تحميل رواية «القاتل الراقي» PDF
بقلم سارة بركات
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"ما زلت أبكي على ذكرى مؤلمة، ما زال الجرح عميقًا ويؤلمني كثيرًا حتى وإن تظاهرتُ بالقوة." في مساء يوم ممطر بمدينة القاهرة، وبالأخص بمنزل راقٍ يصدح به المذياع بصوت العندليب الأسمر، كانت فريدة تقف أمام مكتب زوجها والذي يُدعى مصطفى المنغمس في بعض أعماله. تنظر له بحب وعشق لم ولن ينتهي والذي نتج عنه صغيرهما الحبيب. شردت بتفكيرها قليلاً في طفلهما الذي لديه خوف من الجميع لدرجة أنها وزوجها يخفيان تواجده حتى الآن وذلك عندما علما بمرضه النفسي في سن الرابعة وبناءً على تعليمات الطبيب النفسي الخاص به. أما هي،...
رواية القاتل الراقي الفصل الأول 1 - بقلم سارة بركات
"ما زلت أبكي على ذكرى مؤلمة، ما زال الجرح عميقًا ويؤلمني كثيرًا حتى وإن تظاهرتُ بالقوة."
في مساء يوم ممطر بمدينة القاهرة، وبالأخص بمنزل راقٍ يصدح به المذياع بصوت العندليب الأسمر، كانت فريدة تقف أمام مكتب زوجها والذي يُدعى مصطفى المنغمس في بعض أعماله. تنظر له بحب وعشق لم ولن ينتهي والذي نتج عنه صغيرهما الحبيب. شردت بتفكيرها قليلاً في طفلهما الذي لديه خوف من الجميع لدرجة أنها وزوجها يخفيان تواجده حتى الآن وذلك عندما علما بمرضه النفسي في سن الرابعة وبناءً على تعليمات الطبيب النفسي الخاص به. أما هي، كانت حزينة كثيرًا لأن طفلها يخاف حتى الخروج من المنزل، صار عمره عشرة أعوام ولا يوجد أي تحسن في حالته إلى الآن. لم تنتبه لزوجها الذي انتبه لوجودها واستقام من مقعده واتجه نحوها بابتسامة لطيفة. وهنا انتبهت لزوجها الذي احتضنها بكلتا ذراعيه مقبلاً شعرها الأسود بحب.
مصطفى: "واقفة هنا من إمتى؟"
استندت فريدة برأسها على صدره متحدثة بحزن وشرود: "من شوية."
انتبه مصطفى لنبرتها الحزينة، التمس وجنتيها بيديه الدافئتين ورفع رأسها لينظر بداخل عينيها.
مصطفى بتفهم وهدوء: "هيخف يا حبيبتي، أنا مش هسيبه كده، خليكي واثقة فيا."
فريدة بابتسامة مطمئنة: "واثقة فيك يا حبيبي."
ضمها بحب ثم نظر صوب النافذة يراقب الأمطار التي تهطل في الخارج. وصل إلى مسامعهما نغمة موسيقية ناعمة تلائم ذلك الجو الممطر، ابتعد مصطفى عنها قليلاً وابتسم لها ابتسامة عذبة يعبر من خلالها عن مدى حبه لها. مد يده لها في حركة لطيفة يحثها على الرقص معه. ضحكت ضحكة خفيفة وأمسكت بيده وبدأ يتحرك بها حركات خفيفة واضعًا يده الأخرى حول خصرها يقربها نحوه أكثر. ابتسمت بخجل واضح.
مصطفى وهو ينظر داخل عينيها: "بعد كل السنين اللي بينا دي ولسه بتتكسفي مني؟"
فريدة وهي تنظر إليه في المقابل: "مهما عدى بينا يا مصطفى، أنا لسه بحس إني بنت صغيرة لما ببقى في حضنك، وإن اللي فات ده كله دقايق وعدت."
قبل رأسها ثم أسندت رأسها على كتفه وأكملا رقصتهما في هدوء وبعد ثوانٍ قاطع ذلك الهدوء استفسارها.
فريدة: "إنت ليه مغيرتش هدومك لحد دلوقتي؟ إنت من ساعة ما رجعت من الشغل وإنت مغيرتش ومش راضي تاكل."
تنهد مصطفى متحدثًا بإرهاق: "ما تشغليش بالك بيا."
فريدة معقدة حاجبيها وهي تنظر إليه: "إزاي ما شغلش بالي بيك؟؟ أنا شريكة حياتك يا حبيبي ولازم تحكي لي كل حاجة."
أغمض عينيه قليلاً ثم بدأ يتحدث بعدم ارتياح: "وضع الشركة الفترة دي مش مريح بالنسبة لي على الرغم إن أنا وجمال محققين نجاح كبير بس مش عارف مش مرتاح الفترة دي.. حاسس بحاجة غريبة ومش فاهمها."
فريدة بضيق واضح: "أكيد جمال شريكك ورا قلة راحتك دي."
مصطفى باستسلام من اتهامها الدائم لشريكه في العمل: "فريدة أنا مقدر إنك بتكرهي جمال ولا حابة صداقتي ليه.. بس صدقيني ده الشخص الوحيد اللي أقدر أعتمد عليه في كل حاجة."
فريدة بضيق وعدم ارتياح: "براحتك."
مصطفى وهو يمسك بكتفيها: "نفسي أفهم بتكرهي جمال ليه؟"
نظرت فريدة لزوجها متذكرة نظرات جمال الوقحة لها وتحدثت مع زوجها مرارًا وتكرارًا بخصوص ذلك الأمر ولكن جمال دائمًا يظهر كالبريء والمخلص والوفي أمام زوجها.. خبيث!!
فريدة بتنهيدة: "ما فيش، خلاص انسى الموضوع."
نظر لها قليلاً وكاد أن يتحدث.
: "بابا."
انتبه مصطفى لطفله الغالي على قلبه والذي سوف يضحي بكل شيء من أجله إن تطلب الأمر. ابتسم له بحب كبير وبادله طفله بابتسامة بريئة تليق باسمه فهو اسم على مسمى "براء". ارتمى في أحضان أبيه الذي ضمه بشدة.
براء: "وحشتني أوي يا بابا، ليه ما طلعتش للأوضة بتاعتي تقرأ لي قصة مع ماما؟"
مصطفى وهو ينظر في عينيه ويربت على شعره الأسود: "معلش يا حبيبي، ورايا شغل كتير بخلصه ما تزعلش مني، بكرة هعوضك."
هز براء رأسه بابتسامة جميلة.
فريدة: "حبيبي صاحي ليه لحد دلوقتي؟"
براء: "المطر كان صوته شديد بره وماعرفتش أنام."
احتضنته فريدة وهو استند برأسه على بطنها مغمضًا عينيه بطمأنينة وراحة. أما مصطفى كان ينظر لكليهما بحب شديد. فماذا يريد الإنسان في هذه الحياة سوى الحصول على عائلة لطيفة مثل تلك؟ جلس براء مع والديه يلاعبانه بألعابه اللطيفة مثله. فهو على الرغم من أنه صاحب عشرة أعوام وواعٍ إلا أنه كالطفل الصغير الذي لا ملجأ له سوى أحضان والديه. بعد مرور وقت قصير انتبهوا على صوت دقات غليظة على باب الفيلا. فزع براء بسبب صوت الطرقات العالية واختبأ في أحضان والدته.
فريدة لمصطفى وهي تزيد من ضمها لابنها: "مين هيجي لنا في الوقت ده؟!"
مصطفى بعدم فهم: "مش عارف."
كادت أن تتحدث فريدة ولكن قاطعها صوت الشخص الطارق.
: "مصطفى."
انتبه مصطفى للصوت المألوف بالنسبة له. هل يمكن؟ عقد حاجبيه بضيق.
مصطفى: "ده جمال يا فريدة، أنا هفتح مش هاخد دقيقة وهخليه يمشي."
هزت رأسها بهدوء وانتبهت لبراء الذي يرتعش في أحضانها. تحركت به نحو غرفة الضيوف المخصصة بهم وجعلته يختبئ تحت كرسي بها تخفيه عن الأنظار لأن لا أحد لديه علم بوجوده.
فريدة بابتسامة جميلة وهدوء: "ما تخفش يا حبيبي، بابا هيمشيه ما تقلقش."
هز رأسه في خوف. وهي قبلت يديه الصغيرة ثم استقامت في مكانها واتجهت نحو زوجها الذي ينظر بضيق شديد لصديقه المتغطرس يرتدي بذلة سوداء وعينيه ماكرة كالثعلب.
مصطفى بابتسامة هادئة: "إزيك يا جمال؟ أخبارك إيه؟ ما اتصلتش ليه على تليفون البيت كنت عرفتني إنك هتيجي؟"
استند جمال على الباب بغطرسة ناظرًا لفريدة التي اختبأت خلف مصطفى من الخوف الذي اعتراها فجأة.
جمال: "معقولة هحتاج إذن عشان أجي بيتك؟"
كور مصطفى يديه بغضب شديد.
مصطفى: "جمال.. قول عايز تقول إيه وامشي من هنا."
نظر جمال لمصطفى الذي ينظر له بالمقابل بشر. كأنه ينتظر كلمة واحدة لتندلع الحرب التي بداخله. ابتسم جمال باستفزاز.
جمال: "عايز آخد كل حاجة منك، *نظر لفريدة* حتى مراتك."
كلمة واحدة كانت الفاصل في كل شيء "زوجتك". تلك الكلمة هي من أشعلت النار بداخل مصطفى. لم يشعر بنفسه سوى وهو يمسك جمال من تلابيبه ويعطيه ضربة قوية في الرأس وهنا صرخت فريدة فزعًا من ذلك الصراع الذي بدأ. تعارك الاثنان وكان من الواضح أن مصطفى هو الفائز. ولكن جمال كان يضحك كثيرًا أثناء ضرب مصطفى له مما استفزه أكثر حتى أنه كاد أن يكسر جمجمته ولكن لم يستطع لأن هناك من أمسك به وأبعده عن جمال وهم رجاله الذي بدأوا بضرب مصطفى بقوة. صرخت فريدة رعبًا على زوجها الذي تكاثر عليه رجال جمال وركضت نحوه هلعًا ولكنها وقعت أرضًا نتيجة ضربها من أحد الرجال. اعتدل جمال من الأرض وقام بتنفيض ثيابه كأن ما لمسها هو الغبار ليس إلا، نظر لمصطفى الذي لم يعد يبدو من ملامحه شيء. ركضت فريدة هلعًا مرة أخرى نحو زوجها لكي تمنع الرجال من ضربه ولكنها صرخت بألم عندما أمسكها جمال من شعرها بقوة.
جمال بابتسامة مقززة وهو ينظر بداخل عينيها: "انسيه بقى، أنا موجود."
فريدة بتقزز وألم محاولة الابتعاد عنه: "ابعد عني."
صفعها جمال بقوة وبدأت تصرخ باسم مصطفى. رمى بها جمال أرضًا واعتلاها وصارت فريدة تصرخ بأقوى صوت لديها. صوت يسابقه الرعد الذي يزداد في ذلك الجو الممطر. حاول مصطفى أن يبتعد قدر المستطاع عن أيدي رجال جمال وأن يتجه نحوها بكل ما أوتي من قوة وما زال رجال جمال يلحقونه ويضربونه ضربًا مبرحًا. كان صامدًا يحاول أن يصل إليها لكي ينقذها. تحاول قدر المستطاع أن تُبعد جمال عنها ولكنها لم تستطع. بدأ جمال بتقطيع ثيابها وصراخها يزداد.
مصطفى بصراخ وهو يلهث: "جمال، أنا قدامك.. بلاش هي.. بلاش، أرجوك سيبها."
نظر جمال لمصطفى قليلاً ثم نظر لفريدة التي تحاول أن تبتعد عنه، ثم عاد بنظره مرة أخرى لمصطفى. أشار بيده لرجاله بالتوقف.
مصطفى باستفسار وهو يلهث: "ليه؟"
جمال بابتسامة شريرة: "عشان إنت معاك كل حاجة.. لكن أنا مش معايا.. إنت اتولدت في بقك معلقة دهب من عيلة راقية كبيرة ومرموقة ومكانتها في المجتمع عالية حافظت على ثروة أهلك وكبرتها.. لكن أنا.. أنا كان مكاني في الزبالة.. *شرد قليلاً* شوفت اللي ما ينفعش طفل يشوفه، عشت الفقر كله من صغري."
مصطفى وهو يسعل دمًا: "بس أنا ساعدتك يا جمال، أنا خليتك شريكي، إنت كنت صديق عمري."
جمال بغضب: "مش كفاية.. *أشار نحو فريدة* أخدت مني الإنسانة اللي حبيتها أول أما شوفتها.. طبيعي هتبص لك عشان إنت من مستواها يستحيل تبص لي أنا جمال الفقير الكحيان، أخدت مني كل حاجة بفلوسك، قربت منك أكتر وكسبت ثقتك عشان أقدر أبقى دراعك اليمين في كل حاجة، فرحت جدًا لما خليتني شريكك.. بس ده مش كفاية.. تعرف.. أنا مبسوط جدًا النهاردة عشان ده يوم ميلادي.. اليوم اللي أخدت فيه كل اللي أنا عاوزه.. امتلكت أملاكك كلها النهاردة وبتوقيع منك، واللي ساعدني على كده أعدائك اللي عايزين يخلصوا منك.. كل حاجة كانت سهلة بالنسبة لي.. *تبدلت ملامح مصطفى إلى الصدمة وأكمل جمال* ودلوقتي..."
استقام جمال من مكانه وتوجه نحو أحد رجاله شخص ضخم البنية عن باقي الرجال. أخذ سكينًا منه. ركضت فريدة نحو مصطفى واختبأت بأحضانه وهي تبكي وتنظر لمكان اختباء طفلها الذي يرى كل شيء وهو يبكي. أشارت إليه بالصمت وابتسمت بألم وأغمضت عينيها وهي في أحضان زوجها. ظل مصطفى يربت بألم على كتف زوجته المستكينة بأحضانه. وعينيه على رجال جمال الذين يقومون بتفريغ بعض الخزانات المليئة بمادة البنزين. عاد جمال لمصطفى الذي يحتضن فريدة وهو في قمة ألمه من ضربهم المبرح له. صرخت فريدة مرة أخرى حينما أمسكها جمال من شعرها يسحبها له قسرًا. حاول مصطفى أن يبعدها عن جمال ولكنه صرخ بألم عندما قام جمال بطعنه بقوة في معدته.
جمال بشر: "ما حدش هيقدر يمنعني منها."
فريدة بصراخ: "مصطفى!!!"
حاول مصطفى أن ينهض ولكنه أخذ طعنة أخرى في صدره. ووقع أرضًا وظل يلهث بشكل متقطع.
حاول جمال أن يأخذ فريدة عنوة تحت أعين مصطفى الذي يبكي ويلفظ أنفاسه الأخيرة. بعدما انتهى جمال من فعلته الشنيعة، توجه نحو مصطفى الذي تنزل دموعه بغزارة وقارب على فقدان الوعي.
جمال بتلذذ وشر: أخيرًا جه اليوم اللي أشوفك فيه مكسور. شوفت عجزك وضعفك بسبب إنك معرفتش تنقذ مراتك من تحت إيدي. بس تصدق هي تستاهل المعافرة.
وجد مصطفى يفقد وعيه، فقام بضربه بأقلام خفيفة على وجهه.
جمال: لسه يا مصطفى. لسه بدري على النوم. لازم تتعذب قبل ما تموت. لازم.
مصطفى بنفس متقطع وبكاء: أ..أر..جوك.
جمال متصنعًا اللامبالاة: إيه؟ مش سامع؟
مصطفى بهمس مسموع: سيبها تعيش.
نظر جمال لفريدة الساكنة مكانها وتبكي.
جمال بابتسامة: وعشان غلاوتك عندي بقى، أنا مش هخليها عايشة ثانية واحدة.
فتح مصطفى عينيه باتساع وهو يرى جمال يتجه نحو زوجته والسكين بيده. حاولت أن تبعده عنها ولكنها لم تستطع. ثانية. كانت ثانية واحدة وقام بذبحها أمام زوجها. ارتمت جثتها أرضًا ناظرة بأعينها المليئة بالدموع نحو ابنها الذي يبكي ويحاول كتم شهقاته مما يراه كما أشارت إليه والدته سابقًا. لم يستطع مصطفى التحرك نظرًا لقرب انقطاع أنفاسه. ينظر إلى زوجته بدموع منهمرة بدون توقف.
مصطفى بصوت متقطع: فر..ي..دة.
وهنا استسلم للموت والدمع يفيض من عينيه قهرًا على زوجته. تحرك جمال مع رجاله نحو الباب ونظر للبيت، وقام بإشعال عود ثقاب ورماه أرضًا، مما أدى إلى إشعال النيران في البيت. خرج من البيت وأغلق الباب خلفه. كان براء يبكي وهو ينظر لوالديه الملقيان أمامه أرضًا. كانت النيران تنتشر في البيت سريعًا. خرج من أسفل المقعد المختبئ أسفله وتوجه نحو والدته يحاول إبعاد جثتها عن النيران التي بدأت تقترب منها قدر المستطاع ولكن لصغر جسده وضعف قوته لم يستطع تحريك جثتها. بكى بنحيب عندما لمستها النيران وابتعد عنه عنوة نظرًا للهيب النار. نظر لجثة والده وتوجه نحوها يحاول إيقاظه لكي ينقذه من تلك النيران التي التهمت والدته وهو يبكي بقوة ولكن والده لم يستيقظ. حاول سحبه بقوة ولكن لم يستطع تحريكه قيد أنملة.
براء ببكاء: بابا.
انتفض فزعًا عندما انفجر زجاج المنزل بسبب النيران القوية. عاد للخلف سريعًا عندما بدأت النيران تأكل جسد والده. نظر لجثة والده بفزع ثم عاد بنظره إلى جثة والدته التي لم يبق من ملامحها شيء. اختبأ في ركن بعيد في المنزل يحتضن نفسه خائفًا من تلك النيران الملتهبة القادمة نحوه ولكنه سمع صوت مزمار قوي. والصوت يقترب نحو المنزل. انهمرت المياه على المنزل لإطفاء ذلك الحريق ولكن ظل براء كما هو محتضنًا جسده الصغير بخوف شديد ينظر لجثتي والديه المتفحمتين بدموع غزيرة تخرج من عينين خلت منهما الروح.
في مكان آخر وزمن آخر:
في إحدى المناطق الراقية في القاهرة الكبرى، وخاصة في شقة راقية وفاخرة. كانت تقف أمام المرآة وتقوم بتصفيف شعرها البني الطويل، وفي نفس الوقت تنظر إلى القميص الأحمر الحريري القصير الذي ترتديه. ابتسمت بلوعة على أمل أن يعجب معشوقها البارد بذلك المظهر الرائع. أخذت نفسًا عميقًا ثم تمتمت ببعض الكلمات.
هي: ياسين عمره ما يأذيكي يا سارة، هو هيعرف منك كل حاجة النهاردة ومش هيعمل حاجة، مش هيأذيكي.
تنهدت بعمق وقامت بوضع شعرها على جانب كتفها ونظرت إلى صورتها في المرآة شاردة في قصة حياتها مع ياسين المغربي. ولكنها استفاقت وخرجت من غرفتها متوجهة نحو مائدة الطعام الرائعة التي قامت بإعدادها بكل حب. وجلست على كرسي في نية منها لانتظاره. تنهدت بعشق وهي تتذكر أول لقاء بينهما. لا تعلم لماذا تقاطع طريقها مع شخص مثله، شخص لا يعرف شيئًا في الحياة سوى القتل. ولكن كل ذلك لا يهم بالنسبة إليها، يكفي أنه أنقذها من الموت بعدما كانت ملقاة على حافة الطريق المظلم تلفظ آخر أنفاسها. وجاء بها إلى هنا وقام بالاهتمام بها ومعالجتها ومرت الأيام بينهما حتى صارت أقرب عشيقاته. غريب أن تجد أمانك في أكثر مكان يجب أن تهرب منه صحيح؟ ضحكت بخفة على سؤالها ذلك. تعلم جيدًا أنه يأتي إليها حين تضيق الحياة به، تعلم أنها مميزة كثيرًا بالنسبة إليه، حتى وإن لم يكن يثق بأحد فهي في نظره أهلًا للثقة. نظرت إلى ساعة الحائط المعلقة ووجدت أنه تبقى على وصوله خمس دقائق. ابتسمت بعشق وجلست تنتظره وهي تتذكر ملامحه الخشنة، فهو ذو بشرة برونزية ولديه عيون بنية وشعر أسود قصير ذو ملمس ناعم، وأيضًا لديه جسد رياضي قوي ذو تكوين عضلي مثالي. ظلت معه سنوات عديدة ودائمًا تتساءل لماذا يرتدي دائمًا تلك البذلات الراقية؟ لم تره يومًا يرتدي ثيابًا طبيعية مثل الآخرين، فهي تشعر أنه جاء من عصر الملوك لدرجة أنها تصدق بأن هناك آلة زمنية قد انتقل من ذلك العصر إلى عصرنا هذا. ضحكت على تخمينها ذلك. مرت الخمس دقائق ومر بعدها خمس دقائق أخرى. زفرت بملل فهو يجب عليه أن يأتي اليوم، فلماذا تأخر؟ قامت من مقعدها وتوجهت نحو غرفتها والتقطت هاتفها الذي قام بشراءه لها مؤخرًا. قامت بالاتصال به ولكنه لم يجب. أغلقت الهاتف وكادت أن تخرج من الغرفة ولكنها توقفت وابتسمت ابتسامة حزينة. اشتاقت لسماع صوتها، اشتاقت لكلمة "ابنتي" منها. عادت إلى هاتفها وقامت بالتقاطه مرة أخرى وخرجت من الغرفة وجلست على كرسي خاص بالمائدة نظرت للهاتف قليلًا مترددة في الاتصال ولكنها قامت بتشجيع نفسها وضغطت على عدة أرقام على الهاتف حتى ظهر رنين في سماعة الهاتف وبعد ثوان وصلها صوتها الدافئ الذي اشتاقت إليه كثيرًا.
هي: ألو.
حاولت أن تتحكم في ارتعاشها وشهقاتها عندما سمعت صوتها. خافت أن تتحدث خوفًا من أن تغلق الهاتف في وجهها إذا علمت أنها هي.
هي: ألو، مين؟
ولكنها قررت أن تتحدث معها وترجوها كما ترجوها في كل مرة.
سارة بصوت متحشرج من البكاء: ماما.
صمتت والدتها عندما وصلها صوتها وكادت أن تغلق الهاتف، تحدثت سارة كأنها تراها.
سارة ببكاء: ماما أرجوكي ما تقفليش، اسمعيني، أنا آسفة سامحيني عشان خاطري، كان غصب عني يا أمي، أنا ما أقدرش أعيش من غير رضاكي عليا، ارضي عني يا حبيبتي وسامحيني وخليني أشوفك ما تعمليش فيا كده.
هي بحزم: إياكي تتصلي هنا ثاني، وكلمة ماما دي محرمة عليكي، أنتي لا بنتي ولا أعرفك، أنا زمان كان عندي بنت اسمها سارة وماتت يومها، لكن أنتي معرفكيش أ....
صمتت والدتها قليلًا وسارة لم تعرف سبب صمتها ولكنها سمعت شهقات خفيفة من والدتها. مسحت دموعها وتحدثت.
سارة باستفسار: ماما أنتي معايا؟
والدتها بتنهيدة: أيوه.
تعجبت سارة من هدوئها ولكن التعجب زال عندما تذكرت السبب. ابتسمت وتحدثت.
سارة: أنا هاجي أزورك بكرة وأشرح....
صمتت فجأة عندما سمعت صوت خطوات تقترب من الشقة.
سارة بهمس: ماما اقفلي دلوقتي، هجيلك بكرة زي ما قلتلك.
لم تنتظر ردًا من والدتها ووضعت هاتفها جانبًا على المنضدة عندما سمعت صوت مفاتيح بالخارج إلى أن فتح الباب. اقتربت منه بلهفة وابتسامة عشق فها هو معشوقها البارد أمامها. دخل إلى الشقة وأغلق الباب خلفه وهو ينظر إليها بنظرات مبهمة لا تحمل أية مشاعر. توجه نظره صوب المائدة التي يوجد عليها أشهى المأكولات ولكنه تجاهل جميع تلك التجهيزات التي قامت بتحضيرها خصيصًا لأجله. جلس ببرود ولم يزل عينيه من عليها. شعرت بأن الخوف يعتريها لأنها تعرف تلك النظرات جيدًا ولكنها حاولت أن تطمئن نفسها بأن تلك مجرد خيالات بالنسبة لها فهو يحبها ولن يؤذيها. وضع ساقًا فوق الأخرى ببرود ونظراته أصبحت تخترقها كأنه يريد منها تفسيرًا ما. ولكنها فسرت نظراته بأنه يعاني من ضغط عمل ولا يجب أن يزعجه أحد كما اعتادت. قررت أن تخفف عنه هذا الضغط.
سارة بابتسامة حب: نورت شقتك يا ياسين.
لم يجبها وظل يتأملها بهدوء. شعرت بالتوتر حينما تجاهل سؤالها. لا تفهم لماذا هو صامت هكذا، لم تكن هذه عادته معها أبدًا. قررت أن تسأله عما يجول بخاطره.
سارة باستفسار: ياسين، في إيه؟ أنت بتفكر في إيه؟
ظهر شبح ابتسامة على وجهه ولكن هذه الابتسامة كانت للسخرية. ابتلعت بارتباك، وعادت إلى الخلف ببطء عندما قام من مجلسه وتوجه نحوها ببطء شديد وهو يقوم بخلع سترة بذلته الراقية بهدوء ووضعها على المائدة.
ياسين بهدوء وهو يشمر عن ساعديه: تعرفي إن أكثر حاجة بأكرهها في حياتي هي الخيانة، وللأسف دي معلومة مش جديدة عليكي.
حاولت أن تخفي ارتباكها وخوفها منه لكنها فشلت في ذلك.
سارة بارتباك شديد: ياسين في إيه؟ كلامك مش مريحني.
ياسين: وثاني أكثر حاجة بأكرهها في حياتي هي إن حد يعمل نفسه عبيط عليا.
سارة: صدقني مش فاهمة حاجة و.......
صمتت عندما رأته يقترب منها وعينيه بهما غضب شديد. كادت أن تهرب منه ولكنه قبض على شعرها بيده كأنه سوف يقتلعه من مكانه.
سارة بصراخ: أنا ما عملتش حاجة صدقني، ما عملتش أي حاجة.
قرب وجهها منه وهو ما زال ممسكًا بشعرها وبدأ يهمس كفحيح الأفعى.
ياسين: بتبيعيني لأعدائي؟
سارة برجاء وألم: أنا ما عملتش حاجة، أنا ما خونتكش، أنت عارف إني بأحبك وما أقدرش أخونك، ما أقدرش أعمل أي حاجة تأذيك.
صرخت بألم وهدر بها بغضب دفين لم تره من قبل.
ياسين: ثالث أكثر حاجة بأكرهها في حياتي هي الكذب.
ابتعد عنها ونظر لها بابتسامة تهكمية لم تصل إلى عينيه حتى، وظل يتلفت حولها يرمقها بكره بارد، ولسوء حظها كانت المائدة خلفها أي أمامه. أخذ سكينًا حادًا واقترب منها وبدأ يهمس بأذنها وهو يمرر يده الفارغة حول عنقها الطويل.
ياسين: عملت منك بني آدمة وأنتي مجرد واحدة رخيصة، أنتي بالذات ما كنتش أتوقع منها إنها تخوني، بس عملت حسابي إن اليوم ده هييجي. لأني عمري ما وثقت فيكي زي أي حد.
حاولت أن تلمحه بطرف عينيها ولكنه كان خلفها تمامًا لم تستطع رؤيته ولا النظر إلى عيونه الباردة التي تعشقها.
شهقت عندما وضع سكينًا على رقبتها.
ياسين: "إنتِ خاينة زيك زي الكل."
سارة بتصرف سريع مع توضيح: "ياسين، هحكيلك على كل حاجة هما قالولي..."
قطع كلامها السكين الحاد الذي اخترق عنقها، قام بذبحها في ثانية واحدة ببرود، ورماها أرضًا حتى لا تتسخ ملابسه، أخذ منديلًا من جيب سترته وقام بمسح يديه التي غرقت بدمها وهو ينظر لها، حتى بعد أن خرجت روحها من جسدها ذرفت عينيها دموع الكذب التي يكرهها.. يا لها من خرقاء.. التقط هاتفه واتصل بأحد رجاله.
ياسين ببرود وعينيه لا تبتعد عن عينيها: "ارموا جثتها في البحر، ومش عايز يكون في أثر لوجودي في الشقة."
أنهى مكالمته وأخذ سترته وتحرك صوب الباب وخرج من تلك الشقة والتي بعد سويعات أصبحت رماد.
بعد مرور سبع سنوات:
في حي شعبي بسيط، وخاصة في غرفة صغيرة ضيقة وقديمة بعض الشيء في سطح مبنى قديم وعلى سرير مهترئ بعض الشيء يوجد جسد صغير لفتاة في منتصف العشرينات كانت نائمة نومًا عميقًا وشعرها الأسود المموج يخفي وجهها كله، كانت منزعجة أثناء نومها مما يدل على أنها تحلم بشيء يزعجها ولكن هذا الانزعاج اختفى وحل محله ابتسامة مطمئنة وذلك لأنها كانت تحلم به.. تحلم فقط بما تتذكره من لقائهم.. رجلًا ذو جسد ضخم يحمل بين يديه طفلة صغيرة تستند برأسها على صدره الصلب ومن الواضح أنها فاقدة للوعي.. استفاقت تلك الصغيرة بفزع وضعف عندما سمعت أصوات طلقات نارية تصدح في المكان.. حاولت أن تنظر لوجه الرجل الذي يحملها ولكن غلبها الدوار مرة أخرى.. استفاقت مرة أخرى على رتبة على شعرها الأسود الناعم، فتحت أعينها بوهن وضعف وكان هذا الرجل يتحدث بكلمات لم تفهمها بسبب الدوار الذي حل بها.. حاولت أن تنظر لوجهه ولكن الدوار لم يكن حليفها لأنه جعل كل شيء حولها كالضباب.. استقام هذا الرجل من مكانه بعدما وضعها في مكان آمن لكي تختبئ لم تغفل عن ذلك السلاح الذي أخرجه من جيبه وتحرك به تجاه الطلقات النارية بخطوات هادئة وثابتة.. أغلقت أعينيها بتعب وإرهاق.. تململت في سريرها والابتسامة على ثغرها.. ثم فجأة فتحت أعينها السوداء على اتساع كأنها صدمت من شيء ما، انتفضت من على سريرها المهترئ ونظرت لساعة هاتفها ووجدت أنها أصبحت الساعة التاسعة صباحًا تحدثت بصدمة وصراخ.
الشخصية المجهولة: "الشغل، اتأخرت على الشغل."
وقفت على أرضية الغرفة الباردة وذهبت للحوض المقابل لسريرها وقامت بفتح صنبور المياه ولكنها لم تجد أي مياه.. تمتمت بغضب ونعاس.
الشخصية المجهولة: "دي مش عيشة دي، الواحد مش عارف يغسل وشه ولا يستحمى، أومال يعمل إيه؟!"
زفرت بغضب وخرجت من غرفتها بشعرها المشعث على إثر النوم، ونزلت إلى الطابق الأخير وأطرقت على باب شقة فيه بغضب شديد.
الشخصية المجهولة بصوت مسموع: "إنتِ يا ولية يا أرشانة افتحي الباب."
ظلت تطرق على الباب بغضب حتى فتحته صاحبة الشقة أو بمعنى أدق صاحبة البيت.. كانت سيدة سمينة وقصيرة في عقدها الرابع وذات ملامح حادة.
صاحبة البيت: "جرى إيه يا ست الدكتورة! مبوزالنا كده ليه على الصبح، وبعدين بتصحيني من النوم ليه؟"
الشخصية المجهولة بغضب: "المياه قاطعة بقالها يومين، شوفي حل في الموضوع ده."
صاحبة البيت: "مانتِ عارفة اللي فيها المياه قاطعة في الحارة كلها مش هنا بس، وبعدين إنتِ ما دفعتيش الإيجار إمبارح ليه؟"
الشخصية المجهولة ببرود وغضب: "لسه ما قبضتش."
صاحبة البيت: "لا معلش يا حبيبتي، اتصرفي بسرعة عشان لو ما جبتيش الـ 500 جنيه بتوع الإيجار يبقى تلمي حاجتك وتمشي."
الشخصية المجهولة بغضب مكتوم: "ابقي شوفي مين هيقبل يعيش في أوضة زي دي غيري."
صاحبة البيت: "الغلابة كتير يا حبيبتي."
أغلقت عيناها بغضب والتفتت لتعد إلى غرفتها ولكن وصل لها صوتها وهي صاعدة على الدرج.
صاحبة البيت: "ما تنسيش الـ 500 جنيه يا ست الدكتورة."
مريم بتمتمة: "خمسميت عفريت ينططوكي يا بعيدة."
دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها وبدأت في البحث عن ملابسها التي سترتديها في يوم عملها.. زفرت بحنق وقامت بارتداء ملابسها بعدما قامت باختيارهم بحرص شديد.. فعلى الرغم من المكان الذي تعيش به ومن حالتها المادية إلا أنها تحب أن تكون دائمًا أنيقة حتى وإن كانت مفلسة.. بعدما انتهت من ارتداء ملابسها، قامت بتمشيط شعرها بعد أن وضعت عليه بعض الزيوت الطبيعية التي تعطيه لمعانًا وقوة، تنهدت بارتياح بعد الانتهاء من تجهيز نفسها، وقامت بأخذ حقيبتها الخلفية التي تحتوي على العديد من المعدات الطبية، وخرجت من غرفتها ثم خرجت من هذا البيت القديم متجهة إلى المستشفى الخاص التي تعمل بها متجاهلة نظرات الإعجاب الخاصة بالشبان الذين يعيشون معها في نفس الحي.. فهي وإن كانت صاحبة بشرة بيضاء وملامح جميلة خالية من مساحيق التجميل فهي تشبه العديد من فتيات بلدها، لكنها لديها جاذبية خاصة بعيدًا عن كل هذا، لديها شخصية قوية يخاف منها بعض الرجال والبعض الآخر ينجذب إليها.. تنهدت بارتياح عندما وصلت إلى محطة حافلات النقل العام الخاصة بمنطقتها وركبت إحدى الحافلات المتجهة إلى المشفى الذي تعمل به.. أثناء تحرك الحافلة في الطرق كانت تنظر إلى الناس الذين يتحركون في الشوارع بشرود، ولكنها استفاقت على صوت طفلة في عمر الخمس سنوات تتحدث مع والدتها.
الطفلة: "ماما عشان خاطري أنا عاوزة أروح الملاهي."
نظرت مريم إلى هيئة والدة الطفلة والذي كان واضح من خلاله أنها لن تستطيع أن تذهب بها إلى مكان كهذا.
والدة الطفلة: "حاضر يا حبيبتي، بكرة نروح إن شاء الله."
قامت مريم بفتح حقيبتها ثم قامت بعد المال الذي في حوزتها وجدت أن ما بحوزتها مبلغ بسيط.. احتارت قليلًا ولكنها استفاقت على صوت الطفلة.
الطفلة بتذمر طفولي: "كل مرة بتقولي لي كده ومش بنروح في حتة، عشان خاطري يا ماما عايزة أروح الملاهي."
كادت أن تتحدث والدتها ولكن قاطعتها مريم التي تتحدث مع الطفلة بحنان وتربت على شعرها في نفس الوقت.
مريم: "ما تقلقيش يا حبيبتي، ماما هتوديكي الملاهي وتفرحي وتلعبي براحتك."
نظرت والدة الطفلة إلى الفتاة التي تتحدث مع ابنتها بقلق وتوتر.. ولكن نظرات الفتاة لها طمأنتها.
الطفلة بانبهار: "بجد يا أبلة؟"
مريم بابتسامة ودودة ومرحة: "طبعًا بجد، ما تقلقيش."
نظرت مريم إلى أعين والدة الطفلة وقامت بإعطائها مبلغًا في يدها دون أن تلاحظ الطفلة ذلك.. رأت ابتسامة تدل على السعادة في وجه الأم وقامت بهز رأسها بامتنان شديد نظرًا لذلك المعروف التي قامت مريم بفعله.. ابتسمت مريم مرة أخيرة لها ثم عادت إلى مقعدها الذي كانت تجلس عليه ونظرت إلى الشوارع مرة أخرى شاردة في ذلك الرجل الذي أنقذها في طفولتها.. لا تعرف من هو فحينما استيقظت وجدت نفسها وحيدة أدركت أنه اختفى وتركها في ذلك المكان ثم بعد ذلك وجدها رجال الشرطة.. تنهدت بعمق واستسلام لفشلها في محاولة تذكر وجهه ولكن كل ما تتذكره أنه كان سببًا من أسباب الله لإنقاذها من ذلك المأزق الذي وقعت فيه منذ زمن.. بعد فترة ليست بقصيرة.. وصلت المشفى وهي تركض غير آبِهة لكل من ينظر إليها بتعجب من لامبالاتها بمظهرها أمامهم.. دلفت إلى الحمام لكي تقوم بغسل وجهها ثم توجهت إلى غرفة الأطباء لكي تقوم بتغيير ثيابها وبعد انتهائها خرجت من الغرفة وهي مرتدية الرداء الطبي وتقوم بتعديل شعرها الأسود المموج بنعومة وأثناء تجولها في ممر المشفى تجمدت في مكانها عندما أوقفها صوته.
صوت مجهول بسخرية: "مساء الخير يا دكتورة مريم."
التفتت بهدوء لصاحب الصوت والذي كان عبارة عن رجل قصير أصلع سمين بعض الشيء في عقده الخامس والذي لم يكن سوى مدير المشفى "مرتضى".
مريم برسمية: "مساء الخير يا فندم."
نظر إلى ساعته ثم نظر إليها وتحدث رافعًا حاجبه ومبتسمًا بسخرية لها.
مرتضى: "ميعاد المناوبة بتاعتك المفروض تبدأ إمتى يا دكتورة؟"
مريم بلامبالاة: "تسعة."
مرتضى باستفسار: "والساعة كام دلوقتي؟"
قامت برفع حاجبها الأيمن وتحدثت بعنجهية.
مريم: "حداشر."
مرتضى باستفسار: "عارفة ده معناه إيه؟"
هزت كتفها ممثلة اللامبالاة مما أدى إلى جعله يفقد أعصابه بسبب جهلها له وبرودها معه.. بدأ يتحدث بعصبية.
مرتضى: "معناه خصم يومين."
قامت بمط شفتيها لامبالاة.
مريم بابتسامة: "اخصمهم."
