وفجأة ترى بأنك بالفعل استهلكت نفسك كليا، تكلمت كثيرا، وشرحت أكثر، بررت بما يكفي، ثم تأتي عليك لحظة وترى أن طاقتك قد نفذت، فتتوقف عن الكلام وتبتعد عن الناس وتذهب لأقرب ملاذ آمن لك وتجلس مكتفيا بنفسك.
-الانتـ ـحار لا يعني عدم وجود قـ ـاتل. هنا حيث الساعات التي تسبق الفجر.. كانت "شمس" تلهث بأنفاس متقطعة تقود سيارة "ياسين" بجنون. تلتفت حولها وكأن المـ ـوت يهرول خلفها، تطالع المرآة الجانبية بعيون حائرة تنهمر دموعها على وجنتيها. ابتلت فستان عرسها من كثرة دموعها. ضغطت فجأة على مكابح السيارة عندما لاحظت وجود هاتف عمومي على الطريق. هبطت من السيارة تحاول رفع ذيل فستانها الأبيض الطويل، تعيد خصلات شعرها المبعثرة إلى الخلف، تمسح دموعها الممزوجة بالكحل الأسود على وجهها. التقطت سماعة الهاتف تحاول تذكر رقم هاتفه فهي لم تستطع إحضار هاتفها الخلوي معها. فلاحت لها ذكرى بسيطة وهي بجواره في السيارة يقول لـ"يزن":
"رقمي 01000000111 ده سهل جداً تقدر تحفظه على طول." فاقت من انخراطها تضغط على الأرقام تتمنى بداخلها بأن يكون الرقم صحيحاً. لم تستطع الرؤية من كثرة الدموع في عينيها. قبضت عينيها بقوة حتى تستطيع رؤية الأرقام جيداً حتى قامت بالاتصال به. ولم يمر سوى لحظات حتى قام هو بالرد عليها. استمعت لصوته لبرهة دون رد ومن حوله ضوضاء المزمار بكل مكان، الأنوار تملأ القرية. حاول رفع صوته قليلاً عل يصل إلى المتصل: "الو.. مين؟
كان يتلقى صوت أنفاسها المتقطعة بأذنه فشعر قلبه بها. كانت تحاول تجميع الكلمات ولكن لسبب ما توقفت عن ذلك. انتزعت سماعة الهاتف من على أذنها تستعد لإغلاق الهاتف فسمعت صوته وهو يقول بنبرة متسائلة: "شمس!! وضعت السماعة على أذنها مرة أخرى بأيدٍ مرتعشة ترد بنبرة مرتجفة: "أنت تعبان ياياسين.. عمــار ميـ ـت مش عايش زي ما أنت فاكر. لازم تتعالج.." فقالت بعيون دامعة وهي تكرر:
"لازم تتعالج ياياسين وكل حاجة هترجع كويسة بالنسبالك. شوف الحقيقة.. فوق من الوهم اللي معيش نفسك لسنين فيه." ورغم أنها تخفي خوفها فهو استشعره بنبرة صوتها: "أنت فين ياشمس؟ سيبك مني وقوليلي أنت فين دلوقتي؟ عرفيني مكانك." انقبض فؤادها بسؤاله فسدت الطريق أمامه ناطقة بصدق: "أنا في طريق اللي يروح ما يرجعش وأنا مش هرجع تاني ياياسين." كان يلتفت حوله يبحث بكل مكان في القرية عنها حتى أتت غدير قائلة بأنفاس مقطوعة:
"الحق ياياسين شمس مش موجودة في أوضتها وفريد والمأذون مستنيين." ابتسم ابتسامة رضا وهو ما زال يضع الهاتف على أذنه يركض بين الحشود يبحث بعينه هنا وهناك وهو يقول: "تقصدي إيه بكلمة رايحة في طريق اللي يروح ما يرجعش؟ ابتسمت بسمة حانية ترد بما هو بعيداً تماماً عن سؤاله: "في دكتور اسمه سمير فايز." فبتر حديثها يصيح بها بغضب: "ردي عليا ياشمس تقصدي إيه بـ.." فأكملت "شمس" بضياع وعيونها تدور في كل أرجاء المكان:
"الدكتور ده هيساعدك تخف. اسأل عنه دكتور علي هيديك العنوان.. وقبل ما أقفل عايزة أقولك أسفة.. أسفة على كل أذى سببتهولك من غير ما أقصد.. أسفة إني كنت السبب إني أفرق بينك وبين عمار.. ممكن لو كنت عرفت في الوقت المناسب إنه من دمك مكانش حصل كل ده وكان زمانه لسه عايش." بقيت تعتذر على ذنب لم ترتكبه.. وكأن سكين حاد ينهش في قلبها. رعشة سرت في جسدها بالكامل فرد هو عليها: "ماتقفليش ياشمس.. شمس خليكي معايا."
تركت سماعة الهاتف من كف يدها دون أن تغلقه فاصبحت السماعة معلقة تبتعد عن المكان وما زال هو ممسكاً بهاتفه يردد قائلاً: "ردي عليا ياشمس.. شمس."
صك على أسنانه وتلاحقت أنفاسه بصورة غير منتظمة يلقي بهاتفه بعرض الحائط. أسرع إلى سيارته بأنفاس متقطعة فلم يجدها. وضع كف يده على عينيه بيأس فأخرج الموتور الخاص به مسرعاً بعدما ارتدى خوذته السوداء. ضغط على المكابح وأسرع بموتوره نحو الطريق يشق طريقه إلى الخارج تحت أنظار الجميع.. كم كانت سرعته غير عادية فقد التهم الطريق يبحث بعينه عنها بكل مكان ولكن هي الأخرى سرعتها مهولة.. حتى وجد بجانبه الهاتف العمومي والسماعة ما زالت
ملقاة. وقف بموتوره بعدما أخذ ينظر هنا وهناك حول عيناه للون الأحمر القاتم حتى يستطيع تتبع آثارها جيداً بهذه العتمة. فوجد آثار إطارات السيارة تتجه إلى داخل الجبال. هذه المعتوهه تسير في طريق مقطوع تتجه باتجاه الأراضي الصحراوية وهو يعلم جيداً ما الذي يوجد بآخر الطريق.
