمة. ضربت "ياسين" في مقتل سائله ابنتها بقول: _ ياسين اعتدى عليكي يابت المهدي؟ بانت الصدمة على ملامح "شمس" دون أن تنطق. فرد "ياسين" وكان رده ينم عن وجع كبير من سؤالها: _ أنت اتجننتي يازهره؟ أنت بتقولي إيه؟ اعترضت "زهرة" بقولها على كلامه بنبرة ساخرة من طريقة حديثه: _ أيوه، أيوه اتصنع البراءة اللي في عينيك وكأنك معملتهاش عشان تغصب بنتي إنها تتجوزك. تقدر تقولي فستانها متقطع ليه؟ وشعرها وشكلها وانت كمان شايف نفسك عامل إزاي؟ _ أنت بتقولي إيه؟ أنا لا يمكن أأذي شمس بالشكل ده. "الخاله" ضربت على الطاوله ناطقة باسمها بنبره محذرة، فهي تحدثت بما لا يصح قوله. فاعترض زوجها هو الآخر وحاول منعها، ولكنها استكملت ما بدأته تردد بقول: _ ماكنتش مصدق نفسك إنها ممكن تعيش وتتجوز وتبقى مبسوطة؟ تعيش حياة طبيعية مع بني آدم زيها زيه. قولت تجيب مناخيرها الأرض، وخطفها واعتديت عليها. قاطع حديثها "الطبيب" وكأنه كان ينتظر دوره حتى يجعلها تندم أشد الندم على اللحظة التي قالت فيها هذه الكلمة بقول: _ أنتِ زودتيها قوي يا زهرة. كفاية كده. أنا استحملتك كتير، بس الظاهر مافيش فايدة فيكي. ردت "زهرة" بإصرار: _ لأ مش كفاية. تقدري تقولي إيه السبب اللي يخليها تتجبر إنها تتجوز ياسين، بعد ما كانت موافقة ومصممة إنها تتجوز "فريد"؟ لأ وكمان يوم كتب كتابها. طالعت "مشيرة" تتابع حديثها بضيق: _ وأنتِ يا ستي مشيرة، أنتِ مش المفروض خطيبته وهتتجوزوا؟ ساكتة ليه؟ ما تنطقي. وقفت "مشيرة" ولكن بعدم ارتياح، وصدق ظنها حين رأت أعين الجميع مصوبة تجاهها. فأشار "ياسين" لها بعينيه يحثها على قول الحقيقة، يطمئنها بنظراته، فقالت بتردد: _ بصراحة.. بصراحة أنا.. أنا وياسين.. قاطعتها "الخالة" بقول: _ عمرك ما كنتي هتبقي مراته ولا خطيبته في يوم، صح يا بتي؟ اندهشت "مشيرة" بمعرفتها للأمر، فتابعت "الخالة" بقول: _ كنت عارفة بكذبتك وملامحك اللي حاولتِ تداريها وأنتِ بتعرفينا إنك مراته. وياسين جه ودارى عليكي. نظرته اللي اتسحبت ونبرته اللي اتغيرت وهو بيوافق على كلامك بين إنه بيكذب زيك بالظبط. أنا مش عايزة أعرف أنتِ كذبتي ليه، قد ما عايزة أعرف استفدتي إيه؟ لم يتدخل "يزن" بالحديث معهم، بل قال بعد أن أنهت حديثها: _ مش وقت يا خالة الكلام ده دلوقتي. عايزين نسأل الأسئلة المهمة. وأتمنى مشيرة ما تبقاش وسطنا وإحنا بنسألها. تركتهما "مشيرة" بانفعال. فأشارت "الخالة" إلى حسان بعينيها حتى يلحق بها إلى الخارج في محاولة بائسة لإعطائها بعض الهدوء. أتت "زهرة" لتتحدث، ولكن منعتها نبرة "الخالة" المحتَدة: _ أنتِ صحيح اتجوزت شمس ياياسين؟ فأشار ياسين برأسه بالإيجاب، يطالعها بعينين صادقة: _ أيوه يا أمي، بس طبعًا لسه ورقة الجواز ما طلعتش، والورقة اللي في إيدي دي مجرد ورقة فاضية ما فيهاش حاجة. أشار بكف يده للخارج وهو يقول: _ أنا حتى كنت هرميها بره، مش عارف جايبتها منين. بس اللي جت في إيدي. والاتهام اللي زهرة بتتهمني بيه مش أنا اللي أرد عليه. استدار يطالع "شمس"، يحاول طمأنتها، يضع وجهها بين كفيه، يخبرها وعيناه تحوطها، يخبر نقاؤها عن صدق حديث صاحبه، وكأنه يمارس السحر فيسلب نظراتها بقول: _ لو عايزة تحكي اللي حصل، احكي وهتلاقيني هنا. أشار