نظر لها بضيق وهي ابتسمت له بتحد.. لا يجرؤ على التعامل معها.. كم حاول عدة مرات أن يستغل ظروفها المادية ولكنه لم يستطع لأنها قامت بفضحه في الآونة الأخيرة في المشفى وقاموا بالتستر عليه.. كم تتمنى أن يختفي ذلك الرجل من أمامها بلمح البصر ولكنها يجب أن تتحمل وجوده قليلًا.. فهو مدير المشفى.
ذهبت من أمامه بابتسامة كبيرة وتركته ثابتًا في مكانه ينظر إلى مكان خروجها بعدم استيعاب.. عندما ابتعدت عن مستوى نظره تأففت بضيق وتحدثت باشمئزاز وعنجهية.
مريم: "راجل ***."
وثم في ثوانٍ تبدلت ملامحها إلى المرح عندما اقتربت من غرفة بيضاء كبيرة وواسعة.. أمسكت بمقبض الباب الأبيض ودخلت الغرفة التي تشير إلى أنها غرفة ليست من هذا المشفى.. فهي مجهزة بأحدث الديكورات والأثاث التي صممت لأجل صاحبها والذي لم يكن سوى ذلك الرجل العجوز الذي يبلغ ثمانين عامًا الجالس على كرسي متحرك وينظر أمامه بشرود من خلال النافذة الكبيرة المطلة على حديقة المشفى.
مريم بمرح: "صباح الخير، وحشتك صح؟"
نظر ذلك الرجل إليها بملامح كلها لهفة وفرحة ولكنه في ظرف ثوانٍ تجهمت ملامحه وعاد ينظر أمامه مرة أخرى كأنها لم تدخل الغرفة.. تنهدت بحزن فهي تعلم كم هو ينتظرها لكي تجلس معه وتتحدث إليه فهو وحيد دائمًا إلا عندما تأتي هي.. اقتربت منه بابتسامة مرحة وحب وجلست بركبتيها أمامه وأمسكت بيديه التي تملأها التجاعيد لكبر سنه.
مريم: "إنت باصص بعيد ليه؟ عشان خاطري بص لي."
لم ينظر إليها ولم يتحدث.
مريم: "أنا عارفة إني اتأخرت عليك بس المنبه رن وما سمعتوش.. وعايزة أقولك إني من ساعة ما صحيت وأنا متضايقة ومخنوقة وحاسة إن في حاجة غريبة."
نظر إليها بطرف عينيه الزرقاء عندما قالت ذلك.. تحدثت وهي تنظر إلى عينيه.
مريم: "ما تزعلش بقى، ده إنت زعلك وحش أوي يا عم عماد."
هدأت ملامحه وابتسم ابتسامة لم تخف عنها وربت على يدها.
مريم: "أيوه كده، أخيرًا شوفت ضحكتك الحلوة دي.."
وبعدين إنت ما غيّرتش هدومك ليه؟ إنت لسه على هدومك دي من إمبارح؟
عماد بعند وصوت متقطع لكبر سنه: مرضتش أسيبهم يغيرولي عشان إنتي ما كنتيش هنا.
مريم: نفسي في مرة أجي ألاقي هدومك مظبوطة وكل حاجة تمام.
نظر حوله برهبة ثم تحدث بهمس مسموع لها فقط.
عماد: إنتي عارفة إني ما أقدرش أسيبهم يعملوا لي حاجة وإنتي مش هنا.. بحس إنهم *نظر حوله بخوف وأكمل بهمس* عايزين يقتلوني مش يغيروا لي.
ابتسمت مريم على خياله الواسع، فعلى الرغم من كبر سنه إلا أنه يضحكها دائمًا بخيالاته التي يعيش فيها. عوامل كبر السن حقًا غريبة. دائمًا يخبرها أن الكل يريد قتله وهي الملاك التي تقوم بإنقاذه دائمًا، ولا يقبل أن يتم أي شيء إلا في وجودها هي.
مريم بابتسامة: خلاص أنا هبقى معاك ما تقلقش وبعدها هحكي لك قصة وتنام.
انتبه لها واختفى رعبه عندما سمع حديثها.
عماد بحماس: هتحكي لي بقى أنهي حكاية المرة دي؟
شردت مريم للحظة ثم نظرت إليه.
مريم: هحكي لك حكاية جميلة أوي.. بس لازم تسمع الكلام الأول.
تأفف عماد وهو ينظر بزرقاوتيه إليها.
مريم بتحذير وعناد: هاه؟؟ هتسمع الكلام ولا أمشي؟؟
عماد بتأفف: هسمع الكلام.
مريم بسعادة: هنادي على الممرضات وهرجع لك.
خرجت من غرفته في اتجاهها لغرفة الممرضات وفي نفس الوقت يدور ببالها حالة عماد. فعلى الرغم من أنه لا يوجد لديه أي أمراض أو مشاكل جسدية إلا إنه اختار أن يعيش بهذا المشفى الضخم. فهو شخص غني وحيد لا يوجد له أقارب وليس لديه أي أحد، وعلى حد علمها فهو لديه معرفة سابقة بمالك المشفى الذي لم تقابله إلى الآن، ولكنها تسمع عنه دائمًا من همسات الموظفين والأطباء والممرضات، لكن عماد لم يتحدث عنه ولو لمرة واحدة أمامها! فمن لا يعلم ياسين المغربي؟! الاسم الذي تقشعر له الأبدان حين سماع اسمه، حتى جسدها اقشعر لمجرد التفكير فيه، فهو لديه هالة فريدة من نوعها. اسمه وحده له هذه الهالة فماذا عنه شخصيًا؟! نفضت تلك الأفكار من عقلها لمجرد.
مريم بسخرية: كلام ستات.. كل واحدة فيهم كانت قاعدة فاضية فقالت تطلع كلام وتبني قصص، أكيد شخص عادي زيه زي أي حد، أنا ما باخفش من حد.
ذهبت إلى الممرضات وأخبرتهم بما سيقومون به مع عماد، وإشرافها عليهن حتى لا يخاف منهن، وبعدها وضعوه في الفراش وجلست بجانبه وروت له قصة قصيرة وغفى أثناء روايتها للقصة، كان كالأطفال تمامًا. ابتسمت باطمئنان وقامت بتغطيته وخرجت من غرفته بهدوء. قامت بأداء وظيفتها بروتينها اليومي ألا وهو المرور والاطمئنان على المرضى ومتابعة تغذيتهم وحالتهم الصحية أيضًا، متجاهلة نظرات زملائها المتعالية. فهي طبيبة جراحة ولكنها مساعدة فقط. لم يعطوها يومًا فرصة لتقوم بعمل عملية واحدة حتى، حيث أنه كان هناك الأجدر منها دائمًا كما يقولون أو كما يقول مرتضى أو رئيس الأطباء ذاك! ظلموها، ولكنها قبلت بذلك الأمر. تتمنى يومًا أن تصل إلى ما تريد، لأنها لم تكن تصدق عينيها عندما جاءتها الفرصة المناسبة في مشفى "الأمل والحياة"، أول فرصة عمل لها على الرغم من الراتب الضئيل الذي تأخذه، ولكنها ستصبر حتى تصل إلى ما تريده، فتلك المشفى هي من أكبر المؤسسات العلاجية في مصر حيث أنها تابعة لمجموعة شركات المغربي الخاصة بالعديد من المجالات الصناعية.
خرجت من المشفى بعد ساعات طويلة من العمل، ووقفت على الحشائش الخضراء الخاصة بحديقتها ونظرت إلى أشعة الشمس التي أخذت في الاختفاء شيئًا فشيئًا. نظرت حولها ولم تجد أحد فوجدتها فرصة مناسبة لتقوم بإراحة جسدها قليلاً. استلقت بجسدها على الحشائش الخضراء وأغمضت عينيها بارتياح شديد ويعلو ثغرها ابتسامة صغيرة. ظلت مستلقية بجسدها على الحشائش لعدة دقائق وسرعان ما شعرت بأحدهم يضع يديه على عينيها. ابتسمت بهدوء عندما سمعت صوته.
؟؟: معقولة ما تسأليش عني كل ده؟ على كده أنا مش مهم بالنسبة لك؟؟
أشاح يديها عن وجهها وقامت بفتح أعينها التي تقابلت مع عينيه السوداوتين. تأملت ملامحه المرهقة قليلاً.
مريم بابتسامة: أنا ما سألتش عشان ما حبيتش أزعجك لإني عارفة إنك في عملية من الصبح.
تنهد بارتياح واستلقى بجانبها على الحشائش الخضراء وبدلاً من أن يتأمل السماء مثلها نظر إليها وتأملها قليلاً ثم بدأ بالتحدث.
؟؟: الحالة اللي كنت بولدها.. جابت بنت.
ابتسمت مريم ناظرة إليه أما هو أردف.
؟؟: طلبت منها تسميها مريم عشان بصراحة كانت زي القمر شكلك كده.
ضحكت بخفة.
مريم: الجو ده مش لايق عليك يا دكتور هشام.
هشام وهو يعتدل في جلسته وينظر لها عاقدًا حاجبيه: مش لايق ليه بقى؟؟ حبيبتي وبدلعها.. حقي ولا مش حقي؟
مريم بتنهيدة بسيطة: حقك طبعًا.
هشام بهمهمة وتفهم من وضعها: مرتضى ضايقك؟
مريم بلامبالاة: ما تركزش عادي، قال كلمتين يحرقوا الدم وخلاص.
هشام عاقدًا حاجبيه بضيق: وإزاي عايزاني ما ركزش وأنا شايفك متضايقة كده؟؟ إنتي عارفاني ما باحبش أشوفك كده.
مريم وهي تعتدل في جلستها: لا أنا مش متضايقة أنا بس ما نمتش كويس.
صمت هشام قليلاً وهو ينظر لها ثم تحدث في أمر آخر.
هشام بابتسامة: إيه رأيك أعزمك النهاردة بعد ما نخلص شغل، ونخرج شوية؟
مريم بابتسامة: موافقة طبعًا.
ابتسم لها بهدوء ولكن سرعان ما تذكر أمرًا.
هشام: صحيح.. والدتي محتاجة تشوفك وتتعرف عليكي عايزة تتعرف على الإنسانة اللي خطفت قلب ابنها، بصراحة ما ورائيش سيرة غيرك في البيت.
اختفت ابتسامة مريم عندما سمعت قوله ذلك. والدته؟؟ تلك المرحلة التي تقابل فيها العروس الحماة المتوحشة أو الطيبة على حسب حظها. هل ستلاحظ والدته شيئًا ما؟ هل ستقبل بها وبمستواها المادي؟؟ وخاصة أن هشام من عائلة عريقة يعيش بفيلا كبيرة حولها الكثير من الحدائق، فهو عريس وفتى أحلام مناسب لكل الفتيات طبيب وغني ومرح وأهم من كل ذلك طيب القلب. أما هي تعيش في غرفة مهترئة على سطح مبنى قديم في حارة شعبية بسيطة، تتصرف بطريقة لا تعجب أحد حتى هشام ولكنه يتغاضى عن ذلك لأنه يحبها. استفاقت من شرودها على صوته.
هشام: إيه يا حبيبتي؟؟ سرحانة في إيه؟
مريم بتنهيدة: لا ما فيش.
هشام: قولتي إيه؟؟ حابة تيجي الفيلا إمتى؟
مريم بهدوء وهي تبعد نظرها عنه: أي وقت.
كاد أن يتحدث ولكن انتبه الاثنان لصوت صافرة عربة الإسعاف وهي تقترب من المكان سريعًا. انتفضت مريم واقفة وتحركت باتجاه السيارة سريعًا وخلفها هشام والذي أصبحت ملامحه جادة. تعجبت من كم الأشخاص ذوي البنية القوية الذين كانوا خلف سيارة الإسعاف وانتشروا فجأة في المشفى. عندما توقفت السيارة استنتجت أن هؤلاء مجموعة من الحرس الشخصي بل وأكثر من ذلك. ولكنها لم تعر ذلك انتباه كان يهمها الطفل الذي كان ينام على سريره بدون حول ولا قوة. شهقت مريم بصدمة عندما وجدت أن الطفل مصابًا بطلق ناري في كتفه. وضع المسعفون الطفل على النقالة وتحركوا به سريعًا وورائهم حرس شخصي يبدو عليهم الغموض. وبدون وعي ركضت سريعًا خلفهم خوفًا ورهبة على حالة الطفل ويتبعها هشام ركضًا. صرخت بصوت مسموع لكل من بالمشفى.
مريم: طوارئ بسرعة.
تحرك الجميع بخوف ورهبة ليس بسبب ما يحدث، ولكن بسبب طاقم الحرس التابع للطفل، فهم ليسوا أفراد عاديين. معروفون بهالتهم الغامضة فهي ليست أول مرة يأتون إلى هذا المشفى، فهم طاقم حرس "ياسين المغربي". مما جعلهم يتحركون سريعًا. قاموا بتجهيز غرفة العمليات سريعًا وقامت مريم بتغيير ملابسها وبدأ التعقيم لعلها تقوم بإنقاذه مع الطبيب المختص. كان مرتضى جالسًا على مقعده في مكتبه يقوم بالتركيز فقط على ما يهمه، وهو مشاهدة بعض المقاطع المحرمة ولكنه انتفض من مكانه عندما ظهر أمامه اسم أكثر شخص مرعب في المجرة كما يقول. "ياسين المغربي" فهو يتصل به الآن! كاد أن يقع الهاتف من يده ولكنه أمسكه سريعًا وقام بالرد عليه وهو يحاول أن يتحكم في ارتعاش يديه.
مرتضى بارتعاش: يا.. ياسين بيه، أهلاً بيك............
قاطعه صوته البارد بجملة واحدة جعلته يبلل سرواله.
ياسين بنبرة هادئة: كل الرعاية الطبية توجه انتباهها للطفل اللي لسه داخل المستشفى حالاً.
انقطع الخط وظل مرتضى واقفًا في مكانه لا يدري هل ما يحدث حقيقيًا أم لا؟؟ ولكنه استفاق وقام بتشغيل الكاميرات الخاصة بالمشفى ووجد أن هناك حالة طارئة. قام بعمل اتصال طارئ للاستقبال.
مرتضى بخوف وعصبية: كل الدكاترة يجهزوا للحالة الطارئة دي.
أصاب موظفة الاستقبال الهلع والخوف وقامت بتبليغ الجميع بذلك الأمر. بعدما انتهت مريم خرجت من الغرفة ووجدت أن جميع من بالمشفى في حالة من القلق والخوف. تقدمت إليهم بعدم فهم لما يحدث.
مريم باستفسار: في إيه؟؟ مالكم؟؟ مش طبيعيين ليه؟؟
قامت إحدى الممرضات بالرد عليها مع توتر وقلق.
؟؟: دكتور طارق مشى من بدري وما فيش حد جراح غيره موجود النهاردة ومش عارفين هننقذ الطفل إزاي؟؟ حتى الدكاترة زملاء حضرتك واقفين مش عارفين يعملوا حاجة ومستنيين توجيهات دكتور طارق ومش عارفين يوصلوا له أصلاً، إحنا لو ما عملناش حاجة رقبتنا هتبقى قصاد حياة الطفل ده.
لم تفهم ما ترمي إليه من كلامها، هي ليست بمزاج جيد يجعلها تركز في كلامهم. ظلت تفكر كثيرًا والتوتر والقلق بدأ يستنزف طاقتها بسبب حالة الطفل حتى قررت.. يجب أن تنقذه يجب أن تفعل ذلك فهذا واجبها وقد أدت القسم بأن تقوم بمساعدة كل من يحتاج للمساعدة. ستقدم كل ما تملكه لمحاولة جعل هذا الطفل يعيش.
مريم بثبات وقوة: أنا اللي هعمل العملية اجهزوا بسرعة، يلا.
صدم كل من كان في الممر عندما سمعوها حتى هشام فكيف ستقوم بتلك العملية بمفردها ولكن ملامحه هدأت. أما الباقون نظروا إليها بقلق وخوف.
مريم بصوت عالٍ نسبيًا وهي تنظر للجميع حتى زملائها الأطباء: يا إما نحاول ننقذه يا إما نسيبه يموت.
تصنم الجميع في أماكنهم كانوا لا يعرفون ماذا يفعلون إما الحراك أو الموت ولكنهم تحركوا عندما وصلهم صوت مرتضى التابع للموقف.
مرتضى بعصبية: ما تتحركوا.
تحركت الممرضات بعجل باتجاه غرفة العمليات، أما مريم نظرت إلى زملائها ولكنها لم تجد منهم سوى الخوف في موقف مثل ذلك.
أغمضت عينيها قليلًا تحاول التحكم في ضربات قلبها من توترها؛ لأنها ولأول مرة ستقوم بعملية جراحية وحدها وبدون استشارة طبيب آخر ودون الاعتماد على أحد. دلفت خلف الممرضات اللواتي يقمن بتجهيز كل شيء لكي تسير العملية بنجاح، وبعضًا منهن عقمن الأدوات الطبية لها. نظرت إلى ذلك الطفل الصغير صاحب الشعر الأسود النائم أمامها ولا يشعر بأي شيء حوله. اقتربت منه بهدوء وأخفضت رأسها تجاه أذنه.
مريم بهدوء: "ما تخفش، هتقدر تتغلب على المحنة دي. هتفوق وهتبقى قوي، هتفوق وحياتك هتتحسن."
قبلت جبينه قبلة لطيفة ثم استقامت. انتبهت للشخص الذي دخل الغرفة يرتدي زي العمليات، فتحت عينيها على وسعهما عندما وجدته هشام ينظر للطفل بجدية، ثم وقف بجانبها ونظر في أعينها السوداء يحثها ويشجعها بنظراته وأنه لن يتركها أبدًا، أغمضت عينيها بهدوء ثم نظرت إلى الممرضات حولها وقامت بهز رأسها لتبدأ عمليتها الجراحية الأولى مع طبيبها المساعد وحبيبها هشام.
بعد مرور سبع ساعات:
توقفت مجموعة من العربات السوداء المصفحة الضخمة أمام المشفى. نزل كل من كان فيهن وتوجهوا نحو سيارة يبدو عليها الهالة والغموض. قام أحد الحرس بفتح باب السيارة للقابع بداخلها. خرج من سيارته بخفة واعتدل في وقفته واتضح طوله الفارع وجسده الممشوق الملئ بالعضلات من خلال بذلته السوداء الراقية والأنيقة، فهي وإن كانت صاحبة عصر قديم إلا أنه ينتقي دائمًا كل ما هو أنيق وراقي. تحرك تجاه مدخل المشفى الرئيسي وخلفه نصف طاقم الحرس، أما الباقون فقد انتشروا حول المشفى. كان يتحرك بخطوات ثابتة ونظرات لا يوجد بها روح فمن ينظر إليه يظن أنه لا يوجد سواه في المكان، فهو لا ينظر لأي أحد، كان ينظر أمامه فقط متجهًا لوجهة محددة. دخل في باحة المشفى ووقفت موظفة الاستقبال برهبة من حضوره وترحيبًا به.
فتاة الاستقبال بتوتر: "نورت يا ياسين بيه، أهلًا بحضرتك."
لم يعر أي اهتمام لترحيب أحد، فها هي المشفى، كل موظف يمر يقابله يقف مبتعدًا احترامًا له مخفضين رؤوسهم. توجه نحو الممر الذي يؤدي إلى غرفة المرضى والذي سيجعله مارًا على غرفة العمليات، أشار بعينيه لأحد الحرس ففهم وهز رأسه بتفهم وأشار لباقي الحرس بالتوقف، أما ياسين أكمل طريقه باتجاه ذلك الممر وحده. مرت سبع ساعات وهي واقفة وموجهة كل تركيزها على إنقاذ ذلك الطفل، فهذه أول مرة تقوم بهذا المجهود، ونجحت في أول عملية لها وذلك لولا وجود هشام بجانبها. ابتسمت برضى ونظرت إليه فوجدته ينظر لها بالمقابل بابتسامة ظاهرة في عينيه على الرغم من كمامته التي تخفي نصف وجهه. خرج الاثنان من الغرفة ونزع هشام كمامته متحدثًا بابتسامة وإرهاق.
هشام: "أنا فخور بيكي. إنت كنتي قدها وبصراحة كنت مبسوط وأنا مساعد لأشطر دكتورة زيك."
نظرت مريم له بإرهاق ونظرات أعينها له كانت هي المتحدث في ذلك الصمت.
هشام: "يلا نروح عشان هوصلك."
مريم بإرهاق: "لا أنا هبات هنا."
هشام: "ليه كده؟ طب ما تيجي أوصلك أحسن تنامي على سريرك."
هزت مريم رأسها بالنفي: "لا، أنا هبات هنا، إنت اللي لازم تروح، إنت واقف على رجلك من الصبح، ريح جسمك شوية."
هزت مريم رأسها بالنفي: "لا، أنا هبات هنا، إنت اللي لازم تروح، إنت واقف على رجلك من الصبح، ريح جسمك شوية."
هشام بابتسامة: "ماشي يا عنيدة. أنا تحت أمرك."
كاد أن يذهب ولكنها نادته.
مريم: "هشام."
نظر لها باستفسار.
مريم بامتنان: "شكرًا على وجودك جنبي النهاردة."
هشام بمرح: "لا لا أنا مش عايز شكر، أنا عايز حاجة تانية؟"
مريم باستفسار: "إيه هي؟"
اقترب منها قليلًا وتحدث هامسًا: "أنا عايز بوسة."
رمشت عدة مرات عندما سمعت تلك الكلمة.
مريم بدهشة: "احترم نفسك!!"
هشام بضحكة خفيفة: "أحترم نفسي؟ حاضر، *ربت على شعرها الأسود*. تصبحي على خير."
ابتسم لها مرة أخيرة واتجه نحو غرفة تبديل الملابس، أما هي فنزعت كمامتها التي كانت ترتديها بإرهاق واستندت بجسدها على ذلك الحائط الذي يجاور غرفة العمليات في نفس الوقت الذي ظهر به رجل فارع الطول ذو جسد ممشوق مرتديًا بذلة سوداء مرموقة من عصر الستينات. رفعت رأسها بإرهاق ونظرت لوجهه، كانت ملامحه هادئة مما يثير الريبة، فكه بارز بشكل يجعله وسيم. وفجأة شعرت برعشة خوف أصابت جسدها عندما تقابلت أعينهما. نظراته الخالية من الحياة. كأنه ينظر للاشيء. شعرت أن الوقت يمر ببطء. كانت لحظة واحدة فقط تقابلت فيها نظراتهما ولكنها مرت على مريم كأنها دقائق، أبعد ياسين أنظاره عن تلك الفتاة المستندة بجسدها على الحائط وأكمل طريقه نحو غرفة معينة. أما مريم كانت ترتعش بخوف لا تعلم سبب خوفها من تلك النظرة الباردة الخالية من الروح. هذا الرجل حوله هالة من الغموض والرعب ولا تدري ما السبب. استفاقت من تفكيرها على صوت العربة النقالة وهي تخرج من غرفة العمليات ويحركها الممرضات نحو غرفة العناية المركزة. أخذت نفسًا عميقًا محاولة تهدئة أعصابها.
مريم: "أكيد بيتهيأ لي إني شوفت حد. أنا شكلي هيست، *تنهدت بإرهاق* أنا محتاجة أرتاح."
كان نائمًا بهدوء نظرًا لمفعول الأدوية الذي بدأ ينتهي. دقائق مرت حتى فتح عينيه بنعاس فقد كانت الغرفة مظلمة جدًا، حرك يده باتجاه زر الإنارة الملقى بجانب سريره وقام بالضغط عليه. أضيئت الأضواء بالغرفة ولكنه صرخ بفزع عندما وجده جالسًا أمامه بهدوء ناظرًا إليه واضعًا ساقًا على الأخرى.
عماد بخوف: "إنت عايز مني إيه؟ امشي من هنا، إنت هتقتلني. إنت جاي تقتلني."
ظل ياسين ينظر إليه ولم يعر لحديثه انتباه. توجه بنظره نحو الأدوية الموجودة بجانب سرير عماد ثم نظر إليه مرة أخرى. بحث عماد بيديه عن جرس الإنذار الخاص بغرفته وعندما وجده قام بالضغط على الزر ولكن لدهشته لم يأتِ أحد إلى الغرفة. فقد اعتاد أن يأتي جميع من في المشفى مهرولين نحو غرفته. ابتلع لعابه بخوف شديد وهو ينظر إلى ياسين الذي أنزل قدميه أرضًا وبدأ بالتحدث.
ياسين بنبرة رخيمة باردة: "مش هتبطل شغل العيال ده يا عماد؟ ولا إنت خرفت خلاص؟"
عماد بخوف: "إنت جاي تقتلني صح؟ أنا مش عايز أموت. *صرخ بصوت يشوبه الرعب* يا مريم.. يا مريم إلحقيني ده جاي يقتلني. ده جاي خلاص يقتلني."
كاد ياسين أن يتحدث ولكن قاطعه باب الغرفة الذي فتح على مصراعيه.
قبل لحظات:
خرجت من غرفة تبديل الملابس الخاصة بالسيدات، متنهدة بارتياح ومتوجهة نحو الاستقبال لكي تقوم بعمل ملف للطفل الذي أنهت عمليته قبلًا. لم تستغرب وجود الكثير من الحرس الذين كانوا واقفين في نهاية الممر فقد تجاهلت ذلك. توجهت نحو موظفة الاستقبال بابتسامة مرهقة وكادت أن تتحدث معها قاطعها صوت الإنذار الذي صدر فجأة والذي لا يصدر إلا من غرفة واحدة فقط في الآونة الأخيرة. "غرفة عماد". أصابها الهلع وتوجهت نحو الممر ولكن توقف أمامها رجال الحراسة وتحدث أحدهم بخشونة.
: "ممنوع."
مريم بعدم استيعاب: "ممنوع إيه؟ عدوني."
لم يتحرك أحد منهم قيد أنملة.
مريم بصراخ وعصبية: "بقولكم عدوني، في حالة في خطر."
لم يتحركوا ولم يعيروا أي اهتمام لحديثها. نظرت لجميع الممرضات والأطباء بالمشفى الذين واضح الخوف على ملامحهم ولم يتحركوا لإنقاذ المريض. صرخت بهم بعصبية.
مريم: "واقفين كده ليه؟ في مريض بيستغيث بينا."
تجاهلوها وأكملوا أعمالهم. أما هي فشعرت أنها ستفقد عقلها من برودهم، نظرت نحو الحرس مرة أخرى وانتبهت لتلك الجهة الصغيرة الموجودة بجانب الحائط والتي سوف تكفيها لصغر حجمها وتستطيع المرور من خلالهم. تحركت بسرعة نحوها وجرت سريعًا وتبعها الحرس. وصلت لغرفة عماد وسمعت صوت صراخه واستنجاده بها. فتحت باب الغرفة على مصراعيها واقتربت سريعًا من عماد الذي ينظر برعب نحو الشخص الجالس قبالته ولدهشتها كان هو ذات الشخص الذي ترائى لها أنها رأته في ممر الغرف. توجه الحرس داخل الغرفة وكادوا أن يدخلوا ولكنهم توقفوا بإشارة يد من ياسين الذي ما زال نظره موجهًا نحو عماد الذي تشبث بتلك الفتاة وكأنها حبل نجاته.
أحد الحرس: "إحنا آسفين يا ياسين بيه بس..."
قاطع كلامه بإشارة يده والتي تفسر بالخروج والرجوع إلى أماكنهم دون كلام. ابتعد الحرس وأغلقوا باب الغرفة، أما ياسين فتحدث بهدوء مريع متجاهلًا نظرات الفتاة.
ياسين: "هتخرج من المكان ده إمتى؟"
عماد وهو يتشبث بمريم أكثر: "مش هخرج من هنا، مش هتعرف تقتلني. مريم هتدافع عني."
وجه ياسين أنظاره نحو مريم بهدوء، في البداية كان واضحًا عليها الدهشة مما تراه ولكن سرعان ما أخفت خوفها وعكفت حاجبيها بشجاعة وغضب وهي ناظرة في أعين ياسين التي تنظر لها بالمقابل ولكن ببرود. تحدث ياسين وهو ينظر إليه مرة أخرى.
ياسين: "بتداري في عيلة صغيرة؟"
تضايقت مريم بسبب لقبه لها.
مريم بعصبية: "أنا مش عيلة صغيرة، أنا اسمي الدكتورة مريم، وياريت تتعامل معايا باحترام يا حضرة إنت، دي مستشفى محترمة وليها مواعيد زيارات معينة وأنا الدكتورة بتاعة الأستاذ عماد وبحدد له ميعاد زياراته. لكن حضرتك جيت من غير ميعاد وحضرتك مش مرحب بيك هنا، اتفضل اطلع بره."
هدرت مريم بغضب وصراخ في وجه ياسين الذي نظر إليها ولكن تلك المرة ينظر إليها بغضب واضح في عينيه. فمن تلك التي تتحدث معه بتلك الطريقة؟ ألا تعلم من هو؟ قام ياسين من مجلسه وتوجه نحو مريم والظلام يسود عينيه، شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها ولكنها تظاهرت بالقوة. فاجأها ياسين بإمساكه لفكها بقوة وتحدث هامسًا صارًا على أسنانه.
ياسين: "أنا مش محتاج أحدد ميعاد زيارة وأنا جاي المستشفى بتاعتي."
اتسعت عينيها بدهشة فقد علمت أنه "ياسين المغربي". استأنف ياسين حديثه ضاغطًا على فكها بقوة أكبر مما جعله تفتح فمها بتأوه، أمسك لسانها بإبهامه وسبابته متحدثًا بصوت دب الرعب في أوصالها.
ياسين: "لسانك ده هقطعهولك لو فكرت بس تتكلمي من غير ما تعملي حساب للكلام اللي خارج منك."
كانت عينيها مفتوحتين على مصراعيهما وهي تنظر لعينيه الملتهبة المليئة بالشر. أكمل حديثه ضاغطًا على لسانها مما جعلها تتأوه بألم.
ياسين: "بعد كده ما تتدخليش في اللي ما يخصكيش."
أبعد يده عنها ثم نظر إلى عماد الملقى بجانبها وخائفًا مما يحدث.
ياسين: "اعمل حسابك في خلال أسبوع هترجع القصر كفاية دلع لحد كده."
اعتدل في وقفته وقام بمسح أصابعه بمنديل ناعم ثم قام بتعديل جاكيت بذلته الراقية وخرج من الغرفة ببرود كأن شيئًا لم يكن، اتجه نحو استقبال المشفى ولكنه توقف قليلًا عندما كان في اتجاه غرفة العناية المركزة.
نظر إلى ذلك الطفل القابع على فراشه الأبيض، وجسده موصول بأجهزة كثيرة. نظر إليه نظرة خالية لا تحمل أية مشاعر، ثم استأنف تحركه حتى خرج من المشفى وخلفه نصف طاقم الحرس، أما النصف الآخر فبدأوا بحراسة الغرفة التي يقبع بداخلها الطفل المصاب. كانت لا تزال تجلس محتضنة عماد الذي يبكي بخوف مما صار قبلاً. استفاقت مريم من غيبوبتها تلك ونظرت إلى عماد وقامت بالربت على كتفه.
مريم بتوتر: "خلاص مشي."
لم يستمع إليها عماد، ولكنه ظل يفكر فيما سيحدث بعد أن يخرج من هنا، ولكن لفت انتباهه استفسارها.
مريم: "هو إنت خايف منه ليه؟ ده إنت في سن أبوه."
نظر إليها برجاء ألا تتحدث أكثر، ثم نظر إلى كلتا يديه بندم وحزن بادٍ على ملامحه. لم تجد منه الإجابة الملائمة لسؤالها مما يثير الريبة. ابتعد عماد واعتدل على فراشه وقام بتغطية نفسه وأعطاها ظهره.
مريم: "عماد أ..."
عماد: "عايز أنام."
مريم بهدوء وتفهم: "طيب تصبح على خير."
لم يجبها وذلك أقلقها قليلاً عليه، فيبدو أنه الآن يفكر كثيرًا بما قاله ياسين له.
مريم: "عماد، متخافش محدش هيأذيك."
لم يجبها أيضًا، كان شاردًا فقط فيما سيحدث. تنهدت باستسلام ثم تحركت خارج الغرفة. بعد مرور عدة دقائق كانت مستلقية على سرير فردي بغرفة صغيرة، ناظرة لتلك الرسالة التي قام هشام بإرسالها منذ عدة دقائق: "بحبك". ابتسمت بهدوء ثم أغلقت هاتفها ونظرت لسقف الغرفة محاولة النوم. ولكن اتجه تفكيرها نحو أحداث اليوم كله. ابتسمت بسعادة عندما قامت بأول عملية لها في مسيرتها الطبية. ولكن ابتسامتها اختفت عندما تذكرت ياسين المغربي ذاك وكيف تعامل معها، لدرجة أنها شعرت أن الموت يقترب منها كلما نظرت في عينيه. حاولت أن تستفيق من ذلك الشعور وتقوم باطمئنان نفسها أن تتعامل كأن شيئًا لم يكن.
بعد مرور وقت ليس بقصير، في قصر كبير يبدو عليه الترف، كان يجلس على كرسي خاص بمكتبه الضخم ويبدو عليه القلق والتوتر.
"إزاي يعني؟ الولد ده لازم يموت. يعني إيه بقى في إيد ياسين المغربي؟ اسمعني. بكرة هترشي حد من موظفين المستشفى دي ويقتل الولد بدواء ولا حاجة ونقول خطأ طبي أو قضاء وقدر. أي حجة وخلاص. الولد ده لازم يموت، ده شاهد على جريمة قتل أنا عملتها."
صمت عندما شعر بشيء متجهًا نحو رأسه، رفع رأسه وكل ما وجده هو سلاح مصوب على رأسه. والذي يحمل ذلك السلاح يكون ياسين المغربي الذي ينظر له ببرود. فتح عينيه على مصراعيهما، كاد أن يتحدث ولكن استقرت الرصاصة في منتصف جبهته. أنزل ياسين سلاحه نازعًا كاتم الصوت منه، ثم أخذ هاتف الضحية ووضع المسدس في جيب معطفه الجلدي. ومر فوق الجثة بهدوء خارجًا من باب ذلك القصر والذي اختفى منه جميع حراسه.
رواية القاتل الراقي الفصل الثاني 2 - بقلم سارة بركات
في الصباح الباكر في فيلا عريقة وراقية، كان ينزل بخطىً سريعة على الدرج لا يريد أن يتأخر على عمله ولا عليها، ولكنه توقف عندما سمع صوت والدته الحبيبة.
بلقيس: حبيبي، مستعجل ليه؟
نظر هشام إلى والدته بحب ثم توجه نحوها وقبل يدها.
هشام: صباح الخير يا أحلى بلقيس في حياتي.
بلقيس بابتسامة: صباح النور يا حبيبي، مستعجل كده ليه؟
هشام معتدلًا في وقفته: أكيد طبعًا لازم أبقى مستعجل، عشان ورايا شغل، ولازم أروح بدري عشان متأخرش.
بلقيس بمشاكسة: مستعجل عشان الشغل برده؟
ابتسم بإحراج ثم نظر أرضًا. نظرت بلقيس لابنها كثيرًا مبتسمة على الحالة التي أصبح يمر بها وهي حالة العشق.
بلقيس باستفسار: بتحبها يا هشام؟
هشام بصدق وهو ينظر داخل عينيها: أيوه بحبها.
بلقيس عاقدة حاجبيها بغيظ: طب ليه ما جبتهاش يا دكتور لحد دلوقتي عشان أتعرف عليها؟
هشام: أنا فعلًا عرضت عليها الموضوع ده، هي كمان حابة تقابلك بس أنا شايف إنها محتاجة وقت تمهد لنفسها فكرة إنكم هتتقابلوا.
بلقيس بابتسامة: يا حبيبي تنور في أي وقت. يا ريت لو تنورني النهاردة هبقى سعيدة جدًّا لو شوفتها، وأهو نلحق نتعرف على بعض.
ظل يفكر قليلًا وهو ينظر إليها حتى قرر.
هشام بابتسامة: من عينيا يا بلقيس هانم، بعد إذنك.
قبل يديها مرة أخرى بحب ثم توجه خارجًا، أما بلقيس كانت تنظر لأثره بحب فليس لها أحد غيره هو وأخيها طارق الذي ساعدها في تربيته بعد وفاة زوجها، هم عائلتها الوحيدة.
في قصر ياسين المغربي:
في غرفة كبيرة ضخمة يملؤها أضواء الصباح وأشعة الشمس الرائعة نظرًا لذلك الحائط الزجاجي الكبير الموجود بها فبالتالي يسمح بمرور الضوء من خلاله. يقف أمام المرآة بشموخ يرتدي سترة خاصة ببذلة رمادية بعد أن قام بضبط ربطة عنقه. أغلق السترة بهدوء وبعد أن انتهى خرج من غرفته بهدوء مارًّا بجميع ممرات القصر الفارغ كفراغ قلبه. يمشي ثابت الخطى كأنه كالآلة التي تعمل على تنفيذ ما صُممت لعمله ينظر أمامه بعينين غابت بهما الحياة. وقف جميع الخدم في صف واحد ناظرين أرضًا احترامًا له. خرج من القصر متجهًا نحو سيارته الفارهة والتي قام بفتح بابها له أحد الحرس. ركب في الخلف ثم تحركت السيارة وتبعه حرسه.