أسرع بموتوره نحو الطريق بعدما علم وجهتها.. ظل يتتبع آثار سيارتها فترة حتى وجدها تتجه نحو الجبل الأسود. حاول إيقافها ولكن سرعتها كبيرة. رأته شمس خلفها فزادت من سرعتها أكثر فأصبح كل منهما يزيد سرعته وكأنهما في سباق يتنافسان بشراسة على المركز الأول. اقترب بجانبها حاول كثيراً أن يقطع الطريق عليها وبعد محاولات قد نجح بذلك. ضغط عليها حتى تضغط على مكابح السيارة وقد نجح بالفعل. وقف أمام سيارتها بموتوره ومن خلفه المنحدر. هبط من على موتوره يتقدم نحوها. أمسك بكف يده يفتح الباب المجاور لها قائلاً دون أن يدخل بصوت أنهكه الخوف
أكثر من أن ينهكه التعب: "عايزة تـ ـموتي؟ عايزة تقتـ ـلي نفسك ياشمس؟ أومأت برأسها وهي تضغط على المكابح من جديد: "أنا لازم أمـ ـوت عشان أنتـ ـعايش." أسرعت بالضغط على المكابح فلا يوجد بينها وبين المنحدر أقل من متر لا أكثر. سرعان ما دخل هو برد فعل تلقائي منه داخل السيارة فصرخت وهي تقول: "بتعمل إيه يامجنون؟
اضطربت حقاً في هذه اللحظة تحاول أن تضغط على المكابح بقدميها بكل ما أوتيت من قوة حتى توقف السيارة من جديد ولكن دون جدوى فقد فات الأوان. فقد وقفت السيارة ولكن الإطارات الأمامية معلقة بالهواء والإطارات الخلفية تلمس المنحدر. كانت بين السماء والأرض تقبض على المقود بكف يديها بقوة تسير الرعشة بكامل جسدها وهي تخبره بغصة مريرة في حلقها تسأله ربما يجيبها بإجابة تريحها: "إيه اللي خلاك تعمل كده؟ ركبت معايا ليه ياياسين؟
طمأنها "ياسين" بنظراته وكفه الذي حاوط كفها القابض على المقود بحنان قالها وعيونهما لا تتفارق يعطيها ابتسامة قبل قوله برفق: "عشان ماقدرتش ياشمس. مش قادر أخسرك." زهقتي من الدنيا وشايفه مشاكلها كبيرة عليكي وماقدرتيش تقفي في وشها. وقررتي تمـ ـوتي نفسك. تسارعت أنفاسها تكتم صوت البكاء بالإجبار راغبة بأن تستمع للمزيد فابتلع هو غصة مريرة في حلقه وهو يقول بصدق نابع من قلبه:
"عايزة تخلصي من حياتك معنديش مشكلة بس خوديني للمـ ـوت معاكي. ماتسيبنيش لوحدي هنا." تأرجحت السيارة على المنحدر تتمايل ببطء نحو الأسفل. عم الصمت ولم يأت رد منها فتحدث من جديد يرفع قدمه ببطء يضغط على قدمها الموضوعة على مكابح السيارة برفق: "القرار قرارك ياشمس يانعيش سوا يانموت سوا." فاسترسل حديثه يحاوطها بنظراته الحانية: "لا حياة لي بدونك أما معاك أو معاك."
تسارعت أنفاسها ترى الموت أمامها فالمنحدر شديد الارتفاع. تحركت السيارة مرة أخرى إلى الأسفل لم يتحدث بحرف واحد فقط يطالعها يطالع تعابير وجهها وكان ردها كالتالي: "يبقى نمـ ـوت سوا." ابتسم بسمة حانية ظهرت على ثغره يشير برأسه بالإجابة يردد آخر كلماتها يضع قدمه على قدمها يضغط على المكابح بقوة وهو يقول: "يبقى نموت سوا." -"A month ago" منذ شهر مضى.
أطبق الصمت على منزل "ال صاوي" بعد قول شمس الذي نجح في سلب انتباه الجميع. أما عن "ياسين" فداهمه ذلك السباق في دقات قلبه. أغمض عينيه وهو يستمع إلى ردها من جديد: "موافقة." صدحت الزغاريط بالمنزل مرة أخرى من "زهره" فابتسمت "مشيرة" بعد موافقتها هذه. ارتسمت بسمة عريضة على وجه "فريد" وكأنها بسمة شامتة يطالع "ياسين" بها. تبادل الجميع النظرات التي قطعها "ياسين" بقوله: "شمس عايزك جوه."
خرجت كلماته منه بنبرة حادة. حركت رأسها بالإيجاب تتبع خطواته فتحركت "زهره" لكي تمنعها من الرحيل خلفه ولكن هناك من أوقفها عن التقدم خطوة واحدة للأمام وهو "الطبيب". نظر لها نظرة خاوية وكأنه يخبرها إذا تحركت خطوة أخرى للأمام سينقطع بينهما كل شيء. ابتلعت "زهره" ريقها دون حراك ترى ابنتها تبتعد عنها فقال "فريد" وهو يعتدل بجلسته: "افتكر كده ياخاله معندكيش مانع على جوازنا." أشار بعينيه على "زهره" التي لا تستطيع كتم
سعادتها التي تغمرها الآن: "وافتكر برضوا إن مامتها موافقة." يبقى على خيرة الله هجيب والدي ووالدتي على الخميس اللي جاي نقعد ونتفق رسمي. قال كلماته وهو يستعد للنهوض من على مقعده فألمح بنبرة بها من التهديد ما يكفي: "مع إن والدي زي ما أنتِ عارفة يا خالة راجل مهم أوي في البلد والناس كلها هي اللي بتجيله حتى لو هو اللي عايزهم، بس نعمل إيه؟ يلا كله عشان خاطر شمس هجيبه وأجي." أتجهت الخالة ناحية فريد وقد فهمت تهديده قائلة:
"مابحبش الكلام الملفوف، اللي تفضل تلف حواليه عشان تعرفني معناه. نبرة التهديد اللي في صوتك مش لايقة عليك يا ولدي. عيلة الصاوي مابتتهدش، ولو شمس حباك وعايزاك ما عليا غير إني أوافق وما أقفش في طريق سعادتها في يوم." ابتلع فريد ريقه وهو يبرر: "أنا ما قصدتش يا خالة حكيمة، أنا أقصد... فبترت حديثه بحده تضرب الأرض بعكازها وهي تقول: "قصدك وصلنا خلاص وطلبك عرفناه. سيبنا نشاور عقلنا ونفكر وردنا هيوصلك في الوقت المناسب."