على ظهرها فأتبع بقوله: _ عايزك بس تعرفي إنك دايماً هتلاقيني جنبك وفي ضهرك يا شمس. وزي ما اتفقنا قبل ما نيجي، لو مش مستعدة تحكي وتقولي اللي حصل، فأنا هفضل استنى لحد ما ييجي اليوم اللي تحكي فيه من غير ما حد يجبرك على الكلام. بان تأثير كلماته عليها حين لانت تقاسيمها. انتظر ردها وبقت هي صامتة فقط تطالعه، حتى نطق هو بحسم وقد أبعد عينيه عنها، يوجه حديثه لزهرة: _ عمومًا، لو أنتِ شايفة إني وحش أوي وممكن أأذيها بالشكل ده، فمعنديش مانع. يبقى افتكري اللي أنتِ عايزة تفتكريه. وتابع بقوله الذي أثار غيظها: _ يا حماتي. هبت "زهرة" من مكانها وأبعدتها عنه وقد طفح الكيل، وقد نطقت: _ ده بعيد عن عينك إنك ممكن تحلم أبقى حماتك في يوم ياياسين. فطالعها بنظرة ساخرة مما تقول، وقد نجح باستفزازها، فالاستفزاز شيء يبرع هو فيه: _ غريبة!! مع إن المأذون واحنا بنكتب كتب الكتاب أكد لي وقال لي ياياسين زهرة كده بقت حماتك رسمي. مطت "زهرة" شفتيها بضيق، وقد وصل الأمر لنقطة لم ترد أن تصل إليها أبدًا. فنطقت بحزم: _ أنتَ فاكر إنك بتلوي دراعي بعملتك السودا دي؟ ده أنا أروح فيك في داهية. حق بنتي مش هسيبه. فنطقت "شمس" من بين دموعها، تحاول تجميع كلماتها على شفتيها: _ ماما ياسين ما قربليش زي ما أنتِ فاكرة. وفستاني المتقطع وشكلي المتبهدل ده.. ده عشان أنا.. حاولت سرد ما تبقى من حديثها، ولكن نظرات الجميع المصوبة ناحيتها زادت من ارتباكها. فنطقت زهرة بحدة وهي تقترب منها: _ ده عشان إيه؟ ما تنطقي يا بت المهدى؟ انتهت "زهرة" من سؤالها، وانتبه الجميع حين سمعوا "شمس" تقول ما جعل "ياسين" يطالعها: _ لولا ياسين اللي واقف قدامك وبتتهميه تهمة بشعة زي دي، ما كنت أنا هبقى موجودة. ياسين أنقذ روحي بعد ما حكمت عليها بالموت. ارتخت تقاسيم وجه "ياسين" بلين، بينما ظهرت على وجوههم علامات الاستفهام. كانوا ينتظروا المزيد، وأرضت هي انتظارهم بقول: _ أنا هربت من الفرح بإرادتي. هربت بعد ما أخدت قرار إني لازم أنهي حياتي بإيدي. واللي أنتِ شايفة قدامك ده وفستاني المتقطع وشعري المنعكش ده عشان نطيت بالعربية من فوق الجبل. وياسين هو اللي ما سمحش بموتي. أنهت حديثها وظلت محاوطة بنظرات من الجميع. "والخالة" التي سألت بخوف مستفسرة: _ ليه يابتي عايزه تنهي حياتك؟ هو حد غصبك على فريد؟ بالعكس أنتِ الوحيدة اللي كنتي ماسكة فيه. حالة الانهيار التي أصابتها جعلت الكل يشفق عليها. فخرجت "سارة" عن صمتها تجذبها من مرفقها بلين: _ تعالي.. تعالي معايا يا شمس ندخل أوضتك عشان ترتاحي شوية. تبعتهما "زهرة" بعد ما ألقت بنظرات الاتهام عليها، وعيناها بها من الأسئلة ما يكفي. فوجه "يزن" حديثه للجميع: _ مش مهم دلوقتي نعرف هي ليه شمس وافقت من الأول. واضح إنها مش حابة تحكي. بس الأهم إننا داخلين على حرب جديدة قصاد الدمنهوري وابنه. انتوا فاكرين إن الدمنهوري هيسكت بعد الإهانة اللي حصلت له ولابنه؟ ده وزير الداخلية. عارفين يعني إيه وزير الداخلية؟ يعني ممكن كلنا نروح ورا الشمس ومحدش يعرف لنا طريق. نطق "ياسين" بعدوانية، وقد نجحت عيناه في بثها ببراعة: _ اللي عندهم يعملوه. وبعدين يا ريت تشيل نون الجماعة دي. محدش فيكم يدخل في الموضوع ده، ولا حد فيكم يقول لشيخ عجوة حاجة من اللي حصلت. وجه نظراته التحذيرية لغدير: _ ولا حتى رعد وميرا يا غدير. سيبوهم يعيشوا في أمان. دي مشكلتي وأنا هعرف أحلاها كويس. قال كلماته مما جعل شقيقه يزداد غضبه عليه، فنطق متهكمًا: _ ومن أمتى لما حد فينا بيقع بنسيبه يقع لوحده ياياسين؟ إحنا لازم نفكر كويس في أي خطوة هنعملها. واللي أنا متأكد منه إن الأيام اللي جايه دي الدمنهوري مش هيقدر يعمل حاجة. جلست "الخالة" على المقعد مستفهمة حديثه: _ ليه بتقول كده يا ولدي؟ فرد عليها بنبرة ثقة مما يقول: _ في حركة تنقلات الأيام دي في الوزارة، والدمنهوري الكلام كان بيتشوشر عليه الأيام اللي فاتت. وما أفتكرش إنه هيعمل أي حاجة تضره الأيام دي لحد ما يبقى متأكد إنه مكمل فيها. هز "يزن" رأسه بالموافقة وهو يقول: _ عشان كده جه من غير حراسة. يا دوبك هو والسواق بتاعه. تحدث "ياسين" مدركًا تمامًا لحقيقة الأمر: _ سواء كمل فيها أو مكملش، نظرات عينيه والإهانة اللي حس بيها تخليني متأكد إنه مش هيسكت. عشان كده قولت لكم أبعدوا انتوا عن الموضوع ده. أنا مش عايز حد يتأذي بسببي. كفاية اللي انتوا فيه. أنهى "ياسين" جملته يهرول إلى الخارج، يمتلك عادة سيئة وهي عادة "الاختفاء المفاجئ"، ولكنها تريحه قليلاً عند شعوره بالانزعاج. يعلم بأنها تغضب من حوله، ولكن هذا ما يريحه، ولن يؤذي من أحب. سيتجه إلى عزلته دوماً. جالسة على المقعد في إحدى زوايا الحارة بجانب عم مدبولي صاحب قدرة الفول، تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وعند رؤيته، طلبت من "عم مدبولي" إحضار طلباتها التي طلبتها قبل مجيئه، فارتسمت بسمة على وجهها وهي تقول: _ اتأخيت ليه يابيدقوس؟ جاء يلهث بأنفاس مقطوعة، طالعها جيدًا، حالتها عادية لا دليل على أنها ليست بخير، ولكنه أراد أن يطمئن قلبه أكثر، فسألها بخوف: _ أنتِ بخير يا مارال؟ حاولت طمأنته قليلاً: _ أي يابيدقوس. التوتي اللي باين على وشك ده، كل ده عشان اتصلت بيك وقولت لك عايزة أشوفك. فأكمل هو حديثها يخرج أول كلماته من فمه ببطء: _ ضــــروري. لقد أنهيتِ جملتك بكلمة ضروري. أشارت له على المقعد المقابل لها بالجلوس، فتساءلت ساخرة: _ اتعشيت؟ أنا بصراحة ما اتعشيتش، وما صدقت ماما نامت وأخويا النهاردة هيبات في الشغل، قولت نتعشى سوا. ووصيت عم مدبولي يعملنا طبق فول وعليه التحابيش بتاعته. ابتلع ريقه وعلامات الاشمئزاز تظهر عليه، يطالع عم مدبولي الذي بادله النظرات هو الآخر بضحكة مرعبة، يضع القليل من الزيت في الفول بعدما وضع أصبعه بمنخاره وهو يقول: _ ما تقلقيش يا آنسة مارال، ما نسيتش التحابيش. _ ربــــــاه. كان هذا صياح "بربروس"، ووقف على الفور بانزعاج، والأشمئزاز يظهر على تفاصيل وجهه، ممسكًا به من ظهره، يرفعه بيد واحدة وهو يقول: _ يارجل، يارجل ماذا تفعل بحق الله؟ فوالله وبعقد الهاء لولا أن الله حرم القتل لـ ـكنت ذبحتك بيدي العاريتين ووضعت جثتك على أول الحارة حتى تكون عبرة لمن يعتبر، مثلما تأتي بالذبحة الصدرية للخلق. تبا لك أيها المزندع السفيه. تساءلت مارال بعدم فهم: _ فيه إيه يابيدقوس؟ أشار لها بكف يده يحثها على الوقوف: _ هيا. هيا من هنا ولا اريد ان اراكِ تضعين بفمك شىء من هذا العجوز