نائمة نومًا عميقًا كالطفلة الصغيرة كالعادة تحلم بذلك اليوم الغامض. ذلك اليوم الذي تحاول أن تتذكر فيه كل ما حدث، ولكنها لا تستطيع، ذاكرتها لا تسعفها، كل ما تتذكره هو ضباب، شخص يحملها ويخفيها عن الأذى، ثم يتركها للأمان. غريب أن يتعلق عقلك وقلبك بأحلامك التي لم ولن تتحقق. استيقظت من نومها ناظرة إلى سقف الغرفة التي بها بشرود. لا تدري هل ما زالت عاقلة لأنها تحلم حتى الآن برجل لم تقابله سوى مرة واحدة في حياتها وحتى الآن لا تعلم من هو؟ ولا تتذكر ملامحه أبدًا، رجل قابلته وهي طفلة صغيرة. سألت نفسها: هل كانت ستتغير حياتها لو قابلته مرة أخرى؟ هل كان سينقذها قبل أن تنهدم حياتها رأسًا على عقب كما حدث معها منذ سنوات؟ لم تشعر بتلك الدمعة التي أخذت مكانها على وجنتها الناعمة. ابتسمت بألم وهي تقوم بمسحها وأخذت نفسًا عميقًا تنوي أن تنسى طفولتها البريئة وتستمر في حياتها. تنوي أن تستمر في الكفاح الذي وضعت فيه قسرًا. كانت طفلة بريئة تجد كل ما تحتاجه أمامها، كان لديها المال حتى وإن لم يكن كثيرًا، فكان لديها كل ما تحتاجه. وها هي صارت طبيبة مفلسة حتى إشعارٍ آخر. هل ستظل هكذا؟ أم ستكون قوية أكثر من ذي قبل لتستمر في حلمها؟ هل سيقوم هشام بمساندتها ودعمها في قراراتها؟ هل سيكون زوج رائع كما تتمنى؟ على الرغم من أنها تحبه وقلبها يريده إلا أن عقلها يفكر مائة مرة بهذه العلاقة. أغمضت عينيها قليلًا تمنع عقلها من التشكك بأمر تلك العلاقة وكل ما تعرفه أنها تحب هشام وسيكون زوج رائع كما تتوقعه لأنها لم ترَ منه أي شر. جلست على الفراش الذي كانت نائمة به مؤمنة بأن كل شيء سيكون على ما يرام. نظرت لهاتفها المتواجد على الكومود بجانب الفراش. التقطته لترى الوقت وإذ بها ابتسمت بعشق عندما رأت رسالة هشام لها: "صباح الخير على أجمل بنت شافتها عيوني، أنا جايلك في الطريق، مش هتأخر عليكي، بحبك." استقامت من الفراش وقامت بتعديل شعرها ثم خرجت من الغرفة متجهة نحو الحمام لتقوم بغسل وجهها لمحو آثار النوم وبعد أن انتهت قامت بالمشي في ممر المشفى قليلًا حتى وقفت أمام غرفة عماد. وقفت أمام الغرفة قليلًا تفكر هل سينزعج أنها أتت الآن؟ حالته النفسية كانت سيئة أمس. أخذت تفكر قليلًا وكادت أن تدخل الغرفة ولكنها توقفت. يجب عليها أن تتركه قليلًا لأنه عندما يكون في تلك الحالة يريد البقاء وحيدًا دائمًا. تنهدت بإرهاق ثم أكملت سيرها في الممر متجهة نحو غرفة العناية المركزة لتطمئن على حالة الطفل الذي قامت بإنقاذه أمس والذي إلى الآن لا تعلم أي شيءٍ عنه لا عائلته حيث أن المشفى قامت بتسجيله "طفل مجهول الهوية". شعرت بالشفقة والحزن عليه فكيف لطفل يبدو في عمره العاشر أن يحدث له مثل ذلك. فقد احتاجت معجزة لإنقاذه، وقد تحققت. توقفت بمكانها عندما وجدت رئيس الأطباء يتابع المؤشرات الحيوية الخاصة بالطفل باهتمام وبجانبه زملاؤها يقومون بالمتابعة معه ابتسمت كثيرًا، فتلك فرصتها. ستخبره بأنها من قامت بتلك العملية. ربما سيقوم بالتعامل معها على أنها طبيبة وليست مجرد مساعدة له من ضمن مساعديه! وقبل أن تدخل الغرفة، توجهت نحو غرفة تبديل الملابس لكي تطمئن أيضًا على مؤشرات الطفل الحيوية. وبعد أن انتهت دخلت الغرفة وفي ذلك الوقت التفت الأطباء نحو الباب الذي تم غلقه ونظروا إلى مريم التي تقف وتنظر لهم بابتسامة بسيطة. وكادت أن تتحدث قاطع حديثها رئيس الأطباء بصرامة:
طارق: دكتورة مريم، على مكتبي.
نظر للأطباء الآخرين الذي اتضحت معالم السخرية عليهم.
طارق: كملوا شغلكم أنتم.
هز الجميع رؤوسهم في طاعة وخرج رئيسهم المدعو بـ"طارق" من الغرفة بوجه متجهم نازعًا كمامته بضيق. نظرت خلفها ثم نظرت لزملائها الذين ينظرون لها بطرف أعينهم ثم عادوا لإكمال عملهم كأن شيئًا لم يكن. خرجت من الغرفة وقامت بتغيير ملابسها واتجهت نحو غرفة رئيس الأطباء أخذت نفسًا عميقًا وطرقت على باب الغرفة بهدوء وقامت بالدخول إليها. كان يقف أمام الشرفة معطيًا إياها ظهره.
مريم بهدوء: حضرتك كنت طلبتني.
ألقى طارق نظرة باردة لها ثم تحدث بصوت رخيم.
طارق: أنتِ إزاي يا دكتورة تعملي عملية زي دي؟ مين اللي إدالك الإذن؟
مريم بعدم استيعاب: وفيها إيه لما أعملها؟ هو مش ده مريض ومحتاج إنقاذ؟
طارق: فيها إنك مش مؤهلة، أنتِ لسه متخرجة ما بقالكِش سنتين، هتعملي نفسك فاهمة؟
شعرت بأن كل شيء يدور حولها. على الرغم من كبر سنه ويبدو في عمر والدها إلا أنها استشفت الغيرة من حديثه.
مريم: بس...
طارق: من غير بس، بعد كده يا دكتورة دورك إنك تتفرجي وبس.
كورت مريم يديها بغضب شديد محاولة التحكم بغضبها.
طارق: اتفضلي على شغلك.
ظلت واقفة مكانها لم تتحرك. استدار طارق لها عاقدًا حاجبيه بضيق منها.
طارق: قولت يلا اتفضلي على شغلك.
مريم بهدوء: المريض كان محتاج إننا نلحقه بأي طريقة.
طارق: يبقى دورك إنك تلحقيه بأي مساعدة لكن إنك تعمليله عملية وأنتِ غير مؤهلة يبقى ده اسمه استهتار.
حاولت أن تتحكم بغضبها كثيرًا ولكنها لم تفلح وتحدثت بحدة.
مريم: يعني حضرتك عايزني أعمل إيه لما ألاقي طفل بين الحياة والموت قدامي؟ عايزني أعمل إيه لما أكون أنا الوحيدة اللي جاهزة أعمل العملية دي وباقي الزملاء خايفين يقربوا منه؟ ده طفل وكان بيموت. كان لازم أعمل أي حاجة وألحقه، أنا ما كنتش هسامح نفسي لو سيبته كده. (جاءت بمخيلتها ذكرى حزينة جدًّا بالنسبة إليها وحاولت أن تتحكم بغصتها) أنا ما قدر أسيبه كده، ما أقدرش، لو حد احتاج مساعدتي هساعده حتى لو أنا بالنسبة لحضرتك مش مؤهلة لكده، مهما أكون إيه، فأنا لازم أساعده.
طارق بتعالٍ: بطلي تعيشي نفسك أوهام عمرك ما هتوصليلها، ما تحلميش يا (تحدث بسخرية لاذعة) دكتورة، كان غيرك أشطر.
مريم بغضب: لا هحلم وعمري ما هبطل أحلم، طول ما في أمل هحلم وهحقق حلمي ده، هوصل للي أنا عايزاه وبتمناه طول ما في حد محتاج مساعدة وأنا بقدمهاله، وبعدين اللي المفروض يتكلم هنا أبقى أنا، حضرتك كنت فين؟ كانوا بيدوروا على حضرتك إمبارح وحضرتك كنت مشيت، كنا هننقذه إزاي هاه؟ على ما يطلبوا حضرتك كنت هتوصل متأخر وكنا هنخسره كان لازم أتدخل بأي طريقة أ...
طارق بحدة وهو يقاطعها: أنتِ إزاي تتكلمي معايا كده؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ ليكي خصم خمس أيام يا دكتورة ولو زودتي كلمة تانية يبقى تنسي إنك بتشتغلي هنا.
كانت تنظر له بصدمة وعدم فهم لما يحدث. لماذا يكرهها الجميع هكذا، لما تشعر بالاضطهاد من جميع من يعملون بتلك المشفى، لماذا؟ لم تفعل شيئًا سوى أنها هزت رأسها بيأس وخرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها بغضب شديد. "حمقى" تمتمت مريم بتلك الكلمة داخلها كم تتمنى سحق رؤوسهم جميعًا، كم تتمنى أن تقوم بضربهم حتى الموت.
لا تعلم كيف تمسكت بآخر ذرة تحمل لها. كانت تتحرك بغضب في المشفى ولا تنظر أمامها من شدة الغضب، ولم تنتبه لصاحب الهالة المخيفة الذي يتقدم باتجاهها بهدوئه المعتاد. توجه بنظره نحوها لثوانٍ معدودة، ثم أكمل طريقه مارًّا بجانبها كأنها غير موجودة، متجهًا نحو غرفة مكتبه ذي الديكور الخشبي الرائع. جلس على كرسي مكتبه وقام بالاتصال بـ "طارق" رئيس الأطباء يأمره بالحضور في مكتبه.
تجلس في حديقة المشفى غاضبة من كلام ذلك القاسي "طارق"، ولم تنتبه لـ "هشام" الذي يقترب منها إلا عندما وضع يديه على كتفها.
هشام بتعجب: "بناديلك يا مريم؟ في إيه مالك؟"
حاولت أن تكتم غيظها وخاصة أن هشام يكون قريب طارق، فهو يكون خاله. لا تريد أن يحدث بينهم سوء تفاهم أو شجار بسببها.
مريم بابتسامة مصطنعة: "أنا كويسة، مافيش حاجة."
هشام عاقدًا حاجبيه بضيق من إخفائها لما حدث: "لا فيكي، وماتكدبيش."
صمتت قليلًا تحاول التفكير في حجة أخرى لإخفاء الأمر، ثم تحدثت.
مريم بتنهيدة بسيطة وكذب: "عماد مش بيكلمني من إمبارح، فأنا اتضايقت شوية. أنا عارفة إنه أحيانًا الحالة دي بتجيله وإنه مش بيكلمني، بس أنا بزعل لما بيحصل كده ومابعرفش أعمل إيه غير إني أسيبه لوحده؛ لإنه هو اللي دايمًا بيبقى حابب يبقى لوحده."
ابتسم هشام ثم جلس بجانبها.
هشام بمرح: "يعني عماد هو اللي مزعلك؟ إخص عليك يا عماد."
ضحكت مريم ضحكة خفيفة. استأنف هشام حديثه.
هشام: "لا ما يصحش كده يزعل القمر بتاعتي، وهي وراها ميعاد مهم مع والدتي النهاردة."
اختفت ابتسامتها وتحولت نظراتها للتعجب.
مريم بعدم استيعاب: "النهاردة؟"
هشام: "أيوة النهاردة وماتقلقيش، هي نفسها تشوفك أوي وهتحبك أوي يا مريم."
مريم بتوتر: "بس أنا مش عاملة حسابي إني هقابلها النهاردة."
أمسك هشام يديها ناظرًا في أعينها بحب.
هشام بثقة: "إنتي حلوة، حتى وانتِ مش عاملة حسابك."
ابتسمت ابتسامة لطيفة واستأنف هشام حديثه.
هشام: "ما تيجي نتمشى شوية؟ لسه بدري على ميعاد مناوبتي، أنا قولت أجي بدري أقعد مع حبيبتي شوية."
قام بالغمز لها وهي ابتسمت بخجل وهزت رأسها، واستقام هشام ممسكًا بيدها ساحبًا إياها خلفه. أما هي كانت تنظر ليده الممسكة بيدها بخجل فتاة مراهقة. وبدأ الاثنان بالحديث سويًّا عن بعض أحداث حياتهما.
دلف طارق إلى مكتب ياسين المغربي الذي ينظر لجمال حديقة المشفى من خلال الحائط الزجاجي بمكتبه.
طارق: "حضرتك طلبتني؟"
استمر ياسين على وضعه واقفًا معطيًا ظهره لطارق وبدأ بالتحدث بهدوء.
ياسين: "الطفل.. تابعت حالته؟"
طارق بهدوء: "أيوة تابعت حالته ومؤشراته الحيوية كويسة جدًا، وده العادي من تلامذتي بيأدوا شغلهم بدقة."
هز ياسين رأسه وكاد أن يلتفت لطارق، ولكن لفت انتباهه تلك الطبيبة صاحبة اللسان السليط ممسكة بيد أحدهم. استأنف حديثه وهو يراقب ما يحدث أمامه بهدوء.
ياسين: "مين اللي قام بالعملية؟"
صمت طارق قليلًا محتارًا فيما سيجيب، ولكنه شعر بالتوتر عندما التفت ياسين له ناظرًا له بعينين غاضبتين لصمته الذي طال.
طارق بتوتر: "دكتورة مريم."
نظر له باستفسار يحثه على التكملة.
طارق مستأنفًا حديثه: "مريم أحمد سعيد هنداوي، دي دكتورة جديدة هنا في المستشفى مبقالهاش ست شهور شغالة هنا. كانت بتشتغل قبلها في مستشفى حكومي وعلى كلامهم وكلامها إنها شاطرة."
التفت ياسين مرة أخرى ينظر يتأمل حديقة المشفى بهدوء بعد أن غابت الطبيبة ومن معها من أمامه. بينما استأنف طارق حديثه.
طارق: "بس طبعًا سلوكها مش مقبول بتاتًا." تحدث باشمئزاز غير ظاهر: "أسلوبها زي بتوع الحواري، ما بيهمهاش حد، لسانها طويل..."
ظهرت الطبيبة مرة أخرى أمامه في الحديقة وهي تضحك مع الشخص الذي يمسك بيدها. عقد ياسين حاجبيه وهو ينظر إليهما ثم تحدث مقاطعًا طارق.
ياسين بهدوء: "دكتور طارق."
طارق بانتباه: "أفندم؟"
ياسين باستفسار وهو ينظر إليهما: "مش المفروض يكون فيه رقابة في المستشفى أكتر من كده؟"
طارق بعدم فهم: "مش فاهم؟"
نظر ياسين إليه وأشار لما يحدث بالخارج، حيث اتسعت عينا طارق عندما رأى ابن أخته ممسكًا بيد تلك المتسولة ويضحكان سويًّا. صُدم كثيرًا في هشام. نظر إلى ياسين الذي ينظر إليه بهدوء، كأنه لا يوجد شيء من الأساس. كاد أن يتحدث.
ياسين بهدوء: "تقدر تتفضل."
هز طارق رأسه بحرج ثم اتجه نحو الباب بغضب شديد. أما ياسين عاد ينظر تلك المرة نحو الأشجار التي تتطاير أوراقها مع مرور الرياح بهدوء ولعدة دقائق. ثم تمتم ذلك الاسم.
ياسين: "مريم أحمد سعيد هنداوي."
ظل يفكر في ذلك الاسم كثيرًا ثم نظر نحو الطبيبة التي تركها الشاب وتحدث في هاتفه. سأل نفسه: "أيُعقل أن تكون هي؟"
أنهى هشام حديثه في الهاتف.
مريم باستفسار: "في إيه؟"
هشام بتنهيدة: "خالي عاوزني في مكتبه، هروحله وهرجعلك، ماشي؟"
هزت رأسها بهدوء، ابتسم لها وقبل جبينها ثم تركها. أما هي ظلت تنظر في أثره بعشق واضح. قامت باحتضان نفسها عندما أتت نسمة هواء باردة حركت شعرها في اتجاه الريح، التفتت تحاول إبعاد شعرها عن عينيها وهنا شعرت بأن أوردتها قد تجمدت عندما رأته ينظر إليها بأعين خلت منهما الروح. تلك النظرة التي تشعرها بأن الصقيع يتراكم فوق قلبها والذي تفسره دائمًا بأنه الخوف الذي يتملكها كلما نظرت في عينيه. ظلت متجمدة بمكانها لوقت لا تعرف ما هو. ظل الاثنان هكذا لدقائق معدودة ينظران لبعضهما لا أحد منهم تحرك. اشتدت الرياح بالخارج واحتضنت مريم نفسها أكثر محاولة تدفئة جسدها ولا زالت تنظر إلى أعين ياسين الباردة، تسأل نفسها أسئلة كثيرة عنه ولكنها انتبهت عندما سمعت صوت صافرة سيارة الإسعاف العالية، ابتعدت بنظرها عن ياسين ثم هرولت نحو اتجاه صوت الصافرة، تاركة ياسين ينظر إلى أثرها بهدوء.
دلف هشام لمكتب خاله الذي كان ينظر إليه بغضب مكتوم.
هشام باستفسار: "حضرتك طلبتني؟"
طارق بضيق: "اه، اتفضل اقعد."
جلس هشام على كرسي مقابل مكتبه ينظر إليه باستفسار، جلس طارق أيضًا في مقابله وحاول أن يبتسم وهو يتحدث معه.
طارق: "أنا عارف ومقدر إنك زي كل الشباب في فترة لطيفة محتاج إنك تتعرف على دي ودي، بس إبقى اختار البنات اللي تعرفهم."
عقد هشام حاجبيه بعدم فهم.
طارق بتوضيح: "اختار واحدة من مستواك."
هشام: "أنت تقصد إيه؟"
طارق بضيق: "يعني اللي اسمها مريم دي، عايز أفهم أنت بتعمل معاها إيه؟ ماسك إيديها وبتضحك معاها ليه؟"
هشام بهدوء وتوضيح: "عشان أنا بحبها."
طارق بذهول: "أنت بتهزر؟ أنت ما لقيتش إلا دي عشان تحبها؟ يعني زميلاتك في المستشفى، بنات الناس معجبين بيك ورايح أنت تبص لدي!"
هشام بهدوء: "مالها دي؟ زيها زينا، وبعدين أنا كلمت بلقيس عنها وهتقابلها النهاردة، أنا خلاص عايز دي."
طارق بغضب: "لا مش زينا، دي ما ينفعش تناسب عيلتنا، وانسى خالص إنها تبقى مننا."
استقام هشام من مقعده وتحدث بغضب مكبوت: "أنا مقدر إنك خالي ومربيني، بس برده، مش أنت اللي هتحدد مستقبلي وتحددلي هعيش مع مين طول عمري."
التفت ثم تركه وغادر.
طارق بغضب: "ماشي، يا أنا يا أنتِ يا مريم."
التقط هاتفه ثم أخذ في الاتصال بأحدهم حتى جاءه الرد.
طارق: "ألو، أيوه يا بلقيس، الحقي، ابنك عاوز يضيع اسم العائلة ورا الشمس..."
يمشي في ممر المشفى شاردًا في حديث خاله عن مريم التي أحبها بصدق. لا يفهم لماذا يكرهها خاله إلى هذه الدرجة؟ لماذا يرفضها رفضًا قاطع هكذا؟ لا، لن يسمح له بالتحكم في حياته العاطفية، يكفي هذا. سيتمسك بها، فهي حب حياته. استفاق من تشتته على حالة الطوارئ التي انتشرت في المشفى بشكل مفاجئ ورأى مريم تركض خلف نقالة تحمل مراهقة. وسعت عينيه بصدمة عندما رأى الدماء المنسابة من بين قدمي الفتاة، نظر لهيئتها فهي بين الحياة والموت أثر ذلك النزيف، بالإضافة إلى كل تلك الكدمات التي تغطي وجهها. توجه سريعًا لغرفة تبديل الملابس وتوجه نحو غرفة العمليات وهنا استوقفته مريم وهي تبكي، وتلك أول مرة يراها تبكي لهذه الدرجة.
مريم ببكاء: "الحقيها يا هشام، أنقذها أرجوك."
لمس أكتافها لعله يهدئها قليلًا: "ما تقلقيش هعمل كل اللي هقدر عليه."
تركها ثم دخل الغرفة. أما هي توقفت أمام الغرفة وهي تراهم يقومون بتوصيل الأجهزة الطبية بجسدها وهشام يقوم بالاستعداد السريع لإيقاف النزيف مع الممرضات ومعه بعض الأطباء يساعدونه. فرت شهقة من مريم تدل على بدأها بنوبة بكاء شديدة. اختفت الفتاة عن أنظارها عندما أغلقت الممرضات الغرفة. استندت مريم على الحائط تحاول استعادة رباطة جأشها وتحاول أن تتنفس بانتظام لعلها تهدأ من موجة المشاعر التي اجتاحتها الآن، وهي رغبة في قتل من فعل بها ذلك ورغبة أيضًا في ضمها ومحاولة مواساتها عما حدث لها. بعد مرور وقت من الانتظار الطويل فُتح باب الغرفة خارجًا منه هشام ينزع كمامته واضحًا عليه الضيق والغضب الشديد. هرولت مريم سريعًا نحوه بلهفة.
مريم: "طمني عليها؟ هي كويسة؟"
نظر إليها هشام بحزن، ولكنها لم تفهم لماذا ينظر لها هكذا.
مريم بعدم فهم: "في إيه؟ البنت مالها؟"
هشام بحزن: "حولت الموضوع للطب الشرعي."
عايزين إثبات حالة، لإننا هنقدم بلاغ.
مريم بعدم فهم: إثبات حالة إيه؟؟
هشام وهو ينظر أرضًا: إغتصاب.
وهنا خرجت الناقلة تحمل الفتاة التي لا حول لها ولا قوة، فرت دمعة أخرى من عيني مريم عندما نظرت إليها ثم عادت بنظرها إلى هشام.
مريم: هشام، إحنا ماينفعش نسكت على كده.
هشام بجدية: أكيد.
ابتسم بحنو لها لعله يهدئها قليلًا.
هشام: حصليني على مكتبي، أنا هغير وأجيلك، محتاج أقعد معاكي عشان نتكلم مع بعض.
هزت رأسها بهدوء واطمئنان لأن صوته وابتسامته هما الاطمئنان بالنسبة لها. أما هو فتركها ودخل غرفة تبديل الملابس وانتبه لهاتفه الذي يصدر رنينًا مستمرًا لم ينتهِ. نظر للهاتف فوجد والدته "بلقيس" هي المتصلة. أخذ نفسًا عميقًا ثم أجابها بهدوء.
هشام بإرهاق: أيوه.
بلقيس بصدمة: إنت إيه اللي إنت بتعمله ده؟؟
هشام بعدم فهم: بعمل إيه؟؟؟
بلقيس: إنت عايز تموتني صح؟؟؟ إنت إزاي تبص لواحدة زي دي؟؟ إزاي تجيبلي واحدة من الشارع وتقول إنك بتحبها وعايز تخطبها؟؟؟؟
هشام عاقدًا حاجبيه بغضب لمعرفته الفاعل: وإنتي إزاي ترمي ودنك لأخوكي؟
بلقيس: أخويا وبيدور على مصلحتك، في الأول وفي الآخر هو في مقام باباك وبيحبك زي ابنه.
هشام: بقولك إيه؟؟ أنا مش فايق لكلامكم ده إنتوا الاتنين، أنا بحب مريم وهتجوزها، هي دي اللي اختارت إني أكمل حياتي معاها.
بلقيس: على جثتي، إنت فاهم؟؟ جايبلي واحدة شحاتة يا هشام؟؟؟ إنت.......
انقطع كلامها بسبب هشام الذي أغلق المكالمة بغضب شديد وقام بتغيير ملابسه سريعًا ثم خرج من الغرفة متجهًا نحو مكتب خاله بغضب عارم. كان طارق يجلس بهدوء على كرسيه منتظرًا لما سيحدث، وحدث ما توقع. قام هشام بفتح باب مكتبه بغضب وصدره يعلو ويهبط بسبب الغضب الذي يتملكه. ابتسم طارق بشر. اقترب منه هشام وأمسكه من تلابيبه.
هشام بغضب: إنت عايز إيه؟؟ بتكرهها ليه؟؟؟
طارق بهدوء شديد كأن شيئًا لا يحدث: عشان هي في مكان مش مكانها، المستشفى دي هي ماينفعش تكون فيها، غيرها يستحقها مش واحدة من الشارع تيجي تاخد كل ده على الجاهز.
هشام بعدم استيعاب: إنت بتتكلم بجد؟؟؟ إنت بتحقد عليها؟؟؟ إنت عارف هي تعبت قد إيه علشان توصل هنا؟؟؟
طارق بابتسامة: ماهو عشان ما أخليهاش تمشي لازم تنفذ كلامي.
هشام بعدم فهم: أنفذ كلامك إزاي؟؟؟ إنت بتهددني؟؟
طارق بتعالٍ: لا مش بهددك، بس اللي زي دي ماينفعش ياخدوا كل حاجة على الجاهز، هي ماتستحقش واحد زيك، ولا تستحق إنها تشتغل هنا.
هشام باستهزاء: أنا بجد مش قادر أستوعب، إنت إزاي تحقد عليها كده وهي يادوب ما حيلتهاش غير إنها تحقق اللي هي بتحلم بيه.
طارق باستفزاز: ماهو عشان هي تقدر تحقق حلمها إنت هتنفذ كلامي.
هشام بغضب: انسى إني أنفذلك حاجة.
تركه وكاد أن يتحرك ولكن أوقفه صوت طارق.
طارق: لو ما بعدتش عنها تقدر تقول لأحلامها باي باي.
نظر هشام له باستهزاء وكاد أن يتحدث.
طارق مقاطعًا له: في ثانية واحدة أقدر أخليها تتمسح من النقابة فورًا أو إني ألفقلها قضية تحبسها، ومش بعيد إن ده يتثبت عليها طبعًا لأن سلوكها خير دليل.
لم يصدق أن ذلك خاله الذي يخبره بكل تلك الأمور الدنيئة التي من الممكن أن يفعلها، سيفعل كل ذلك لأجل أن يتركها؟؟؟
طارق مكملًا حديثه: أنا اللي مربيك، وماينفعش واحدة زي دي تتجوز ابني.
كاد هشام أن يتحدث.
طارق مكملًا: ولو بتحبها زي ما بتقول يبقى أكيد هتدور على مصلحتها ولا أنا غلط؟؟؟ وأظن إنك عارف إني قادر أنفذ كلامي.
نظر لخاله لا يستطيع الحديث. خرج من المكتب وهو يشعر بالتيه، خائفًا على مستقبلها؟؟ نعم، يحبها؟؟ نعم، لا يقبل الأذية لها أبدًا. آلمه قلبه لفكرة الفراق، فماذا ستفعل إذا تركها الآن؟؟؟ ماذا سيحدث لها؟؟ والأهم من ذلك ماذا سيحدث له هو؟؟ لا يستطيع التفكير بشيء الآن سوى أن خاله سيفعل أي شيء ليؤذي مريم، ولأجل أن يحميها فعليه تركها لحال سبيلها. أغمض عينيه بألم، يفكر كيف سيفعل ذلك؟؟ كيف سيبعدها عنه؟؟ كيف سيبعدها دون الشك بأي شيء لكي تبتعد عنه نهائيًا. أفكار كثيرة تسيطر عليه، ولا يدري ماذا سيفعل.
تجلس في مكتبه تنتظره، تنظر بفخر حولها في كل ركن من أركان ذلك المكتب، فهشام طبيب ماهر في مجاله فهو يكبرها بسبع أعوام. يحب عمله كثيرًا ويحبها هي أيضًا فهو يراها جزءًا كبيرًا من مستقبله. ابتسمت باطمئنان لأن هشام هو الوحيد الذي أحبها في ذلك العالم بعد أن أصبحت وحيدة لا أحد لها، وعندما تيقنت من حبه وإخلاصه لها سلمت قلبها إليه مطمئنة. تنهدت بملل فقد تأخر كثيرًا عليها ها هي تنتظره منذ ساعة تقريبًا ولكنه لم يأتِ. نظرت إلى التلفاز الموجود بغرفته وابتسمت بخبث وقررت أن تشاهد بعض قنوات الكارتون تسلي نفسها قليلًا حتى يأتي. قامت بفتح التلفاز وبدأت تبحث في القنوات ولكن قنوات الأخبار هي المنتشرة فكان صعب البحث عن قنوات الكارتون وأثناء بحثها استوقفها خبر في إحدى القنوات.
مذيع: لا نعلم ما السبب وراء حالات القتل الغامضة تلك، حيث أن كل ضحية يتم قتلها نجد عن طريق الصدفة البحتة أنها متهمة بعدة جرائم لم تثبت عليهم قانونيًا حيث تم النفاذ منها بطريقة عجيبة، ووجد مع أغلب تلك الجثث تسجيلات خاصة بمكالمات الضحايا يتم من خلالها التحريض على ارتكاب الجرائم، وهذه بعض صور الضحايا في الفترة الأخيرة.......
ظهر أمامها صورًا كثيرًا لمجموعة كبيرة من الرجال ولكنها لم تستطع أن تنظر إليهم لأن الباب تم فتحه من قِبل هشام والذي دلف إلى مكتبه بوجه متجهم. أغلقت التلفاز ثم توجهت نحوه ووقفت قبالته تسأله عن حاله.
مريم باستفسار: في إيه مالك؟
هشام: مافيش.
مريم بتعجب: مافيش إيه؟ هو إنت مش شايف نفسك؟
هشام عاقدًا حاجبيه وهو ينظر لها: وإنتي مالك؟
مريم بعدم فهم: نعم؟؟؟ وأنا مالي؟؟
هشام: اه وإنتي مالك؟
تعجبت سوء معاملته وأسلوبه السيئ في الحديث.
مريم: إنت بتتعامل معايا كده ليه؟
هشام: عشان ده الأسلوب إللي لازم أتعامل بيه مع واحدة زيك.
تغيرت ملامحها من التعجب إلى الغضب.
مريم: اتكلم معايا بأسلوب أحسن من كده، وإلا.......
قاطع كلامها اقتراب هشام المفاجئ منها ممسكًا بخصرها بقوة وينظر لها بنظرات غريبة لم ترها قبلًا.
مريم بصراخ محاولة الابتعاد عنه: ابعد عني.
هشام بغضب: وإلا إيه؟؟ إنتي فاكرة نفسك إيه؟؟ فوقي ده أنا أشتريكي بشوية جنيهات، *نظر لها باستهزاء* وأنا عارف إنك معايا عشان الفلوس، وإحنا في مرحلة لطيفة وداخلين على مرحلة ألطف وهي مرحلة السرير، يعني تقبلي الواقع أنا عمري ما هبص لواحدة زيك و....
قاطع كلامه صفعة قوية من مريم والتي تنظر له بكره شديد.
مريم بغضب وألم شديد: أنا كنت متوقعة إنك بني آدم محترم مش زي أي حد، لكن إنت طلعت **** زي كل الرجالة.
استطاعت تلك المرة الابتعاد عنه وخرجت صافعة الباب خلفها وهنا تغيرت ملامح هشام للحزن الشديد وأغمض عينيه بألم لعله يستطيع أن يعين قلبه في الفترة القادمة على فراقها. تمشي في ممرات المشفى تحاول إخفاء حزنها وألمها من صدمتها في الشخص الذي أحبته. تجمعت الدموع في مقلتيها تحاول البحث عن غرفة تختبئ بها وتبكي وحدها ولكن لم يأتِ على بالها سوى غرفة عماد. ركضت سريعًا تحاول الاختباء من الجميع حتى لا يرى أحد ضعفها، ودون أن تنتبه اصطدمت بأحدهم ولكنها أكملت ركضها حتى وصلت لغرفة عماد. دخلت الغرفة سريعًا واستندت بجسدها على الباب وهنا كان عماد جالسًا بسريره متفاجئًا من دخولها. كاد أن يتحدث ولكنه صمت عندما وجد أن هناك الكثير من الدموع تنزل من مقلتيها وهي تنظر إليه. تحاول كتم شهقاتها ولكن عماد نظر لها بحنو ورفع لها يديه يحثها على الاقتراب. وهنا ضعفت مريم كثيرًا فهي في حاجة للدعم خاصة في ذلك الوقت. ركضت بضعف نحوه واختبأت بأحضانه كالحفيدة التي تختبئ في أحضان جدها تستمد منه الأمان، تحاول على قدر المستطاع أن تبكي بصمت لا تريد إظهار ألمها أكثر من ذلك.
عماد بتفهم لحالتها وهو يربت على شعرها: عيطي، مايهمكيش حاجة، عيطي.
وكأنه سمح لها بإطلاق ما بداخلها من خلال ذلك الحديث. بكت بنحيب عالٍ كالطفلة التي تبكي على لعبة ضائعة وعماد يقوم بالربت على ظهرها. لا تدري كم ظلوا هكذا تبكي وهو يربت على كتفها تارة وتارة يخبرها بأن تهدأ وكل شيء سيكون على ما يرام. ولا يشعران بمن يراقبهما وهما في تلك الحالة. ألا وهو ياسين المغربي.
رواية القاتل الراقي الفصل الثالث 3 - بقلم سارة بركات
"يتألم قلبي وتتعذب روحي، ولكني أصمد كي لا يرى الجميع ضعفي."
تبكي بنحيب عالٍ، فقد صُدمت في من كان دعمًا كبيرًا لها، صُدمت في من اختارته زوجًا مناسبًا لها. صدمة قوية آلمت قلبها وجعلت الكُره يملأها نحوه. يقف عند باب الغرفة ينظر إليها هي وعماد الذي يربت على ظهرها ويقوم بتهدئتها، ولكن نحيبها يزداد أكثر. ظل واقفًا يراقبهما بهدوء ثم أغلق باب الغرفة وذهب، والاثنان لم يسمعا صوت إغلاق الباب بسبب نحيبها العالي. أما هي بدأت تتحدث بشهقات عالية:
مريم بصوت متقطع: أنا... حـ... حبيته، إزاي... يطلع كده؟! أنا إتحديت... نفسي... عشانه.
عماد بحزن وهو ينظر داخل عينيها: ما فيش حد يستاهل دموعك دي، عيشي لنفسك يا مريم. هو ما يستاهلكيش. بصي لحياتك ومستقبلك وكملي. ما تخليش حاجة توقفك.
نظرت له وهي تبكي تفكر بكلامه، وقامت بهز رأسها توافقه على كلامه.
...........................
يقف أمام تلك الغرفة يتابع الفتى بأعين هادئة، ينظر لمؤشراته الحيوية والتي تشير إلى استقرار أنظمته الحيوية. ظل واقفًا لدقائق قليلة ثم تحرك من أمام الغرفة متجهًا نحو مكتبه.
...........................
يجلس على مكتبه ممسكًا رأسه بين يديه حزينًا على ما قاله لها. كيف يفعل بها ذلك؟! فهو على علم جيد بأن خاله سيفعل المستحيل لأذيتها. يعلم خاله تمام المعرفة. يعلم الشر الذي بداخله جيدًا. حتى هو لن يستطيع أن يقف أمامه. أغمض عينيه بحزن وخيبة أمل على عجزه في التصرف في ذلك الأمر. غضب كثيرًا من نفسه يتمنى لو كان يستطيع أن يتحدى خاله ولكنه لن يستطيع. استقام من كرسيه بحزن كبير ثم خرج من مكتبه متجهًا نحو خارج المشفى ينوي الاختفاء لفترة.
...........................
لا تعلم كم ظلت تبكي في غرفة عماد وكم ظل عماد يقوم بتهدئتها، لكنها ممتنة لوجوده في حياتها، ممتنة لتفهمه لها وأنه في تلك اللحظة لم يُشعرها أنها وحيدة. تجلس على كرسي بجانب سرير عماد تنظر للشرفة بشرود وعيناها متورمة من البكاء. كان عماد نائمًا على سريره ينظر إليها حزينًا على ما تمر به، فهو يحبها كثيرًا ولا يريد أن يراها في حالة مثل تلك. يجب أن تذهب للمنزل لترتاح قليلًا.
عماد: مريم.
نظرت إليه باستفسار بأعين ذابلة عندما قام بمناداتها.
عماد بابتسامة هادئة: روحي البيت. إنتِ محتاجة ترتاحي. إنتِ هنا من إمبارح، على الأقل تغيري جو شوية.
هزت مريم رأسها بضعف ثم استقامت من مكانها وتوجهت نحو خارج الغرفة، فهي تحتاج للراحة فعلًا.
...........................
يخرج من المشفى ببرود متجهًا نحو سيارته والذي قام بفتح بابها له أحد الحراس. ركب السيارة وكادت أن تتحرك السيارة والسيارات الأخرى. أشار بيده للسائق بالتوقف عندما رأى مريم تخرج من المشفى بأعين ذابلة. تمشي دون وجهة محددة حاملة حقيبة ظهرها. تحركت في طريق المشفى حتى وصلت للطريق الخارجي. توقفت تنتظر إحدى وسائل مواصلات النقل العام لكي يقلها إلى المكان الذي تعيش به. أما ياسين فقد أمر سائقه بالتحرك. بمرور الوقت، نزلت من وسيلة النقل وقبل أن تتحرك في اتجاه بيتها تذكرت أمرًا هامًا، وهو أن تدفع إيجار غرفتها. تأففت لأنها لم تحصل على راتبها، لأن اليوم ليس موعد نزول الراتب. ثم اتسعت عيناها باستيعاب كأنها نسيت أمرًا هامًا.
مريم بتذكر: المعاش!!! إزاي أنساه.
ظلت تلوم نفسها على ذلك النسيان ونظرت إلى تاريخ اليوم.
مريم بتفكير: أكيد زمان المعاشات نزلت. هروح أشوف.
تحركت في اتجاه يعكس اتجاه منزلها وبعد عدة دقائق من المشي وقفت أمام ماكينة الـ ATM لتقوم بتجربة سحب المال، ابتسمت بسعادة عندما وجدت المال.
مريم بارتياح: الحمد لله، يا دوب الفلوس تكفي إني أدفع الإيجار وأشوف هحتاج إيه اليومين دول.
أخذت مالها واتجهت في طريق المنزل. وبعد عدة دقائق دخلت المبنى القديم المهترئ توجهت نحو السطح أولًا لكي تضع حقيبتها في غرفتها ثم تعود لميرفت لتدفع لها الإيجار. وقفت أمام باب الغرفة تحاول فتحها، ولكنها تعجبت أن المفتاح لا يفتح الباب. حاولت مرة واثنتين وأكثر من ذلك ولكن المفتاح به مشكلة ما؟! كادت أن تتحرك وتهبط لتسأل ميرفت ما الخطب؟! ولكنها تفاجأت بمن يفتح باب غرفتها من الداخل. صدمت مما رأت. شاب في أواخر العشرينات ولكن يبدو من هيئته الغريبة أنه أربعيني. يرتدي فانلة مُقطعة تظهر بعضًا من جسده ويرتدي بنطال بيجامة مهترئ. استفاقت عندما تحدث بتثاؤب وهو يحك جسده.
الشاب: نعم يا أبلة؟ في حاجة؟
امتقعت ملامح مريم بالاشمئزاز وتحدثت ببعض العصبية.
مريم: إنت مين؟! وبتعمل إيه في أوضتي؟!
الشاب بتعجب: أوضتك منين يا أبلة؟ دي أوضتي أنا.
مريم بغضب: نعم؟! وأوضتك من إمتى بقى إن شاء الله؟!
الشاب بتعجب لغضبها: لسه مأجرها إمبارح من مدام ميرفت.
اتقدت نيران الغضب الحارقة بداخل مريم لم تشعر بنفسها سوى وهي تهبط لشقة ميرفت وقامت بطرق بابها طرقات عالية مسموعة في المبنى بأكمله.
مريم بغضب: إنتِ يا وليه يا اللي اسمك ميرفت.
ظلت تطرق طرقات متعددة على بابها بقوة، حتى قامت ميرفت بفتح الباب بعصبية.
ميرفت بعصبية: نعم في إيه؟!
ولكن ميرفت هدأت وتحدثت بسخرية وهي تمضغ علكتها عندما رأت مريم أمامها.