استخدمت طريقته الملفوفة لتطرده من منزلها بطريق غير مباشر، ففهم هو وقال بتحدي بعدما رأت الخالة الإصرار بعينيه: "أنا مستني رأيكم، بس مش هستنى كتير يا خالة." قال كلماته يتجه ناحية الباب، وفي أثناء خطواته للخارج سمع صوت شيء يهشم، فظهرت على ثغره ابتسامة رضا لما يشعر به ياسين الآن. فجاء الطبيب من خلفه يحثه على الخروج يشير بيده إلى الخارج: "شرفت يا فريد." طالع فريد بكبر قائلاً: "عارف." ***
أسرعت الخالة في خطواتها إلى غرفة الضيوف. عند سماعها تحطيم كل ما بها، دقت الباب بعنف. دقات الباب امتزجت بدقات قلب ياسين، فقالت بنبرة متوترة: "افتح يا ياسين عشان نتفاهم يا ولدي." عم الصمت ولم يأت رد منه، لم يفتح الباب، ولم يحدثها. فاستأذنت شمس من الخالة قائلة: "أرجوكي سيبنا يا خالة." استمعت الخالة إلى شمس ثم نطقت بنبرة تحذيرية من خلف الباب وهي تردد: "إياك يا ياسين تأذيها." وأكملت بقولها بنبرة منخفضة واثقة مما تقول:
"مع إني عارفة يا ولدي إنك لا يمكن تأذيها." أشارت برأسها للجميع بالابتعاد ورحلت، والكل يتتبعها لا أحد يفهم شيئًا مما يحدث. أما عنها هي، عن شمس، فكانت وحيدة معه بداخل الغرفة تتسارع أنفاسها. إن ما تراه على وجه ياسين ليس هينًا أبدًا. فأخذت تطالعه بصمت وهو يقول: "لما سألتك في القطر كنتِ مع فريد، كذبتي عليا وقولتيلي مافيش حاجة اسمها فريد. كنتِ معاه وقتها؟ حتى أجاب سؤاله حرمته منه، قابلت سؤاله بالصمت وعذبته بصمتها،
فأخذ يردد بحيرة: "طب وعمار نستيه؟ نسيتي ضحى عشانك إزاي؟ نسيتي حبك قد إيه؟ ده ضحى بكل حاجة عشانك، وأنتِ عمرك ما حبيتيه." أتى انفجارها الآن على هيئة بكاء انخرطت فيه عند سماع اسمه. فنطق بنبرة بعيدة تمامًا عن صوته. تحولت نبرة صوته إلى أخرى، نبرة تعرفها جيدًا. نبرة بها من الغيرة وحب التملك، نبرة عمار وهو يقول:
"حتى يوم المعركة كنت واقف أنا وياسين، إحنا الاتنين كنا قدامك، إحنا الاتنين كنا مستنيين نشوفك هتتحامي في مين. لقيتك وقتها اتحاميتي في ياسين." دخل حرب مع نفسه، نعم هي حرب لم تكن هينة أبدًا. فقبض بكفه على مرفقها بقوة قائلاً: "فاكرة اتحاميتي في مين؟ فاكرة روحتي لمين يا شمس؟ لم تخف هذه المرة من نبرة صوته المتغيرة، فقد اعتادت عليها. ترغب في الرد وبشدة، تتمنى أن تدافع عن نفسها وباستماتة، فأخبرته بعكس ما بداخلها:
"مش فاكرة. مش فاكرة عشان نسيتك ونسيت يوم المعركة بكل تفاصيله. فات عشر سنين عايزني أفتكر إزاي." ابتلعت ريقها تتنهد بعمق تمسح بكف يدها على وجنتيها من كثرة دموعها، تخرج كلماتها من بين شهقاتها: "كلكم عشتوا حياتكم إلا أنا، كل واحد حب واتحب، حتى أنت يا ياسين خطبت وهتتجوز." مشيرة له مستكتر عليا إن أنا كمان أحب زي ما أنت حبيت. كتير عليا إني أشوف حياتي زيكم." فختمت بما يمزق فؤاده: "أنا بحب فريد وهتجوزه يا ياسين."
انتزعت مرفقها من كفه بقوة، يراها تبتعد عنه، فيتحدث بما أوقفها وهو يحاول إخفاء حزنه تحت قناع البرود: "تستاهليه. تستاهلي فريد يا شمس." تركها ورحل يصفع الباب خلفه، ومازالت هي تقف بالداخل، تجمدت قدماها تنخرط بذكرى حقيقة ما حدث: كان الجميع بمنزل يزن ينتظرون استيقاظ ياسين، فاستأذن يزن من الجميع وهو يقول: "البيت بيتك يا خالة طبعًا. بس تسمحيلي أنزل أنا وسارة نكمل التحاليل والأشعة اللي جينا القاهرة عشانها."
"خد راحتك يا ولدي، أنا كمان هدخل أريح شوية، طول الليل ما غمضتليش عين." ابتسمت سارة قبل أن تقول: "هاخد شمس معايا يا خالة، إيه رأيك يا شمس تيجي معانا؟ وقبل أن ترفض قاطعتها الخالة قائلة: "روحي معاهم يا شمس، ماتسيبش سارة لوحدها يا بتي." تبادلت شمس النظرات المقيته من مشيرة، فوافقت وهي تشير برأسها بالإجابة. ***
هما الآن هنا على الطريق حيث القاهرة المزدحمة والسيارات الكثيرة، وكأنهم في سباق شرس. وبعد كثير من الوقت وصلا أخيرًا إلى وجهتهم. هبط يزن مسرعًا يفتح باب السيارة بجوار سارة، فابتسمت سارة بدهشة: "إيه الرضا ده كله؟ كل ده عشان تعبانة شوية؟ أنا على كده بقى هبقى عايزة أتعب على طول." فرد يزن بلهفة: "بعد الشر عليكي من التعب، اطمن بس عليكي وهتشوفي مني تغيير تاني خالص يا سارة." تابعت حديثها وهي تتجه إلى الداخل:
"أنا مش عايزة تتغير يا يزن، أنا حبيتك بعيوبك قبل مميزاتك. أنت عيوبك في نظري مميزات." "ربنا ما يحرمني منك يا سارة." ابتسمت شمس من خلفهم قائلة: "ربنا يخليكم لبعض." دخل الجميع إلى غرفة الأشعة، تنتظرهم شمس بالخارج، فلمحت آخر شخص توقعت وجوده هنا هو أول شخص وقعت عيناها عليه، إنه فريد. وجدته يقترب منها قائلاً بنبرة خبيثة: "أخيرًا لقيتك يا شموستي، يا شيخة ده أنتِ لففتيني وراكي القاهرة وضواحيها." "إنت عرفت مكاني منين؟
كان هذا سؤالها وهي تنظر له نظرة مقيتة، تعبر عما بداخلها تجاهه: "تؤ تؤ تؤ ياشموستي، ما أحبكش تكلميني بالنبرة دي. أنتِ ماتعرفيش إن أعرف أجيب النملة من جحرها، مش هعرف أنتِ فين يا قلبي." "قلبي؟ كان حديثه معها صريحًا، فأكمل هو للتأكيد على كلامه: "آه قلبي، وقلبي مش كتير عليكي كمان." استغربت هي من نظراته ونبرة صوته المتغيرة على عكس العادة، فقامت تتحرك من أمامه قائلة:
"أنا ماشية، أنا مش عارفة أصلًا إيه اللي مخليني واقفة مع واحد زيك." أوقفها هو بعدما قبض على ذراعها بكفه قائلاً: "الظاهر إنك ناسيه تليفونك في أسيوط. ما أنتِ لو كنتِ شفتي الفيديو اللي بعتهولك كان زمانك ماسكة فيا بإيدك وسنانك." "أنا ماشوفتش فيديوهات ومش هشوف." انحنى بجانب أذنها يهمس بقول:
"خلاص يبقى مصر كلها هتشوف العيلة الكريمة ويعرفوا حقيقتكم، وحقيقة ياسين الصاوي. تخيلي كده لما الكل يعرف ويشوف سرعته وعنيه اللي بتقلب للون الأحمر وازاي اترمى عليه مياه نار مركزة ومحاولتوش حتى تجيبوه المستشفى." فاسترسل حديثه بنبرة سائلة: "إلا قوليلي صحيح هو انتوا ماجبتوهوش المستشفى ليه؟ استغربت هذا، هل حقًا علم حقيقته؟ ملامح وجهها يظهر عليها التأكد من كل كلمة سردها الآن، فقالت تفرك بأصابعها بتردد: "وهنجيبه المستشفى ليه؟
هو بخير ومافيهوش حاجة." ضرب بكف يده وهو يؤكد على حديثها: "بالظبط، ده اللي كنت عايز أقوله، إنه كويس ومافيهوش حاجة بالرغم من الفيديو ده." أعطاها هاتفه وهو يضغط على زر تشغيل الفيديو قائلاً: "شوف سرعته عاملة إزاي، رهيبة يا أخي. لاء وعرف ينقذك في الوقت المناسب. بطل، بصراحة أنا شايفه بطل." لم يخف عليها التعبير الساخر الذي ارتسم على وجهه: "بس لو مكانش حضنك، أصل أنا بغير، ما بحبش الست بتاعتي يلمسها غيري."