ارتفع صوت عم مدبولي وهو يقول:


_استنى بس ياشيخ بربروس طب هعملك طبق تاني يعجبك


تمتم بربروس بغيظ شديد وهو يدخل لأحدى الشوارع الجانبيه يلعن عم مدبولي وقدرة عم مدبولي ويلعن حياته هو شخصياً

وسرعان ما وقفت مارال أمامه وانفرجت شفتيها ببسمه واسعه تنظر اليه قائله:


_بيدقوس نسيت اقولك


انتبها "بربروس" ينتظر تكمله حديثها فاخبرته قائله:


_مش انا جايلي عييس


انكمش حاجبه باستغراب وقد كانت ملامحه عابسه اشار بكف يده وهو يقول:


_عي.. ماذا


فنطقت هي تستكمل الكلمه:


_عييييس.. انا قولت اقولك.. ها هتعمل ايه دلوقتي؟


وكيف لكِ ألا تخبريني بهذا الخبر التعيس من قبل


أنهى حديثه فبررت له:


_انا لحقت يابيدقوس انا لسه شيفاك دلوقت ها هتعمل ايه؟


تحدث "بربروس" بجديه:


_سأتي بالتأكيد حتى أتقدم لخطبتك من شقيقك


ابتسمت بلطف واخبرته وهي تبتعد عنه


_ماشي هاتيوح على البيت ولا هاتيوح الجامع


اجابها وهو يزفر فقد اشتعلت غيرته مما اخبرته الأن فنطق بتهكم:


_لا شىء سأكمل جلسه الأطفال فمن المؤكد بأنهم بانتظاري الأن


اشارت برأسها بالأيجاب وعادت وهي تخبره ما تذكرته للتو:


_اه بيدقوس نسيت اقولك اوعى تيجي لوحدك يعني هات دكتوي على وياسين معاك على اساس انهم اخواتك وكده اللي في القييه اوعى تنسى


أشار بربروس بالموافقه يعود للمسجد من جديد يتذكر ما قالته للتو بأن جاء لها عريس دلف الى المسجد ليجد اهالي الأطفال بأنتظاره يمسك كل والد طفل بكف أبنه متهكماً طالع ابو المعاطي بمعني "ماذا يحدث" فأشار له أبو المعاطي بكتفه بعدم المعرفه فنطق والد طفل منهم يقول:


_الأطفال اتأخرت اوي النهارده ياشيخ بربروس احنا خوفنا على أطفالنا وابو المعاطي مانعهم يطلعوا عشان يروحوا ينفع كده


طالع ابو المعاطي بلوم بعدما اعتذر لأولياء أمورهم وهو متعصب بعض الشىء ولكن جلس الجميع من حوله كالدائره فنطق والد اخر يسأله:


_بما أننا اتجمعنا على غير معاد فعايزين نسألك شويه اسئله ياشيخنا


جلس "بربروس" بالمنتصف شاعراً بنار تندلع داخله يتخيل مارال وذاك العريس الغبي ولكنه نفض ذلك عن ذاكرته يستمع الى اسئلتهم فبدأ رجل بقول:


_انا اتزوجت أمرأه وطلعت عرجاء اطلقها ولا انت ايه رأيك؟


زفر بربروس يهمس بداخله بقول استغفر الله فأكمل حديثه وهو يقلب حباته بأصابعه:


_أذا انت تزوجتها حتى تتسابق معها فانصحك تطلقها


فسأله أخر:


_انا بدخل بالتليفون الحمام ياشيخنا وطبعا بيبقى في قرأن كده يبقى حرام ولا حلال


تحدث "بربروس" بضيق مجاوباً:


_يا أخي بعقلك ايضاً تحفظ القرأن ضعه بالخارج أيضاً قبل أن تدخل الى المرحاض


ابتسم الجميع فزفر ذاك السائل فقام اخر بسؤاله:


_برأيك ياشيخ بربروس الشيطان بيولد ولا بيبيض


تصنع بربروس البسمه قائلاً بسخريه من سؤاله:


_والله وبعقد الهاء لم يعزمني على عرسه حتى اعرف اذا يولد او يبيض


قهقه الجميع بضحكات عاليه إلا هو ولكن لم يكن يعلم أحد بأن بداخله نار لا يستطيع احد اخمادها فسأل اخر بمرح:


والدتي كبيره بالعمر وما تقدرش تمشي وهي دلوقتي بتزحف كده هي من القواعد ياشيخنا:


_بل هي من الزواحف


قالها بربروس بعينين باحثه عن هاتفه بعدما استأذن الجميع بالأنصراف اخرج هاتفه يبحث عن الرقم الخاص بياسين حتى يستطيع الحضور بأسرع وقت


--------------------(بقلمي ماهي احمد)----------------

في أكثر الأوقات نريد الأختلاء والعزله والبقاء بمفردنا يتفنن المزعجون في افساد خلوتنا

يقتـ ـلها فضولها لمعرفه الحقيقه الكامله وهذا ما تفعله "زهره" الأن تحاول اجبار ابنتها على الحديث بالقوه بقول:


_انطقي ياشمس ايه اللي خلاكي تسيبي كتب الكتاب بعد ما كنتي موافقه على فريد .. كده مره واحده تهربي من كتب الكتاب كده تحطي وشنا في الأرض قدام اهل القريه كلهم.. اوعي يابت ياسين يكون دخل عليكي ولا لمس شعره منك


حاولت شمس الأبتعاد عنها ولكن منعتها يد "زهره" التي قالت:


ما انا مش هسيبك يابت المهدي غير لما اعرف الحقيقه


لم تكن الا نبره مليئه بالبغض من فعلتها الكارثيه هذه ولو طالت الأن لأزهقت روحها بدم بارد

حررت "شمس" ذراعها من كف زهره بعنف ثائره تنطق من بين دموعها:


_مالمسنيش ورحمه ابويا ما لمسني ولا دخل عليا ولا حتى حاول انه يقربلي


كلماتها هذه هدئت من روع "زهره" قليلاً فأتت "ساره" من خلفها ممسكه بفستان شتوي قائله:


_سبيها ياطنط زهره دلوقتي ارجوكي خليها على الأقل تغير هدومها كده هتموت من البرد تهدى كده وأكيد هتحكيلك على كل حاجه


احتدت نظرات "زهره" وهي تعلق بغيظ تكرر كلماتها بسخريه:


_هتموت من البرد.. وهي لسه هتموت ياساره ماهي خلاص ماتت من وقت ما وافقت بكتب كتابها على ياسين


_ليه بس كده ياطنط زهـ


غادرت "زهره" ولم تترك لـ "ساره" الفرصه لأستكمال حديثها صافعه الباب خلفها أغمضت عيناها بقوه أثر صفعه الباب الحاده فمدت يدها لـ "شمس" التى ما زالت تجلس على الأريكه بجانب النافذه تسرق النظرات لها وعلى حالها المبعثر بقول:


_ماتزعليش من طنط ياشمس اللي حصل مكانش حد يتوقعه خدي غيري هدومك عشان خاطري وانا هاروح اعملك كوبايه شاي سخنه تدفيكي في الساقعه دي


مدت "شمس" كف يدها تأخذ منها الرداء بيد مرتعشه تتبعت أثرها بعينيها حتى خرجت من الغرفه تغلق الباب خلفها أدارت وجهها بصمت تطالع النافذه سندت وجهها بكف يدها تنظر للسماء الصافيه المرصعه بالنجوم تلقي بألامها وأمالها في بئر عميق تركت نفسها لتسترجع ذكرى لم يمض على حدوثها سوى ساعات قليله وهما اسفل المياه

يطالع كل منهما الأخر ممسك بكف يدها حول عينيه الى اللون الأحمر ليستطيع الرؤيه وسط العتمه بهذه المياه أما عنها فقد استطاعت الرؤيه بوضوح كما علمها من قبل وهي صغيره هنا ابتسمت وهي تلفظ انفاسها الأخيره عندما عادت بذاكرتها بالماضي تسترجع ذكرى لهما وهما بالقبو يخبرها بقوله:


_مش عايزك شخص ضعيف الدنيا بره ما بترحمش عايزك استثنائيه تفتحي في النور والضلمه حتى لو هتفضلي تكرهيني طول عمرك بكره تعرفي قيمه اللي بعمله عشانك حتى لو على حساب كرهك ليا


عادت بذاكرتها تطالعه من جديد وهي مازالت اسفل الماء تخرج فقاقيع الهواء من فمها تلفظ انفاسها الاخيره لم يتحمل رؤيتها هكذا لتجده يركل باب السياره بقدمه بقوه اعترضت على فعلته هذه بنزع كف يدها من يده بالقوه انعدمت الرغبه في الحياه وفي كل شىء ولكن منعها هو من أن تتركه فاستدار ينظر لها يحاوطها بعيناه

فنطقت روحه بما لا يستطيع لسانه نُطقه ، فكانت تحادثها عيناه يخبرها نقاء عيناه بصدق:


_"أنا الذي لا يهزني برقً ولا رعدِ ، بعينيكِ الخضراء فقد تاهت سُفني لم يعد لي مرسى فبحر عيناكِ قد هزم ثباتي "


بان تأثير نظراته عليها وكأنها وضعت تحت تأثير سحر عيناه الصافيتان صدق من قال ان للعيون لغه وهي الوحيده التى استطاعت فك شفراته وقراءة ما بهما لانت تقاسيمها بعد نظراته فهدأت حركتها استدار هو ومازال ممسك بكف يدها بقوه لا يقدر على تركها فأخذ يسبح للأعلى يجذبها للسطح من خلفه فشهقت بعمق حين خرج بها من المياه تلك الأنفاس التي كانت تريد أن تتركها بأرادتها منذ قليل تعود لها من جديد رغماً عنها أخذت أولى أنفاسها فابتسم هو ابتسامه ظهرت على محياه يراها تتنفس أمامه من جديد فقال هامساً بداخله:


_ده أنتِ حبيبه العين ياشمس


أرتعش جسدها الصغير من بروده الماء وشفاها الزرقاء التي لا تستطيع التحكم بهما من رعشتهما المتتاليه استفاق من نظراته لها وأخذ يسبح بقوه حتى استطاع الخروج بها فهو يعلم جيداً بأنها لا تستطيع السباحه وصل اخيراً على الشاطىء مسد على عنقه بتعب استقامت تضم جسدها بيدها من كثره رعشته وجدها هكذا فاقترب منها ببطىء يحاول ضمها اليه حتى تنعم بحرارة جسده ولكنها دفعته بيدها عاد خطوه للوراء وهو يقول:


_شمس أهدي.. أطمني.. أنتِ بخير ياشمس


فصاحت بهِ بشراسه فقد كانت على حافه الأنهيار وهي تقول:


_بخير!! مين قالك أني بخير.. أنتِ نفسك مش هتبقى بخير بعد عملتك السودا دي وانقاذك ليا مش هتبقى بخير ياياسين.. محدش فيكم هيبقى بخير.. أنا مهما احكيلك مش هتفهم


انكمش حاجبه باستغراب فلم يستطع فهم ما تقول ولكنه أدرك من ردود فعلها بأنها تؤمن بأن احتضان الماء لها افضل من عالم قاسي لم يرحمها فأكملت من بين شهقاتها وارتعاشه جسدها:


_أبعد عني ياياسين قربك مني هيأذيك مش هينفعك.. أبدأ حياه جديده مع مشيره كفايه اللي حصلك بسببي في يوم أنتَ وعمار


شعر بألامها فاقترب منها ببطىء جذبها من مرفقها

يضع يده على خصرها ، دفعته بانفعال لتبعده بعيداً عنها:


_مالكش دعوه بيا انتَ ايه مافيش فايده فيك لو مابتخافش على نفسك فخاف على غيرك


فرد هو بانفعال نابع من عدم صبره:


_لو كان جوازك من فريد ده كان بالنسبالك خطه عشان تحميني منه تبقي عبيطه.. عبيطه وهبله كمان وماتعرفيش "ياسين" ليه مش راضيه تفتحيلي قلبك احكيلي هددك بأيه "فريد" الزفت ده عشان توافقي على جوازك منه عرفيني ياشمس


لم يتلقى رد ابتلعت ريقها بعيون حائره استدارت تبتعد عنه وتتركه خلفها فتنهد هو بعمق يسير خلفها فعرقل حركتها وأحكم الأمساك بها فلم يعد أفلاتها ممكن تجمدت أطرافها حين لاحظت اقترابه اكثر وقد احتضن عينها بعينيه ولكن بنظراته الأسيره تم أجبارها ان تنظر اليه لم تعلم ماذا تفعل حتى يبتعد عنها أخذت تضرب صدره بعنف بضربات متتاليه حتى يتركها..

نعم هو تركها ولكنه تركها تخرج غضبها بين أحضانه دمعت عيناها وهو يتلقى ضرباتها قائله:


_سيبني.. سيبني ياسين.. أبعد عني.. مش عايزه اجيبلك تهمه.. كفايه اللي انت فيه. لم يتزحزح انش واحد بل اقترب منها اكثر حتى اصبح وجهها على مقربه من وجهه. أعاد خصلات شعرها الجانبيه الى الخلف وهدئت قليلا بعدما افرغت كامل غضبها به. شعر بألامها فقال بأنفاس متقطعه وقد مال بجبينه على جبينها وقد ثبت رأسها بكف يده من الخلف: _اسف ياشمس.. مش هسمع كلامك ولو التهمه هتيجي منك فامسحي التهمه دي في قلبي. لم تستطع قول شىء بعدما قال. أخذت تضرب برأسها على فؤاده تنهمر دموعها على وجنتيها. رفع كف يده ببطء بتردد وما مر سوا ثواني حتى مسد بأصابعه بين خصلات شعرها وكأن كل شىء سكن من حولها. نعم كانت تريد الموت ولكن قلبها يستغيث طالبا من ينتشله من كل هذا. مر دقائق وما زالت بنفس الوضعيه مائله برأسها على فؤاده يحاوطها بذراعه بحنان. أفاقت مما فيه وابتعدت عنه بذعر قائله: _أنا.. انا عايزه اروح. اشار برأسه بالأيجاب يجذبها من ذراعها خلفه. صعد على الموتور فحاولت هي الصعود من خلفه فعركلها ذيل الفستان. انحنى "ياسين" ومزق لها ذيل الفستان يلقيه بعيدا وهو يقول: _ في ستين داهيه مش لايق عليكي الفستان ده. قاد الموتور واتجه الى "عم نصير" على الفور قائلا: _مأذون القريه فين ياعم نصير. استغرب عم نصير مما يحدث ولكنه ابتسم قائلا: _عمك حسين لسه ماشي من عندي كان قاعد بيتسامر معايا روح الحقه هو لسه ماطلعش على الطريق. ابتلعت "شمس" ريقها باعتراض: _مأذون.. مأذون ليه ياياسين أنت بتعمل ايه. لم تتلقى منه رد. جذبها من ذراعها داخل الكوخ وأغلق بابه عليها. اخذت تطرق الباب بكل قوتها: _افتح الباب ياياسين.. انت فاكر نفسك بتعمل ايه.. ياسين افتح الباب بقولك. تجاهلها "ياسين" يوجه كلامه لعم نصير بتحذير: _عارف لو فتحتلها الكوخ ياعم نصير هعمل فيك ايه. فرد يتتبع فضوله: _هتعمل ايه. فرد ساخرا يغمز له بطرف عينيه: _هجوزك كوكي. اختفى من أمامه فسمع صياحها من ضربات الباب المتتاليه: _افتح الباب ياعم نصير ماتسمعش كلامه هو مش فاهم بيعمل ايه. لم يستمع لها بل أسرع بالجلوس على المقعد المقابل له قائلا: _وانت مش فاهمه لو فتحت الباب هيعمل فيا أنا أيه. ده ياسين مجنون ويعملها ويجوزني حكيمه وما أدراكي ما حكيمه. فحسمت أمرها بقول: _حتى لو جاب المأذون انا لا يمكن اوافق على الجوازه دي ياسين ده مجنون و. لم تكمل حديثها حتى وجدته فتح الباب قائلا: _المأذون بره وياريت توكلي عم نصير عشان جوازنا. ياسين أنت مش عارف بتعمل ايه على الأقل اسمع كلامي. قابلها بلهجته المنفعله وقد امتزجت بالسخريه: _ مابسمعش كلام حد ودي قله ادب مني وانا قليل الادب كوكي ماعرفتش تربيني. يبدو الأمر وكأنه حسمه فترددت بالقبول فابتسم وهو يقترب منها يربت على ذراعها بحنان: _اسمعيني ياشمس انا عمري ما هقربلك ولا هلمس شعره منك في يوم ولا جوازنا ده هيبقى جواز حقيقي واضح انك في خطر وانت مش عايزه تقوليلي عشان اساعدك قربك مني هو الحل مش بعدك. الورقه اللي هتربطنا ببعض هتبقى فيها أمانك وحمايتك من فريد انا مش هغصبك تقولي هو بيجبرك على جوازك منه بأيه بس هقولك زي ما انت كنت عايزه تموتي نفسك عشان تحميني انا وغيري انا هتجوزك عشان احميكي منه. فابتسم ساخرا يحاول تهدئتها قليلا: _وده بالنسبالي موت برضوا. عادت ملامحه للجديه من جديد وهو يقول: _القرار قرارك يابنت الناس وعايزك تثقي فيا عشان ياسين ابن الصاوي مابيقولش أي كلام انا خارج ياشمس وهبعتلك عم نصير وهستنى قرارك معاه. دلف عم نصير الى الكوخ وجلس هو ينتظر مع المأذون بالخارج. كانت دقايق معدوده ولكنه شعر بها تمر كالساعات حتى خرج يخبره بقرارها النهائي وهو الموافقه. ابتسمت "شمس" بسمه حانيه دون قصد شارده بما حدث منذ ساعات. فأتت "ساره" بكوب الشاي الساخن على الحامل المعدني تمد يدها بالشاي قائله: _أنت لسه ماغيرتيش ياشمس كده هتبردي خدي اشربي الشاي ده يدفيكي وبعد كده غيري هدومك على طول. أفاقت "شمس" من شرودها تمد كف يدها تأخذ منها كوب الشاي وهي تقول: _أيه.. اه.. ايوه نسيت. جذبت "ساره" المقعد المقابل لها تجلس عليه وهي تقول: _لاااا.. أنت مش هنا خالص. أشارت برأسها بالأيجاب وهي تخبرها: _أنا خايفه أوي ياساره. بدأ الأهتمام على وجهها وهي تسألها: _ما أنت لو تحكيلي اللي حصل ممكن اقدر اساعدك. استجابت "شمس" لها تهز رأسها بالأيجاب: _هحكيلك. الغل والحقد هي مشاعر امتزجت ببراعه على وجه "مشيره" وهي تركض بين الطرقات حتى وجدت حظيره بالقرب منها دلفت اليها مسرعه ولم يستوعب عقلها ما حدث للتو. كانت تحادث نفسها بصوت مسموع قائله: _أتجوزها.. اتجوزها يعني أيه.. يعني كل السنين اللي فاتت واللي عملته ده كله عشان يبعد عنها راح على فشوش دي اكيد سحراله. وقع على مسامعها صوت رنه هاتفها فأجابت على هاتفها بيد مرتعشه ودموع على وجنتيها ترد على الفيديو كول قائله: _شوفت ياسين اتجوز يامنير.. ياسين اتجوز. حاول تهدئتها بعض الشىء بقوله: _اهدي يامشيره من ساعه ما بعتيلي الرساله على الواتس وانا بحاول اتصل بيكي وانت مش بتردي. فأجابت بما هو بعيدا عن سؤاله: _أنا لازم اخلص منها.. البت دي ماطلعتش سهله يامنير زي ما كنت فاكره.. فيها ايه زياده عني.. انا عملت كل حاجه عشانه لميته من الشوارع وخليته عليه القيمه.. مستناه عشر سنين ووقفت جنبه وفي ضهره وفي الأخر يروح يتجوزها كده بكل سهوله وانا.. انا فين يامنير. _عصبيتك دي مش هتحل شىء خلينا نفكر هنعمل ايه ونرجعه تاني ألمانيا ازاي الشركه من غيره بتنهار والعملاء كلهم بيثقوا فيه. فصاحت به صارخه بانزعاج: _هو ده كل اللي يهمك طب وانا. _ماهو لما يرجع يامشيره هيرجع ياسين تاني بتاع زمان الا قوليلي انت بطلتي تحطيلوا الحبوب في المشروب بتاعه ولا أيه وفين الشخصيه الوهميه اللي بتظهرله. قاطعته مشيره تصرخ بحقد راكمته السنوات: _مافيش حاجه نافعه معاه ولا حبوب ولا شخصيه عمار من ساعه ما بنت ال*** دي بقت معاه.. اقسم بالله لو وصلت اقتلها بأيدي لا هقتلها ولا اخليها تتهنى بي في يوم. وصل غيظ مشيره وحقده الى ذروته فحاول من تهاتفه تهدئتها من جديد فصرخت به قائله: _ماتقوليش اهدى.. انت سامع ماتقوليش اهدى. القت بهاتفها بعرض الحائط بأيد مرتعش تبحث بعينيها عن اي شىء معدني بالأرضيه حتى وجدت قطعه من الزجاج المكسور أخذتها مسرعه ترفع كم ذراعها للأعلى تقطع يدها بالزجاج حتى تشعر بالألم فهدئت قليلا بعد فعلتها تلك. لا يعلم كم مر من الوقت سوى هو الأن يجلس بمكانه المفضل أمام البحيره يفكر فيما سيحدث بعد اتخاذه لهذه الخطوه كم سيخسر بعد الأن. فوجد من يجلس بجواره قائلا بهدوء وكأن شيئا لم يكن: _عارف ياياسين انا حذرتك أنك ماتقربش منها قد أيه وانت قولتلي انك مش هتقرب ورغم وعدك ليا اديك دلوقتي اتجوزتها. طب عارف انك من ساعه ما رجعت القريه وأنت بقيت ترفض طلباتي. ومابقيتش مهتم بيا زي الأول. هو ده اللي كنت بقولك عليه وانت ماصدقتنيش. _اسكت. لم ينطق سوى بهذه الكلمه نطق بها ببطء شديد. فأكمل عمار حديثه: _المشكله مش فيها المشكله فيك أنت. أنت اللي مش قادر تبعد عنها مش هي. شوفت كنت بتتذللها ازاي عشان تتجوزك كان منظرك يضحك بصراحه. كان ينظر للبحيره وما ان نطق حتى رفع رأسه يطالعه وهو يقول: _قولتلك اسكت. فأكمل حديثه الساخر: _هتفضل تحبها لحد امتى ياياسين قولي لحد ما الجاموسه بتولد والطور مش عارف بيعمل ايه. فصرخ ياسين صرخه صدحت بالأجواء وهو يقول: _اسكـــــــت. هنا تجمدت صوره عمار لم ينطق بشىء لم تتحرك صورته وكأنه ولأول مره هو الذي يتحكم به. رفع ذراعه دون ان ينظر جانبه ودموعه تنهمر على وجنتيه يشعر بالفراغ بجانبه ولم يجده بجواره فنطق حروف اسمه بصوت مرتعش: _عمـــار. حتى وجد من جلس بجواره طالعها بحزن يملىء عينيه فقالت تمسح الدموع من على وجنتيها: _أنت خسرت عمار ياياسين. مكانش ينفع تخسره. استدار بوجهه لمشيره متحدثا بهدوء: _انا مش عايز اخسره. اقتربت منه سائله بهدوء: _بعد ايه ياياسين. بعد ما راح منك، كان الرد جاهزًا سريعا: "أنا ممكن أعمل أي حاجة عشان أرجعه، إلا إني أبعد عنهم وعن..." فقاطعته بيقين: "وعن شمس." اقتربت منه تقول بود، تجبر نفسها على الابتسام بوجهه: "وأنا هعمل أي حاجة عشان تفضل معاها ياياسين وجنبهم. أنت عارف أنا طول عمري هفضل في ضهرك، وفي نفس الوقت نحاول نقنع عمار إنه يفضل معاك وما يسيبكش." طالعها بامتنان على ما تفعله لأجله: "أنت دايماً جنبي يامشيرة، ومش هنسالك أي حاجة عملتيها معايا في يوم." ابتسمت بوجهه بحب: "ماتقولش كده ياياسين، أنت أغلى حاجة عندي في الدنيا دي، واللي يبسطك يبسطني." يقولون أن الركض نصف الجدعنة، ولكن في حالتها هذه فالركض معناه النجاة بحياتك، تركض "غدير" بين الذرع بمنتصف الليل بأنفاس مقطوعة، تدور بعينيها تبحث عن الملجأ لها منهم ومن شرهم، بعدما تجمعوا على الفتك بها وبعرضها، لم تعرف من هؤلاء، فهذه هي المرة الأولى التي تراهم بها بالقرية، ومن الجلي بأنها لن تكون الأخيرة. ابتسم لها أحدهم بخبث بابتسامة مزيفة وهو يقول: "أخيراً مسكنا واحدة من عيلة الصاوي." صرخت بعلو صوتها، ولكن ليلة صاخبة كهذه لن يسمعها أحد بها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...