ميرفت: ست الدكتورة؟! أهلًا وسهلًا، أؤمري؟
مريم محاولة كتم غضبها: مين اللي فوق ده؟!
ميرفت بتمثيل عدم الفهم: مين لمؤاخذة؟!
مريم بغضب: مين الكائن اللي قاعد في أوضتي ده؟! ودخل أوضتي إزاي؟!
أطلقت ضحكة رقيعة وتحدثت بمياعة.
ميرفت: أوضتك؟! ما كانش ينعز يا عينيا.
مريم بغضب: يعني إيه؟!
ميرفت بجدية رافعة حاجبيها متحدثة بعنجهية: يعني يا ست الدكتورة ملكيش مطرح عندي.
دخلت ميرفت شقتها تاركة الباب مفتوحًا. لم تستوعب مريم ما تمر به كيف؟! كيف وهي تحمل إيجارها وتتلهف للراحة في غرفتها قليلًا حتى تنسى ما عاشته اليوم. كيف يحدث ذلك معها؟! استفاقت عندما عادت ميرفت رامية حقيبة ملابسها أرضًا.
ميرفت بصوت حاد: يلا بره بيتي من غير مطرود.
أغلقت الباب بوجهها بقوة وظلت مريم يابسة بمكانها لا تتحرك. نظرت لحقيبة ملابسها ثم نظرت لجيرانها الذين ينظرون لها بشفقة ومنهن من تجذب خلفها زوجها الذي ينظر لمريم بنظرات مقززة. اقشعر جسد مريم ثم عادت للنظر لحقيبتها مرة أخرى. لا تدري هل تبكي على ألم قلبها أم تبكي على أنها أصبحت بدون منزلٍ الآن. وفي ذات الوقت هناك شيء يجعل مشاعر الغضب والانتقام تنمو بداخلها أكثر. أغمضت عينيها بقوة تحاول منع دموعها من الخروج. تحاول أن تصبح قوية وتُكمل طريقها. فتحت عينيها بقوة حاملة حقيبتها وهبطت من سلالم المبنى متجهة نحو وجهة معينة بغضب شديد فليس ذلك وقت البكاء على الأطلال. بعد دقائق من المشي كانت تقف أمام مبنى المباحث. أخذت نفسًا عميقًا ودخلت المبنى. تقف أمام مكتب ضابط النيابة.
الضابط: جايه في إيه حضرتك؟
مريم محاولة أن تكون هادئة: أنا جايه أقدم بلاغ.
الضابط: في مين؟ وإيه التهمة؟
مريم بهدوء: في ميرفت محمود عباس.
الضابط: عملت إيه؟
مريم: طردتني من الأوضة اللي كنت مأجراها منها.
نظر الضابط لها بنصف عين ثم عاد للكتابة مرة أخرى.
الضابط: والسبب؟
مريم: اتأخرت في دفع الإيجار.
نظر لها مرة أخرى عاقدًا حاجبيه متحدثًا باستفهام: كان في إخطار إنها هتمشيكي لو ما دفعتيش؟
وهنا في تلك اللحظة فقط، شعرت مريم بأن القانون لن يقف في صفها. ولكنها حاولت أن تتحدث على أمل طفيف بداخلها لعل العدالة تأخذ مجراها.
مريم بهدوء: أيوه.
طرق الضابط على مكتبه متحدثًا بعصبية: إحنا جايين نهزر؟! أومال فين التهمة؟!
مريم بصدمة من عصبيته: هي دي التهمة، إنها طردتني بدون علمي وجابت مستأجر مكاني.
الضابط: ما طردتكش بدون علمك هي بلغتك بدفع الإيجار وإنتِ ما دفعتيش. حقها طبعًا تمشيكي.
مريم محاولة التحكم في رعشتها بسبب رغبتها بالبكاء: بس ده ظُلم، كانت ممكن تديني فرصة تانية عشان أنا بنت و...
الضابط بغضب مقاطعًا لها: هو إنتِ جايه تحكي قصتك هنا؟! يلا يا ماما إمشي من وشي إحنا مش فاضيين للحكاوي دي.
مريم: بس...
طرق بيديه بقوة على مكتبه مما جعلها تنتفض في مكانها.
الضابط بتحذير: كلمة كمان وهبيتِّك في التخشيبة.
نظرت مريم للأرض بحسرة حاملة حقيبتها وخرجت من المبنى. تحركت دون وجهة معينة. تحركت بقلب يملؤه الحسرة لا تدري ما وجهتها وأين ستبيت اليوم. ليس لها منزل. ليس لها أحد. جلست على كرسي قريب من محطة مواصلات النقل العام وفي لحظة جلوسها بعيدًا عن الأعين، بكت بكاءً شديدًا على ما وقعت به. بكت على ألم قلبها وعلى حياتها. بكت بنحيب. وضعت يدها على مكان قلبها ناظرة للسماء وهي تبكي بقهرٍ مما تراه. ظلت هكذا تجلس بالشارع تحاول إخفاء بكائها عن الجميع ولكن بعض المارة كانوا ينظرون لها والبعض الآخر يسأل عن حالها ولكنها تجاهلت وجودهم ولم ترد حتى يأس الجميع منها.
...........................
في شركة المغربي:
يجلس برقي في مكتبه الخشبي العريق الواسع والذي يُظهر من ديكوره الخاص أنه ليس ديكور هذا الزمن بل ديكور تراثي راقٍ.
يعمل على اللابتوب الخاص به ويضغط على بعض الأزرار ويقوم بمراجعة بعض الأشياء. ظل منتبهًا لعمله ولما يفعل، ولكنه تشتت عندما جاءته رسالة على هاتفه من أحد رجاله. قام بفتح الرسالة وتعجب عندما رأى صورة خاصة بتلك الطبيبة وهي تبكي في ظلام الشارع، تنظر إلى السماء بألم واضعة يدها على موضع قلبها وبجانبها حقيبة ملابسها. نظر ياسين لصورتها بصمت. لا يدري لماذا انتابه الفضول نحوها، ولكنه أراد أن يتأكد من هويتها. وبالفعل قد تأكد من ذلك ولم يُخِب ظنه. التقط هاتفه وقام بالتواصل مع مدير عام المشفى والذي كان متغيبًا اليوم.
مرتضى بانتباه: نعم يا ياسين بيه؟
ياسين بهدوء: الدكتورة "مريم أحمد سعيد هنداوي" هتكون شيفت كامل من دلوقتي.
تعجب مرتضى من معرفته باسم تلك الطبيبة والتي لا يجب أن يعلم بها أحد مثل ياسين المغربي؛ لأنها نكرة بالنسبة لهم جميعًا. ثم منذ متى وياسين المغربي يتدخل بأمور المشفى؟! إنه نادرًا ما يقوم بزيارة المشفى. لم ينتظر ياسين ردًا من مرتضى الذي تاه في تعجبه منه وأغلق المكالمة، ثم أكمل عمله كأن شيئًا لم يكن. استفاق مرتضى من تعجبه وقام بالتواصل مع المشفى ليقوموا بدورهم بالتواصل مع مريم. فأوامر ياسين كالسيف يجب أن تُنفذ.
تبكي بكاءً شديدًا ولا تدري أو تعلم أين تذهب. ضاقت بها الحياة وأملها بالحياة اختفى. في الحقيقة شعرت أنها فعلًا يتيمة على الرغم من أنها تحاول دفن ذلك الشعور بداخلها منذ زمن. ولكنها الحقيقة، هي يتيمة ليس لها أحد. تضع يديها على وجهها تجهش بالبكاء على ما تشعر به. قد خذلها من أحبته كما خذلها العالم بأكمله. لم يتبق لها أحد. لا عائلة ولا منزل ولا حبيب ولا أي شيء. لا تعلم لماذا هي حية حتى الآن. تتمنى لو أنها ميتة في ذلك الحادث الذي مرت به منذ صغرها ولا تعيش كل ما مرت به. يكفي تراهات مريم. فذلك الفارس المغوار لن يأتي، لستِ طفلة صغيرة بعد الآن. لم تعودي بالعاشرة من العمر. لا يوجد بطلٌ خارق ينقذك من أي ورطة تقعين بها. كفى يا غبية. كفى! استفاقت من شرودها وبكائها على صوت هاتفها الذي يعلن عن اتصال هاتفي. نظرت لشاشة الهاتف ووجدته رقم المشفى. حاولت أن تهدأ قليلًا لتقوم بالرد.
مريم بصوت حاولت جعله طبيعيًا: ألو.
المتحدث: دكتورة مريم، هنحتاج حضرتك تكوني شيفت كامل من دلوقتي. هتعرفي تيجي؟
لم تستوعب ما قد قيل الآن. هل هذا يُعقل؟! أم أنها تحلم؟!
مريم: شيفت كامل؟!
المتحدث: أيوه كامل، وبنجهز حاليًا أوضة لحضرتك عشان تكوني على راحتك.
تعجبت أكثر من ذلك القرار.
مريم بعدم استيعاب: حاضر، أنا جايه في الطريق.
أغلقت مريم المكالمة الهاتفية مع من تحدثت إليها من استعلامات المشفى. وبسبب دهشتها نسيت أن تسأل عن من أصدر ذلك القرار. ابتسمت وضمت الهاتف بقوة ونظرت للسماء حامدة الله على ذلك. مسحت دموعها بقوة واستعادت أملها بالحياة وابتسامتها على الرغم من ألم قلبها الذي لن يُشفى. تنهدت بارتياح واستقامت من المقعد الذي كانت تجلس به حاملة حقيبة ملابسها وحقيبتها الخلفية، وركبت إحدى وسائل النقل العام الذاهبة في طريق المشفى.
في فيلا هشام:
دخل الفيلا بغضب وتقابلت عينيه مع والدته التي يبدو من الواضح أنها قلقة عليه.
بلقيس: كنت فين كل ده يا هشام؟! إحنا داخلين على نص الليل. وما كنتش بترد عليا ليه؟!
لم يُجبها واتجه نحو غرفته وهي ركضت خلفه تلحقه.
بلقيس برجاء: رد عليا، كنت فين؟!
تجاهلها تمامًا واتجه نحو خزانة ملابسه الكبيرة وبدأ بأخذ بعض الملابس له ووضعها في حقيبة سفره وبلقيس تحاول منعه.
بلقيس برجاء: رايح فين؟! لا مش هسيبك تمشي.
وهنا قد ضاق ذرعًا وتحدث بغضب شديد.
هشام: مش خلاص عملتوا اللي انتوا عايزينه؟! خليتوني أبعد عن الإنسانة اللي بحبها؟! يبقى ما تسأليش أنا رايح فين. أنا بجد مش قادر أتخيل أنا إزاي عملت كده؟! إزاي أنا اتخليت عنها بعد ما كنت كل أملها في الحياة دي؟! إزاي قدرت أسمع كلامك وكلامه ودوست على مشاعرها بالجزمة.
بلقيس بضيق: إنت ليه زعلان عليها؟! هي لا أول ولا آخر واحدة في الدنيا يا هشام. هتقابل الأحسن منها. شوف البنات اللي حواليك نفسهم بس تبصلهم و...
هشام بغضب مقاطعًا لها: إفهميني، أنا مش شايف غيرها. وعايزها هي وبس. انتوا دمرتوني. بس صدقيني يا بلقيس لو عرفت إنكم أذيتوها يبقى مش هتشوفوا مني غير اللي تستحقوه.
حمل حقيبة ملابسه بعد أن ملأها واتجه نحو باب غرفته. وبلقيس تهرول سريعًا خلفه.
بلقيس: اسمعيني طيب، ماتسيبش البيت يا حبيبي، خليك معايا.
تجاهلها تمامًا ولم يستمع لندائها وخرج من الفيلا بغضب وركب سيارته وتحرك بسرعة، نادمًا على ما فعله بمريم بعد أن كان كل ما تبقى لها.
دلفت للمشفى ولا زالت الدهشة تتملكها من ذلك القرار الغريب. تحمل حقيبتها وهي تنظر حولها ولا تصدق أنها وجدت مكان تبقى فيه خلال الأيام القادمة، وبتلك الفرصة ستحاول البحث عن غرفة أخرى لتعيش بها فيما بعد عندما ينتهي أمر "الشيفت الكامل". اتجهت نحو الاستقبال وأخبروها بغرفتها التي ستبقى بها بدءًا من اليوم. دلفت لغرفتها الجديدة ولدهشتها فقد كانت كأنها أُعدت لضيف ذو منصب في تلك المشفى. تقرُب لغرفة عماد في الشبه ولكن غرفة عماد أكبر قليلًا من تلك. وضعت حقيبة ملابسها أرضًا ونظرت حولها وهي تتأمل تلك الغرفة المريحة والدافئة. جلست على السرير وملست عليه بهدوء. وفي تلك اللحظة فقط شعرت أنها تحتاج للنوم فقط. تشعر بالإرهاق كثيرًا من الناحية العقلية والجسمانية. لم تفعل أي شيء سوى أنها قامت بفرد جسدها على السرير وأغمضت عينيها قليلًا لعلها ترتاح، ولكنها قد غرقت في نوم عميق لم تعلم كيف أتى.
قُبيل الفجر:
تنام بأريحية ولا تشعر بأي شيء حولها. ابتسامة جميلة ارتسمت على وجهها. تحلم بذلك الحُلمِ مجددًا، ولا تشعر بذلك الجالس على كرسي غرفتها يراقبها وهي نائمة. واضعًا ساقًا فوق الأخرى. ينظر لها بهدوء شديد. ظل هكذا لعدة دقائق ثم استقام من مقعده متجهًا نحو سريرها ثم جلس عليه بجانبها. ينظر لملامحها الهادئة. تقلبت على سريرها وأخفى شعرها منتصف وجهها. حرك ياسين يديه نحو شعرها وقام بإبعاده عن وجهها. نظر لها مرة أخرى قليلًا كأنه يفكر. ثم استقام من سريرها وخرج من غرفتها بهدوء، وفي تلك اللحظة استيقظت مريم كأنها شعرت بأنها أصبحت وحيدة بعدما كانت تشعر بالألفة والأُنس في حلمها. وضعت يدها على موضع قلبها وأغمضت عينيها بهدوء مكملة نومها العميق. خرج ياسين من المشفى متجهًا نحو قصره الفارغ والبارد كفراغ وبرودة قلبه.
في الصباح:
خرجت من غرفتها وبدأت تمشي في ممرات المشفى بشرود تفكر بذلك القرار الإداري الذي تم إصداره فجأة. يجب أن تعلم من أصدره لكي تشكره على ذلك، ولكنها لن تذكر السبب بالطبع. وتفكر أيضًا بمعاملتها فيما بعد مع هشام. ستعيش كما لو أنه لم يكن موجودًا في حياتها قط. وأول خطوة قامت بها هي أنها قامت بحذف رقم هاتفه بعد أن فعلت الحظر له على جميع وسائل التواصل التي كانت بينهما سابقًا لكي لا يستطيع أن يصل لها فيما بعد. أما في المشفى فلن تنظر إليه لو كان يقف أمامها. تنهدت بثِقل كبير. ولكن لا مريم، هذه هي الحياة. اعتادي على ذلك. الجميع يرحل، أما أنتِ؟! لا يدوم لك سوى نفسِكِ فقط. أثناء مرورها في إحدى الممرات وجدتهم ينقلون تلك الفتاة التي جاءت بالأمس في حادثة الاغتصاب تلك من العناية إلى غرفة أخرى. وللعجب أن الفتاة مستيقظة ولكن تنظر أمامها بشرود. نظراتها خالية من الروح. وقفت قليلًا تتابعهم بأعينها وهم يغلقون غرفتها بعد أن وضعوها بها. وسمعت همهمات منهم أثناء مرورهم بجانبها.
المتحدث: أول أما صحيت انهارت وفضلت تصرخ. ما هديتش غير بالمهدئ. كلها خمس دقايق ومفعوله يبدأ، وبلغنا الشرطة إنها فاقت شوية وهيكونوا هنا عشان ياخدوا أقوالها.
شعرت بالحزن على حالها ثم نظرت لغرفتها واتجهت نحوها وفتحت الباب بهدوء. نظرت لتلك الفتاة النائمة بسريرها وتنظر لسقف الغرفة بشرود وأعين باكية. أغلقت مريم الباب بهدوء واقتربت نحوها ببطء. حركت الفتاة رأسها بخمول نظرًا للمهدئ الذي بدأ مفعوله. ظلت مريم واقفة أمامها تنظر لها، لا تدري ماذا تفعل. هل تقترب أم تبتعد؟! ولكنها اقتربت عندما تحدثت الفتاة بألم وبدون وعي.
المتحدثة: قتلني.
أمسكت مريم بيدها ونظرت لها وبدأت دموعها تهدد بالنزول على حالها. تحدثت الفتاة وقد بدأ النعاس يسيطر عليها وهي تنظر في أعين مريم.
المتحدثة: أهلي هيموتوني.
هزت مريم رأسها بالنفي وتحدثت بصوت مهزوز من حالة الفتاة.
مريم: أنا معاكي وجنبك وهساعدك. مش هسيب حقك. هحتاج منك تحكيلي على كل حاجة وصدقيني حقك هيجيلك لحد عندك. كل واحد لازم ينول اللي يستحقه.
بكت الفتاة بقهر ولكنها غابت عن الوعي بسبب المهدئ. مسحت مريم دموع تلك الفتاة التي لا تعلم هويتها حتى الآن وربتت على رأسها بهدوء. وتحدثت بتصميم.
مريم: هجيب حقك. مش هسيبك، اللي عمل فيكي كده لازم يروح في داهية، لازم ياخد جزائه.
قبلت مريم رأسها بهدوء وخرجت من الغرفة. أغلقت الباب بهدوء وقامت بمسح دموعها وتتمنى أن تستطيع مساعدتها. كادت أن تتحرك سمعت صوته الذي تمقته.
طارق بسخرية: دكتورة مريم؟! يا دي النور. أنا سمعت إشاعات لطيفة كده.
ظلت معطيةً إياه ظهرها. تحرك طارق نحوها ووقف أمامها بغرور وتكبر.
طارق عاقدًا حاجبيه بضيق: سمعت إنك بقيتي شيفت كامل. ومش أي حد اللي طلب كده، ده ياسين المغربي بنفسه هو اللي أصدر قرار بكده.
نظرت له بعدم فهم.
ولم تنتبه لسخريته منها أو لتعامله السيئ معها.
مريم بعدم فهم: "نعم؟"
طارق بضيق من تمثيلها الجهل: "هنلعب على بعض؟ يا ترى عملتي إيه خلاه يصدر قرار زي ده؟"
كادت أن تتحدث ولكنه أكمل.
طارق بسخرية: "بس لا برافو... معارفك كتير يا... يا دكتورة."
تركها وذهب متجهًا نحو مكتبه بغضب، أما هي توقفت مندهشة من قول طارق: "ياسين المغربي!!" كيف؟ صارت هكذا واقفة محملقة في الفراغ لعدة دقائق، لا تصدق، فمن هي حتى يصدر هو قرارًا يخصها؟ لماذا هي؟ هل يعقل أنه فعل ذلك عقابًا لها لأنها قامت برفع صوتها عليه؟ ولكن الشعور الوحيد الذي تشعر به الآن هو الامتنان، تريد أن تشكره كثيرًا، ابتسمت من فعلته تلك، يجب أن تشكره كثيرًا على ذلك، تنهدت بارتياح واتجهت نحو غرفة عماد لكي تطمئن عليه كعادتها وعقلها منشغل بقرار ياسين المغربي. لم تتعجب أنها لم تقابل هشام في طريقها لأن الأفضل لها ألا تراه. وقفت أمام غرفة عماد وأخذت نفسًا عميقًا ثم قامت بفتح الباب، وجدت عماد جالسًا بسريره ينظر للشرفة الكبيرة والتي تطل على حديقة المشفى، استفاق عندما سمع صوت الباب.
عماد بابتسامة: "مريم."
أغلقت الباب بابتسامة هادئة ثم اقتربت منه حتى جلست على كرسي بجانب سريره.
مريم: "صباح الخير يا عماد."
عماد: "صباح النور."
مد يده وربت على يدها بهدوء وتحدث.
عماد باستفسار: "بقيتي كويسة؟"
هزت مريم رأسها بابتسامة بسيطة.
عماد: "أنا كنت زعلان عليكي أوي إمبارح يا مريم، مش عايز أشوفك كده تاني أبدًا."
مريم بهدوء: "حاضر."
قررت أن تقوم بتغيير مجرى الحديث.
مريم: "أنت بقى حاسس بإيه اليومين دول؟ بقيت كويس؟ نفسيتك اتحسنت؟"
عماد بابتسامة: "طول ما أنتِ معايا أنا كويس."
نظرت له قليلًا، اطمأنت أنه أصبح بخير، أحسن من ذي قبل فنظرًا لعامل السن الخاص به فهو بحالات غريبة ومتعددة، مرة يبدو حديثه كالأطفال ومرة يتحدث كأن عقل يزن بلدًا بأكملها، ومرة يبدو كأنه لا يعلم أي شيء بهذه الحياة، ولكنها تحمد الله على وجوده بحياتها فهو كان داعمًا لها أمس.
مريم بامتنان: "شكرًا إنك فضلت جنبي إمبارح."
ابتسم لها عماد مرة أخرى مربتًا على يدها مرة أخرى، تنهدت مريم تنهيدة بسيطة ثم تحدثت بمرح.
مريم: "عندي ليك خبر حلو."
عماد باستفسار: "إيه هو؟"
مريم بابتسامة: "أنا هفضل معاك هنا ومش هسيبك، أنا شيفت كامل بداية من النهاردة."
عماد بدهشة: "بجد؟ يعني مش هتسيبيني يا مريم لوحدي تاني؟"
مريم وهي تهز رأسها بنفي: "مش هسيبك أبدًا."
سعد عماد كثيرًا من ذلك الأمر ولكنه تعجب قليلًا أن المستشفى لا يوجد فيها أطباء يعملون بها طوال اليوم لأن الطبيعي أن كل شخص وله حياته الخاصة حتى ولو كانوا يبقون هنا يومًا كاملًا فإنهم يأخذون يومًا آخر عطلة.
عماد باستفسار: "إزاي؟"
مريم باستفسار: "إزاي إيه؟"
عماد بتعجب: "أقصد مين اللي عايز يعذبك كده؟!"
ضحكت مريم من لطفه ثم أردفت بامتنان.
مريم: "مش مهم يعذبني ولا لا... المهم إن دي حاجة جات في وقتها وأنا من غير القرار ده أنا ماكنتش هعرف أعمل إيه بجد."
عماد باستفسار: "ليه؟ إيه اللي حصل؟"
نظرت مريم أمامها بشرود وحزن ثم عادت تنظر له مرة أخرى وهي صامتة.
عماد بإصرار: "في إيه يا مريم؟ إيه اللي حصل يخليكي مبسوطة أوي بقرار زي ده؟"
مريم: "هو بس الفكرة إن حصل حاجة..."
ثم قامت مريم بسرد ما حدث لها أمس، وبعد أن انتهت.
عماد بضيق: "الست دي محتاجة يترد لها اللي عملته فيكي."
مريم بابتسامة مصطنعة: "أنا ما سكتش يا عماد أنا روحت القسم، بس طالما هي بلغت من قبلها خلاص، حقها."
عماد بضيق: "حقها إيه بس؟"
مريم: "خلاص يا عماد ما تضايقش نفسك، أنا ما بقيتش متضايقة خلاص لإن داين تدان، مسيرها يحصل فيها زي ما عملت فيا."
هز عماد رأسه بموافقة من كلامها ثم تنهد وصمت يفكر لماذا أصدر ياسين قرارًا مثل ذلك؟ هل يعلم مريم من قبل؟ نظر عماد لمريم قليلًا عاقدًا حاجبيه بتفكير، لماذا شعر بالخوف فجأة، هو في العادة يخاف من وجود ياسين بحد ذاته، ولكن لماذا شعر بالخوف من ما يمكن أن يكون وراء فعلة ياسين تلك؟ والتي لا يعلم ما سببها؟ أما مريم تعجبت من شروده.
مريم: "عماد."
استفاق من أفكاره وتحدث بتيه.
عماد: "نعم؟"
مريم باستفسار: "في إيه؟ مالك؟ بتبص لي أوي كده ليه؟"
عماد بعدم ارتياح: "لا ما فيش، كويس إنك هتكوني معايا."
مريم بابتسامة مرحة: "ما تعرفش قريبك ده هييجي النهاردة إمتى؟"
عماد باستفسار: "قريبي مين؟"
مريم بتعجب: "ياسين المغربي."
عماد باستيعاب وبعض الخوف من اسمه: "آه... لا مش عارف، بتسألي ليه؟"
مريم بامتنان: "محتاجة أشكره جدًا، ممكن ما يعرفش أنا بشكره ليه، بس لازم أقول له شكرًا."
عماد بتنهيدة وهمس غير مسموع: "ما تستنيهوش ولا في دماغه."
مريم بانتباه: "نعم؟ بتقول إيه؟"
عماد بانتباه: "لا ما فيش."
ابتسمت مريم بمرح: "تمام، أنا هخرج بقى عشان أشوف شغلي."
عماد بابتسامة: "ماشي."
خرجت من الغرفة أما عماد شرد بتصرف ياسين الغريب، لم يعهده كذلك مطلقًا، ماذا الذي يدور في عقلك يا ياسين؟ ما الذي تريد فعله بتلك المسكينة؟ تنهد بألم، آه لو تعلم أنه قاتل لا يرحم لكرهت النظر إليه حتى، مسكينة مريم.
بعد مرور وقت على عمل مريم ومراقبتها للمرضى والاهتمام بهم، كانت تقف أمام سرير ذلك الطفل تبتسم له بحب فقد كانت سعيدة أنه تم نقله صباحًا من العناية المركزة إلى غرفة عادية بعد الاطمئنان على صحته، اقتربت منه وقام بتقبيل رأسه، وتأكدت مرة أخرى من مؤشراته الحيوية ثم خرجت من الغرفة، وأكملت مرورها بغرف المرضى، فهذه عادتها تحت الاطمئنان على الجميع، لا تريد أن تشعرهم بالوحدة كما هي تشعر دائمًا، ويالراحتها النفسية أنها لم ترَ هشام، لماذا تشعر بالراحة أنه بعيد على الرغم من ألم قلبها، وأنها أحبته بشدة، ولكن عندما يحب شخص أحدًا فالكره يأخذ مراحل أقوى بكثير من الحب عند انتهائه، أثناء مرورها سمعت صراخًا عاليًا يصدر من غرفة معينة وهي غرفة الفتاة التي تحدثت معها صباحًا، توجهت بأنظارها نحو الغرفة ووجدت الممرضات يهرولون نحوها وفي ذات الوقت يخرج شرطيان منها، ركضت هي أيضًا نحو الغرفة لأن صراخ الفتاة لا يتوقف، أبعدت الممرضات عن الفتاة لأنهم كانوا يحاولون إعطائها المهدئات مرة أخرى.
مريم بصوت حاد: "سيبوها."
إحدى الممرضات: "يا دكتورة ما ينفعش."
مريم بتكرار: "سيبونا لوحدنا واخرجوا."
نظرت الممرضات لبعضهن ثم خرجوا من الغرفة، أما الفتاة ظلت تصرخ ومريم تنظر إليها بحزن شديد، اقتربت منها بهدوء لأن جسدها بدأ ينتفض بسبب مرور كل ما حدث لها أمام عينيها عندما استفاقَت من المهدئ، قامت مريم باحتضانها بقوة محاولة تهدئتها ولكن صراخ الفتاة يزداد بشدة.
مريم: "اهدي... عشان خاطري اهدي."
تبكي وتصرخ ومريم ترجوها مرة أخرى بالهدوء وتحتضنها بقوة، بدأت مريم بالبكاء هي الأخرى وهنا شعرت الفتاة بها وانتهى صراخها ولكنها ظلت تبكي، ظلت مريم محتضنة إياها وتربت على ظهرها بحنان والفتاة يزداد بكاؤها أكثر، بقيا على تلك الحالة حتى هدأت الفتاة، وابتعدت مريم عنها ونظرت في عينيها متحدثة بحزن.
مريم: "أنا عارفة إن اللي حصل لك ما كانش هين... وعارفة أنتِ بتفكري في إيه دلوقتي... بس صدقيني... ده مش حل... لازم تفوقي وتبقي قوية عشان تاخدي حقك."
وأخيرًا تحدثت الفتاة بشهقات عالية.
الفتاة: "مين هيصدقني؟"
مريم بدهشة: "كله هيصدقك طبعًا... زمان تقرير الطب الشرعي قرب يظهر... حالتك لوحدها أصلًا كفاية إنها تثبت الموضوع ده."
صمتت الفتاة وهي تبكي وتنظر لمريم والتي أصبحت أعينها حمراء من البكاء، أمسكت مريم يدها وتحدثت بقوة.
مريم عاقدة حاجبيها بإصرار: "أنا هفضل جنبك... وهجيب حقك... وعشان أجيب حقك، قولي أقوالك للظباط اللي جايين يستجوبوكي عشان يرفعوا القضية."
الفتاة بخوف: "بس... بس..."
مريم بجدية: "من غير بس... قولي كل اللي حصل لك."
هزت الفتاة رأسها بهدوء، أما مريم مسحت دمعتها وابتسمت لها.
مريم: "أنتِ اسمك إيه بقى؟"
أجابت الفتاة بحزن شديد.
الفتاة: "روان."
مريم بابتسامة: "اسمك جميل أوي يا روان، أنا هطلع أنادي لهم."
اعتدلت مريم ووقفت وتحركت باتجاه الباب، ولكن أوقفتها روان.
روان: "استني."
مريم: "نعم؟"
روان: "ممكن تكوني معايا وهما بيستجوبوني؟"
هزت مريم رأسها بابتسامة ثم خرجت من الغرفة وأخبرتهم بالدخول واستأذنتهم بأن تكون معها في نفس الغرفة بحجة حالتها النفسية وأنها طبيبتها، وافق الشرطيان وتبعتهم مريم، وقفت مريم بجانبها ممسكة بيدها بقوة لكي تقوم بدعمها، بدأت روان بسرد كل ما حدث لها للشرطيين.
روان بدموع: "أنا بشتغل في شركة استيراد وتصدير اسمها... صاحب الشركة اسمه لبيب مهران، أنا سكرتيرة مكتبه... كان أغلب الوقت بيكون مشغول، فابنه اللي كان بييجي بحجة إنه يكمل شغله ويشوف إيه اللي يعمله... اسمه شادي... (بكت أكثر)... كان شخص مش مريح... نظراته ليا ما كانتش لطيفة... كنت بتجنبه على قد ما أقدر وكنت بعتبره مش موجود كمان... كان بيتعمد يضايقني وأنا كنت بعدي وبسكت عشان أكل عيشي بحكم إني بصرف على نفسي ومتغربة هنا بعيد عن أهلي... حاول في مرة إنه يلمسني ضربته بالقلم وعرفته مقامه... من بعدها جالي واعتذر على اللي عمله وحسسني إنه شخص بريء وإنه ما كانش واعي للي هو عمله... قلت له إنه الموضوع عدى بس تعامل بينا مش هيحصل تاني...
عادت الأيام وهو بيحاول يقرب لي، يضحك معايا ويتكلم معايا، بس أنا ما كنتش بأدّي له وش أبدًا.
ومرة كنت سهرانة في الشغل بأجهز شوية ملفات في مكتب أ/ لبيب. لقيت ده دخل المكتب وقفل الباب بالمفتاح. اتخانقت معاه إنه إزاي يقفل الباب.
بدأت تجهش بالبكاء.
قال لي: إزاي واحدة زيك ترفضي إني أتعامل معاكي حتى؟ إنتِ فاكرة نفسك مين؟
مشهد الواقعة
يقترب منها بغضب شديد.
شادي: إنتِ فاكرة نفسك مين عشان ترفضي إني أتعامل معاكي؟ ده غيرك بيتمنوا بس إني أبص لهم.
تتراجع مع كل خطوة هو يقترب بها.
روان: ابعد عني.
شادي: إنتِ تنسي خالص إني أبعد عنك، إنتِ لازم تعرفي مقامك. يا أنا يا إنتِ النهاردة.
ركضت نحو وجهة معينة تستطيع من خلالها الوصول للباب لعلها تطرق بقوة على الباب، فيسمعها أحد وينقذها. ولكنه ركض خلفها وأمسك ذراعها بقوة. حاولت أن تدفعه لكي تبعده عنها ولكنه سبقها وصفعها بقوة واختل توازنها. وقعت أرضًا واعتلاها سريعًا وقام بصفعها عدة مرات وأيضًا قام بضربها على جسدها. لم يشفع لها ولا لصراخها حتى بدأت تفقد الوعي وفعل فعلته بها.
عودة للحاضر
تبكي بنحيب شديد وتلك المرة احتضنتها مريم. أما الشرطيان تفهما حالتها وأغلقا الملفات التي كانا يكتبان بها أحداث الواقعة وخرجا من الغرفة في نية منهم للتوجه لمكتب النيابة لتقديم البلاغ. تبكي بقهر ومريم تحضنها أكثر لكي تعطيها القوة والأمان. لكن ما الفائدة؟ لقد ضاع الأمان. كانت ضحية لذئب بشري لا يعرف الرحمة. ظلت مريم تهدئها لعدة دقائق حتى هدأت ونامت من إرهاقها.
يومان. مر يومان منذ الاستجواب ومريم تدعم نفسية روان وتحاول إضحاكها ولكنها تبكي. كأنها نسيت ما هي الابتسامة. انتظرت مريم ظهور "ياسين المغربي" في المشفى مرة أخرى لكي تشكره ولكنها لم تره. وانتبهت لغياب هشام بالمشفى ولكنها أصرت أن لا تفكر به مرة أخرى، لأنه لا يستحق فهو مثل كل الرجال، حقير. تمر على المرضى بابتسامة مشرقة كالعادة فقد أصبحت بخير قليلًا خلال اليومين الماضيين. تشغل وقتها بوجودها مع روان تارة وعماد تارة أخرى. وأثناء مرورها تجمدت بمكانها لظهور ياسين فجأة أمامها في الممر. يتحرك متجهًا نحوها بخطوات واثقة وقوية. نظرت له بتيه، لا تدري ماذا حدث لها. شعرت أنها نسيت كل ما كانت تريد قوله. ملامحه هادئة جدًا. يبدو عليه السلام النفسي الذي لا يوجد عند أحد. ينظر لها بهدوء شديد. شعرت أن الممر أصبح ضيق ولا يوجد سواهما فيه. خطواته بطيئة جدًا أو أنها شعرت أن الزمن أصبح أبطأ أكثر من اللازم. شعرت بخمول في جسدها لا تدري ما سببه. تخدر لسانها عن الكلام. لا تدري لماذا أصبحت هكذا. ظلت على تلك الحال حتى أصبح بجانبها ولكنه استمر في طريقه وابتعد بنظره عنها ونظر أمامه متحركًا بخطوات ثابتة وقوية نحو غرفة ذلك الطفل. تابعته بأعينها وهو يغلق باب غرفة الطفل خلفه وكادت أن تذهب خلفه ولكنها انتبهت لوجود الشرطيين يطرقان على باب غرفة روان. اقتربت منهما وتحدثت بابتسامة أمل.
مريم: في أخبار كويسة صح؟
نظر لها الشرطيان بضيق ودخلوا الغرفة وهي لحقت بهم. تحدث أحد الشرطيين بهدوء.
الشرطي: آنسة روان، تقرير الطب الشرعي طلع.
نظرت روان بأمل لهم هي ومريم ولكن أصبح ذلك الأمل صدمة ودهشة.
الشرطي: التقرير بيثبت إنك ما كنتيش عذراء من الأساس. وإن ما فيش أي اغتصاب حصل. والنزيف اللي كان عندك ده بسبب مشاكل عندك في الرحم، وإن الضربات والعلامات اللي كانت في جسمك دي كانت قبل الحادثة بيومين.
روان بانهيار: كذب. ده كذب.
مريم بدهشة وعدم استيعاب: إيه اللي أنتوا بتقولوه ده؟ أنتوا مش شايفين حالتها؟ ده أقل إثبات على إن تم اغتصابها.
الشرطي: ده اللي موجود في التقرير وده يثبت إنها بتكذب.
مريم بعدم استيعاب: يعني إيه؟ مش هتعرف تاخد حقها؟
كاد أن يتحدث أحدهم ولكن قاطعتهم مريم بقوة.
مريم بغضب وانفعال: أنتوا بتصدقوا شوية ورق مزور؟ أنتوا بتتكلموا بجد؟
الشرطي: دكتورة، لو استمريتِ على الوضع ده يبقى هتباتي في الحبس النهاردة.
صرخت مريم عليهم وبدأت تتحدث بانفعال.
مريم: بتيجوا على الغلابة اللي ما لهمش حد وخايفين من اللي معاهم سلطة وفلوس؟
في نفس الوقت، يجلس ياسين على كرسي بجانب ذلك الطفل والذي بدأ في الاستيقاظ شيئًا فشيئًا. نظر الطفل لسقف الغرفة أولًا ثم أمال رأسه نحو ياسين الذي ينظر له بهدوء. تحدث الطفل بإرهاق وبكاء عندما رأى ياسين.
الطفل: أنا خايف.
ياسين بهدوء: إنتَ في أمان، ما حدش هيأذيك.
بدأت تهطل دموعه وهو ينظر لياسين كأنه حبل النجاة.
الطفل: شكرًا إنك أنقذتني.
لم يقم بالرد عليه وظل ينظر له بهدوء ثم استقام من مقعده وتوجه نحو الباب.
الطفل: عمو.
توقف ياسين ولكن ظل معطيًا إياه ظهره.
الطفل: أنا هروح على فين؟ أنا ما ليش أهل. كان مكاني دايمًا في الشارع.
ظل ياسين على وضعه ولكنه حرك رأسه ليظهر جانب وجهه للطفل.
ياسين: هتعيش في مكان آمن فيه أطفال كتير زيك.
ثم خرج ياسين من الغرفة وأغلق الباب خلفه وكاد أن يتحرك. انتبه للصوت الحاد الذي يصدر من إحدى الغرف. انتبه للممرضات اللواتي يركضن نحو الغرفة وما أن فُتح بابها أصبح الصوت مسموعًا يخترق الآذان مما جعل طاقم المشفى كله يأتي مهرولًا نحو الغرفة.
مريم بكره وغضب دفين: ده أنا هروح فيكم في داهية. إزاي تصدقوا حاجة زي دي؟ أنا مش هأسكت.
نظرت لروان.
مريم: بتعيطي ليه؟ حقك مش هيروح هدر. دول كذابين.
أمسكها الشرطيان أما هي حاولت الفكاك منهم.
مريم بغضب: بتمسكوني عشان بأقول كلمة حق؟ روحوا شوفوا المغتصب اللي دمر مستقبلها وضيعها. شيلوا أيديكم. سيبوني.
لم يتركوها وكانوا يمسكونها بقوة يسحبونها خلفهم وهي تحاول الفكاك منهم.