تسارعت دقات قلبها من جديد، شعرت وكأن كل شيء يقف ضدها الآن، فقالت بنبرة منخفضة: "عايز إيه دلوقتي يا فريد؟ فقال دون تردد: "عايزك." "إنت قليل الأدب وبجح." قالتها بتهكم بعدما سيطر عليها الغضب، رافعة يدها تصفعه على وجنتيه، فقبض بكفه كف يدها قبل أن تصفعه قائلاً ببرود: "إيه ده؟ أنتِ فكرتي إيه؟
طلع تفكيرك شمال، أنا مش و** أوي كده، مع إنّي مع غيرك و**، بس انتِ غير أي حد يا شمس. أنا استنيتك السنين دي كلها ومش مستعد أستنى أكتر من كده. أنا عايزك في الحلال عشان أنتِ بنت حلال. شفتي أنا مؤدب إزاي. *** ترك معصم يدها وهو يبتعد ببطء قائلاً بنبرة تحذيرية:
"فكري كويس وماترديش دلوقتي، واعرفي إنّ مش بس ياسين اللي هيتأذي، ده كل أهلك هيتأذوا معاه، وأولهم الحجة الوالدة. أصل ماينفعش يكون متسترين على كائن مرعب زي ده ونسيبهم في حالهم كده." *** فاقت من ذكراها على صوت والدتها وهي تقول: "عملك إيه المؤذي ده؟ قوللي ياسين إذاكي؟ *** كسا الحزن تقاسيم وجه "شمس". تركتها خلفها وأغلقت باب غرفتها بإحكام. أمسكت بهاتفها الخلوي تعيد تشغيل الفيديو من جديد. فأتتها رسالة نصية من سارة عبر الواتس
اب تبعث لها بصورة قائلة: "الصورة دي صورتها لك أنتِ وياسين لما كنتوا نايمين وماسكين إيد بعض. معرفش صورتها ليه، بس حسيت إنك ممكن تحتاجيها في يوم." *** لم تجب عليها. طالعت الصورة بعيون دامعة. استغرقت وقتًا كبيرًا للإجابة وهي تكتب قائلة: "إحساسك غلط، مافتكرش إنّي ممكن أحتاجها في يوم." ***
الأمر أصبح أصعب من كل شيء. إنّه الألم الذي يأكل في روحه الآن. وكأنّه كلما شعر بأنّه يستطيع التحمل، زادت آلامه أضعافًا حتى تثبت عكس ذلك. ساقته قدماه إلى حيث المكان الذي يشعره بأنّه حي يرزق. يجلس على المقعد بجواره "عم نصير"، يمد يده بكوب الشاي الساخن له وهو يقول: "والله زمان يا ياسين. وحشتني قعدتك معايا يا ابني." *** تحدث "ياسين" وهو يتناول كوب الشاي من يده:
"أنتَ أكتر يا عم نصير. بقالنا سنين مارجعناش نقعد نفس قعدتنا دي سوا." *** طالع البحيرة أمامه بماءها الصافي، تستطيع أن ترى السمك الصغير بداخلها من كثرة نقاؤها. فابتسم، ولكنها ابتسامة حزينة، وكأنّه يخرج حزنه بابتسامته قائلاً: "حاسس إنّ كل حاجة اتغيرت. مابقاش في حاجة تأثر فيا زي زمان." *** جملته الأخيرة أدارت كف الحديث تماماً. حيث علم "عم نصير" ما بداخله من ألم. فتحدث ينفي ما قال:
"لاء، كل حاجة زي ما هي. ماتغيرتش يا ياسين. البحيرة الصافية لسه صافية، والقمر لسه منور في سماه. ماتغيرش صفاء وهدوء القرية موجود، ونسمات الهوا اللي بتحرك ورق الشجر وقلبك بيفرح بيه لسه بينعش روحك للحظة دي. بس في حاجة واحدة بس هي اللي اتغيرت يا ولدي." *** ترك "ياسين" مقعده واستقام واقفاً. يتحرك ناحية البحيرة. زين ثغره ابتسامة هادئة تبعها قوله: "ماتقولش أنا اللي اتغيرت يا عم نصير." *** اقترب منه يتكئ على عكازه،
يربت على كتفه برفق: "يبقى أنتَ عارف من غير ما أقول يا ولدي." *** نبرة "عم نصير" الهادئة وصوته في أذنه جعلت عيناه تلمع بالدموع، وكأنّه يريد فقط أن يربت أحد ما عليه حتى ينفجر بالبكاء. لمح "عم نصير" الدموع في مقلتيه هو الآخر، وحدثه بدموع تحت نظراته: "مالك يا ابني؟ فيك إيه يا ياسين؟ حاسس إنّ جواك وجع يهد الحيل. احكيلي زي زمان، مش هتلاقي حضن يسيع همك قد حضني يا ابني." ***
سمع "ياسين" كلماته، وحينها فقط استطاع البكاء بحرية كما كان يفعل بالسابق بين أحضانه. حاوطه "عم نصير" بذراعيه فشعر بدفء قلبه بين أحضانه. أخذ يبكي، تنهمر الدموع من مقلتيه بدون وعي. تركه "عم نصير" يخرج ما بقلبه من حزن على هيئة دموع حتى شعر بارتياح قلبه، فسأله قائلاً: "قولي يا ياسين، بتبكي ليه يا ولدي؟ *** ابتعد "ياسين" عن أحضانه، يخرج كلماته من بين دموعه: "الشاي.. الشاي اللي أنتَ عامله يا عم نصير وحش أوي." ***
ضربه بخفة على كتفه ضاحكاً: "ما أنا قولت 100 مرة مابعرفش أعمل شاي." *** فأخبره "ياسين" بعيون ممتزجة بالدموع، يحاول إخراج ابتسامة بسيطة من بين دموعه: "ولا أنا." *** فابتسم يقول بصدق نابع من قلبه: "ماتحبسش البكا في عيونك يا ياسين." *** لمعت عيناه أكثر، حيث أثر الألم الذي بداخله ما زال بهما: "أنا تعبان.. تعبان أوي يا عم نصير." ***
غادرت "غدير" تسأل عن أقرب ورشة لتصليح العجل، فأدلها أحد ما على أقرب ورشة خارج القرية. وبعد أن تعبت بالبحث عنها وجدتها أخيراً. دلفت داخل الورشة تبحث بعينيها هنا وهناك على أمل أن تجد أحداً ما بداخلها، ولكن دون جدوى. فوجدت دراجتها بجانب ركن صغير. ابتسمت تتجه ناحيتها، تنحني وهي تنظر إلى الإطارات، فوجدتها سليمة. ابتسمت بفرحة وهي تستعد للنهوض من جديد، تصطدم به فانزلقت على الأرضية وهي تتشبث به، تحاول ألا تنزلق، ولكن دون جدوى. فنطق هو قائلاً:
"خلي بالك.. خلي بالك يا آنسة. حاسبي.. حاسبي." *** فأخذته معها وانزلقوا هما الاثنان سوياً، وأصبحت فوقه الآن تطالعه بعيون دامعة: "أنا آسفة والله العظيم مكانش قصدي.. مكانش قصدي." *** قامت من فوقه مسرعة تنفض ملابسها. من جديد فقال بنبرة متهكمة: "هو كل مرة مكانش قصدك؟ حاسس إنّ أجلي هيبقى على إيدك." *** قالها "الشاب" وقد انكمش حاجبيه بغضب. فأصبحت هي أمامه معاتبة: "أنتَ أصلاً اللي الغلطان. كل شوية تطلع في وشي." ***
وضع المنشفة الصغيرة الخاصة به على كتفه، يحضر لها دراجتها: "وفي الآخر بقيت أنا الغلطان كمان. طيب يا ستي شكراً. عجلتك أهيه." *** انتزعتها من يده بقوة وهي تقول: "عايز كام؟ *** هز رأسه باسماً، يرى الغضب بعينيها. فرد قائلاً بهدوء يحاول أن يمتص غضبها: "خليها عليا المرة دي. أنا عجلاتي صحيح، بس أفهم في الواجب. أول مرة دايماً بتبقى عليا عشان أبقى أشوفك تاني." *** تبادل كلاهما النظرات، فقالت بعيون حائرة:
"مافتكرش إنّنا هنشوف بعض تاني يا... *** فأجاب باسمه دون أن تسأل: "بدر اسمي بدر." *** هزت كتفها بعدم اهتمام تتركه وترحل وهي تقول: "وأنا ماسألتش أصلاً." *** فأشار هو بيده يراها تبتعد عنه: "من غير ما تسألي، عارف إنك عايزة تعرفي اسمي." *** ابتسمت ابتسامة بسيطة وهي تقود دراجتها دون أن تلتفت له قائلة: "عجلاتي صحيح." ***
مرت عدة ساعات وكالعادة الليل يفرض نفسه على الأجواء. يجلس "بربروس" بعد صلاة العشاء في المنتصف ومن حوله أطفال الحارة يحفظهم آيات الله قائلاً بصوته العذب: "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" *** فردد الأطفال من خلفه: "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" *** فقال يتابع: "وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ" *** فقاطعه "أبو المعاطي" وهو يهرول ممسك بكف يده الهاتف
المحمول يقول بنفس متقطع: "يا شيخنا.. يا شيخ بربروس قافل تليفونك ليه بس." *** سأله باستغراب وهو ممسك بسبحته يقلب حباتها: "ماذا دهاك يا رجل؟ ألا ترى؟ فأنا بجلسة تعليم القرآن الكريم." *** أجابه "أبو المعاطي" باهتمام امتزج بإلحاحه: "أستاذة مارال عايزك. اتصلت كذا مرة لقيت تليفونك مقفول." *** حمحم بربروس ينظر للأطفال وهو يغادر الجلسة قائلاً: "حسناً أيها الأطفال، سأترككم لدقائق." *** أمسك بربروس بالهاتف
يغادر المسجد فسمعها تقول: "بيدقوس عايزة أشوفك حالا." *** فسألها سؤال مبهم: "أأنتِ بخير؟ *** "أيوه بخير. أنا مستنياك على أول الشارع. ما تتأخريش." *** فأجاب بالموافقة على الفور تاركاً الأطفال خلفه. *** كانت تنظر لعينيه منتظرة ردة فعل. أما هو فكان في عالم آخر. تنتظر إجابة لسؤالها، وعندما لم تجد منه رد كررت سؤالها من جديد: "الأشاعة فيها إيه يا يزن؟ ***
صمت دون رد. لاحت إلى ذاكرته ذكرى بسيطة عندما أخبره الطبيب بضرورة إخبارها بحقيقة مرضها اللعين، فيجب عليها البدء بالعلاج في الحال. *** شعر قلبها الآن بأن هناك شيء ما. شيء أكثر من مجرد هذيان أو إرهاق. فابتسمت وهي تبلع ريقها ببطء: "أنا تعبانة يا يزن صح؟ مش.. مش مجرد دوخة وشوية صداع. هو.. هو المرض ده اللي عندي اللي اسمه... *** قام هو من على الأريكة بعدما وضع كف يده على فمها. تلاقت أعينهم بعدما حاولت عينيه عيناها قائلاً
ببسمة حانية: "هووش، ماتنطقيش اسمه. إحنا مش هنقول اسمه خالص. ولا أقولك تعالي نسميه المرض الوحش. حاجة مش حلوة دخلت ما بينا، بس إحنا مهما يحصل ما بينا اللي داخل ما بينا خارج، صح يا سارة؟ إحنا مافيش حاجة ممكن تفرقنا عن بعض، حتى لو المرض الوحش ده." *** نزلت دموعه وهو يقف أمامها يستكمل حديثه: "أنا مش هسيبك. هنهزم المرض ده سوا يا سارة." زي ما هزمنا كل حاجة سوا وفضلنا مكملين، تفتكري مرض بسيط زي ده ممكن يهزمنا ويبعدنا عن بعض؟
لم تستطع كبت المها الذي بداخلها، فاستدارت تعطيه ظهرها، يكسو الحزن معالم وجهها، فأخبرته بما صدمه: _أنا كنت عارفة يا يزن. استغرب مما قالته للتو، فاستدار يقف أمامها بعدما قبض حاجبه باستغراب: _عارفة!! _آه كنت عارفة أو كنت حاسة، بس بكذب نفسي. مكنتش عايزة أصدق، كان نفسي أكمل حياتي معاك. كنت... كنت نفسي نتجوز وأجيب منك أطفال ونشيخ سوا، عشان كده كنت بكذب. مسحت بكف يدها أنفها المبتل، تسترسل حديثها: _أصل...
أصل بيقولوا اتفائلوا بالخير تجدوه، وأنا كنت دايماً بتفائل إن هكون بخير ومافييش حاجة... عشان... عشان أفضل جنبك وأبقى معاك يا يزن، بس الظاهر إن ربنا... ربنا مش رايد. فقاطعه هو حديثها بلهفة، يغزو الحزن تعابير عينه قائلاً: _مين قال كده؟ أنتِ... هتتعالجي وهتخفي وهنتجوز وهجيب منك عيال كتير قوي. هنربيهم سوا... أنا وأنتِ يا سارة... أنا وأنتِ سوا.
مسح الدموع من على وجنتيها بلطف، فلم يستطع منع نفسه عنها في هذه اللحظة، أخذ يمسح على ملامحها برفق بظهر يده، ينظر إليها بشوق، على الرغم من أنها أمامه، طالع شفتيها بشوق، فمنع نفسه عنها بالرغم من رغبته الملحة لفعلها، فطبع قبلة على جبينها، يضمها لصدره بحنان قائلاً بحب: _بحبك يا سارة، ده أنتِ الوحيدة اللي حبك عشّش جوه القلب بضمير. *** يجلس معه في غرفة المكتب ينتظر حديثه، فتردد "فريد" وهو يقول: _بابا...
بابا أنا كنت عايزك في موضوع ضروري. انتزع والده نظارته الخاصة بالقراءة، يلقي بها على المكتب، فنصت إليه باهتمام: _وأنا مستني أشوفك هتقول إيه، بقالك ساعة بتقول عايزني ضروري يا فريد، ما تنطق. دَلَفَت والدته إلى المكتب، تتبعها الخادمة وهي تقول: _حطي القهوة على المكتب يا وفاء. وضعت الخادمة فنجان القهوة، مغادرة المكتب وهي تقفل الباب من خلفها، فقالت والدته وهي تضع قدم على الأخرى، تجلس مقابله: _ما تقول يا فريد، مالك؟
نبرة برع في إخراجها وهو متأثراً يقول: _أنا عايز أتجوّز. ابتسم والده بسمة ساخرة: _وأنت عامل كل ده والقلق اللي أنت فيه ده كله عشان عايز تتجوز؟ وماله نجوزك. أنا كتير كنت بقولك إنك خلاص عديت الثلاثين ولازم تتجوز، وأنت اللي كنت بترفض. طالعته والدته بنظرة شك قائلة: _استنى أنت يا دمنهوري... هو أنت ناوي بقى تتجوز مين؟ أوعى تقول البنت اللي مغلباك بقالها سنين. _بنت... بنت مين؟ كان هذا سؤال والده الذي سأله بعدم فهم،
فأجابت والدته بسخرية: _بت كده مش عارفه في قرية إيه في ضواحي الصعيد. _ماما أرجوكي، اسمها شمس، ماسمهاش بت. _والكتكوته بقى رضيت عليك أخيراً؟ قالتها والدته بعدم رضا، وكان الارتباك هو المسيطر على وجه فريد قائلاً: _ماما شمس غير كل البنات اللي عرفتهم، هي بس مؤدبة حبتين، عشان كده مكانتش بتوافق عليا، لكن لما اتقدمتلها... بتر والده حديثه: _لما إيه؟ أنت كمان اتقدمتلها؟
_لأ يا بابا، ده كان مجرد كلام مش أكتر، بس الاتفاق هيبقى مع حضرتك. _وأنا مش موافق على الجوازة دي. قالها بحزم وعاد يواصل حديثه: _اسمع يا فريد، في حركة تنقلات في الوزارة الأيام دي، وأنا عايز أعزز موقفي، وكنت شوفتلك بنت... بنت من توبنا، بنت مسؤول كبير في الدولة. رد بانفعال: _طب وأنا؟ فسأله هو الآخر: _أنت إيه يا فريد؟ فقال بتهكم: _أنا رأيي فين؟
اسمعني يا والدي كويس، أنا الخميس الجاي هاروح وأتفق معاهم على كل شيء، سواء كنت موجود أو لأ، فـ أنا مش هتجوز غير شمس. وعلى فكرة يا أمي، شمس مش مجرد بنت من القرية، شمس بنت عيلة كبيرة في الصعيد، لو حابة تيجي معايا تشوفيها، أهلاً وسهلاً، مش حابة مش هغصب على حد فيكم. *** مرور الأيام أصبح كمرور الساعات، تمر الأيام سريعاً، أشعة الشمس الذهبية ملأت منزل "الصاوي"، يجلس فريد بعد إصرار من "شمس" بموافقتها عليه، بغرفة الضيوف.
تجلس الخالة معه تتفق على كل شيء، تجاوره والدته رغم عنها قائلة بتهكم: _مش قبل ما نتفق نشوف العروسة الأول، على الأقل. قالتها بكبر، فردت مشيرة على الفور: _والدتها راحت تنادي عليها، إنتوا شرفتونا النهارده، أنا هاروح استعجلهم. خرجت على الفور تصطدم بـ "ياسين" بالخارج، فسألها بفضول: _مين جوه مع أمي في أوضة الضيوف؟ أدركت على الفور من عينيه بأنه ليس على ما يرام أبداً، فردت عليه تصطنع الحزن:
_ده فريد ومامته جايين عشان يتفقوا على معاد الفرح. زفر بتعب بعدما رمقها بنظرة وضحت ما بداخله، دخل إلى غرفته يصفع الباب من خلفه، فدخلت مشيرة ورائه قائلة بهدوء: _مالك يا ياسين؟ مش على بعضك ليه؟ كل ده عشان شمس هتتجوز؟ ما ده اللي إحنا عايزينه، عايزنها تبعد عنك عشان تفضل مع عمار، هو مش عمار معاك؟ مش ده كفاية؟ رفع كفه مانعاً أي استرسال منها في الحديث، وقد انفعل بعد قولها، وظهر في رده:
_أنا مش زعلان عليها، أنا زعلان على نفسي، زعلان على عمار اللي كنت فاكرها إنها بتحبه، طلعت خاينة وغدارة، طلعت بألف وش، بتدور على مصلحتها وبس، عايزة تتجوز وتخلف وتعيش حياتها وتنساني. فعاد يكرر كلماته بتردد: _أقصد تنسانا... تن... تنسانا. ربتت "مشيرة" على كتفه برفق: _من أول ما شوفتها وأنا قولت عليها خاينة وغدارة. شمس ما حبتكش يا ياسين، ولا حبت عمار في يوم. بلاش تخسر عمار عشانها، تعالى نرجع ألمانيا، تعالى نبعد عنها.