ياسين بصوت مسموع: إيه اللي بيحصل هنا؟
توقف الشرطيان ونظرا لياسين المغربي برهبة. فمن لم يستمع عنه؟ رجل أعمال نظيف تمامًا، قوي له سلطته في البلد.
تحدث أحدهما بتوتر من هيبته: الدكتورة شتمتنا عشان بنأدي وظيفتنا واتهمتنا بالكذب والتزوير.
نظر ياسين لمريم الغاضبة والتي تنظر لهم جميعًا بكُره، حتى هو. نظر لهم ياسين مرة أخرى بنظرة باردة.
ياسين برُقي: أكيد ده سوء تفاهم. الدكتورة كانت قريبة من المريضة جدًا فزعلت عشانها مش أكتر، وده طبيعي يكون رد فعل حد قريب من المريضة. اتفضلوا أنتوا وأنا هتكلم معاها.
تركها الشرطيان وذهبا في طريقهما. أما مريم نظرت في أثرهما ثم نظرت لياسين بذهول والذي بالمقابل ينظر لها بهدوء. استفقت من دهشتها، وضحكت! نعم، ضحكت كثيرًا. ضحكت بهيستيرية عالية. استفزها الموقف بدرجة كبيرة. بكلمة واحدة من شخص له سُلطة تركوها. بكلمة واحدة يتم سحق كل شخص ضعيف في هذه الأيام. تحولت نظراتها للكُره مرة أخرى ونظرت بداخل أعين ياسين الذي ينظر إليها بهدوء كأن شيئًا لم يكن. أعطاها ظهره وكاد أن يتحرك.
مريم بغضب: إنتَ السبب.
توقف بمكانه واستدار لها ينظر بهدوء استفزها أكثر. لم تعر مريم أي اهتمام لوجود طاقم المشفى كله حولهما وهي تصرخ بغضب في ياسين المغربي.
مريم بصراخ: إنتَ السبب في كل اللي بيحصل، لإنك إنتَ صاحب المستشفى دي، ومشغل الناس القذرة دي عندك. البنت مُغتصبة ودكتور الطب الشرعي في المستشفى زور التقرير. ده غير إن مدير المستشفى راجل **** وبيتحرش بكل الممرضات والدكاترة هنا بس لا ما فيش حاجة بتحصل وما فيش إجراءات بتتم ضده. عشان إنتَ صاحب المستشفى دي. مستشفى مليانة فساد. وعشان هي مستشفى مليانة فساد طبيعي مالك المستشفى نفسه يبقى فاسد، صح ولا أنا غلط؟
سمعت شَهقات جميع الموجودين حولهما والذين هرولوا سريعًا إلى أعمالهم خوفًا من ياسين المغربي، ومنهم مرتضى الذي هرول سريعًا لخارج المشفى. لأنه يعرف أن ياسين سيبحث في الأمر. قرر أن يختفي نهائيًا من المشفى. تنظر له بغضب وكُره وهو ينظر في عينيها عاقدًا حاجبيه بغضب كبير، حتى بدأت نيران الغضب تظهر في عينيه. ولكنه لم يتحدث، استدار وأعطاها ظهره ثم تركها كأن شيئًا لم يكن. استفزها عدم رده. استفزها هدوءه. استفزها كل شيء به. أغمضت عينيها بيأس ثم دخلت الغرفة واقتربت من روان التي تبكي واحتضنتها محاولة تهدئتها ولكنها وللأسف لم تهدأ.
في المساء:
يجلس أمام اللاب توب الخاص به في قصره يبحث في قضايا خاصة بلبيب مهران ووجد بعض القضايا والتي تم الحكم بأنها ملفقة له ومنها الاغتصاب والاختلاس وغيره وذلك من زمن. كما أنه يوجد بعض القضايا المشتركة بينه وبين بعض رجال الأعمال الذين يتعاملون معه في شركته ومشاريعه الخاصة. كما اتضح أيضًا أن لبيب أحد مطالبين المساهمة بأحد مشاريعه ولكن لم يتم الرد حتى الآن على طلبه. أما ابنه فوجد عنه تُهم تم تبرئته منها أيضًا، طبعًا الابن يشبه أباه. أغلق ياسين حاسوبه وقام بعمل اتصال هاتفي.
ياسين ببرود: بعد يومين في اجتماع خاص بالمساهمين في المشاريع ومطالبين المساهمة، هأحدد الوقت بكرة.
أغلق المكالمة الهاتفية ونظر أمامه بهدوء ولا يعلم أحد ماذا ينوي هو على فعله.
رواية القاتل الراقي الفصل الرابع 4 - بقلم سارة بركات
"أنا الشاهد"
جالسة في غرفتها بعد أن قامت بتهدئة روان بصعوبة لأن حالتها أصبحت سيئة كثيرًا.. تنظر للفراغ متذكرة أحداث اليوم في المشفى، وتشعر بالندم الشديد على ما فعلته.. كيف قامت بالتحدث معه هكذا أمام الجميع بعد أن كانت تريد شكره على ما فعله لها.. أغمضت عينيها بضيق شديد.. "لا.. لا مريم أنتِ محقة.. هذا ما يجب أن يحدث.. حتى أنه لم يفعل أي شيء لذاك المدعو مرتضى!!.. لقد ترككِ ورحل كأنكِ لم تقولي شيئًا.".. هزت رأسها بيأس واستلقت بسريرها تنظر لسقف غرفتها بشرود.. اتجه تفكيرها نحو هشام الذي كسر قلبها.. لا تعلم أين هو؟ ولما لم يأتِ اليوم؟..
مريم بغضب من نفسها: "كفاية.. بطلي تفكري فيه ده ما يستاهلش.. شبههم كلهم."
قامت بتغطية جسدها ترغم نفسها على محاولة النوم وعدم التفكير مرة أخرى بهشام.. مانعة تلك الدمعة من الهطول.. مذكرة نفسها بأنها قوية وتستطيع نسيانه والمضي قدمًا بحياتها..
*********************
يرتكب الفواحش مع إحدى بائعات الهوى في غرفة مظلمة قام بتأجيرها لفعل ما يهوى، ولكن قاطع ما يحدث صوت طرقات عالية على باب تلك الغرفة شعر مرتضى بالضيق من ذلك الطارق.. ابتعد عن تلك المرأة واتجه نحو الباب فاتحًا إياه بغضب..
مرتضى: "في إيه أ............"
قاطع حديثه لكمة قوية أوقعته أرضًا.. صرخت المرأة متفاجئة مما حدث وقامت بارتداء ملابسها سريعًا ثم ركضت لخارج الغرفة.. انتشر رجال ياسين داخل الغرفة وقاموا بإمساك مرتضى وأجلسوه أرضًا عنوة عنه.. دخل ياسين الغرفة بهدوئه المعتاد ناظرًا لمرتضى الذي ينظر له بخوف شديد..
مرتضى: "أنا... أنا ما عملتش حاجة... اللي اسمها مريم دي بتخرف... هي حاولت قبل كده تقرب مني وأنا رفضتها وقولت لها إني قد والدها و............"
قاطع حديثه لكمة قوية من ياسين وصرخ مرتضى بألم.. اقترب أحد رجال ياسين بـ "لاب توب" وقام بتشغيل أحد مقاطع الفيديو الموجودة به.. وهنا ظهرت مريم ومرتضى يحاول التحرش بها في مكتبه ولكنها صفعته بقوة..
ياسين بهدوء غريب وهو ينظر داخل عينيه: "الكذب مالوش رجلين يا مرتضى."
قام أحد رجاله بتشغيل مقطع آخر وهنا يقوم بالتحرش بأحد الممرضات ويرغمها على الاستجابة.... كل ذلك يحدث ومرتضى يبتلع لعابه بصعوبة من الخوف الذي يشعر به الآن... ينظر لكل مقاطع الفيديو التي تم تصويرها له من مكتبه بذهول..
مرتضى بذهول: "إزاي التسجيلات دي جات هنا؟؟... أنا.. أنا حذفتها من تسجيلات المستشفى."
ظل ياسين ينظر له بهدوء حتى رن هاتفه.. قام بالرد على المكالمة الخاصة به وبعد ثوانٍ قام بإغلاقها..
ياسين بهدوء: "عقابك مش بسيط، وبرده ما ينفعش تتساوى بالتانيين."
نظر له مرتضى بعدم فهم، ولكنه سمع صوت سيارات الشرطة تقترب من المنطقة التي هم بها... زحف مرتضى سريعًا نحو باب الغرفة ولكنه لم يستطع الوصول لها لأن رجال ياسين قاموا بإمساكه وأوسعوه ضربًا.. تحرك ياسين نحو الغرفة ولحقه رجاله خلفه تاركين مرتضى يسعل دمًا من ضربهم المبرح له...
************************************
في صباح اليوم التالي:
استيقظت مريم وهي تشعر باليأس مما وصل له الحال.. تتمنى أن تسعد ولو قليلًا في هذه الحياة ولكن يبدو أن الحياة لن تبتسم لها أبدًا كما هو متوقع.. نهضت بتكاسل شديد من سريرها فهي تعلم جيدًا أن يومها سيكون طويلًا...
*********************
دخل ياسين المشفى بخطواته الثابتة متجهًا نحو غرفة مكتبه واتجه بعض رجاله باتجاه غرفة عماد والذي انتفض بسريره عندما وجد رجال ياسين أمامه..
عماد بارتعاش: "انتوا عايزين إيه؟"
قام أحدهم بالتقدم وكان يحمل حقيبة بيده واتجه نحو خزانة ملابس عماد وجمع ملابسه بها.. وأما أحد آخر منهم قام بحمل عماد الذي صرخ بهلع وخوف مما يحدث.. وضعه الرجل على كرسيه المتحرك وتحركوا خارج الغرفة وعماد يصرخ باسم مريم..
عماد بصراخ: "الحقيني يا مريم، هيقتلوني."
*********************
تمشي في ممرات المشفى والحزن بادٍ على وجهها تنظر أمامها بشرود.. ولكنها انتبهت لبعض الوشوشات التي تحدث حولها.. نظرت للممرضات والطبيبات اللواتي تبدو السعادة على وجوههم.. شعرت مريم بفضول كبير نحو سعادتهم واتجهت نحوهم متوجسة..
مريم باستفسار: "خير؟ في حاجة يا بنات؟؟"
تحدثت إحدى الممرضات بهمس مسموع لها: "بيقولوا إن مرتضى اتقبض عليه."
نظرت لها قليلًا بعدم استيعاب كأنها تحاول أن تقوم بتجميع ما قالته الممرضة.. ولكنها لم تشعر بابتسامتها التي ظهرت لذلك الخبر الرائع.. ولكن سعادتها لم تكتمل عندما سمعت صوت عماد يصرخ باسمها.. اتجهت نحو مصدر صوته ووجدت أحد الرجال يتحرك بكرسي عماد المتحرك وخلفه باقي زملائه.. لحقتهم سريعًا ووقفت أمام الكرسي، مما جعل الحارس يتوقف...
مريم بغضب: "انتوا واخدينه على فين؟؟"
نظر لها الحارس وباقي الرجال صامتين..
مريم بصراخ: "ردوا عليّ!! واخدينه على فين؟؟؟ أنا لا يمكن أسيبكم تاخدوه."
أمسكت بكرسي عماد تحاول سحبه نحوها ولكن الحارس كان ممسكًا بمقبض الكرسي بقوة... فلم تستطع تحريكه...
مريم بغضب: "سيبه."
تحدث الرجل بجدية: "دي أوامر."
مريم بغضب: "بلا أوامر بلا زفت... عماد مش هيخرج من المستشفى.. ومش هيمشي."
كاد أن يجيبها الرجل ولكنه صمت وترك مقبض الكرسي وانسحب هو وباقي زملائه.. أما مريم كانت متعجبة من رحيلهم المفاجئ ولكن عندما نظرت خلفها علمت السبب... تقابلت نظراتهما.. توقف الزمن بالنسبة إليها كتلك المرة التي توقف بها عندما كانا يتطلعان ببعضهما عند حديقة المشفى.. اعتراها الخوف بسبب نظراته الجليدية التي تخترق روحها... ولكنها استفاقت وتحدثت بقوة..
مريم بأمر: "عماد مش هيخرج بره المستشفى دي."
تجاهلها ياسين ونظر لعماد الذي يبكي كالطفل الصغير ممسكًا بطرف معطفها الطبي..
ياسين بهدوء: "ودِّع الدكتورة يا عماد."
عماد ببكاء: "لا مش همشي، مش هسيب مريم، أنا بيتي هنا."
لم يجبه ياسين ولكن نظراته كانت ردًا كافيًا أنه الرفض بالطبع... ارتجفت شفاه مريم وهي تنظر لعماد تفكر ماذا تفعل لكي لا يبتعد عنها.. كيف له أن يبتعد هو أيضًا؟؟ كيف؟؟؟... اتجه ياسين خلف كرسي عماد وأمسك بمقبض الكرسي، ونظر لمريم بهدوء شديد... أغمضت مريم عينيها تحاول منع دموعها من الهطول ولكنها لم تستطع وتركت عبراتها تخرج من مقلتيها مستسلمة لرحيله.. هبطت لنفس مستوى عماد وأمسكت يديه بقوة..
مريم: "كان نفسي أفضل معاك زي ما وعدتك... بس أنت لازم ترجع بيتك."
عماد ببكاء: "لا.. ماتسيبنيش يا مريم، أنا ماليش غيرك."
مريم ببكاء هي الأخرى: "وأنا كمان ماليش غيرك.. هاجي أزورك مش هسيبك، روح أنت دلوقتي وأنا هبقى أجيلك."
هز عماد رأسه بحزن أما مريم اعتدلت وابتعدت عن طريق ياسين الذي تحرك وعندما أصبح بجانبها تحدثت بضعف..
مريم: "أرجوك سيبه."
توقف ياسين عندما قالت تلك الكلمة ثم نظر لعينيها الباكيتين قليلًا.. ولكنه تركها وتحرك كأن شيئًا لم يكن.. استندت بجسدها على الحائط تبكي على فقدانها عماد... الشخص الذي تلجأ إليه دائمًا وتبكي في أحضانه كحفيدة خدعتها الحياة... لا تدري كم ظلت تبكي على فقدانها ذلك.. ولكنها حاولت أن تختفي عن الأنظار ولم تستطع التوجه نحو غرفتها لأنها كانت بعيدة عنها وتوجهت نحو غرفة روان والتي كانت استيقظت لتوها... تعجبت روان من دخول مريم الغرفة باكية.. لا تعلم هل تواسيها أم تواسي نفسها على حالتها النفسية السيئة.. كل ما ترغب به وتفكر به هو الانتحار.. ولكنها تحاول وتقاوم ألا تفعل تلك الجريمة بحق نفسها... رفعت يديها لمريم المستندة على الباب وتبكي وهي تنظر لها... ركضت مريم سريعًا نحوها واختبأت بأحضانها تبكي بشدة... وشاركتها روان البكاء حزنًا على حالها وعلى الظلم والخذلان الذي تعرضت له من هذا العالم...
*********************
يجلس في سيارته الفارهة يقوم بإرسال بعض الملفات من خلال حاسوبه المحمول.. وعماد يجلس بجانبه يبكي على فراقه عن مريم.. قام ياسين بإرسال إيميل ومكتوب فيه.. "هيتم إرسال الدعوات للأسامي دي فقط".. وقام بإرسال قائمة من أسامي بعض الأشخاص وبعد أن انتهى أغلق حاسوبه ونظر أمامه بهدوء....
عماد ببكاء: "أنا بكرهك."
لم يعره ياسين اهتمامًا وعاد ياسين لتفكيره مرة أخرى...
عماد ببكاء: "ما تتجاهلنيش يا ياسين."
أغمض ياسين عينيه بانزعاج ثم نظر له بطرف عينيه، ثم أكمل عماد حديثه...
عماد: "أنا مش عايز أرجع معاك.. أنا عايز أفضل مع مريم، هي مش زيك.. هي بتقعد معايا وبتضحك معايا مش بتسيبني لوحدي.. وبتنقذ الناس لكن أنت بتقتلهم."
اشتدت عيني ياسين وهو ينظر لعماد مما أوجس الخيفة في قلبه.. ولكن عماد أصرَّ على التحدث والاستمرار في حديثه...
عماد: "أنت ب............"
أمسكه ياسين من تلابيبه مقاطعًا لحديثه وتحدث بصوت مخيف..
ياسين باستفسار: "إيه رأيك أقتلهالك عشان تبطَّل تتكلم عنها؟؟"
ارتعش جسد عماد بخوف من حديثه وصمت.. تركه ياسين واعتدل في مقعده عاقدًا حاجبيه بضيق ليس من عماد بل من تلك الطبيبة الوقحة التي صرخت بوجهه يوم أمس.. لا يدري لماذا تركها حية حتى الآن بعد أن صرخت بوجهه أمام الجميع.. لم يجرؤ أحدًا من قبل على فعل ذلك.. أما هي فقد تعدت حدودها.. كثيرًا..
*********************
في المساء:
تجلس مريم بغرفة روان تتسايران بخصوص أمورهما بالحياة، لكي يقوما بإلهاء بعضهما عن حزنهما..
مريم: "أنا عارفة إن السؤال ده هيزعجك، بس محتاجة أسألهولك."
روان باستفهام: "إيه السؤال؟"
مريم بإحراج: "هو أنتِ ليه ما اتصلتيش بباباكي ومامتك لحد دلوقتي.."
زمانهم قلقانين عليكي.
صمتت روان قليلًا ثم بعدها تحدثت بحزن:
روان: أنا خايفة.
مريم باستفسار: خايفة من إيه؟
روان: خايفة يبعدوا عني، أنا ماليش غيرهم، لدرجة إني بفكر أخبي عليهم اللي حصلي ده.
مريم باندفاع: مستحيل تخبي عنهم حاجة زي دي.. وبعدين دي حاجة حصلت غصب عنك.
روان: ما حدش مصدقني يا مريم.. ما فيش حد مصدقني.. حتى تقرير الطب الشرعي مكذبني، أنا خايفة ما يصدقونيش هما كمان.. أنا هروح فيها.
مريم بصدق ممسكة يديها بقوة: هيصدقوكي.. إنتي بنتهم، لازم يصدقوكي حتى لو الكل كان مكذبك، ولو ما صدقوكيش دلوقتي هيصدقوكي بعدين.. دول أهلك وقلبهم هيحن عليكي مستحيل يكرهوكي أو يبعدوا عنك.
نظرت لها روان قليلًا تحاول أخذ بعض الشجاعة منها حتى قررت.
روان: ممكن أكلمهم من تليفونك؟
مريم بابتسامة: طبعًا تليفوني تحت أمرك.
التقطت مريم هاتفها من معطفها الطبي وأعطته لروان لكي تبدأ في الاتصال بوالديها. أخذت روان نفسًا عميقًا وقامت بكتابة بعض الأرقام ثم بدأت في الاتصال وبعد عدة ثوانٍ، أتاها صوته:
ألو.
هبطت دمعة من عينيها وهي تستمع لصوت والدها.
ألو، مين معايا؟
روان بصوت متقطع: بـ.. با.. بابا.
روان!!
تنهد بارتياح: إنتي فين يا حبيبتي؟ طمنيني عليكي؟ أنا وأمك بنتصل بيكي بقالنا يومين مش بتردي ليه؟ إنتي كويسة يا حبيبتي؟
لم تشعر بنفسها سوى وهي تبكي بشدة. تحدث والدها بذعر وخوف من بكائها:
مالك يا حبيبتي؟ مالك يا بنت أبوكي؟
روان: إلحقني يا بابا.
في إيه؟ إيه اللي حصلك؟
بدأت روان بسرد ما حدث لها لوالدها، وأخبرته بكل ما حدث. والدها كان صامتًا، روان كانت المتحدثة فقط. كان يستمع لها والدها بكل جوارحه.. يبكي كما هي تبكي.. ومريم أيضًا تبكي وهي تستمع لها.. وتتمنى لو يكون والدها على قيد الحياة لكي ترتمي بأحضانه حين تضيق بها الحياة.. ولكنه القدر.
روان: بابا، إنت ساكت ليه؟
والدها ببكاء وغضب: أنا جايلك بكرة يا حبيبتي، جايلك وهتكون معايا أمك، هجيب حقك من ابن الـ**** ده.
ابتسمت روان لرد فعل والدها.. كانت تتوقع أن يقف ضدها ويقطع علاقته بها.. ولكنه خالف ظنها به.
روان ببكاء وابتسامة: مستنياك يا بابا.
أغلقت المكالمة الهاتفية ونظرت لمريم التي مسحت عبراتها وابتسمت لها.
مريم: مش قولتلك؟
روان وهي تعطها الهاتف: شكرًا.
مريم بابتسامة وهي تأخذ منها الهاتف: العفو على إيه؟
تنهدت مريم تنهيدة عميقة ثم أردفت:
مريم: هسيبك تنامي، تصبحي على خير.
روان بابتسامة: وإنتي من أهله.
خرجت مريم من الغرفة ثم سارت في اتجاه غرفتها وهي تنظر أمامها بشرود.. يرحل الجميع.. دائمًا يرحلون.. حتى هي سيأتي يوم وترحل.. ذهب هشام ثم عماد ثم ستلحقهم روان.. ستظل وحيدة كالعادة.. ابتسمت بألم وهي تمشي بالممر وأثناء سيرها تقابلت مع طارق الذي ينظر لها بغموض.. توقفت بمكانها أما هو استمر بتحركه حتى وقف قبالتها وتحدث ببعض السخرية:
طارق: مساء الخير يا دكتورة.
مريم ممثلة الهدوء: مساء النور يا دكتور، حضرتك محتاج حاجة؟
نظر طارق حوله ثم أعاد نظره لها:
طارق: أوعي تفكري إن عشان ياسين المغربي سابك هنا في المستشفى وجهزلك أوضة تنامي فيها، يبقى هيبصلك.
عقدت مريم حاجبيها بتعجب من حديثه: إنتي بعيدة جدًا عن تفكيره.
مريم بابتسامة: ما طلبتش رأيك.
استفزه ردها وكادت أن تكمل طريقها لغرفتها.. أمسك ذراعها بقوة.
طارق بغضب وهمس: مش هيفكر فيكي أبدًا.
أبعدت مريم ذراعها بغضب وتحدثت بقوة:
مريم: إياك تلمسني تاني.. وإنت ولا هو تهموني.. أنا بجد مش فاهمة، إنت ليه بتتعامل معايا كده؟ ليه أنا بالذات؟ ليه مش لاقي من حضرتك تشجيع زي ما بتشجع زملائي؟ ليه بتعاملني كده؟
نظر لها طارق لفترة قصيرة ثم تحدث بكره:
طارق: عشان إنتي مكانك في الشارع.. لا ياسين هيقدر ينقذك منه ولا حتى حد غيره هينفذك منه.
مريم: إنت ليه مصمم تحط اسمه في كل جملة تخصني؟ هو مشكورًا ساعدني.. إنت مالك بقا؟ مضايقك في إيه؟
ظلت تنظر بغضب وهو ينظر لها بالمقابل ولكنه تركها ورحل.
مريم بتنهيدة: لا بجد، مش قادرة أستحمل اللي أنا فيه ده، لازم أشوفلي أوضة أعيش فيها بسرعة، لازم أخرج من مستشفى المجانين دي.
***
في اليوم التالي:
يجلس عماد على كرسيه المتحرك أمام النافذة الزجاجية بغرفته.. حزين كثيرًا على ما يمر به.. أصبح وحيدًا كالعادة.. فقط يقوم الخدم بتغيير ملابسه ويقوم بتنفيذ أوامرهم خوفًا من ياسين.. انتبه لتلك السيارة الفارهة التي توقفت أمام القصر ولحقتها سيارات أخرى واصطفوا خلف بعضهم.. عكف عماد حاجبيه باستفسار وبدأ بمراقبة ما يحدث.. هبط كل رجل مدعو في ذلك الاجتماع من سيارته متجهين نحو القاعة التي يشير إليها الحرس المصطفون باتجاهها.. يقف ياسين في غرفته يراقب كل ما يحدث من خلال نافذته الزجاجية بهدوء مرتديًا بذلته الراقية.. يراقب كل رجل دخل تلك القاعة المقابلة للقصر.. كل رجل من هؤلاء قد قام بجرائم عديدة في حياته وقد لفقها لغيره حتى يفر من العدالة.. استمع لصوت طرقات على الباب والذي فُتح بعد ثوانٍ قليلة من أحد حرسه:
كلهم موجودين، وكل حاجة جاهزة.
التفت ياسين لحارسه الذي ذهب بنظرة منه، ثم لحقه ياسين بهدوء.. يجلس جميع رجال الأعمال المدعوين على تلك المائدة الكبيرة المستطيلة في تلك القاعة.. يضحكون ويتسايرون بخصوص أعمالهم ولكن أطبق الصمت على الغرفة ووقف رجال ياسين بجميع أركانها، حينما دخل القاعة بهدوء.. وقف الجميع احترامًا له، وأشار لهم بالجلوس.. يجلس بهيبته المعتادة والفريدة من نوعها فكل من يجلس معه على هذه المائدة الضخمة يتمنى لو يكن بمكانه ولو للحظة واحدة ويتمتع بذلك الترف والنعيم والطغيان الذي يملكه.. نظر لكل شخص يجلس معه على هذه المائدة لا يتحمل الجلوس في اجتماع يعلم غرضه في النهاية فهو يريد إنهاء الأمر سريعًا، وهو معاقبتهم جميعًا.. لا يدري لماذا يرى صورتها أمامه؟ يتذكر كل ألفاظها الخارجة والبذيئة التي سمعها منها.. لا يدري لما لم يقتطع رأسها فورًا.. استفاق من تفكيره ثم نظر لكل الجالسين معه على تلك المائدة، يجب أن يُنهي الأمر وسريعًا.
ياسين بهدوء: أنا جايبكم هنا عشان نتكلم في الأمور اللي بتخص حياتنا بشكل عام.
تعجب الجميع مما يقول، فلأول مرة يتكلم ياسين المغربي بهذه الطريقة.. هناك شيء وراء ذلك.. وذلك الشك دب الرعب في قلوبهم بشكل قوي.. أشار ياسين بعينيه للخدم بأن يضعوا الطعام على المائدة الضخمة.. بعدما وضع الخدم جميع الأصناف على المائدة.. نظر لهم ياسين بنظرة فهموها وقاموا بالانسحاب فورًا وأغلقوا جميع الأبواب التي تخص تلك الغرفة الضخمة.
ارتجف بعضهم من هذا التصرف، والبعض الآخر حاول تجاهل الأمر، ولكن تملك الخوف منهم مما يخطط له. أكمل ياسين حديثه:
ياسين باستفسار: ما حدش هيسألني إيه هي الأمور اللي بتخص حياتنا بشكل عام؟
تحدث أحدهم بارتجاف:
إيه هي الأمور اللي حضرتك تقصدها واللي تخص حياتنا بشكل عام يا ياسين بيه؟
ياسين بابتسامة مرعبة وهو يتطلع إلى أحدهم: يعني على سبيل المثال، رجل الأعمال لبيب مهران حياته عاملة إزاي الفترة دي؟
ارتجف ذلك الشخص الذي يُدعى لبيب من شدة الخوف.
لبيب بخوف واضح: بخير الحمد لله.
ياسين بهدوء مخيف: سمعت إن ابنك عمل مشكلة كبيرة الفترة دي.
لبيب بمرح مع خوف حاول إخفاءه: مش مشكلة ولا حاجة، ده شاب طايش بيعيش حياته.
ياسين بهمهمة وغضب خافي: على كده بقى نجيب له كام بنت يغتصبهم الفترات الجاية عشان يعيش حياته بشكل أريح؟
لبيب بتوتر: هو ما اغتصبهاش، البنت عايزة تلبسه قضية وأنا ابني مش كده، أنا ابني ما لهوش في الشمال، والدكتورة اللي بتشتغل عندك في المستشفى هي اللي شجعت البنت على إنها تعمل التمثيلية دي وتقنعها ترفع قضية عشان يقبضوا من وراه، ما هو أبوه يبقى أنا.
قام ياسين من مجلسه بهدوء وتحرك ببطء شديد نحو لبيب الذي زادت ضربات قلبه من شدة الخوف. عندما وصل ياسين نحوه، هبط برأسه تجاه أذن لبيب وتحدث بغضب دفين:
ياسين: عرفت منين إن في دكتورة عندي في المستشفى هي اللي حرضت البنت على كده؟ إلا لو أنت مخلي حد يراقب البنت دي عشان تعمل حسابك في كل حركة هتحصل بعدها، صح ولا أنا غلط؟
تأهب جميع الحرس الموجودين بالغرفة وتحركوا نحو المائدة بهدوء. نظر ياسين للجميع.
ياسين بغضب خافي وهو يعتدل في وقفته: كل واحد في القاعة دي قتل ونهب واغتصب ورشى وعمل حاجات تانية ظلم بيها ناس كتير. وعشان كده...
بحركة سريعة حمل ياسين سكين الطعام الذي كان بجانب لبيب ونحر عنقه دون أدنى رحمة.
ياسين: لازم تموتوا.
كاد أن يهرب الجميع ولكن الحرس الموجودين خلفهم أطلقوا النيران على رؤوسهم، ولم يتبقَ أحد منهم حي.
وضع ياسين السكين من يده، وأمسك محرمته الناعمة ومسح بها الدماء الموجودة في يده ووضعها على المائدة. خرج من القاعة بهدوء، أما الحرس الموجودون بها بدأوا بجمع تلك الجثث. ينظر من خلال النافذة مترقبًا لما يحدث. رأى ياسين يخرج من القاعة بهدوء قاتل. وهنا تقابلت نظراتهما، نظرات ياسين الباردة ونظرات عماد الحزينة. وعندما فُتحت أبواب القاعات خلف ياسين، شهق عماد مما رآه، جثث يحملها رجال ياسين. أعاد عماد نظره بخوف نحو ياسين الذي لا زال ينظر له، بل وتحرك في اتجاه القصر وخاصة في اتجاه غرفته. بعد ثوانٍ قليلة، دخل ياسين غرفة عماد الذي ينظر للباب لعلمه أن ياسين سيأتي إليه. وقف ياسين أمام النافذة بشرود بجانبه وفي نفس الوقت ينظر له عماد بخوف. ظلا هكذا في صمت طويل حتى تحدث ياسين بهدوء:
ياسين: نعم؟ عايز تقول إيه؟
ارتجف عماد قليلًا ثم بدأ في التحدث:
عماد: أنا آسف.
نظر ياسين له ببرود، ولكن عماد استأنف حديثه:
عماد: أنا اللي ساعدتك إنك توصل لكده، ما كانش ينفع أساعدك أبدًا.
ياسين: جاي دلوقتي تندم يا عماد؟ كنت بتمنى تكون قتلت حد قبل كده عشان أقدر أقتلك، بس أنت ما قتلتش حد.
عماد بحزن وهو ينظر له: أنا قتلت لك أنت، قتلت براء.
ضحك ياسين بكثرة وهو ينظر لعماد، ثم تنهد بهدوء:
ياسين بتوضيح: لمعلوماتك، براء مات على الورق وهو عنده أربع سنين، ومات فعليًا لما كان عنده 10 سنين، يعني ما فيش وجود لبراء، ياسين هو اللي موجود.
عماد ببكاء: لا، أنت براء لسه جواك، ابني اللي أنا اتبنيته لسه موجود جواك. ياسين ما تكملش في اللي أنت فيه ده، سيب كل واحد ياخد جزاءه.
ياسين بغضب جحيمي: أسيب كل واحد ياخد جزاءه في بلد غاب فيها العدل؟! إزاي؟ مين اللي بيقول كده؟ ده أنت بنفسك ساعدتني أقتل جمال.
عماد بصراخ هو أيضًا: ساعدتك تاخد حقك منه مش تقتله يا ياسين، ما كنت أتوقع إنك هتكون قاتل، بس لا أنت مش قاتل، أنت شيطان، دورت ورا كل واحد سبب في قتل أبوك وأمك وقتلتهم كلهم، ما سبتش حد فيهم عايش، وبدل ما تقف كملت على كل شخص ارتكب جريمة في حق شخص تاني، أنت بقيت أسوأ. أنا كنت بسكت عليك عشان مراتي كانت بتحبك زي ابنها بالضبط وما كانتش تعرف أنت بتعمل إيه، لكن لما ماتت أنا بقيت بكرهك وبتمنى لك الموت.
نظر له ياسين قليلًا، ثم أردف بهدوء:
ياسين مغيّرًا مجرى الحديث: عماد، أنت ما أخدتش أدويتك.
عماد بعند وغضب: ومش هاخدها، رجعني المستشفى، مش عايز أفضل هنا، أنا هنا بموت بالبطء.
هبط ياسين لنفس مستواه مربتًا على يده بهدوء، أما عماد سحب يديه منه بغضب.
ياسين بهدوء: انسى إنك ترجع المستشفى، أنت مش هتخرج من القصر ده غير على جنازتك.
توسعت حدقتيه وهو ينظر لياسين الذي ينظر له بهدوء.
ياسين: خد الأدوية ونام كويس.
استقام ياسين بهدوء وكاد أن يرحل.
عماد بحزن: أنا عايز مريم، طالما مش هرجع المستشفى يبقى هات لي مريم.
ياسين بهدوء وهو ينظر إليه: قريب هتكون هنا.
خرج ياسين من الغرفة بهدوء ملتقطًا هاتفه يقوم بإجراء اتصال هاتفي.
ياسين: نفذوا.
أغلق المكالمة الهاتفية متجهًا نحو غرفته ليقوم بتبديل ملابسه إلى ملابس أخرى مستعدًا للخروج.
في نفس التوقيت:
يتحدث مع صديق له في ملهى ليلي بسخرية:
بس سمعت كده حاجة أنت عملتها.
شادي: إيه هي؟
إنك اغتصبت واحدة من قريب.
شادي بضحكات عالية: حصل.
عرفت تهرب إزاي من القضية؟ أكيد البنت ما سكتتش.
كاد أن يتحدث صديقه ولكنه تفاجأ بمن اقتحم الملهى ويتجهون نحوهم. تحدث شادي بصدمة عندما أمسكوه:
شادي: في إيه؟ أنتم مـ...
لكنه لم يكمل حديثه حيث لكمه أحدهم وفقد وعيه.
رواية القاتل الراقي الفصل الخامس 5 - بقلم سارة بركات
جميعهم يرحلون.
مُلقى على الأرض في غرفة مظلمة بوجه ملئ بالكدمات، ويتنفس بصعوبة نظرًا لضرب الواقف أمامه له، وينظر له بِشر.
شادي بصوت متقطع: أنا آسف.
لم يسمع ياسين أية كلمة مما قال، فكل ما يراه الآن هو والدته فريدة التي اغتُصبت من قِبل ذلك الحقير جمال. ذلك اليوم بالتحديد لم ولن ينساه أبدًا. فريدة التي صرخت بكل ما أوتيت من قوة، ولم يستطع والده إنقاذها لأنه كان بين الحياة والموت. قام بركل شادي بقوة واستمر في ضربه له، وصرخات فريدة مستمرة في مسمعه.
***
في صباح اليوم التالي:
تقف تنظر لوالدة روان التي تُطعم ابنتها بحنان فيه دفء الدنيا بأكمله، أما أباها فقد دخل وارتسمت ابتسامة لطيفة على الرغم من القهر الذي يشعر به. ابتسمت مريم بحزن على الدفء العائلي الذي كانت تتمنى أن يدوم للأبد، ولكنه القدر. استفاقت عندما تحدث والد روان بقهر.
والد روان بغضب: آه لو قابله بس، كنت قتلته بإيدي الاتنين دول، حسبي الله ونعم الوكيل.
هبطت دموعه من مقلتيه وهو ينظر لروان التي بدأت تبكي مرة أخرى هي ووالدتها أيضًا. حاولت مريم أن تتماسك وتمنع دموعها من الهطول، وخرجت من الغرفة زافرةً بعمق. استندت على حائط بجانب الغرفة تنظر أمامها بشرود. تشعر بالحزن الشديد على ما يحدث حولها. كثُر الظلم واختفى العدل، لا تدري ماذا حدث بهذه الحياة؟ ماذا حدث بهذا الزمن؟ هي أيضًا أحد ضحايا الفساد. لا تدري متى سينتهي كل ذلك؟ انتبهت لهؤلاء الشرطيين اللذان اقتربا نحوها، عقدت حاجبيها بغضب لأنها تذكرتهم. الشرطيان اللذان حاولا إلقاء القبض عليها منذ عدة أيام، والذي أنقذها من تلك الواقعة كان "ياسين المغربي". وقفت مريم أمام باب غرفة روان مانعة إياهما بالدخول.
مريم: جايين ليه؟ مش كفاية اللي قولتوها آخر مرة؟
تحدث أحد الشرطيين بهدوء: بعد اذنك يا دكتورة إحنا جايين للآنسة روان، عندنا أخبار حلوة ليها.
نظرت لهم مريم قليلًا ثم سمحت لهم بالمرور، ودخلت الغرفة خلفهم. بعد مرور القليل من الوقت، نظرت مريم وروان ووالديها للشرطيين بعدم استيعاب.
مريم: اعترف؟
هز أحدهما رأسه بموافقة وتحدث بجدية.
الشرطي: لقيناه مرمي عند باب القسم وملامحه لا تبشر بالخير، يعني كان مضروب بشكل مبالغ فيه وعنده كسور في جسمه. بس كان كل اللي بيقوله إنه اغتصبها، وقعد يترجانا إننا نحبسه. الشاب حالته صعبة و...
تحدث والد روان بغضب شديد: إن شاء الله يموت، هو إيه اللي حالته صعبة دي؟! إزاي ده يصعب عليكم؟! وبعدين تحبسوه إيه؟! ده يتعدم في ميدان عام ابن ال**** ده.
رد الشرطي بهدوء: أنا متفهم موقفك، بس أنا محتاج أكمل كلامي. الشاب بعد ما اعترف فقد الوعي بسبب اللي حصله، معرفناش ناخد أي أقوال تانية منه. بس بعدها بساعتين قبضنا على الدكتور اللي زور التقرير بعد ما عرفنا مكانه واتحبس. كده الحمد لله بنتكم هتاخد حقها. وبنتمنى إنها تقوم بالسلامة عشان تشوف حقها بيتاخد.
كانت مريم تنظر لهم بسخرية فهي لم تتعجب من ما يحدث. فبالطبع وراء كل ذلك أحد له سلطة ونفوذ قام بكشف الحقيقة وبالتالي سوف يصدقونه. ومن غيره بالطبع "ياسين المغربي".
تحدث والد روان بضيق: الواد ده فين؟
الشرطي: مرمي في القسم ولحد ما يفوق تكون النيابة حكمتله بالحكم اللي يستحقه، وأنتوا طبعًا عارفين إيه هو؟ الموضوع ده بقى قضية رأي عام.
والد روان: لازم أحضر تنفيذ الإعدام بتاعه، لازم أشفي غليلي منه.
الشرطي: هننفذ الإجراءات دي وهنطالب بحضور الضحية وأهلها، نستأذن إحنا.
خرج الشرطيان من الغرفة، ونظرت مريم لروان ووالديها الذين شعروا بالأريحية قليلًا من ذلك الخبر.
مريم بهدوء وابتسامة: أقولك مبروك طيب ولا إيه؟
ابتسمت روان ابتسامة بسيطة واحتضنتها مريم، ثم استأذنت بالخروج لاستكمال عملها، ولكنها في الحقيقة تريد أن تهرب بتفكيرها قليلًا. أخذت تمشي بين ممرات المشفى بشرود. حقًا انتشر الظلم والفساد. لا توجد سوى كلمة واحدة هي الفيصل بين كل ما يحدث وهو النفوذ أو السلطة. لولا تدخل ياسين، كان سيهدر حق روان وكانت ستظل حالتها سيئة هكذا حتى من الممكن أن تتطور حالتها وتحاول الانتحار. ولكن! أنقذها ياسين بشكلٍ آخر. أعليها أن تكون ممتنة له؟ أو أن تكون مستاءة منه لأنه من ذوي السلطة والنفوذ وكلمته سيف على الجميع؟ استفاقت من شرودها على صوت التلفاز العالي بالاستقبال.
المذيع: في تلك الفترة الأخيرة قد زادت حالات القتل التي لا نعرف سببها حتى الآن، حيث أنه قد تم اكتشاف عدة جثث لبعض رجال الأعمال وبجانب كل شخص دليل يثبت إدانته بقضايا كانت مرفوعة عليه مسبقًا وقد نجا منها. ومن الواضح أنه في كل مرة القاتل هو نفس الشخص عن المرة التي تسبقها، حيث أنه قد نصب نفسه قاضيًا ويظن أن دافعه الوحيد هو إظهار الحقيقة، ولكننا لم نستطع حتى الآن الوصول لهذا القاتل ليأخذ عقابه لقتله كل هؤلاء الضحايا.
نظرت مريم بلامبالاة إلى الأخبار ثم هزت رأسها بيأس على ما يحدث في هذه الحياة، عادت بتفكيرها لياسين مرة أخرى، فمن الواضح تلك المرة أنها يجب عليها أن تشكره بشدة لمساعدته لروان. نعم ستنتظر قدومه للمشفى وستشكره. مرت الأيام ومريم في انتظار قدوم ياسين للمشفى ولكنه لم يأتِ، اختفى مثلما يختفي الجميع. تم تنفيذ حكم الإعدام وقد حضرت روان ووالديها التنفيذ، وذلك أراح قلبهم كثيرًا لأنه يستحق. حزنت مريم لذهاب روان والذي كان وداعهما لبعضهما مؤثرًا، ولكن مريم كانت تقوم بتهدئة نفسها دائمًا أنهم في النهاية جميعًا يرحلون. حتى ذلك الطفل الذي قامت بإجراء عمليته لم تستطع التحدث معه كثيرًا لأن رجال ياسين أخذوه من المشفى بعد أن تم شفاءه. كل هذا وياسين لم يظهر بعد ولا تعرف كيف ستقابله. في أحد الأيام، كانت مستلقية بسريرها بغرفتها ممسكة هاتفها تبحث عن غرفة للإيجار بمكان قريب من المشفى حتى لا تبتعد كثيرًا. تبحث وتبحث لكنها لم تجد شيئًا. تنهدت تنهيدة بسيطة ثم جاء في خاطرها هشام الذي اختفى نهائيًا من حياتها. وضعت يدها على مكان قلبها تُكابر وتعاند الشعور الذي تشعر به وهو الاشتياق واللهفة. ثم وبضعف قامت بإلغاء الحظر له وفتحت صفحته الشخصية على ذلك التطبيق الذي تستخدمه. وجدت أن آخر ظهور له كان قبل دقائق، وآخر منشوراته كانت صورًا له منذ يوم وهو يضحك على الشاطئ بسعادة، وصورة أخرى له وهو يقود يختًا وسط البحار، ويقوم بنشر النكات التي عليها تفاعل كبير على صفحته. أخذت دموعها تهطل بغزارة دون أن تشعر. يعيش سعيدًا، أما هي وحيدة وحزينة ليس لها أحد، لا أحد يبقى معها. ندمت كثيرًا على إلغائها الحظر وتتمنى أنها لم تلغيه، وتريد أن تُرجعه مرة أخرى وللأسف يجب أن تنتظر أربعة وعشرين ساعة لتفعيل الحظر له مرة أخرى. خرجت من صفحته وأخذت تتصفح هاتفها بشرود على ذلك الموقع، ولا تعلم كم مر من الوقت على ذلك. تمر المنشورات أمامها حتى قابلها خبر على أحد الصفحات الإخبارية جعلها تعقد حاجبيها بتعجب.
الخبر: إلقاء القبض على سيدة تتهرب من الضرائب منذ سنوات عديدة تُدعى "ميرفت محمود عباس".
توقفت أمام ذلك الخبر قليلًا لا تصدق ما تراه أمامها. هل حقًا أخذت العدالة مجراها تلك المرة؟ أم أنها تحلُم؟ تنهدت مريم بشفقة على تلك المرأة ثم أغلقت هاتفها. لا تستطيع أن تقول أنها تستحق. ولكن لا أحد يقف أمام العدالة. هذا إذا كانت فعلًا العدالة. أغمضت عينيها بهدوء تحاول النوم، وبالفعل أخذها النوم إلى أجمل الأحلام التي تهرب بها من الواقع. أحلامها بذلك الفارس المجهول، ولكن تلك المرة ليست ككل مرة. تلك المرة تحلم بضمّة دافئة تحتويها بقوة. تستند برأسها على صدر أحدٍ وهي نائمة، وكل ما تشعر به هو الراحة والهدوء كأنها تعيش في عالمٍ آخر، عالمٍ خالٍ من ضغوط الحياة. تتنهد بارتياح وهو يداعب شعرها الأسود المموج برقة. تتمنى لو تظل هكذا في أحضان من يحتويها ولا تبتعد عنه أبدًا. ابتسمت مريم أثناء حلمها في غرفتها المظلمة. هكذا هي دائمًا. تعيش مع أحلامها الغريبة هربًا من واقعها المحتوم.
***
في صباح اليوم التالي:
تتابع المرضى بالمشفى بكل نشاط وحيوية وابتسامة جميلة بها أمل فيما هو قادم، لا تعلم ماذا سيحدث يومًا ما. بعد ذلك الحلم الذي أشعرها بالراحة النفسية قليلًا شعرت أنها أصبحت بخير. لا تعلم من ذلك الفارس الذي كان في حلمها، ولكن! أيتحكم المرء بأحلامه؟ ابتسمت ابتسامة خجولة وهي تمارس عملها بإتقان، ثم عادت لجديتها مرة أخرى تحاول نسيان ذلك الحلم الرائع.
***
بعد الظهيرة:
تنظر في بعض الملفات بيديها وتقرأها بحرص وهدوء وهي تسير بأحد ممرات المشفى. ثم تنهدت تنهيدة عميقة وأغلقت الملفات وأكملت سيرها وهي تقوم بتعديل شعرها الأسود ورميه للخلف لأنها كان يغطي وجهها. وفي تلك الأثناء ظهر ياسين في الممر، وهنا تجمدت مريم بمكانها متفاجئة بوجوده. لا تستطيع تفسير نبضات قلبها السريعة عندما تراه في كل مرة. ولكن تفسيرها الوحيد هو الخوف. كانت تظن أنه سيكمل سيره ولكنه توقف. وبالتحديد توقف أمامها ينظر لها بهدوء.
ياسين بهدوء: مساء الخير يا دكتورة.
رمشت مريم سريعًا بعدم استيعاب تحاول إيجاد الحديث، ولكنها تشعر أن لسانها قد شُلّ تمامًا. ظلت تتهته قليلًا تحاول التحدث ثم وأخيرًا استطاعت الحديث.
مريم: مم... مساء الخير حضرتك.
نظر ياسين للملفات بيدها ثم أعاد نظره لها. وتوسعت عينيها بذهول عندما تحدث.
ياسين: أنا منتظرك في مكتبي.
تركها. نعم تركها وذهب.
ظلت تتساءل: هل حقًا تحدث معها؟ هل حقًا تحلم أنه أتى؟ لماذا لا تصدق؟ هل لأن عينيها كانت تبحث عنه في الفترة الأخيرة وتوقعت غيابه وتفاجأت لوجوده؟
استيقظت من خيالاتها تلك وهزت رأسها بعنف، ثم أخذت نفسها عميقًا واتجهت نحو مكان مكتبه، أو بالأحرى المكتب الوحيد الذي يطل على الحديقة بنافذة زجاجية كبيرة. وأثناء سيرها تفكر بما يمكن أن يتحدث فيه معها، وهنا تذكرت أنها تريد أن تشكره على ما فعله لروان. توقفت وذهبت سريعًا نحو أي غرفة يوجد أمامها باقات ورود تأتي للمرضى بالمشفى بها أمنيات الشفاء العاجل. اقتطفت وردة بيضاء جميلة تعتذر بها له عما فعلته بالمرة الأخيرة وأخذت نفسًا عميقًا ثم تحركت نحو مكتبه.
وقفت أمام المكتب تشاور عقلها هل تدخل أم لا؟ ولكنها قررت أن تطرق على الباب وتدخل. وبالفعل طرقت على الباب ودخلت ولا تعلم لماذا شعرت بالارتياح عندما دخلت تلك الغرفة ولكن دون أن تشعر أغلقت الباب خلفها. أخذت تبحث عنه بعينيها حتى وجدته يقف أمام تلك النافذة الكبيرة، يعطيها ظهره. نظرت لسترته المعلقة بانتظام على كرسي مكتبه الضخم. نظرت بدون وعي لهيئته، قميصه الأبيض المتناسق على جسده المليء بالعضلات كأنه صمم خصيصًا له. تنظر لتلك التحفة الفنية الموجودة أمامها، ولا تدري لماذا اتجهت أفكارها نحو شيء خاطئ وهنا استفاقت على صوته العميق وهو ما زال معطيًا ظهره إياها.
ياسين: اتفضلي يا دكتورة، ماتقفيش كتير.
حمحمت بإحراج وجلست على كرسي أمام مكتبه محتضنة الوردة بيديها المستندة على ركبتيها. التفت بهدوء وجلس على كرسيه، نظر ياسين لها وتحدث بهدوء.
ياسين: عندك إيه محتاجة تقوليه يا دكتورة؟
نظرت له بتعجب، فكيف علم أنها تريد التحدث إليه؟ هل قرأ أفكارها؟ هل فُضِح أمرها؟ نظرت أرضًا بإحراج ضاغطة على الوردة التي بيدها وتحدثت.
مريم: أنا بس كنت محتاجة أعتذر عن اللي حصل مني، أنا عارفة إن مكنش ينفع أزعقلك قدام حد، أو إني أزعق بشكل عام، بس غصب عني، أنا انفعلت لإنها كانت مظلومة.
رفعت رأسها ونظرت لعيني ياسين التي تنظر لها بهدوء في المقابل. شردت بعينيه التي تنظر لها بعمق، لماذا في تلك اللحظة شعرت بالهدوء والراحة الشديدة؟ شعرت بالاحتواء. قشعر جسدها وعادت بنظرها أرضًا وقامت بإرجاع خصلة من شعرها خلف أذنها بتوتر، تشعر أنها كالطفلة الصغيرة التي ارتكبت خطأ ما وتقوم بإصلاحه باعتذارها. لأول مرة تشعر بذلك. تحدثت بهدوء.
مريم: أنا آسفة.
عم الهدوء في المكتب، هي تنظر أرضًا بإحراج طفلة صغيرة، أما هو ينظر لها بهدوء. عكف حاجبيه بضيق فكيف صار هادئًا هكذا بعد أن أقسم لنفسه كثيرًا أنه سوف يريها جميع ألوان العذاب بعد ما فعلته به أمام الجميع وليس هكذا فقط، بعد أن أمرته بإبقاء عماد في المشفى كأنها مالكة المشفى الآمرة وليس هو. استفاق من تفكيره عندما ظهرت تلك الوردة البيضاء أمامه، كانت تنظر للأرض رافعة يدها تقدم له تلك الوردة البيضاء.
مريم: أتمنى تقبل اعتذاري.
ياسين بصوت رخيم: النقاء والسلام والهدوء والطمأنينة.
رفعت مريم رأسها متفاجئة من حديثه. تنهد ياسين آخذًا منها الوردة البيضاء ثم أعاد نظره لها.
ياسين بهدوء: أتمنى تكوني عرفتي غلطتك، ياريت ماتتكررش تاني.
كادت أن تتحدث ولكنها عقدت حاجبيها بضيق عندما استأنف حديثه.
ياسين بهدوء: عشان ماقطعش لسانك المرة الجاية.
كادت أن تتحدث ولكن نظرته لها كانت جدية، نظرته أسكتتها عن الرد والتحدث بوقاحة.
ياسين باستفسار: حاجة تانية؟
مريم: آه، في... *تحدثت بابتسامة هادئة* ... عماد أخباره إيه؟ هو كويس؟
ياسين ببرود ونظرة ثلجية: كويس.
تنهدت مريم بارتياح واستقامت من كرسيها.
مريم: شكرًا لحضرتك، آسفة لو سببت ليك أي إزعاج.
لم يجبها وظل ينظر لها بهدوء. تفهمت صمته بأنه يريدها أن تذهب وعندما اتجهت نحو الباب أوقفها صوته.
ياسين: عماد محتاج رعاية طبية.
التفتت مريم له سريعًا متفاجئة من حديثه وتحدثت بقلق.
مريم: ماله عماد؟ مش حضرتك قولت إنه كويس؟
ياسين بهدوء: هو كويس، بس محتاج رعايتك إنتي، مش متقبل رعاية أي حد غيرك.
مريم بتفكير: هو حضرتك ماينفعش تجيبه هنا؟
نظرته لها كانت ردًا على استفسارها وهو الرفض. توترت مريم قليلًا لا تعرف ما الحل، تشتاقه كثيرًا. استفاقت على صوته.
ياسين: تقدري تنوريني في القصر بتاعي يا دكتورة مكانك موجود.
نظرت له بعدم فهم وتحاول استيعاب ما قاله.
ياسين برفق: مش هجبرك على حاجة، فكري كويس، تقدري تتفضلي.
ظلت واقفة بمكانها لعدة ثوان، تنظر له تائهة بحديثه ولكنها استفاقت وخرجت من مكتبه. تمشي تائهة، هل ما قاله حقيقي؟ يريدها أن تعمل لصالحه؟ هي بالفعل تعمل لصالحه فهو مالك المشفى. لكن مستقبلها؟ أحلامها؟ أغبية أنتي مريم؟ كيف لم تردي عليه؟ تكونين أمامه مثل "الكتكوت المبلل". جبانة، لا، لا لست كذلك. هو يفعل شيئًا ما يجعلني خاضعة له بهذا الشكل، يسحرني بعمق عينيه؟!! هزت رأسها بعنف وغضب من تفكيرها الغريب ذاك. ظلت تشاجر نفسها وهي تسير في ممر المشفى بغضب ولم تنتبه للمتجه نحوها حتى اصطدمت به وأمسكها بكتفيها ينقذها من أن تقع أرضًا.
مريم بغضب: مش تفتح يا...
اتسعت عينيها عندما رأته، إنه هو، الذي أرهق قلبها عشقًا وكانت نتيجته ألمًا شديدًا، ولكنه الآن يظهر على حقيقته أمامها، نظراته الباردة لها، الخالية من الحب والعشق الذي عهدته دائمًا منه. ابتعدت عنه سريعًا كأن لدغها عقرب. أما هو ظل واقفًا ينظر لها بأعين خالية من المشاعر، ثم مر بجانبها كأنه لم يقابلها. كُسِرت! ذلك وصف للشعور الذي شعرت به عندما تجاهلها هكذا. حاولت أن تمنع دموعها من الهطول محدثة نفسها "استفيقي مريم إنه كاذب ومخادع، يلعب بقلوب النساء". أكملت سيرها بحزن. مقابلتها له أماتت الشغف في قلبها، الشغف الذي تطلعت له ليالٍ حتى أتى هذا الصباح ولم يبق لساعات كثيرة فقد تدمر بسبب رؤيتها إياه. يستند على حائط أحد الممرات بعد أن مثّل تجاهله لها، ملامحه حزينة جدًا بسبب ما فعله لها، قلبه يدق بعنف كم يتمنى أن يضمها بقوة ويذهب الجميع للجحيم، ولكنه خائف عليها، يعلم أنه آلمها بقوة ولكن ذلك لأجلها وليس لأجله.
هشام بحزن شديد: انسيني يا مريم، انسيني.
ذهب في طريقه معلنًا انسحابه من طريق مريم نهائيًا، عازمًا على جعلها تنساه.
في القصر:
يجلس على كرسيه المتحرك أمام النافذة الزجاجية بغرفته محتضنًا إطارًا زجاجيًا به صورة بالأبيض والأسود لفتاة شابة بمنتصف العشرينات، يبكي وهو يُملس على صورتها بيديه.
عماد ببكاء: وحشتيني يا ألفت، ياسين بقى وحش أوي، ابنك بقى وحش أوي.
عاد بذكرياته للماضي وهو ينظر لعمق عينيها بصورتها، زوجته الراحلة ألفت، أجمل من رزقه الله بهذه الحياة. كانت من ألطف الفتيات اللواتي قابلهن أثناء شبابه. يتذكر كم تعب للحصول على حبها، ويتذكر كم كانا سعيدين جدًا بحياتهما حتى حينما رزقهما الله بمولودهما الوحيد ولكن تلك السعادة لم تدم. فقد توفي ابنهما وهو بالخامسة عشرة من عمره بمرض خطير. وقد مرت ألفت بصدمة نفسية صعبة، فقد كانت ترى ولدها حولها في كل مكان وتصرخ باسمه "ياسين"، المراهق الذي كان سر سعادتهما في هذه الحياة ولكن مع وفاته كان الحزن هو المنتشر في حياتهما. وياليته لم يأتِ ذلك اليوم، اليوم الذي ذهب فيه بزيارة لإحدى دار الأيتام لحضور حفلٍ ما. وهنا قابله، طفل ينظر بعينين تائهتين للجميع ومن حوله، هادئ وصامت تمامًا لا يُصدر أي ضجة على عكس الأطفال الباقين، وجهه منطفئ لا يبتسم، فقط شارد وتائه. كان يجلس وحيدًا لا يشارك الأطفال الاحتفال، ولا يتحدث مع أي أحد. ترك عماد الاحتفال وذهب للجلوس بجانب ذلك الطفل الشارد.
عماد باستفسار ومزاح: الحفلة مش حلوة صح؟
لم يجبه الطفل وظل ينظر أمامه بشرود. حاول عماد أن يلطف حديثه قليلًا. وضع يديه على ظهر الطفل وكاد أن يتحدث ولكن انتفض الطفل بألم ونظر لعماد بفزع ثم فرّ من الحفل صاعدًا لغرفته بالدار. تعجب عماد من حال ذلك الطفل ولكنه أكمل الاحتفال مع باقي رجال الأعمال المتبرعين لتلك الدار. ولكن من بعدها لم يخرج الطفل من مخيلته وظل يفكر به لعدة أيام حتى قرر أن يذهب هناك مرة أخرى. ذهب للدار ووجد ذلك الطفل يجلس بعيدًا عن الأطفال ينظر للكراس التي بيده ويرسم بهدوء كأنه في عالم آخر. اقترب عماد منه بهدوء ونظر لما يرسم. كانت رسمة طفولية غريبة، شخصٌ يقف ممسكًا بسكين ويوجد شخصان ملقيان أرضًا وتقطر منهما الدماء. عقد عماد حاجبيه بتعجب، لأن الطفل يرسم شيئًا مثل ذلك. وما انتبه إليه هو دموع ذلك الطفل المستمرة في الهطول وهو يرسم، ولكن على رغم ذلك فهو هادئ.
امرأة: براء.
انتفض براء واقفًا عندما سمع صوت تلك السيدة التي تناديه. نظر عماد للسيدة التي تقترب نحوهما حيث قامت بإمساك ذلك الطفل المدعو براء وتحدثت بغضب.
امرأة: مش أنا قولت ماترسمش الحاجات دي تاني؟ يلا ورايا.
ثم نظرت لعماد الذي كان يقف بجانب براء.
امرأة: أنا آسفة إنك شوفت المناظر دي.
أمسكت ببراء عنوة عنه وسحبته خلفها وصعدت به إلى غرفته ورمته أرضًا. أخذت أحد الأحزمة الجلدية وهو ابتعد إلى ركن بالحائط وكادت أن ترفع الحزام لتبدأ في ضربه ولكن منعتها يد شخص ما.
نظرت لذلك الشخص الذي ينظر لها بغضب شديد.
عماد بغضب: "إنتي إزاي تضربيه؟"
تحدثت الفتاة: "إسكت إنت، أنا بشوف شغلي."
ألقى ذلك الحزام أرضًا، ممسكًا إياها من ذراعها بقوة.
عماد: "أنا مش هسكت على كده، أنا هوديكي في داهية. إنتي إزاي تتعاملي كده مع طفل؟"
تحدثت الفتاة: "ده طفل متخلف عقليًا، مش فاهم حاجة ولازم يتربى."
قام عماد بصفعها بقوة: "إنتي إللي عايزة تتربي."
صرخت بألم من صفعته لها، ثم تركها واتجه نحو براء الذي احتضن نفسه وبدأ بهز جسده بهيستيريا، ناظرًا أمامه بشرود. اتجه عماد نحوه واحتضنه، ولكنه انتفض بفزع وابتعد عن عماد الذي عقد حاجبيه بتعجب مرة أخرى من ذلك الطفل. ولكنه حاول أن يجعله يشعر بالأمان، ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل. قام عماد برفع قضية على تلك الدار وأثبت أن الطفل يتم تعذيبه بشكل مستمر بسبب آثار الضرب الموجودة على ظهره. وقرر أن يكفله لعل الطفل يجد الأمان معه ويُسعد زوجته الحزينة قليلًا. لعلها تنسى موت ابنهما الوحيد به.
دخل عماد منزله ممسكًا بيد براء صاحب النظرات التائهة والشاردة، أو الخالية من الحياة كما هو الواضح. وقف أمام زوجته التي تجلس بالحديقة تقوم بعمل ثوب لطفل بالتريكو وتدندن بأغنية للمغنية شادية. ولكنها التفتت له عندما سمعت صوته.
عماد: "ألفت."
نظرت له بهدوء ولفت نظرها ذلك الطفل الواقف بجانبه. اهتزت مقلتيها باشتياق عندما نظرت في عينيه، واقتربت منه بهدوء وهبطت لنفس مستواه تنظر له بحنان أمومي، ملست على وجهه برقة.
ألفت بحب: "ياسين؟ إنت جيت يا روح ماما؟"
عماد بهدوء: "اسمه براء. بس نقدر نسميه ياسين ما فيش مشكلة. بيقولوا إنه عنده 12 سنة. أنا راجعت أوراقه اسمه باسم العيلة بتاعه كان لطفل مات وهو عنده أربع سنين، يعني هو مالوش أوراق. ممكن يكون هو إللي اختار الاسم ده. لو كده ممكن نعمله ورق قانوني ونسميه فيه باسم ياسين ونشوف لقب ليه سوا."
لم تنتبه ألفت لحديثه، فكل ما كانت تفعله هو أنها تلتمس وجنتي براء الناعمة. أما براء ينظر لها بهدوء في المقابل.
مرت السنوات مع وجود براء في حياتهما. كان قليل التحدث وهذا كان يقلقه، ولكن ألفت لم تلتفت لكل ذلك. كل ما كان يهمها أن ابنها ياسين قد عاد إلى أحضانها مرة أخرى.
يتذكر ذلك جيدًا. اختفاء ياسين بشكل متكرر بعد انتهاء وقت الجامعة. لا يعلم أين يذهب وماذا يفعل، ولكن غيابه ملحوظ في الفترة الأخيرة. حتى قرر أن يقوم بمراقبته ويعلم بما يفعل. وبالفعل قام بمراقبته ووجد أن ياسين يتتبع ويراقب أحدهم. أحد رجال الأعمال. ومن الواضح أن ذلك الشخص له سُلطة ونفوذ وذلك واضح من الحرس حوله. لا يدري لماذا ياسين يراقب ذلك الشخص باستمرار لأنه ظل يراقبه في الفترات الأخيرة. حتى قرر أن يواجهه ويعلم السبب منه. استدعاه في مكتبه في الفيلا التي يسكنون بها. يقف ياسين بهدوء وبرود ناظرًا لعماد الجالس أمامه ولم ينتبها أن ألفت تستمع لحديثهما.
عماد باستفسار: "أنا عايز أعرف إنت بتروح فين في الفترة الأخيرة دي؟ اختفائك بقى ملحوظ يا ياسين ومحتاج أعرف منك الصراحة ومش عايزك تكذب."
عقد ياسين حاجبيه بغضب من تلك الكلمة ولكنه ظل صامتًا.
عماد: "بتروح فين؟"
ياسين ببرود ولا مبالاة: "أنا مش في استجواب. أنا أروح في أي مكان أنا عايزه."
عماد بغضب: "رد عليا باحترام يا ولد، أنا باباك."
ياسين ببرود: "إنت مش بابايا. ومش هتحل مكان بابايا أبدًا."
حزن عماد كثيرًا بسبب حديثه ولكنه حاول التماسك.
عماد بحزن: "طب ممكن نتكلم سوا زي أي اتنين صحاب، أنا نفسي أنا وإنت نتصاحب وتكون أسرارنا مع بعض."
ياسين بهدوء: "أنا معنديش أسرار."
عماد بغضب: "لا عندك، وبطل تكذب عليا."
اقترب منه ياسين بغضب وأمسكه من تلابيبه.
ياسين: "أنا قولت إني معنديش أسرار. إنت إللي مسألتش أنا عندي إيه أحكيه عشان أحكيه. أنا بكره الكذب والخيانة وبكره إللي يجيب سيرتهم."
كادت أن تدخل ألفت المكتب لمنع ذاك النقاش الحاد بينهم، ولكنها أرادت أن تظل هكذا لتعرف المزيد عن ياسين. ابتعد عماد عن ياسين بصعوبة وبدأ بالتحدث.
عماد: "قول طيب واحكيلي مين إللي بتراقبه ده؟ ممكن أساعدك لو حكيتلي."
نظر ياسين له قليلًا ثم ابتسم ابتسامة مخيفة بالنسبة لعماد.
ياسين بهدوء: "ده إللي نصب على بابايا وسرق منه كل إللي هو فيه ده، ده حقي ودي فلوسي. و..."
(قبض يديه بقوة عندما تذكر مقتل والديه، محاولًا التحكم بأعصابه وأخفى كل ذلك الألم بداخله ولم يُكمل حديثه باستفاضة، ولكنه لم يكذب)
"... وأخد مني كل حاجة. ماتوا بقهرتهم."
عماد بحزن على حاله: "طب أخد منهم كل حاجة إزاي؟ ممكن أعرف؟"
ياسين وهو يمط شفتيه متذكرًا أحداث ماضيه الأليم: "كانوا أصحاب وكذب عليه وخانه."
عماد: "أنا مصدقك يا ياسين وعارف إنك مش ممكن تكذب أبدًا، وآسف لو ضايقتك بكلامي."
ياسين بلامبالاة: "ما طلبتش منك تصدقني بس ما تكذبنيش."
تنهد عماد بتفكير وتحدث.
عماد: "لازم تنسى يا ابني وتعيش حياتك. الراجل ده مصيره هياخد جزاءه. لكن إنت ذنبك إيه إنك تفضل حاطه في دماغك. صدقني هتتعب."
ياسين بغضب: "وحقي؟ إنت بتتكلم كده ليه، إن عادي حقي يروح؟"
عماد بتوضيح: "مش قصدي بس..."
قاطعه صوت ألفت التي ركضت لياسين الغاضب تربت على كتفيه بحنان أمومي.
ألفت: "يا عماد يا حبيبي، ما تزعلش ابننا عشان خاطري. اعمله إللي هو عايزه، عايز ياخد حقه ساعده ياخده، لكن ما تعامليهوش كده أبدًا، ده مهما كان ابننا."
نظر عماد لها قليلًا وكاد أن يتحدث.
ياسين ببرود: "أنا مش ابنكم، أنا بابايا اسمه مصطفى ومامتي اسمها فريدة. وأنا مش محتاج مساعدتكم. أنا هاخد حقي بإيدي."
تركهما ببرود واتجه لغرفته. تنهدت ألفت بحزن وهي تنظر في أثره، استفاقت على صوت عماد.
عماد: "شوفتي قلة الأدب؟ أدي آخرة دلعك ليه، سبتيه يعمل إللي هو عايزه ويعيش حياته براحته وما نتحكمش فيه. جيل مش متربي."
ألفت بتبرير: "يا عماد أرجوك ما تزعلش منه، هو بس أكيد متضايق بسبب الموضوع ده ومش هيرتاح غير لما ياخد حقه بإيده. (اقتربت منه برجاء) عشان خاطري ساعده وغلاوتي عندك يا عماد."
زفر بعمق يهز رأسه موافقًا على حديثها. أما ياسين يجلس بغرفته يخطط لما سيفعله بذلك المدعو "جمال صدقي".
بدأ عماد بمساعدة ياسين وبما أنه رجل أعمال أيضًا ولكن ليس بنفس نفوذ جمال، قرر أن ينضم لأحد المشاريع الخاصة بشركة جمال. وبدأت اجتماعاته المتكررة مع جمال محاولًا كسب ثقته. وكان من الواضح أن جمال شخص خبيث جدًا. ونوعيته من الأشخاص الذين يلقون بنقودهم بأي مكان. رجل ذو علاقات متعددة. كل ذلك كان ما يعرفه عماد عن جمال في الفترة الأخيرة. أما ياسين يعلم شيئًا آخر، يعلم ما يقوم به جمال والذي يخالف القانون.
وفي يوم ما، كان عماد في اجتماع بينه وبين جمال والذي يبدو من الواضح أنه أسرف في الشرب قليلًا.
عماد: "كنت محتاج إنك توقع على الورق ده."
كان يمسك بيده أوراقًا وكان يحاول إخفاء ارتجافه الذي بدأ أن يظهر بسبب توتره. تحدث جمال بسُكْر.
جمال: "شغل إيه دلوقتي يا عماد؟ الحياة حلوة وجميلة، ليه نبوظها بالشغل والمسؤوليات؟ إحنا جايين الدنيا عشان ننبسط."
ضحك على إثر سُكْره، أما عماد حاول أن يُخفي توتره. وقدم له تلك الأوراق.
عماد: "يا جمال بيه عايزين نخلص المشروع ده على خير. هنكسب ما تقلقش."
تأفف جمال آخذًا من الورق موقعًا بغضب. ثم ألقى بالورق في وجهه متحدثًا بضيق.
جمال: "يلا امشي مش ناقص قرف."
خرج عماد سريعًا من غرفة مكتب جمال الذي رفع سماعة هاتف المكتب وبدأ بالتحدث مع إحدى فتيات الليل.
جمال: "أنا جايلك يا جميل."
يقف عماد أمام ياسين الذي ينظر له ببرود ويقوم بتقديم تلك الأوراق له.
عماد: "دي الأوراق إللي تقدر تاخد بيها حقك. ده كده تنازل من جمال ليك عن كل ممتلكاته، ناقص بس توقيعك."
أخذ ياسين الورق منه ثم نظر له يتمعن يقوم بقراءته. ثم ابتسم بهدوء وقام بتوقيع الورق وهنا تنهد عماد بارتياح شديد.
عماد: "الحمد لله، حقك رجع أهو. يلا يا ابني سيبك من إللي إنت فيه ده وركز في مستقبلك، عايزك تبقى أحسن شخص في البلد دي وتفرح ألفت بيك."
هز ياسين رأسه موافقًا واتجه لغرفته ممسكًا ذلك الورق بقوة. أما عماد توجه لزوجته ألفت وحدثها عما فعله.
ألفت بهدوء: "المهم إن ياسين يكون مرتاح."
عماد بهدوء: "أتمنى."
مرت الأيام وجمال لم يعلم بأمر تلك الأوراق وحتى الآن ياسين لم يفعل بها أي شيء وما زال يراقب جمال، وكل ذلك تحت أعين عماد الذي عاد لمراقبة ياسين مرة أخرى، ولا يعلم لماذا يستمر ياسين بمراقبته فقد أخذ حقه منه.
وفي يوم ما، خرج جمال من شركته ولحقه ياسين مما جعل عماد يلاحقه أيضًا. توقفت سيارة جمال أمام مستودع كبير. خرج من سيارته ودخل ذلك المستودع وتحرك ياسين خلفه، ولكن عماد لم يستطع اللحاق به لوجود ذلك العدد الكبير من الحرس. وقف ياسين على بُعد من جمال وبعيدًا عن أعين حراسه، يراقب ما يحدث وانتبه لصوت صرخات في المكان ومن الواضح أنها صرخات أطفال. سمع حديث جمال مع أحدهم.
جمال: "الأطفال دول لازم يخرجوا من هنا بسرعة وأهم حاجة ياخدوا المخدر عشان نقدر ناخد منهم كل حاجة."
تحدث أحد الرجال: "ما تقلقش يا بيه، كله تحت التخطيط."
دخل جمال الغرفة ناظرًا للأطفال الموجودين بها. نظر لهم بتشفٍ.
فأغلبهم أطفال شوارع أما الباقون تم خطفهم من عائلاتهم. خرج من تلك الغرفة وتوجه لغرفة أخرى خاصة به.
ياسين بقوة: "جمال."
تسمّر جمال في مكانه عندما سمع صوته. هذا الصوت يعلمه جيدًا. أيُعقل؟ كيف؟ التفت جمال بعدم استيعاب مما سمعه. رآه.. إنه هو.. مصطفى صديقه القديم ولكنه ممسكًا بعيار ناري. كاد أن يتحدث جمال ولكن قاطع حديثه ذلك الطلق الناري الذي أصاب صدره. اقترب ياسين من جمال بغضب وهبط لمستواه على الأرض ممسكًا إياه بقوة.
ياسين: "مش هسيبك ترتاح، لازم تتعذب."
جمال: "مم...مص...طفى."
بدأت أصوات الطلقات النارية بالانتشار وذلك بسبب رجال جمال الذين انتشروا بالمكان بسبب صوت الطلق الناري.
ياسين بغضب وصراخ ممسكًا بتلابيبه: "ليه؟! ليه قتلتهم؟! ليه؟! ليه قتلت مصطفى وفريدة؟! ليه قتلت بابا وماما؟!"
سأل ياسين آخر سؤال والدموع تهبط من مقلتيه. نظر له جمال بعينين مفتوحتين على مصراعيهما. ولكنه تحدث.
جمال وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: "كانوا يستاهلوا."
عمى الغضب بصيرة ياسين أكثر وهنا أخذ السكين الذي كان يخفيه وقام بطعن جمال عدة طعنات ويتساءل بهستيريا عن السبب.
ياسين بصراخ: "ليه؟!"
دخل رجال جمال المستودع وبدأوا بإطلاق النار ولكن استطاع ياسين أن يبتعد عن جمال سريعًا. واختبأ بأحد أركان الغرفة. وهنا فقد انتبه لهؤلاء الأطفال الخائفين بالغرفة الأخرى ويحاولون الاختباء. كان يحمل سكينه الملئ بدماء جمال وينظر أمامه بشرود ونظرات خالية من الروح. تذكر كل شيء أسوأ اللحظات بحياته.. موت والديه، الذي أشعل الغضب بداخله أكثر وزاد رغبة الانتقام أكثر، على الرغم من أنه قام بقتل جمال ولكن الغضب بداخله ينمو بشكل أكبر. رمى سكينه أرضًا والتقط مسدسه وبدأ بإطلاق النار على رجال جمال واحدًا يلي الآخر. وبعد أن انتهى من الأعداد التي دخلت فقط تنفس بصعوبة وذلك نظرًا للمجهود الذي قام به. وضع سلاحه بجيبه وخرج من الغرفة التي قتل بها جمال، وكاد أن يتحرك نحو بوابة الخروج أمسك أحد بقدمه. نظر ياسين للذي أمسك به وإذ بها طفلة تبدو في العاشرة من عمرها تبكي بكاءً شديدًا ويبدو أنها شبه فاقدة للوعي لأن رأسها ينزف يبدو أن رأسها ارتطم بشيء. كاد أن يتركها ولكنها وقعت أرضًا وفقدت الوعي، نظر ياسين لها ثم عاد بنظره نحو بوابة الخروج من المستودع وباقي رجال جمال أصبحت تتضح أصواتهم شيئًا فشيئًا مما يدل على أنهم قادمين. حملها بقوة بين يديه ثم عاد بنظره نحو الأطفال الموجودين بالمكان ولحسن الحظ أنهم أحياء، انتشرت الطلقات النارية مرة أخرى وفزعت الفتاة التي يحملها بخوف ورفعت رأسها كأنها تحاول النظر إليه ولكنها فقدت الوعي مرة أخرى مستندة برأسها على صدره. اتجه بها ياسين نحو الخارج من مخرج آخر وهنا قابل عماد الذي ينظر له بغضب. لم ينظر له ياسين وألقى تلك الفتاة بجوار شجرة تستند عليها. وقام بالربت على شعرها يحاول إيقاظها.
ياسين: "أنا هدخل هناك آخد الباقيين. هرجعلك، ما تخافيش."
هزت رأسها بتيه أما هو استقام في مكانه وأخذ مسدسه وعاد للمستودع بثبات وقوة متجاهلاً نداء عماد له.
رواية القاتل الراقي الفصل السادس 6 - بقلم سارة بركات
يقف عماد في مكانه، وواضح بملامحه الضيق الشديد بسبب ياسين ومما فعله، والذي استنتجه من تلك الدماء التي كانت بملابسه، مما يجعله متيقنًا أنه قتل جمال. هز رأسه بيأس وخذلان، ونظر أرضًا يؤنب نفسه تأنيبًا شديدًا لأنه السبب في كل ذلك.
غاب ياسين بالداخل، وكل المسموع هو أصوات طلقات النيران المستمرة. نظر لساعة يده يحسب الوقت الذي تأخره، وقلق عليه كثيرًا. هدأ صوت إطلاق النيران، ولكن ياسين لم يخرج.
انتفض عماد عندما سمع صوت سيارات الشرطة تقترب من المكان، وبدون وعي هرول سريعًا نحو ذلك المستودع للبحث عنه، تاركًا تلك الفتاة الملقاة بجانب الشجرة وحيدة. عندما دخل ذلك المكان، وجده عبارة عن كومة من الجثث، وبدأ بالبحث عن ياسين في غرف ذلك المستودع وبين تلك الجثث حتى وجده واقفًا ينظر أمامه بشرود.