فأشار برأسه بالإيجاب: _هنرجع... أكيد هنرجع، بعد ما آخد يزن وسارة معايا عشان تتعالج هناك، أنا وعدته إني مش هسيبه. يا مشيرة، سارة طلع عندها كانسر. فأشفقت عليها مشيرة قائلة: _حرام، دي لسه صغيرة. فتنهد قائلاً: _عشان كده مش هسيبهم. فردت هي بما يطمئنه: _وأنا كمان أعرف دكاترة كتير هناك متخصصين ومش هنسيبها سوا. فقال بامتنان: _أنا مش عارف أقولك إيه، من ساعة ما قابلتك... فبترت هي حديثه:
_ماتقولش، أنا مستعدة أعمل عشانك أي شيء، المهم تكون مرتاح يا ياسين، أنت وعمار. فجاءت بشرابه المفضل وهي تضعه بزجاجته المفضلة: _اشرب... أنا عارفة إنك بتحب الشيري كولا. فسمع صوت الزغاريد بالخارج مرة أخرى، بعدما اتفق الجميع على موعد كتب الكتاب، فتجرع من الزجاجة ما يكفي. ***
لم تذق النوم وكيف تعرف له طعم، بعدما تحدد موعد كتب كتابها قريباً. لو أنها تعرف كلمة أعمق من كلمة "انطفأت" لكانت قالتها الآن، فهي لم تشعر بانطفاء روحها مثلما تشعر به الآن، بات قلبها فارغاً، كأنها مدينة بلا نوافذ، فخرجت من غرفتها ترتدي الشال على كتفيها، ساقتها قدماها إليه إلى قبره في عتمة الليل، تقف أمام اللوح الرخامي، تنهمر دموعها على وجنتيها قائلة من بين شهقاتها:
_المكان هنا في الضلمة يخوف، بس بوجودك فيه بطمن، بقدر أقول كل اللي جوايا وأنا عارفة إنه هيفضل سر ما بينا، برمي حمولي وهمومي عليك، حتى وانت مش موجود، أتحملت مني كتير وانت عايش، وتحملت أكتر وانت ميت. عارفة إني قصرت معاك الفترة اللي فاتت ومكنتش بجيلك زي الأول، بس الفترة اللي فاتت كنت مشغولة بحاجات كتير. فظهر "ياسين" من خلفها يهمس بأذنها بصوت منخفض: _مشغولة بفريد.
انتفضت بمكانها بعدما دب الذعر بقلبها، تسارعت دقات قلبها من كثرة خوفها، التفتت تراه يشرب مشروبه المفضل، وكأنه بحالة من اللا وعي، بالرغم من أنه مشروب "شيري كولا" خالي من أي كحول، فمسحت وجنتيها، تضم الشال على كتفها، تحاول تجاوزه هاربة بعيونها منه: _ياسين باين عليك مش في وعيك، ياريت تروح دلوقتي. كلماتها مبهمة جعلت الحيرة تظهر على وجهه، ضم حاجبه باستغراب ينظر لزجاجته:
_بس أنا مش سكران، أنا في وعيي أوي، دي شيري كولا على فكرة. _طب ممكن تروح دلوقتي؟ كان رده حاسماً وهو يقول لها: _مش لما أعرف الأول إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده يا عروسة. كان الارتباك هو السائد والمسيطر، فلم يسعفها إلا أن تبرر وجودها هنا بقول: _جيت كنت بدور على حاجة ولاقيت نفسي هنا وماشية دلوقتي على طول. تقدمت خطوة للأمام، فوقف أمامها وكأنه سد منيع، فسحبها من مرفقها يقربها منه، وربت على رأسها وتكلم يطمئنها برفق:
_أنتِ... مش عايزة فريد يا شمس؟ شمس لو في حاجة قوليلي... لو فريد غصبك على حاجة اتكلمي وأنا هقفله. مش عارف، في حاجة جوايا بتقول إنك مش عايزاه، مع إن كل حاجة بتقول إنك غدارة وبتاعة مصلحتك. شمس أنا سامعك، فكري لآخر لحظة، فكري يا شمس... أنتِ فعلاً بتحبي فريد؟
صمتت للحظات، فقربه منها يزيد توترها، وتعلو دقات قلبها، ليست دقات عادية بل كهرباء تهز جسدها بأكمله، حين اقترب منها، رفعت عينيها تجاه وجهه وعينيه الصافيتين تدل على نقائهم، تريد إخباره، تريد البوح بالحمل الثقيل الذي تحمله بداخلها، ولكنها فجأة تذكرت تهديد فريد الدائم لها ومنصب والده المرموق، تغيرت ملامحها فجأة وهي تقول بصوت حازم: _أنت ليه مش قادر تصدق إني بحبه؟ افهم بقى يا ياسين، أنا بحب فريد.