شعر عماد بالهلع والفزع مما يراه حوله، وكيف يقف ياسين هكذا، وكيف فعل كل ذلك؟ التفت ياسين بهدوء، بوجه وملابس مليئة بالدماء، ولكن بالتأكيد تلك ليست دمائه، ونظر لعماد الذي ينظر له بخوف.
عماد بخوف: "إنت عملت كل ده إزاي؟ إنت إزاي عرفت تعمل كل ده؟ إنت إزاي قتلت دول كلهم؟!"
تحرك ياسين خطوة نحو عماد الذي ابتعد عشرة مقابلهم. تحرك ياسين خطوة أخرى، ولكنه ركع أرضًا من الألم الذي يشعر به، ووضع يده في جنبه، ونظر لعماد الذي ينظر له بالمقابل.
ياسين بألم: "كان لازم ياخدوا جزائهم، قصتي ماينفعش تتكرر."
أغمض ياسين عينيه من الألم الذي يشعر به، وهرول عماد نحوه سريعًا.
عماد: "إسند نفسك عليا."
وبالفعل، اتكأ ياسين على عماد وخرجا من المستودع في نفس الوقت الذي انتشرت به الشرطة في المكان. حاول عماد الإسراع قليلًا ليصلا إلى سيارته ويتحركا قبل أن تصل الشرطة لهما، ولكن كبر سنه لا يساعده، وأيضًا جسد ياسين فهو ثقيل بالنسبة لعجوز مثله.
استفاقت الفتاة الصغيرة ووقفت في مكانها تنظر حولها. وجدت نفسها وحيدة بالخارج، لا تعلم أين تذهب وأين الشخص الذي حملها للخارج. تحركت بتيه لعلها تجده في طريقها ويساعدها في العودة للمنزل. تحركت عدة مترات بسيطة وتوقفت عندما وجدت أمامها رجال الشرطة والذين هرولوا نحوها سريعًا.
وصل عماد لسيارته، ووضع ياسين الذي يعي لما حوله بنصف وعي للخلف، ثم تحرك بسيارته. كان ياسين مستندًا برأسه على زجاج السيارة، وهنا رأى الفتاة من على بعد وهي تركب إحدى سيارات الشرطة، وهناك عدد من الأطفال يركبون معها أيضًا، وهنا أغلق عينيه بهدوء واستسلم للنوم.
ينظر بشرود من خلال نافذته الزجاجية. يتذكر ما عانته زوجته ألفت بسبب خوفها من فقدانها ابنها ياسين مرة أخرى، فقد هرولوا نحو المشفى لإنقاذه سريعًا قبل أن يفقد دماءً كثيرة وقد أنقذوه. يتذكر جيدًا كم ترجته ألفت ألا يؤذي ياسين. يتذكر بكائها الشديد بسبب خوفها من فقدانه بأي شكل. استسلم لرجاء زوجته، وبدأ بمتابعة قضية مقتل جمال دون أن يلاحظ أحد ذلك، ولدهشته وصل الشرطة أن الهجوم الذي حصل بالمستودع ما هو إلا هجوم عصابات مما جعل الجميع موتى.
يتذكر جيدًا الكوابيس التي حلم بها ياسين بعد ذلك الحادث. يتذكر صراخه باسم والده ووالدته. يتذكر صراخه وهو يعزم على قتل جمال في أحلامه. ظلت كوابيس ياسين تقلق راحته هو وألفت، ومما يدهشهم أيضًا أنه عاد لصمته الذي كان ملازمًا له منذ صغره.
وفي يوم ما، خرج من جامعته حاملًا كتبه، وبدلًا من أن يتجه لسائق عماد الذي ينتظره، اتجه لطريق آخر وتحرك السائق خفية خلفه. دخل ياسين صالة رياضية كبيرة ولم يلقِ التحية على أحد كعادته، اتجه نحو خزانة ملابس معينة وقام بتغيير ملابسه وارتدى ملابس رياضية بديلة. وقام بربط كفي يده جيدًا استعدادًا للملاكمة.
وقف عماد أمام الصالة الرياضية التي أخبره بها سائقه ودخل الصالة وبدأ بالسؤال عن ياسين، ثم اتجه لصالة الملاكمة. كان يتعرق بشدة وهو يلكم حقيبة الملاكمة بقوة، وكل ما يراه أمامه هو جمال وليس تلك الحقيبة. يرى جمال أمامه وهو يقوم باغتصاب والدته. قام ياسين بضرب حقيبة الملاكمة مرة أخرى بغضب. وكل ما يسمعه هو صرخات والدته المستمرة. ظل يضرب في حقيبة الملاكمة بكره وشر كبير، مما لفت انتباه جميع من بالصالة ونظروا له بتعجب وهو يضرب الحقيبة بغل.
عماد: "ياسين."
توقف عندما سمع صوت عماد ونظر له بنظرات خالية من الحياة.
عماد: "أنا محتاج أتكلم معاك. لازم نتكلم أنا وإنت، ممكن نطلع بره؟"
تركه ياسين ثم اتجه لغرفة تبديل الملابس. أما عماد تنهد بيأس وانتظره بالخارج. يجلسان بمطعم يطل على النيل الذي كان ينظر له ياسين بشرود.
عماد: "ياسين."
نظر له ياسين بهدوء منتظرًا حديثه.
عماد: "أنا مقدر إنك واحد خسر عيلته، وشوفت أهلك بيموتوا قدام عينيك. بس ده مش مبرر للي إنت عملته."
قلب ياسين عينيه بملل وتأفف من حديثه.
عماد بضيق حاول إخفاءه: "احترم كلامي واسمعني، أنا عارف إنك خايف، واللي بيحصلك ده من الخوف، بس أرجوك اهدى كده وارجع ياسين اللي أنا عرفته من صغره."
كان ياسين ينظر لعمق عينيه وهو يتحدث.
عماد: "أرجوك ارجع ابني اللي مسكت إيده وأنا داخل البيت وبقدمه لمراتي على إنه ابننا الجديد."
وهنا خرج ياسين عن صمته قائلًا:
ياسين: "إنت عايش في أوهام كبيرة يا عماد."
عقد عماد حاجبيه بغضب من حديثه.
عماد بغضب: "أنا عايز أعيش وأنا بالي مرتاح، أنا مش عارف أنام بسبب إني عارف إن في قاتل في بيتي، ارجع يا ياسين عن اللي إنت بتعمله، أنا مباقتش مطمنلك، القدر أنقذك من أول جريمة إنت عملتها. من الآخر، أنا مباقتش حابب وجود قاتل في بيتي، يا ترجع لعقلك يا تخرج بره بيتي."
ظل ياسين ينظر له بهدوء، أما عماد كان يتنفس سريعًا نتيجة لغضبه.
عماد: "قولت إيه؟"
ياسين ببرود: "أنا فعلًا واعي للي بعمله."
عماد برجاء: "يبقى أرجوك أنا محتاج أنام وأنا مرتاح، مش عايز أبقى خايف عشان في قاتل عايش معايا في نفس البيت."
همهم ياسين موافقًا. استفاق عماد من شروده في ذكرياته وأغمض عينيه بإرهاق لا يعلم كم من الوقت ظل هكذا. ضغط زر استدعاء الخدم وقد أتى اثنين منهم، قام أحدهم بتحريكه بالكرسي أم الآخر جهز له الفراش لكي يستريح قليلًا.
تجلس بسريرها في غرفتها يملؤها الحزن مما حدث اليوم. فقد رأت هشام، رأت من حاولت أن تنساه تلك المدة ولكن رؤيتها له أثبتت أنها لم تنساه. لا زالت تحبه. هبطت دمعة من عينيها ولكنها قامت بمسحها سريعًا، فليس ذلك وقت البكاء على الأطلال. عقدت حاجبيها بإصرار على أنها قوية. "أنتِ قوية يا مريم، لن يؤثر بك هشام أو غيره. أنتِ تعيشين لنفسكِ فقط." ظلت هكذا تشجع نفسها بالكلام قليلًا.
تسطحت على سريرها تحاول أن تلهي أفكارها عن أحداث اليوم، وأتى على تفكيرها: "ياسين المغربي". فهو على الرغم من أنه يبدو شخصًا شديدًا قليلًا إلا أنه لطيف بالنسبة إليها. فقد سعدت اليوم بمحاورتهما. يبدو أنه شخص متفهم، صارم يحب عمله. يبدو ذكي جدًا، كبير في السن قليلًا، يبدو أنه في بداية الأربعينات، لكنه وسيم، وذو أعين جذابة و... وسعت عينيها بدهشة عندما انتبهت لأفكارها السيئة.
مريم بغضب من نفسها: "إيه اللي بتعمليه ده يا مريم؟! فوقي بقا.. فوقي."
تأففت بضيق وحاولت النوم ولكنها لم تستطع. وتذكرت عرض ياسين لها، وهو أن تقوم برعاية عماد. لكنها هزت رأسها بنفي، فذلك مستقبلها لن تترك العمل بالمشفى. سوف تخبر ياسين بقرارها حينما تراه في المرة القادمة.
كان هشام يجلس بأحد المطاعم، ينتظر أحدهم طلب لنفسه مشروبًا. نظر لساعته يحسب الوقت حتى أتت. نظر لتلك الفتاة التي دخلت المطعم وابتسمت له ابتسامة كبيرة، وبادلها الابتسامة، واستقام من مقعده وعندما اقتربت منه:
بسعادة: "هشام."
ضمته بشدة أما هشام بادلها بفتور. ابتعدت ونظرت له بشكل كلي.
: "إنت اتغيرت جدًا. إحنا بقالنا كام سنة ما تقابلناش؟"
هشام: "اقعدي ارتاحي يا رضوى. إنتي لسه راجعة من السفر، هنتكلم على راحتنا ما تقلقيش، يلا اقعدي."
ابتسمت له رضوى وجلست قبالته، ثم نظرت لملامحه الهادئة أو المرهقة.
رضوى باستفسار: "مالك يا هشام؟! لما كنت بتكلمني كان صوتك باين منه إنك مخنوق، قولت لازم أرجع مصر بسرعة عشان أشوفك لإنك واحشني وتاني حاجة عشان أقدر أتكلم معاك. احكيلي بقا.. مالك فيك إيه؟"
تنهد هشام ثم نظر لها قليلًا ولكنه لم يتحدث.
رضوى باستفسار: "يا ابني في إيه؟! مالك؟! ساكت ليه؟"
هشام بتنهيدة: "تتجوزيني؟"
تتقلب بسريرها باستمرار. قلقة ولا تستطيع النوم. لا تعلم لماذا تشعر بالأرق ولماذا تشعر بانقباضة قلبها. وضعت يدها على مكان قلبها تحاول أن تهدأ.
مريم بتوتر: "خير.. خير."
ظلت هكذا قليلًا حتى هدأت وغطت في نوم عميق.
رضوى بعدم استيعاب: "نعم؟"
هشام بهدوء وتكرار: "تتجوزيني؟"
ضحكت رضوى ضحكات عالية فهي لا تصدق. هشام يعرض عليها الزواج؟! منذ متى وهشام صديق طفولتها يفكر بذلك الأمر نحوها؟! ظلت تضحك لعدة ثوانٍ لكنها صمتت عندما وجدت ملامحه جادة.
رضوى بعدم استيعاب: "إنت بتتكلم بجد؟!"
هشام بهدوء: "بتكلم بجد، وأتمنى إنك تسعديني بموافقتك. *أغمض عينيه قليلًا ثم نظر لها*، من صغرنا وأنا بتمنى إننا نكون سوا."
لا تدري لماذا هي سعيدة هكذا، هل لأنها قد نالت أخيرًا ما تريده منذ البداية؟! هشام يريدها زوجةً له!!
رضوى باستفسار: "طب إنت فاتحت أونكل طارق وبلقيس في الموضوع ده؟"
هشام بابتسامة هادئة: "هما عارفينك كويس وبيحبوكي. لما يلاقوني قررت إننا نتجوز هما أول ناس هيفرحولنا."
إنتِ لحد دلوقتي ما قولتيش قرارك يا رضوى.
رضوى بابتسامة رقيقة: موافقة طبعًا.
في صباح اليوم التالي:
تقف أمام مرآتها تقوم بتجهيز نفسها بكل ثقة لليوم. خرجت من غرفتها وبدأت عملها. وصل بسيارته أمام المشفى وبجانبه رضوى سعيدة بوجودها معه.
هشام بابتسامة: يلا بينا.
رضوى بابتسامة: يلا.
دخل المشفى ممسكًا بيد رضوى بقوة ويبحث بعينيه عن مريم. توقف نحو الاستقبال وقام بجمع أغلب طاقم المشفى هناك. كانت مريم تسير نحو الاستقبال في ذلك الوقت، وهنا تجمدت بمكانها عندما رأتهم. نظرت لأيديهما ثم عادت بنظرها لهشام الذي ينظر لرضوى بابتسامة جميلة وبدأ بالتحدث:
هشام: أعرفكم برضوى خطيبتي.
شعرت بأن الزمن توقف فجأة عندما سمعت تلك الكلمة.. "خطيبته". توجهت التهنئة والمباركات لهما. أما هي كانت تشعر بالدوار، تشعر بأن المكان يدور حولها. حاولت أن تبتعد عن ذلك التجمع قدر المستطاع حتى لا يرى أحد ضعفها. تشعر بضيق التنفس بالإضافة إلى ذلك الدوار الذي يجتاحها. تحركت وحاولت أن تتماسك حتى ابتعدت عن ذلك الجمع. هبطت الدموع من مقلتيها وهي تحاول أن تتماسك وتتغلب على الدوار ولكنها لا تستطيع، ألم قلبها يزداد. يا ليتها لم تحبه، يا ليتها لم تقابله حتى. لا تريد أن تبقى هنا بعد اليوم. أثناء سيرها اصطدمت بأحدهم، رفعت رأسها وكان ياسين المغربي، عاقدًا حاجبيه بتعجب من خطبها.
مريم باختناق وبكاء: خدني من هنا، مش قادرة.. خدني.
تمسكت بسترة بدلته محاولة التماسك أكثر.
مريم ببكاء شديد: أنا محتاجة أمشي، مش قادرة أشوفه.. مش قادرة.
هز رأسه بهدوء وابتعد عنها قليلًا وأمسك بيدها لكي يذهب بها لمكان تهدأ به ولكنه انتبه أنها ستقع. حملها بين يديه متجهًا نحو غرفتها ووضعها فوق سريرها.
ياسين بهدوء: إنتِ محتاجة ترتاحي يا دكتورة، نامي.
ظلت تنظر إليه وهي تغيب عن الوعي حتى أغمضت عيناها بتعب وإرهاق. أما هو كان ينظر لها بشرود ثم استقام وخرج من الغرفة متجهًا نحو الاستقبال. كان هشام يبحث عنها بعينيه، أين ذهبت؟؟ غابت عن أنظاره. يتمنى أن تنساه هكذا.. يتمنى.. أخذ الجميع وقتًا في التهنئة والمباركات لهما وكان طارق يقترب نحوهما وسعيدٌ مما سمعه.
طارق: ألف مبروك يا حبايبي.
لم يعره هشام أي اهتمام، ولكن رضوى اقتربت من طارق وقامت باحتضانه.
طارق: آه يا وحشة إنتِ.. رجعتي مصر من غير ما تقوليلي، وكمان تفاجئوني بخطوبتكم؟!
رضوى بضحك: هشام حب يعملهالكم مفاجأة وبالمرة يفاجئ زمايله هنا.
طارق بحزن مصطنع: مالوش حق.
نظر هشام لطارق بكره. كان الاستقبال مليئًا بصوت الموظفين ووشوشاتهم ولكن تلك الضوضاء اختفت شيئًا فشيئًا. صمت الجميع في حضور.. "ياسين المغربي".. والذي نظراته لا تبشر بالخير.
ياسين بهدوء: ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا؟ وإيه اللي مجمعكم كده؟
طارق بابتسامة: ده الدكتور هشام ابن أختي خطب وزمايله بيباركوا له.
نظر ياسين لهشام ذلك.. ذلك الشاب الذي كان ممسكًا بيد الطبيبة مريم قبل عدة أسابيع. ظل ياسين واقفًا بمكانه نظراته باردة لا يوجد بها أي مشاعر. ينظر لهشام بلامبالاة. ثم عاد بنظراته لطارق.
ياسين: في اجتماع في مكتبي.
لم يعر هشام أي اهتمام واتجه لمكتبه منتظرًا طارق. أما الجميع عادوا لعملهم في صمت.
رضوى بتنهيدة صعبة: هو في إيه؟؟ مين ده؟؟ أنا كنت خايفة من وجوده معانا، أنا كنت حاسة إنه شوية وهيقتلنا.
هشام بابتسامة: ما تقلقيش ده صاحب المستشفى.. هو دايمًا كده.
تحرك طارق خلف ياسين حتى صارا في مكتبه. وقف ياسين أمام نافذته، أما طارق يقف خلفه ينتظره أن يتحدث.
ياسين بهدوء: المستشفى مش هتفضل من غير مدير.. عايز حد يحل محل مرتضى.
طارق: أكيد.. أنا فعلًا بشوف مدير للمستشفى في الفترة الأخيرة.
همهم ياسين وظل ينظر لحديقة المشفى بهدوء.
طارق بحمحمة: حضرتك محتاج حاجة تانية؟
ياسين: استقالة الدكتورة مريم.. تكون موجودة على مكتبي، أنا اللي همضيها.
طارق بذهول: نعم؟؟! استقالة؟!
التفت ياسين له عاقدًا حاجبيه.
ياسين: هتقدم استقالتها وأنا اللي همضيها، تقدر تجهز لها مرتبها عشان هتمشي النهاردة.
عقد طارق حاجبيه بتعجب من حديث ياسين. ولكنه حاول أن يبدو طبيعيًا.
طارق: حضرتك طيب تؤمر بخدمة تانية؟
ياسين: ذكرى افتتاح المستشفى هيكون بعد شهر.. هنجهز حفلة لطاقم المستشفى كله وللمتبرعين.. زي كل سنة.
طارق بتفهم: تمام.
ياسين: تقدر تمشي.
خرج طارق من الغرفة متعجبًا لما يحدث؛ يتعجب لصيغة حديث ياسين عن تلك الطبيبة التي تدعى مريم. تنهد بضيق ثم قام باستكمال عمله. أما ياسين، فقد اتجه لغرفة مريم والتي كانت نائمة كما تركها. جلس بكرسي بجانب سريرها منتظرًا استيقاظها.
بالقصر:
ينظر لصورة زوجته باكيًا ويتمنى لو يعود به الزمن إلى الوراء وألا يأتي بياسين أبدًا. ولكن ما حصل قد حصل. جاء ياسين وحول حياتهما إلى الجحيم. يتذكر كيف مرضت زوجته كثيرًا بعد أن رحل ياسين وابتعد عنهما وعاش وحده. يتذكر كم ترجته باكية أن يعيد ياسين لها مرة أخرى ولكن تلك المرة رفض بشدة. حيث أن جرائم القتل وقتها كانت انتشرت في الفترات الأخيرة وخاصة من بعد اختفاء ياسين من حياتهما. علم أنه القاتل. علم جيدًا من الجملة التي قالها له ياسين أن قصته لا يجب أن تتكرر؛ فكل الضحايا في الآونة الأخيرة كانوا رجالًا إما متهربين من العدالة أو قد برأتهم العدالة في جرائم قاموا بارتكابها بالفعل. علم أن ياسين لن يصمت. علم تمام المعرفة أن تلك أصبحت حياة ياسين، والتي بدونها لن يكون حيًا؛ فهو يعيش على القتل. قاتل.. مجرم.. يستحق الموت. حاول أن يغير منه ومن سلوكه وأن ينقذه ولكن ياسين لم يسمع سوى صوت الانتقام الذي بداخله. قتله لجمال لم يفد بشيء لأن نشوة الانتقام لم تقل أبدًا بل بالعكس زادت بداخله أكثر؛ فكان يرى جمال في كل مجرمٍ هارب من العدالة. توفيت زوجته من حزنها على اختفاء ياسين من حياتهما، أما هو الحزن تملكه وقد شاب مبكرًا. وقف ياسين في عزائها بجانب عماد الذي كان يجلس بكرسي ولا يستطيع الوقوف وساءت حالته حتى أصيب بذبحة صدرية في ذلك اليوم، ومن هنا تولى ياسين رعايته رغمًا عنه. يتذكر كم حاول عدة مرات الهروب منه ولكن كل محاولاته باءت بالفشل. كم مرة حاول الانتحار ولكنه فشل أيضًا. ترجى ياسين أن يقتله ولكنه لم يفعل. رآه يتعذب فقط. لم يفعل له أي شيء.
استفاقت مريم من إغمائها شاردةً لما حصل لها، لا تصدق ما فعله هشام، لماذا يصرّ على جرحها؟ ماذا فعلت له؟؟؟ استفاقت من شرودها على صوت أحدٍ بغرفتها.
ياسين: مساء الخير يا دكتورة.
نظرت له بعدم استيعاب. جالس بغرفتها وهي نائمة.. كيف؟؟ انتفضت فزعة وحاولت الاعتدال وحمحمت بإحراج.
مريم بتوتر: مساء النور.
ياسين باستفسار: بقيتي كويسة؟
نظرت له باستفسار وتحاول تذكر ماذا يقصد. وعندما تذكرت أنها ظلت ممسكةً به وتبكي وحمله لها حتى غرفتها، احمر وجهها بشدة من الخجل والإحراج في آن واحد. كيف يراها الآن يا ترى؟؟
ياسين بهدوء: دكتورة مريم.
نظرت له بتوتر: أنا كويسة.. أنا كويسة.
استقام ياسين من مقعده وارتدى سترة بدلته الراقية التي لفتت انتباه مريم وقام بارتدائها برقيّ وهدوء.
ياسين بابتسامة هادئة جعلتها تتوتر أكثر: أتمنى تكوني فعلًا كويسة، بعد إذنك.
كاد أن يتحرك خارج الغرفة ولكنها أوقفته.
مريم: أنا موافقة أمشي، موافقة إني أكون موجودة عند حضرتك في القصر، أنا هكتب استقالتي دلوقتي وهاجي لحضرتك.
ياسين بهدوء: أنا مش هكون موجود هنا، هبعتلك السواق يوصلك، وهشوفك بكرة هناك.. بعد إذنك.
مريم بإحراج: اتفضل.
خرج ياسين من الغرفة. أما مريم ظلت بمكانها لا تدري هل كانت تحلم أم أن ياسين ظل معها في غرفتها حتى استفاقت. هل يعقل؟؟ عادت بذاكرتها نحو ما جعلها تنهار هكذا. كان يجب أن تتوقع هذا من هشام. فهو حقير. يومًا يكون معها والآخر يكون مع غيرها. عقدت حاجبيها بغضب. كيف انهارت هكذا. ولكن لحسن الحظ أنه لم يراها في حالتها تلك. ولكنها في الحقيقة تشعر بالإحراج مما حدث. فلم تكن تتوقع أن يراها ياسين في تلك الحالة. ولم يكن ذلك فقط. لقد حملها إلى هنا.. إلى سريرها كالطفلة الصغيرة. تذكرت نظراتها المشوشة له وهو ينظر بعينيها ويخبرها أن تنام فهي تحتاج للراحة. تتذكر كيف استسلم جسدها وخارت قوته. كأنها ستجد الراحة فعلًا في النوم. استفاقت من شرودها وتنهدت بقوة؛ فالآن ستقوم بكتابة استقالتها والرحيل من هنا.
نعم، يجب أن ترحل ولا ترى هشام مرة أخرى؛ فقد أصبح هذا المكان يحبس أنفاسها، لا تريد البقاء فيه بعد اليوم. بعد مرور وقت ليس بقصير، طرقت غرفة طارق وسمح لها بالدخول.
مريم بهدوء: "مساء الخير يا دكتور."
رفع طارق حاجبيه وتحدث بسخرية: "مساء النور يا دكتورة، أفندم؟"
مريم: "إتفضل حضرتك."
قدمت له استقالتها، أما هو فقام بتمثيل اللامبالاة وهو ينظر للورقة.
طارق بسخرية: "ليه كده؟! ده إحنا هنخسر دكتورة شاطرة زيك."
مريم بهدوء: "دي رغبتي."
طارق بهمهمة: "طبعًا، لقيتي الطريق مقفول ناحية هشام فقولتي تنسحبي."
مريم بغضب مكتوم: "أنا مسمحلكش تتكلم معايا كده."
طارق مكملًا حديثه: "وأكيد برده معرفتيش توقعي ياسين المغربي؛ فعشان كده قدمتي استقالتك و.."
مريم بغضب مقاطعة له: "إنت مين إنت عشان تحكم عليا؟"
طارق بشفقة: "يا خسارة ما حدش هيبص لك."
حاولت أن تتحكم في غضبها.
مريم: "أنا جايه هنا عشان أدي لحضرتك استقالتي وأمشي."
طارق برجاء مصطنع: "مش هنقدر نكمل من غيرك يا دكتورة، المستشفى هيقف حالها من بعدك."
عقد حاجبيه وتحدث بجدية أكثر: "استقالتك مقبولة طبعًا."
مريم عاقدة حاجبيها بغضب: "مش مستنيه رأيك بخصوصها، أنا كده كده ماشيه."
خرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها. أما طارق فحاول كتم غضبه، ولكنه أمسك الكوب الموجود على مكتبه ورماه أرضًا. بعد مرور وقت قصير كانت عند الاستقبال تقوم بتسجيل خروجها وتحمل بيدها ظرفًا به دخلها الخاص بهذا الشهر، وهنا قابلت هشام الذي اتجه للاستقبال أيضًا. حاولت أن لا تعيره أي اهتمام وترحل سريعًا دون أن تلتفت له. قامت بتسجيل الخروج ثم حملت حقائبها والذي جعل هشام ينتبه لهم. سجل خروجه أيضًا وخرج خلفها.
هشام: "مريم."
تجمدت بمكانها عندما سمعت صوته والتفتت له بهدوء.
هشام بابتسامة واستفسار: "إنتي ما باركتيليش؟"
مريم بلامبالاة مصطنعة: "آه ألف مبروك، معلش كنت مشغولة."
هشام: "تمام، لو تقدري تيجي الخطوبة يا ريت هفرح جدًا، هتكون بعد يومين في الفيلا عندنا وأكيد تعرفي العنوان."
حاولت أن تتماسك أكثر من ذلك، حاولت أن لا تبكي أمامه.
مريم بابتسامة مصطنعة: "هشوف كده."
كادت أن تذهب من أمامه.
هشام باستفسار: "رايحه فين كده؟"
حاولت أن تتحدث بلامبالاة مذكرة نفسها أنه أكبر وغد قابلته بحياتها.
مريم بابتسامة مصطنعة: "قدمت استقالتي وخلاص ماشيه."
هشام باستفسار وانتباه: "ليه كده؟! في إيه؟ إيه اللي حصل؟!"
مريم بابتسامة: "جالي عرض أحسن، رعاية طبية في قصر ياسين المغربي."
عقد هشام حاجبيه باستفسار، أما هي فحاولت إغاظته أكثر.
مريم بابتسامة وكذب: "أصل ما أقولكش، اتحايل عليا أكتر من مرة إني أجي أراعي عماد، بس أنا كنت بقوله شغلي هنا في المستشفى أهم، حياتي هنا أحسن، بس صعب عليا من كتر ما بيتحايل عليا قولت خلاص أهو أجرب حاجة جديدة."
هشام باستفسار وتعجب: "وإنتي من إمتى في بينك وبين ياسين المغربي كلام؟! اللي أعرفه إنه مش بيتعامل مع حد غير دكتور طارق ومرتضى قبل ما يتسجن."
مريم بضحكة مصطنعة: "أنا مش أي حد."
حرك هشام رأسه لليمين بتعجب من حديثها. أما هي فشعرت أنها ستفضح أكثر من ذلك.
مريم بتلقائية: "تقدر تقول في اهتمام متبادل بينا إحنا الاتنين، إعجاب يعني."
حاول هشام أن يكتم ضحكاته فمن الواضح أنها تكذب فعلًا. حاولت أن تتحكم في غضبها منه فمن الواضح أنه كشف كذبتها. كادت أن تتحدث ولكن الاثنين انتبها لتلك السيارة السوداء الفاخرة التي وقفت بجانبهما. تم إنزال زجاج السيارة للمقعد الخلفي والذي ظهر خلفه ياسين المغربي الذي ينظر لهما بهدوء. تعجبت مريم لوجوده فقد أخبرها أنه لن يكون متواجد وسيقابلها غدًا هناك. لماذا غير رأيه؟!
ياسين بابتسامة هادئة: "دكتورة مريم، أنا انتظرتك كتير، يلا بينا نتحرك."
نظرت مريم لياسين معقودة اللسان ثم تحركت دون وعي منها وركبت السيارة دون أن تنظر لهشام حتى. تم إغلاق الزجاج الخلفي بعدما ركبت مريم بجانب ياسين وتحركت السيارة. أما هشام فكان يقف بمكانه يحاول التحكم بغيرته التي شعر بها. كيف؟! متى حدث ذلك؟! كيف لها أن تفعل ذلك؟! كيف تخونه؟! عقد حاجبيه بغضب. كان يعتقد أنها تكذب، ولكن انتظار ياسين لها يعني أن هناك شيئًا بينهما. لا يستحيل أن تحب مريم أحدًا غيره.
تجلس بجانب ياسين وتشعر بالذهول مما حدث، نظرت بطرف عينيها لياسين الهادئ بجانبها والذي ينظر أمامه بنظرته الخالية من الحياة تلك. نظرت حولها فالسيارة كبيرة وفاخرة بالفعل ورائحتها جميلة ولكن رائحة ياسين تطغى عليها. رائحته كانت جميلة جدًا. أغمضت عينيها تستنشق رائحته وهنا ياسين انتبه لها عندما سمع صوت استنشاقها.
ياسين: "دكتورة."
لم تنتبه له وظلت تستنشق رائحته وبدون وعي منها اقتربت منه واستنشقت رائحته من خلال سترته. عقد حاجبيه بتعجب.
ياسين: "دكتورة مريم."
وهنا استفاقت وفتحت عينيها ورفعت رأسها ووجدت أنها بموضع غير لطيف وهي أنها منحنية على سترته وأيضًا تقوم باستنشاقها.
اعتدلت سريعًا وحمحمت بإحراج به بعض الخجل ولم تتحدث.
هز رأسه بيأس ثم عاد بنظره للأمام. ولكنها تحدثت.
مريم: "حضرتك استنيتني."
نظر لها ياسين باستفسار.
مريم بتوضيح: "قصدي إن حضرتك قولت إنك مش هتكون موجود وهنتقابل بكره، فأنا مستغربة إن حضرتك موجود."
لم يجبها وعاد بنظره للأمام.
مريم: "أنا بتكلم على فكرة."
أغمض ياسين عينيه بغضب.
مريم: "تعرف إن ريحة البرفيوم بتاعتك حلوة، عجبني اسمه إيه؟"
لم يجبها أيضًا.
مريم بتنهيدة بسيطة واستسلام من تجاهله: "طيب، عمومًا شكرًا إنك استنيتني أنا كنت في ورطة وحضرتك اللي أنقذتني منها."
نظرت له قليلًا ولم تجد أي رد منه. نظرت أمامها بضيق ولا تعلم سبب رغبتها الشديدة في الحديث معه. فهي منذ أن جلست بجانبه وهي تشعر أنها ترغب بالحديث بشكل مستمر معه.
ياسين بهدوء: "خططي اتغيرت؛ عشان كده استنيتك."
نظرت له مريم بابتسامة كبيرة، ثم تحدثت بامتنان.
مريم: "شكرًا مرة تانية، حضرتك ذوق جدًا."
نظر لها بطرف عينيه ثم تحدث بصوت هادئ يكاد يكون مسموعًا.
ياسين: "وإنتي رغاية جدًا."
ظلا هكذا طوال الطريق هي تحاول التحدث ولكنه صامت كعادته حتى وصلا لمدخل قصر "ياسين المغربي".
رواية القاتل الراقي الفصل السابع 7 - بقلم سارة بركات
"سحرني عمق عينيها، فكم كان قلبي يتوق لتلك الراحة التي أجدها بهما."
يجلس بمكتبه يشعر بالضيق بسبب مريم ومعاملتها السوقية تلك، ولكنه استفاق من تفكيره عندما فُتح باب مكتبه على مصراعيه ووجد هشام ابن أخته يقف أمامه وملامحه بها غضب شديد.
هشام باستفسار وغضب: "ليه عملت كده؟"
طارق باستفسار: "عملت إيه؟"
هشام: "كان اتفاقنا إني أبعد عنها مش إنك تمشيها من المستشفى! لا وكمان تشغلها عند ياسين المغربي وفي بيته؟!"
رفع طارق حاجبيه بدهشة من حديث هشام ولم يشعر بنفسه سوى وهو يضحك ضحكات عالية.
طارق: "بنت الـ*****، قدرت توقعه."
هشام بغضب: "ما تتكلمش عنها كده، أنا عارف إنك ورا الموضوع ده، بلاش توجع قلبي عليها."
طارق بضيق: "راحت لواحد غيرك، ولسه بتفكر فيها؟! إنت مجنون يا هشام؟!"
هشام: "مجنون وستين مجنون، لو مريم راحت مني مش هيحصل خير أبدًا."
طارق: "إنت لسه مش مقتنع إنها بتلعب عليك؟! كانت بتلف على ياسين المغربي وهي معاك وأديها نجحت، وراحت قصره، إنت بقا هتفضل عايش في أوجاعك دي لحد إمتى؟"
هشام بغضب: "لحد ما مريم تبقى ليا… أنا محتاج أخلص منك بأي شكل."
طارق بألم من حقد ابن أخته: "ليه؟ أنا عملت إيه؟! ده جزائي إني خايف عليك من واحدة تربية شوارع؟!"
هشام: "أنا مش عيل صغير إنت فاهم؟! أنا هعرف أتصرف وأرجعها ليا، واثق وعارف كويس هي بتحبني قد إيه، مريم هترجعلي دلوقتي أو بعدين هترجع، اللي بجد محتاج أفهمه، إنت إزاي تمشيها من هنا؟!"
طارق: "صدقني يا هشام، أنا ماليش أي دخل بإنها تمشي من هنا… أنا اتفاجئت بياسين بيه وهو بيقول إنها هتقدم استقالتها وهو هيمضيها ومش عايزني أنا كمان أمضيها.. والإستقالة أهيه."
أخذ ورق استقالتها من مكتبه ووضعها بيد هشام الذي نظر للورقة وصدم وهو يرى توقيعها بخط يدها.
طارق: "كانت مبسوطة جدا إنها ماشية، دي حتى زعقتلي واتعاملت معايا بأسلوبها السوقي اللي ماتعرفش غيره."
رمى هشام الورق أرضًا وخرج من مكتب خاله الذي ابتسم بانتصار لما يحدث. كان هشام يمشي غاضبًا في ممرات المشفى يتذكر حديثها له عن رحيلها وعن فرصة عملها في قصر ياسين المغربي، وكم كانت سعيدة وهي تخبره بذلك، وما آلم قلبه هو أنها أخبرته أن هناك اهتمام متبادل بينهما. ظن في البداية أنها تقوم بالكذب عليه لكي تقوم بإغاظته، ولكن ما أثبت قولها هو انتظار ياسين لها... "خائنة"... "كاذبة"... "حقيرة"... كيف استطاعت المضي قدمًا في تلك الفترة البسيطة؟!
هشام بغضب ووعيد: "هتندمي يا مريم، هتندمي."
بدأت السيارة تسير في مدخل القصر نفسه وهو ممر طويل يؤدي إليه، تنظر بانبهار لما تراه حولها. منبهرة بتلك الحدائق الخضراء الموجودة على الجانبين والموجود بها بعض التماثيل الإغريقية. وما زاد من انبهارها هو ينبوع المياه الذي يتوسط الطريق وبمعنى آخر نافورة المياه. يبدو أن تصميمها تراثي فذلك يتضح من الحجارة الذي صنعت منها وطريقة تصميمها. نظرت بطرف عينيها للقابع بجانبها ينظر أمامه فقط كأنها غير موجودة بالأساس، ظلت تحدق به متذكرة ما قالته عنه أمام هشام وهو أن بينهما اهتمام متبادل. ضحكت بسخرية على نفسها كيف؟! اهتمام متبادل؟! بينها وبين ياسين المغربي؟! مستحيل! ولكن كان القدر بجانبها، فيبدو أن انتظاره لها أثبت لهشام ذلك، حيث أن ملامح الصدمة كانت بادية على وجهه قبل أن تتركه وترحل. انتبهت أن السيارة قد توقفت ووجدت أنهم وصلوا أمام باب القصر الداخلي. فغرت فاها عندما نظرت لذلك القصر الرائع، فيا له من قصر ضخم جدا. شعرت لوهلة أنها أصبحت بداخل قصة "سندريلا" وهي تتجه إلى قصر الأمير. وبدأت تعيش في خيالاتها دون أن تنتبه لذلك الباب الذي فُتح بجانبها، ولم تنتبه أيضًا لياسين الذي هبط من السيارة وتوجه نحو باب القصر الذي فُتح على مصراعيه. كان أحد الحرس يقف عند باب مريم ينتظر منها أن تهبط من السيارة ولكنها كانت شاردة. حمحم الحارس ولكنها لم تنتبه له.
"يا آنسة."
انتبهت مريم لمن يناديها ونظرت له باستفسار. أشار لها الحارس برأسه نحو باب القصر، نظرت بجانبها ووجدت أن ياسين قد سبقها بالفعل.
مريم بامتنان: "شكرًا."
هبطت من السيارة وكادت أن تأخذ حقيبتها ولكن أحد الحرس قام بحملها بدلًا عنها، ابتسمت له بامتنان ثم اتجهت نحو باب القصر وحينما خطت بداخله، خطف نظراتها ما بداخله. فهو أجمل بالداخل كثيرًا عن الخارج. حقيقة يبدو كقصر سندريلا بلا منازع، ضخم وراقي كقصر أمير سندريلا. لم تنتبه للخادمات اللواتي يقفن أمامها وينظرن لها بهدوء، لأن كل ما يشغلها هو جمال القصر. حمحمت إحدى الخادمات وتحدثت برسمية.
"أهلاً بحضرتك يا دكتورة في قصر ياسين بيه المغربي."
لا تدري لماذا دق قلبها بهذا الترحاب مما جعلها تنظر للخادمة بعدم استيعاب. كادت أن تتحدث ولكن ابتسمت الخادمة وتحدثت بهدوء.
"أنا فاطمة، ياسين بيه بلغنا إننا نساعدك توصلي لأوضتك وترتاحي شوية."
وأخيرًا استجمعت مريم أنفاسها لأنهم خُطفوا من جمال القصر.
مريم بابتسامة: "أهلاً بيكي يا فاطمة، هو أنا ممكن أطلب طلب؟"
فاطمة: "أكيد."