قالت آخر ثلاث كلمات ببطء شديد، تصنعت الصدق ببراعة، فصدق هو ما قالته للتو. تركته لترحل، فقال هو ما أوقفها بغضب: _عمار كان عنده حق لما قالي إنك خاينة وعمرك ما حبيتي حد فينا. أخدتينا لعبة بين إيديكي وإحنا.. إحنا كنا هنخسر بعض بسببك. شعرت هي ببوادر نوبة جائته من جديد، فقررت أن تواجه هذه المرة. خرجت عن صمتها وهي تقول: _قالك إمتى إني خاينة وماحبتش حد فيكم؟
آخر مرة شوفت عمار فيها كنا في الحرب من عشر سنين، وعمركوا ما اتكلمتوا سوا. آخر مرة عمار مات ما بين إيديك، وده قبره اللي إنت واقف عنده. عمار مات يا ياسين، فوّق. بص حواليك، بص إنت فين. صاح بوجهها قائلاً، وكأن العالم كله لا يساع صراخه: _اسكتي يا شمس، اسكتي. ما تقوليش إن عمار مات. عمار ما ماتش. فظهر عمار من خلفها يطالعه وهو يقول: _مش قولتلك؟ مش قولتلك هتقولك إني ميت؟
مش حذرتك منها وعرفتك قبل كده قد إيه هي بتكرهنا وعايزانا نبعد عن بعض؟ شمس دي حية فرقت بينا في الأول وعايزة تفرق بينا في دلوقتي. لاحظت هي شروده، ينظر خلفها، تصب قطرات العرق على جبينه. ابتلعت ريقها بخوف، ترددت للحظات، بعدما لاحظت "شمس" تلك الرعشة بيده، فزادت بحديثها: _لو هو عايش زي ما إنت بتقول، هو فين؟ خليه يظهر، عايزة أشوفه. خليه يبقى قدامي من جديد يا ياسين. ياسين، إنت مريض ولازم تتعالج. طالع ياسين عمار قائلاً بتساؤل:
_أظهر لها يا عمار، قول لها إنك عايش، ما متتش. عرفها إنك زيفت موتك عشان نفضل سوا. قول لها إن القبر ده فاضي وإنه ما فيهوش حد عشان إنت.. إنت عايش صح؟ إنت عايش. لم يتلقى منه رد. وقفت صورة عمار أمامه دون حراك. اقترب منه ببطء، رفع كف يده بأيد مرتعشة، يريد فعل ما نهاه عنه لسنين، وهو أن يلمسه، يضمه إلى صدره. وجد نفسه يلمس سراب، تتحرك صورته بين أصابعه، تبخرت صورته في الهواء، يراها تبتعد عنه. أصابه الدهشة مما حدث الآن،
فأخذ يصرخ باسمه: _عمار ما تسيبنيش.. عمــــــــــار. لم تستطع قدماه تحمله الآن، فأثنى ركبتيه على الأرض، انحنى بظهره ودموعه تملأ مقلتيه. هرولت هي تجلس بجواره، تمسد على وجهه، تعيد خصلات شعره للخلف بحنان: _عمار مات يا ياسين.. مات ومش هيرجع تاني. نظر إلى الأرضية يقول بصوت مبحوح: _اسكتي. مات من عشر سنين وقت الحرب. _بقولك اسكتي. اقتربت منه أكثر، تضع رأسه بين كفيها برفق: _العربي طلع قلبه بأيده من جسمه ومات في حضنك يا ياسين.
بقولك اسكتي.. اسكتي.. اسكتي يا شمس.. اسكتي عشان خاطري اسكتي. نظر إلى الأرضية ومازالت تقترب منه، تنهمر دموعه منه بشراسة، لا يستوعب عقله ما حدث للتو. فاقتربت منه أكثر، تحاوطه بين ذراعيها بحنان.
أن شعور الاختناق مميت، أخذ يستنشق الهواء من حوله كمن حرم من الأكسجين. الأضواء بكل مكان تزين منزل الصاوي، عدم شعوره بالارتياح يرهب قلبه الحزين. صوت المزمار يعلو بكل مكان. أتى فريد مع والدته من جديد، ينتظر المأذون على أحر من الجمر، بعدما اتفقت معه الخالة بأنه سيكون في بادئ الأمر كتب كتاب فقط حتى ليلة الزفاف. دخلت سارة على شمس، وجدتها تقف أمام المرآة، لم ترتدي فستانها حتى الآن. _سارة، إنت لسه ما لبستيش؟
يا شمس ده العريس بره. ابتلعت ريقها تتنهد بعمق: _هلبس يا سارة. فقالت بلوم: ولما إنت مش عايزاه، وافقتي عليه من الأول ليه؟ ومتمسكة بيه أوي كده ليه؟ حاولت "شمس" اخفاء حزنها برسم بسمة على وجهها قائلة: _أنا قولت مش عايزاه، بالعكس أنا هلبس أهو. معلش يا سارة، ممكن تسبيني لوحدي شوية عشان اللبس.
أشارت بالإيجاب، وهي تستعد للمغادرة. التقطت شمس بين كفيها فستانها الأبيض، تستطيع شم رائحة الكفن به. كانت تشعر بأن الموت هو خلاصها. ارتدت فستانها، تقف أمام المرآة، تتخيل ياسين يقف من خلفها يغلق لها سحاب فستانها برفق، بعدما وضع قبلة حانية على جبينها. ابتسمت ابتسامة رضا، تضع يدها على وجنتها، حتى أفاقت من شرودها على صوت زهرة قائلة: _لسه ما خلصتيش؟ يا شمس الناس مستنية بره.
أشارت برأسها بالموافقة. ينتظر "ياسين" بالخارج، لا يستطيع رؤيتها تزف على غيره. لم يحتمل قلبه ذلك، وخصوصاً بعدما أعلنت زهرة عن قدوم العروس. وضع كف يده على أذنه، خرج يهرول بين الحشود، يتذكر كلماتها وهي تخبره بثقة: _أنا بحب فريد وعايزاه. ابعد عني بقى، كفاية محاولات يا ياسين. أنا مش هتجوز غير فريد. فاق من شروده على اتصال هاتفي، فرد على الاتصال، بعدما علم بأنها هي، ابتسم قلبه من جديد.
هما الآن على حافة المنحدر، بعدما اتفقوا أن يتركوا الحياة سوياً. ضغط ياسين على المكابح بقوة، يحاوطها بذراعيه، يخبأها بداخله، فانزلقت السيارة على المنحدر بارتفاع هائل. قبض كفه بكفها، عزم على عدم تركها والموت سوياً. فانزلقت السيارة بسرعة هائلة إلى المياه، اصطدمت السيارة بالمياه على ارتفاع شاهق بسرعة مهولة. امتلأت السيارة بالمياه بكل مكان، ففتح كل منهما عيناه تحت الماء، يطالع كل منهما الآخر، ما زال ممسك بكف يدها، يلبي رغبتها. يراها تحاول كتم أنفاسها أكثر من ذلك، فضرب الباب بقدمه، يحاول إخراجها من السيارة بالقوة.
حدث عكس المتوقع، بعدما جاء والد فريد يحضر كتب كتاب ابنه، على الرغم بعدم موافقته. جاء دون حرس، جاء بمفرده مع السائق يهنئه بزواجه، فهو ابنه الوحيد. رحب الجميع به، وجلس بجانب المأذون ينتظر العروس. يتساءل الجميع الآن، أين العروس الآن؟ كان كل من بالمنزل يتهامس على هروب العروس من يوم زفافها. فقال والد فريد: _هي فين العروسة؟ مش شايفها ليه؟ ارتبك فريد وهو يردد: _أكيد.. أكيد يا بابا بتجهز. كل هذا. كان هذا رده،
فقام فريد وهو يقول: هاروح أشوفها بنفسي. استدار بوجهه للأمام ليجدها أمامه، بجوار ياسين يحتضن كفها بقوة. أعصابه تتأكل والنيران مشتعلة بداخله، يطالع الجميع بعضهم البعض بذهول. فقطع "ياسين" نظراتهم بقول: _أنا وشمس اتجوزنا، ودي ورقة جوازنا.
طالعها "فريد" بنظرات تحمل من اللوم ما يكفي، وأن القادم لن يكن باليسير. فشعرت بالخوف ولا إرادياً، وجدت نفسها تحتمي خلفه، تقبض بكفها على كفه أكثر، مستغيثة وطالبة أن لا يتركها أبداً. فكان هو حماها وملجأها الوحيد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!