مريم بابتسامة لطيفة: "قبل ما أرتاح محتاجة أشوف عماد عشان وحشني."
فاطمة بابتسامة: "حضرتك تؤمري بس عماد بيه أخد أدويته وهو نايم دلوقتي."
تنهدت مريم بيأس ثم ابتسمت لها.
فاطمة: "أستأذنك تتفضلي معايا."
أشارت فاطمة في اتجاه السلم الضخم الذي يتوسط القصر والذي يتفرع إلى جانب أيمن وأيسر ويصل لطابق أول وثاني لهذا القصر. مشى الاثنان بجانب بعضهما وخلفها الخادمات الأخريات تتبعهن في صمت وخلفهما الحارس الذي يحمل حقيبة مريم. كانت مريم تنظر حولها مدهوشة من جمال القصر ولا تصدق كيف تشعر بتلك الراحة الغريبة كأنها ببيتها تمامًا. وصلا للطابق الأول من القصر. وتحدثت فاطمة بابتسامة رسمية.
فاطمة: "الدور الأول الجهة اليمين للخدم والشمال للحرس ده لو حبوا طبعًا يكونوا هنا... *صعدا للطابق الثاني واستأنفت فاطمة حديثها* الدور التاني الجهة اليمين للضيوف والشمال لياسين بيه وعماد بيه."
مريم بتيقن: "وأنا هكون في الجهة اليمين؟ صح كده؟"
فاطمة: "حضرتك استثناء هتكوني في الجهة الشمال جنب أوضة عماد بيه... يعني بين أوضة ياسين بيه وعماد بيه، أكبر أوض في القصر."
همهمت مريم تبعًا لحديثها واتجها نحو الممر الأيسر. تابعت فاطمة حديثها عندما اقتربا من غرفة معينة.
فاطمة: "دي أوضة عماد بيه."
هزت مريم رأسها. وظلا يسيران حتى توقفت فاطمة أمام غرفة.
فاطمة بابتسامة: "ودي أوضة حضرتك."
مريم بابتسامة: "شكرًا ليكي."
كادت أن تأخذ حقيبتها من الحارس ولكنه سبقها ودخل للغرفة ووضع الحقيبة أرضًا ثم خرج.
فاطمة لمريم: "اتفضلي."
هزت مريم رأسها بهدوء وتحركت نحو الغرفة ولفت انتباهها تلك الغرفة البعيدة قليلًا عن الغرفتين. ويبدو أنها أكبر الغرف في ذلك القصر وبالطبع على حسب قول فاطمة فيبدو أن تلك إذًا غرفة ياسين المغربي، دخلت الغرفة وكادت أن تغلق الباب تفاجأت بالخادمات الأخريات يتجهن نحو حقيبتها وبدأن بفتحها وقامت إحداهن بفتح خزانة الملابس الضخمة واتجهت أخرى نحو جانب من الغرفة وقامت بفتح ستائرها مما تُظهر لها حائط زجاجي ضخم. واتجهت أخرى أيضًا للخزانة حاملة الحقيبة وخلفها زميلة لها. هرولت مريم نحوها سريعًا.
مريم: "ما تتعبوش نفسكم أنا هفضي الشنطة بنفسي."
لم يجبها إحداهن ولكن تحدثت فاطمة.
فاطمة: "ياسين بيه قال إن راحتك أهم وده شغلنا."
شعرت مريم بالخجل والإحراج في آن واحد بسبب حديث فاطمة عن ياسين، نظرت نحو الخادمات اللواتي يقمن بترتيب خزانتها بدقة، ولكنها شعرت بالحرج أكثر لأن ثيابها قليلة جدًا مقارنة بتلك الخزانة الضخمة. بعدما انتهت الخادمات خرجن من الغرفة، أما فاطمة وقفت تنظر لها وتتحدث بابتسامة.
فاطمة: "هنجهزلك العشاء ونجيبه على الأوضة تقدري تغيري هدومك لحد ما العشاء ييجي لحضرتك."
هزت مريم رأسها موافقة على حديثها، خرجت فاطمة وأغلقت باب الغرفة خلفها، أما مريم ظلت تنظر حولها بخليط من المشاعر. الدهشة والتعجب والسعادة والتوتر. الغرفة رائعة وجميلة جدًا. كل شئ مكتمل هنا. الغرفة مجهزة بأحدث الديكورات الراقية والرائعة. غرفة كاملة متكاملة بها شاشة تلفاز كبيرة، وحمام ملحق بها بالإضافة إلى الخزانة، والتي تشعر بأنها غرفة للملابس وليست خزانة ملابس، تشعر بأنها في شقة كبيرة وليست في غرفة، وما جذبها أكثر ذلك الحائط الزجاجي المطل على حدائق القصر. نظرت لذلك المنظر الرائع وهي بغرفتها وتنهدت بارتياح، وتيقنت تمامًا أنها كانت ستندم إذا رفضت تلك الفرصة فيبدو أنها تحتاج للابتعاد عن كل المشاكل التي بحياتها. اختفت ابتسامتها وآلمها قلبها مرة أخرى لما فعله هشام بها. ظلت واقفة بمكانها هكذا شاردة بحزنها، ولكنها رفضت أن تظل هكذا. هزت رأسها بنفي تؤكد لنفسها أن الأمر قد انتهى. يجب أن تهتم بحياتها قليلًا. وها قد أتت فرصتها على صحن من ذهب. قامت بإغلاق ستائر الحائط الزجاجي وتوجهت لخزانة ملابسها لكي تقوم بتغيير ثيابها. بمرور الوقت، تجلس بسريرها الناعم المُريح مبتسمة وتضع يدها بخفه على فراشها تتحسسه. إنه مريح للغاية. تذكرت ذلك السرير المهترئ الذي كانت تتكسر عظامها بسبب النوم به. تتذكر عدم راحتها في نومها وغيره من الأسِرة التي قامت بالنوم بهم، تنهدت بعمق ثم وقفت على فراشها وبدأت بالقفز عليه بنعومة وبدأت بالضحك بسعادة لراحتها بهذا المكان. ظلت هكذا لدقائق تقفز كالطفلة على سريرها حتى تعبت من القفز، ثم وأخيرًا ألقت بنفسها على سريرها. تتنفس سريعًا بسبب ذلك المجهود الذي قامت به ونظرت لسقف غرفتها بسعادة. لا تعلم كيف ومتى كانت سعيدة هكذا؟! أكل هذا لأجل غرفة جديدة ورائعة؟ ولكنها عكفت حاجبيها مذكرة نفسها. "تذكري مريم، أنتي هنا لبعض الوقت، حتى يُشفى عماد." استفاقت عندما سمعت أحد يطرق باب الغرفة.
اعتدلت بسريرها ثم اتجهت لفتح الباب ووجدت خادمتين وخلفهما عربة صغيرة يوجد عليها بعض الأطباق المغطاة.
مريم بابتسامة: اتفضلوا.
ابتعدت عن طريقهما وتحركت الخادمتان للداخل وجلست بسريرها. تحدثت إحداهما بهدوء:
حضرتك تقدري تاكلي. (أخذت ورقة من جيبها) ودي مواعيد الأكل في قاعة الأكل تحت.
أعطتها الورقة ونظرت مريم بتيه لها. أكملت الفتاة حديثها:
ولما حضرتك تخلصي أكل، (أشارت لزر بالحائط بجانب باب الغرفة) تقدري ترني الجرس وإحنا هنيجي لحضرتك عشان ناخد الأطباق.
هزت مريم رأسها بتفهم. استأذنت الخادمتان منها وخرجتا من الغرفة.
تحدثت إحداهما باستفسار: من إمتى في حد بيدخل القصر هنا؟
ردت الأخرى بلامبالاة: معرفش. كل اللي علينا إننا نشتغل شغلنا وبس.
تحدثت الأولى بتعجب: بس دي جنب الجناح بتاع ياسين بيه و...
ردت عليها زميلتها: هو أمر بكده. مالناش دعوة، يلا نشوف شغلنا.
تجلس في غرفتها تنظر لذلك الطعام الشهي والذي انتشرت رائحته بأرجاء الغرفة. بدأت بتناول الطعام بشراهة وهنا اكتشفت أنها جائعة كثيرًا، فهي لم تتناول فطورها حتى. وبعدما انتهت قامت بضغط الجرس وجاءت خادمتان ولكن لم تكونا من كانتا معها منذ عدة دقائق بل غيرهما. تيقنت أنهن يتناوبن جميعًا عن العمل، لأنها رأت الكثير منهم اليوم. ذهبت للحمام الملحق بالغرفة والذي كان بحجم غرفة طبيعية، وذلك أثار إعجابها قليلًا. فهي كانت ترى تلك الحمامات بالتلفاز في الأفلام الإنجليزية. قامت بغسل يدها ووجهها ثم عادت لسريرها. ظلت مستلقية به تفكر بأحداث اليوم بشكل كامل، كان يومًا مليئًا بالأحداث. لا تعلم كيف ستظل هكذا تشعر بالامتنان لياسين، فهو من وفر غرفة لها بالمشفى، وأخفاها عن زملائها عندما كانت تبكي حينما أعلن هشام عن خطبته، وأتى بها إلى ذلك المكان وأعطى لها تلك الغرفة المريحة، يبدو أنه يشعر بها ويتفهمها جيدًا، تشعر بالاطمئنان بجانبه ومعه، يبدو مثل أبيها الذي كان يحاول إضحاكها عندما تحزن، ويفاجئها بما تريد وتحتاجه. كان بجانبها دائمًا لا يتركها. تفتقد عائلتها كثيرًا، فقدتهم، فقدتهم جميعًا. هبطت الدموع من مقلتيها. تتذكر كم كانت سعيدة قبل سنوات عديدة، كانت لا تحمل هم تلك الحياة. "اشتقت لكم جميعًا، حقًا اشتقت لكم". حاولت كتم شهقاتها ولكن لم تستطع فألم الوحدة واليتم صعب كثيرًا.
في صباح اليوم التالي:
تقف أمام مرآتها تنظر لانتفاخ عينيها بسبب بكائها طيلة الليل. تتمنى أن لا يلاحظ أحد فماذا سيقولون عنها؟ تقوم بنشر الحزن في البيت في أول يوم عمل لها هنا؟ لا. أخذت نفسًا عميقًا متمنية بداخلها أن لا يلاحظ أحد أنها كانت تبكي. خرجت من الغرفة واتجهت نحو غرفة عماد بابتسامة مشرقة وأطرقت بابه. ولكنها لم تجد إجابة منه. فتحت باب الغرفة المماثلة لغرفتها تمامًا ولكنها وجدتها فارغة.
مريم محدثة نفسها: يمكن ما يكونش عارف إني جيت؟ أكيد ياسين بيه عاملهاله مفاجأة.
ابتسمت بمرح واتجهت في طريق سلالم القصر. يجلس على مائدة الطعام بوجه متجهم، فلطالما رفض أن يأكل معه على نفس المائدة، ولكن هيهات! كأنه لا يتحدث والذي يضايقه أنه يأمر رجاله أيضًا بأن ينزلوه من غرفته عنوة عنه ليأكل معه ويجلسه بجانبه أيضًا. نظر بطرف عينيه لياسين الذي يترأس المائدة ويتناول طعامه برقي، وحينما ابتلع ياسين طعامه أمسك بمحرمة ناعمة كانت بجانب صحنه، وقام بمسح فمه بها ثم تقابلت نظراته مع عماد الذي ينظر له بضيق.
ياسين بهدوء: كل يا عماد.
عماد بغضب: مش عايز آكل، ومش حابب أبقى معاك في مكان واحد. بحس إني عايز أرجع.
نظر ياسين له قليلًا ولم يجبه ثم عاد يأكل طعامه مرة أخرى. بروده قد أغاظ عماد كثيرًا وكاد أن يتحدث.
مريم بسعادة وهي تقترب من قاعة الطعام: عماد!
نظر عماد سريعًا نحو مصدر صوت مريم الذي سمعه، شعر كأنه يحلم. فها هي تقترب منه بسعادة كبيرة.
عماد بفرحة شديدة كالطفل الصغير: مريم!
هرولت نحوه سريعًا وحينما وصلت له قامت برمي نفسها في أحضانه، أما هو زاد من ضمه لها.
عماد: وحشتيني أوي يا مريم. إنتي بجد جيتي؟ هتكوني معايا خلاص؟
ابتعدت عنه مريم ونظرت في عينيه الزرقاء: هفضل جنبك ومعاك عمري ما هبعد عنك أبدًا، وحشتني أوي بجد.
ظلا هكذا للحظات ولكن بعد ثوان استوعبت مريم أن ياسين موجود معها في نفس الغرفة. ابتعدت بتردد عن عماد ونظرت لياسين الذي يكمل طعامه بهدوء كأن شيئًا لم يكن.
مريم بهدوء: صباح الخير يا ياسين بيه.
قام ياسين بمسح فمه بالمحرمة ونظر لمريم بهدوء.
ياسين: صباح الخير يا دكتورة، (نظر لعينيها المنتفختين) شكلك نمتي كويس، أتمنى تكوني ارتحتي، (أشار على الكرسي بجانب عماد) اتفضلي افطري.
هل لاحظ للتو أن عينيها منتفختين؟ جلست بجانب عماد بتردد ونظرت للطعام بجوع شديد، فلم يكن أمامها سوى صحن فطور غريب به بعض شرائح التوست والخس وغيرها من الخضراوات والأكلات الصحية.
مريم بتعجب وهمس مسموع: فين الفول؟ فين الطعمية؟
نظر ياسين لمريم عندما سمع همسها وهنا تقابلت نظراتهما قليلًا. توترت وشعرت أنه قد سمعها. هو بالتأكيد سمعها، ابتسمت ابتسامة عريضة عكس ما تشعر به.
مريم: الأكل شكله يفتح النفس.
ثم نظرت لصحنها مرة أخرى قليلًا، وبعدها نظرت لعماد الذي ينظر لطعامه ومن الواضح أنه لم يأكل منه شيئًا.
مريم باستفسار: إنت ما بتاكلش ليه؟
عماد بضيق: ماليش نفس.
مريم: بس إنت لازم تاكل عشان ما أزعلش منك.
نظر عماد لها بحاجبين معقودين ولكن من الحزن وليس من الغضب.
مريم بابتسامة: يلا كل طالما مش حابب إني أزعل.
هز رأسه بطفولية ثم شرع بالأكل. أما هي تنهدت بقوة تنظر لصحنها الموضوع أمامها متذكرة متى هو موعد الغداء. أغمضت عينيها بحسرة عندما تذكرت أنه بعد ست ساعات من الآن. قررت أن تتناول الطعام وتتخيل أن هذا هو الطعام الذي تتمناه. أمسكت بشوكتها ثم شرعت بالأكل. وتعجبت من مذاق ذلك الطعام فعلى الرغم من أنه لا يعجبها الأصناف التي به، إلا أنه قد أُعد باحترافية. ولم تشعر بنفسها سوى وهي تستمتع بمذاقه متناسية ما حولها. انتبه ياسين لطريقة تناول مريم للطعام والتي جعلته يصر على أسنانه قليلًا، حينما رآها تضع ورقة خس كاملة بفمها وهي مغمضة العينين، صر على أسنانه بقوة حينما سمع صوت الطعام يتم مضغه في فمها. كان يمسك شوكته بيد وسكين الطعام بيده الأخرى بقوة ويحاول تجاهل الصوت الذي تصدره فكل شخص وله حريته الكاملة في حياته. كاد أن يكمل تناوله للطعام ولكنه وجدها تأكل سريعًا حتى انتهت من صحنها. انتبهت أن طعامها قد انتهى ولكنها ما زالت جائعة فهذا ليس الفطور والكمية التي اعتادت عليها. "أين الأكل الثقيل على المعدة الذي اعتادت عليه؟"
شعرت بالإحراج من أن تطلب صحن آخر، بطرف عينيها وجدت ياسين ينظر لها. ثم قام بترك ما بيده وضغط على زر بجانبه على المائدة. وبعد ثوان جاءت إحدى الخادمات.
حضرتك تؤمر بحاجة؟
ياسين بهدوء: أكل زيادة للدكتورة.
هزت الخادمة رأسها ثم خرجت من الغرفة، أما مريم كانت تشعر بالإحراج والخجل مما يحدث.
مريم لنفسها: هيقول إيه عنك دلوقتي؟ طفسة؟
تأففت بضيق ونظرت في صحنها الفارغ. دخلت الخادمة للغرفة ومعها صحن به كمية من الطعام زائدة عما كان قبله ووضعته أمامها ثم خرجت من الغرفة. نظرت مريم بطرف عينيها نحو ياسين والذي استأنف تناوله لطعامه كأن شيئًا لم يكن. نظرت لصحنها مرة أخرى ولكنها شعرت أنها مقيدة بسبب الشوكة وسكين الطعام اللذين أمامها وقررت أن تأكل بيديها لأنها لم تشعر بأي طعام في الصحن السابق بسبب تلك الشوكة فمنذ متى وهي تتناول فطورها بشوكة؟ أمسكت التوست بيدها وأخذت بعض شرائح الجبن على شرائح اللانشون عليه ووضعت شريحة توست أخرى عليهما وشرعت في الأكل. وبعد أن انتهت فعلت كما فعلت قبلًا ولكن بدلًا من شرائح اللانشون وضعت شرائح البيض على الجبن واستأنفت طعامها. يعلم جيدًا ما تفعله دون أن ينظر لها. يكفي أنه يسمع صوت يدها وهي تتخبط بالأطباق بالإضافة إلى صوت مضغها للطعام. أغمض عينيه ثم أكمل تناوله للطعام. بعد مرور وقت بسيط، انتهوا من تناولهم للطعام.
ياسين بهدوء: بعد إذنكم.
استقام من مقعده وتحرك خارج الغرفة. أما مريم نظرت لعماد الذي يبتسم لها بحب.
مريم بابتسامة: يلا بينا نغسل إيدينا.
هز عماد رأسه موافقًا. وكادت أن تستقيم من كرسيها.
عماد باستفسار: كنتي بتعيطي ليه؟
توقفت بمكانها ونظرت له بهدوء.
عماد باستفسار: طمنيني عليكي؟ فيكي إيه؟
حاولت أن تبتسم لكي تخفي حزنها، وقد نجحت في ذلك.
مريم بمرح: طب نغسل إيدينا الأول وبعدها نتكلم على راحتنا.
عماد: ماشي.
بعد مرور وقت بسيط، كانت ممسكة بمقبض كرسيه في إحدى حدائق القصر، وسعيدة لأنها تشعر براحة نفسية هنا.
عماد: بس هنا.
استفاقت من شرودها وانتبهت لوجود طاولة وحولها عدد من الكراسي الخشبية في وسط الحديقة التي تقف بها.
عماد مشيرًا للطاولة: خلينا هناك.
وافقته مريم وجلست بكرسي وهو كان بجانبها على كرسيه المتحرك. أمسك عماد بيدها بحب أبوي.
عماد باستفسار: احكيلي بقى، مالك؟
تنهدت مريم تنهيدة صعبة ناظرة له بحزن.
مريم: هشام خطب.
اختفت ابتسامته لجرح قلبها الذي يتفهمه جيدًا. ملس على يدها بحب.
عماد: ما تزعليش، ربنا هيرزقك بالأحسن منه.
مريم بحزن وشرود: بس أنا ما كنتش عايزة غيره.
عماد بهدوء: هتنسيه يا مريم. (أكمل بتأكيد)
هتنسيه."
مريم باستفسار وهي تنظر بداخل عينيه: "تفتكر هقدر أنساه؟ أنا بحاول بقالي فترة إني أنساه بس للأسف بفتكره دايما وقلبي بيوجعني، مش قادرة أصدق إنه عمل فيا كده."
عماد: "مكنش يستاهل."
ابتسمت بحزن ولكنها شردت في حالتها التي لا تعلم متى ستشفى منها.
ابتسم عماد لها وربت على كتفها، ثم نظر الاثنان للمناظر الطبيعية الخلابة التي تحيط بهما.
بعد دقائق نظرت مريم لعماد.
مريم: "متعرفش ياسين بيه راح فين؟ هو استأذن ومشي ومن وقتها ماشوفتوش."
عقد عماد حاجبيه بضيق من حديثها عن ياسين.
عماد: "يروح مطرح ما يروح، أنا مالي."
تعجبت مريم من حديثها عنه فيبدو أن عماد لا يطيقه.
مريم بهدوء: "على فكرة هو بيحبك وده واضح من معاملته معاك."
عماد بضيق وهو ينظر لها: "اقفلي الموضوع ده، يروح في داهية تاخده بعيد عني."
كادت أن تتحدث.
عماد: "بس يا مريم، ولا كلمة، خديني على أوضتي لو سمحتي أنا محتاج أرتاح وأبقى لوحدي."
هزت مريم رأسها بهدوء واستقامت من كرسيها وقامت بتحريك كرسيه المتحرك متجهة نحو القصر.
يجلس بمكتبه في شركته الأم، يراجع تقارير العمل الخاصة بتلك الفترة وأثناء انشغاله رآها أمامه وهي تتناول طعامها بنهم.
هز رأسه لعله يستفيق ويقوم بالتركيز في عمله ولكن صوت مضغها للطعام ما زال يسمعه.
عكف حاجبيه بغضب ولكنه استطاع أن يتجاهل كل ما يهيأ له أنه يسمعه ويراه.
مر اليوم بسلام على مريم ولكنها تتساءل لماذا عماد يكره ياسين إلى تلك الدرجة؟
لدرجة أنها تشعر أنه قتل له شخصًا يهمه كثيرًا.
وتساءلت أيضًا عن علاقتهما، هل هما قريبان لدرجة أن يكون له كل الاحترام المماثل لياسين في هذا القصر؟
حاولت أن تجعل يومها يمر سريعًا بمحاولة مسايرتها للخدم ولكن لتعجبها أنهم قليلو الحديث.
تعجبت مريم كثيرًا أن ياسين لم ينضم لهما على طعام الغداء والعشاء أيضًا فكما يبدو أنه في عمله حتى الآن وتيقنت أنه يعود في المساء بعد نومهم لأنه قام بتناول طعام الفطور معهما في اليوم الذي يليه.
تجلس كعادتها بجانب عماد وتنظر بطرف عينيها لياسين الذي يتناول طعامه برقي.
جاءت عينيها على بدلته الراقية التي يرتديها.
فكيف يأتي ببدلات خاصة بزمن الستينات؟
زمن الباشوات الراقيين في أفلام الأبيض والأسود؟
كيف يتصرف برقي وتحضر هكذا؟
حتى طريقة إمساكه للشوكة التي بيده وسكين طعامه، طريقة راقية كأنه ملك جاء في هذا الزمن عن طريق آلة زمن.
بالفعل هو هكذا.
تقابلت نظراتهما شعرت بالإحراج لأنه لاحظ تحديقها به ونظرت في صحنها وأكملت طعامها، أما هو نظر لها قليلًا ثم عاد لتناول طعامه.
مر يومها الثاني أيضًا مثل اليوم الأول تجلس مع عماد تهتم بتناوله لأدويته وتهتم بموعد نومه ولكن عندما تحاول الحديث عن ياسين يشعر عماد بالضيق لدرجة أنها قررت أن لا تحدثه عنه أبدًا.
وبعد أن اطمأنت عليه وتأكدت أنه نائم تجلس بغرفتها تشاهد التلفاز قليلًا.
مر يومها كالعادة بعدم انضمام ياسين لهما على طعام الغداء والعشاء.
لا تعرف لماذا تنتظره؟
ولماذا تقلق لأنها تشعر أنه لا يأكل؟
هزت رأسها بعنف لعلها تستفيق من ذلك القلق الذي تشعر به.
حتى الآن هي لا تملك رقم هاتفه حتى تطمئن عليه.
ماذا دهاكِ مريم؟ إنه رئيسك في العمل، أفيقي.
في منتصف الليل:
كانت تتقلب بسريرها تشعر بالأرق، لا تدري ما السبب؟ أو أنها تقوم بالكذب على نفسها، فهي تعلم جيدًا أن خطبة هشام كانت اليوم.
وبضعف منها قامت بحمل هاتفها وقامت بفتح صفحته الشخصية هبطت الدموع من مقلتيها رغمًا عنها عندما رأته.
يقف بجانبها مبتسمًا بسعادة يوجد بيده محبسًا حديديًا، أما هي يوجد بيدها خاتم الخطبة.
حاولت كتم شهقاتها بسبب بكائها الزائد عندما رأت التهاني والمباركات على خطوبته.
أغلقت هاتفها وقامت بمسح دموعها بقوة وهي تقوم بشتمه بداخلها.
استقامت من سريرها وقررت أن تتجول بالقصر قليلًا لعلها تنسى ما رأته.
هبطت للطابق الأرضي وبدأت تتجول به بفضول منها.
رأت العديد من اللوحات الأثرية والتي في البداية اعتقدت أنها مقلدة ولكن عندما رأت لوحة معينة أصلية قد سمعت قبلًا أنه تم شراؤها من رجل أعمال مصري فاحش الثراء حينها تيقنت أنه هو.
ابتسمت بهدوء ثم عادت تتجول بالقصر وتنظر للغرف الموجودة به وأثناء تجولها كانت تتقابل مع بعض الخادمات اللواتي يرحبن بها في طريقهن ولاحظت تعجبهن من ارتدائها لرداء النوم أثناء تجولها بالقصر ولكنها الآن ليست في مزاج لتغيير ملابسها، أكيد لن يراها أحد آخر غير الخادمات، صحيح؟
وقفت أمام غرفة كبيرة بابها مزين بشكل رائع، ومقبضه به رسمات لطيفة.
فتحت باب تلك الغرفة، وجدت أمامها السيفان المعلقان بالحائط المواجه لها واللذان هما على هيئة حرف X.
أيبدو أنه يتدرب على المبارزة؟
اقتربت نحو السيفان المعلقان وحاولت سحب سيف منهما ولكنه كان ثقيلًا قليلًا.
ياسين بهدوء: "تسمحيلي."
انتفضت شاعرة بالفزع عندما سمعت صوته خلفها، التفتت له.
كان يقف أمامها بهدوء مرتديًا بدلة أخرى غير التي كان يرتديها صباحًا ويبدو ذا مظهر جذاب.
اقترب منها وهي تحملق به وتستفسر لماذا يقترب منها.
عادت بشكل تلقائي للخلف حتى أصبح خلفها السيفان، نظرت في عمق عينيه أثناء التقاء نظراتهما.
عينيه كانت بهما رونق رائع سحرها وجعلها تتأمله دون أن تدري لما يحدث حولها.
ابتسم ياسين لها بهدوء ورفع يده حتى سمعت صوت حاد بجانب رأسها.
نظرت نحو مصدر الصوت وتفاجأت به يسحب السيف بجانبها حتى أصبح يحمله بيده ووضعه بين يديه يقدمه لها.
نظرت له بتردد ثم نظرت للسيف، ثم حملته بين يديها، ثقيل! يبدو عليه أنه سيف أصلي، سيف حرب؟
استفاقت عندما ابتعد عنها قليلًا وتحدث بهدوء.
ياسين باستفسار: "إيه اللي قلق نومك يا دكتورة؟"
توترت مريم وقدمت له السيف بهدوء وقد أعاده بمكانه ثم عاد ينظر لها باستفسار واضعًا يدًا واحدة بجيب سترة بدلته السوداء.
حاولت أن تتحدث عن هشام ولكن لا، يكفي التحدث عنه.
تنهدت تنهيدة بسيطة وتحدثت باستفسار وترقب.
مريم: "مش هتزعل لو قلت لحضرتك إيه اللي قلق نومي؟"
ياسين وهو ينظر لهيئتها بملابس النوم: "يهمني الحقيقة مش أكتر."
كانت ملامحه جادة على الرغم من أنها هادئة، يبدو وسيمًا بوقفته تلك!
غضبت من نفسها كثيرًا لأنها تفكر في ذلك.
حمحمت بإحراج.
مريم: "بصراحة ومن غير زعل، أنا ملانة."
عكف ياسين حاجبيه باستفسار: "ملانة؟!"
مريم بتلقائية: "يعني زهقانة حاسة بملل، أنا آسفة صدقني مش بعيب في قصرك ومنك ومن أي حد تاني، بس لا بجد حاسة بالملل، بصحى من نومي بشوف شغلي وبعدها ولا بعمل أي حاجة بتفرج على التليفزيون في أوضتي بفتح موبايلي بعمل فيه أي حاجة المهم إني أضيع وقتي.
حتى الخدامين هنا مش بيتكلموا معايا بحس إني بشحت الكلام منهم، بس كده ده اللي مخليني حاسة بملل وزهقانة."
ياسين باستفسار: "وده اللي كان مخليكي معيطة من شوية؟ وكمان عيطتي بسببه إمبارح؟"
صمتت عندما سألها ذلك السؤال، يبدو أنها لا تستطيع الفرار منه.
تعلم أن ملامحها يبدو عليها البكاء فهي قد كانت تبكي بشدة بالفعل منذ قليل.
أغمضت عينيها ثم فتحتهما وتحدثت.
مريم: "ممكن أقول لحضرتك حاجة؟"
هز رأسه بهدوء ليسمح لها بالحديث.
عكف حاجبيه باستفسار من كلمتها تلك.
مريم مستأنفة حديثها: "شكرًا على كل حاجة، وآسفة على أي سوء تفاهم حصل بينا من البداية، أنا آسفة على أي حاجة حصلت مني فعلًا، أتمنى تتقبل أسفي، أنا فعلًا آسفة ليك."
نظر لها ياسين قليلًا ولم يجبها، فهمت من صمته أنه لم يقبل اعتذارها، ولكنها تفاجأت من حديثه.
ياسين: "لو حبيتي تخرجي في أي وقت، ابقي بلغي الحرس، إنتي مش محبوسة هنا يا دكتورة، تصبحي على خير."
تركها وذهب.
رواية القاتل الراقي الفصل الثامن 8 - بقلم سارة بركات
الحب ماهو إلا جنون
من بعد تلك الليلة نفذت ما قاله لها ياسين وأصبحت تخرج من القصر لأي مكان تريد، ولكن كان هناك تشديد قليلًا، وهو أن بعض الحرس كانوا يرافقونها أينما تذهب، وهي كانت منزعجة من ذلك الأمر ولكنها اعتادت عليه بعد ذلك. منذ تلك الليلة أيضًا لم تره، حتى في وقت الفطور تعجبت أنه لم يعد يتناول الطعام معها هي وعماد، وعندما تسأل الحرس يقولون إنه في العمل. لا تدري لماذا تريد أن تراه؟ ولا تدري لماذا تبحث عيناها عنه؟ لماذا تشعر أنها تعرفه من قبل؟ لمَ يدق قلبها حينما تراه؟ لمَ لا تستطيع النظر إلى أي شيء آخر سوى عينيه؟ منذ تلك الليلة فقط يشغل تفكيرها كأنه استحوذ عليها. تراقب غرفته تنتظر أن يعود لها، ولكنه لا يعود إلا بعد نومها ويذهب قبل استيقاظها وهذا ما علمته من الخدم، ولكنها تذكر نفسها دائمًا أن تلك المشاعر التي تشعر بها ما هي إلا وقت وسينتهي؛ فيجب أن تعتاد على ذلك وتعتاد على تلك الحياة؛ فليس كل من قدم لنا يد العون نفكر به ونجعله يشغل بالنا ونُعجب به أيضًا. أفيقي يا مريم. ظلت تذكر نفسها دائمًا بذلك. وفي يومٍ ما..
كانت تجلس أمام عماد بإحدى حدائق القصر شاردة بالأيام الماضية، فقد مر أسابيع قليلة على عملها هنا، ولكن على الرغم من سعادتها في أيامها الأولى بالعمل، إلا أنها لم تعد تشعر بالسعادة، فقط ما تشعر به هو الملل على الرغم من خروجها المستمر من القصر وهو التجوال في الطرق والجلوس بالقرب من نهر النيل قليلًا تستنشق بعض الهواء النقي. حاولت في الأيام الماضية نسيان ما فعله هشام بها، وقد تخطت تلك الأزمة بشكل نسبي حتى أنها لم تعد تراقبه على وسائل التواصل الاجتماعي. استفاقت من شرودها على صوت عماد.
عماد بتعجب من حالها: أنا بكلمك يا مريم.
نظرت له مريم باستفسار.
عماد باستفسار: في إيه؟ مالك؟ ساكتة وسرحانة، بقالك فترة مش عاجباني.
تنهدت مريم بصعوبة ثم أردفت بهدوء.
مريم: مافيش.
عماد بتعجب: مافيش إزاي؟ إنتِ مش شايفة نفسك؟ الموضوع له علاقة بهشام طيب؟
هزت مريم رأسها بنفي، ثم تحدثت ناظرة أمامها بشرود.
مريم: أنا بس أهلي وحشوني.
عماد ممسكًا بيدها وبابتسامة لطيفة: ماتزعليش عليهم يا مريم، راحوا للي أحسن مني ومنك.
هزت رأسها موافقة وظلت صامتة لعدة ثوانٍ، ثم استأنفت حديثها.
مريم بابتسامة: تعرف يا عماد إني كنت مخطوفة وأنا صغيرة؟
عقد عماد حاجبيه بتعجب ودهشة ليس من حديثها ولكن من ابتسامتها تلك.
عماد بتعجب: وإنتِ مبسوطة كده ليه؟ حد يبقى مبسوط إنه كان مخطوف؟
قهقهت مريم بخفة ثم أكملت.
مريم: بصراحة آه.
عماد: طب هتجاهل فرحتك دي وإحكيلي اتخطفتي إزاي؟
هزت كتفيها بلامبالاة وأردفت.
مريم: كنت ماسكة في إيد بابا، وكنا في مكان زحمة جدًا فغصب عني من الزحمة سبت إيده وتوهت، اللي فاكراه إن واحدة قالتلي تعالي آخدك لماما وروحت معاها.
عماد بتعجب: ببساطة كده؟ إنتِ كان عندك كام سنة وقتها؟
مريم: عشر سنين.
عماد بهمهمة: تمام، كملي.
مريم بتنهيدة: أخدتني على مكان مش فاكرة كان إيه، كل اللي كنت فاكراه إن كان معايا أطفال زيي وأصغر مني، وفضلنا هناك يومين تقريبًا.
عماد باهتمام: ورجعتي إزاي لأهلك؟
مريم بابتسامة: معرفش، بس كل اللي فاكراه.. إن كان في صوت ضرب نار كتير وكل اللي كنت حاسة بيه وقتها إن كان في حد شايلني، ولما فوقت كنت بره المكان ده وكنت نايمة عند شجرة والشرطة لقتني هناك، وبس.
ارتجف قلب عماد من الخوف ليس من الخوف منها بل عليها، فلقد تذكرها.. تلك الفتاة الملقاة بجانب الشجرة، الفتاة التي كان يحملها ياسين في أول جريمة قتل له، قتله لجمال ورجاله، لم ينسَ هذا اليوم إطلاقًا. نظر لها بتشتت كأنه يعيد تذكر كل ما حدث بحياته وما رآه من ياسين، فجميع ذكرياته معه تثبت له أن ياسين يعلم جيدًا من تكون مريم، فهو لم يأتِ بها هنا لتعتني به، ولكنها أتت هنا لأن ياسين يريد ذلك. استفاق من شروده على صوت مريم.
مريم بقلق: مالك يا عماد؟ إنت كويس؟ وشك اصفر كده ليه؟
هز عماد رأسه بالنفي وبتيه.
عماد: أنا كويس.
كانت يداه ترتجفان ولاحظت مريم ذلك.
مريم بقلق: لا إنت مش كويس خالص، في إيه مالك؟ إنت كده بتقلقني عليك.
نظر عماد بهدوء داخل عينيها محاولًا التحكم في ارتعاشه. تبدو بريئة كثيرًا، لا تعلم شيئًا، تبدو طفلة كما كانت، لا يريد لها الأذية. تحدث عماد بارتعاش.
عماد: اهربي.
عكفت حاجبيها بتعجب من قوله.
عماد برجاء: عشان خاطري اهربي من هنا.
مريم بهدوء مسايرة له: حاضر ههرب، بس إنت محتاج تاخد الأدوية بتاعتك عشان ترتاح وبعدها ههرب، اتفقنا؟
هز عماد رأسه في الحال مصدقًا لها، أما هي فكانت مشفقة على حالته تلك، أمسكت بمقبض كرسيه المتحرك وتوجهت نحو القصر، فيبدو أن حالته تسوء أكثر وهذا يبدو من حديثه غير المعقول.
في وقت الظهيرة:
تقف بغرفتها تنظر لذلك الحائط الزجاجي بشرود، تشعر بالضيق والاختناق هنا، ولا تدري لماذا؟ تنهدت بإحباط عندما تذكرت حالة عماد السيئة عندما كان يرجوها أن تهرب وهي تعطيه أدويته وهو ملقى بسريره وهي فقط تبتسم له وتخبره بأنها ستهرب. تعلم جيدًا أنه سينسى ما قاله عندما يستيقظ بسبب "الزهايمر" الذي يعاني منه دائمًا، ولكن هناك شيء آخر، فهي أحيانًا تشعر بأنه طفل وأحيانًا مراهق وأحيانًا رجل عاقل، تشعر أن كل ما يحدث لهذا الرجل هو ليس بسبب عوامل السن، يبدو أنه يحتاج لطبيب نفسي ولا يحتاج لها. تشعر بالضيق الشديد من ياسين الذي يترك قريبه هكذا ولا حتى يقوم بالسؤال عنه أو الاهتمام به؟ هل قلبه قاسٍ إلى تلك الدرجة؟ حتى لو كان هناك خلاف بينهما، فلا يجب أن يكون قاسيًا معه إلى تلك الدرجة. لقد طفح الكيل، لم تعد تتحمل ما يحدث حولها ولم تعد تتحمل ما يحدث لعماد أيضًا. خرجت من غرفتها عازمة على رؤية ياسين المغربي الآن. وقفت أمام غرفته بغضب وقامت بطرقها عدة مرات ولكن لا يوجد إجابة، فتحت الغرفة الكبيرة ولم تنتبه لجمالها وحجمها، ولكن كل ما كانت تبحث عنه هو ياسين فقط. أغلقت الباب بحدة ثم هبطت للأسفل وأوقفت أحد الحرس.
مريم: ياسين بيه فين؟
نظر إليها الحارس بهدوء ولم يجبها. غضبت مريم من صمته.
مريم بغضب: ماهو يا تقول هو فين، يا إما لما هو ييجي يبقى يشوف شغله معاك.
ارتجف الحارس ونظر أرضًا وأردف.
الحارس: في المقر الرئيسي في الشركة.
تعجبت مريم من خوفه منه ولكنها تركته وذهبت عازمة على مقابلته. خرجت من القصر وطلبت من سائقٍ لإحدى السيارات بالقصر إيصالها للمقر الرئيسي لشركة المغربي، ورفضت رفضًا قاطعًا أن يرافقها أحد من الحرس وهددتهم بأنها ستخبر رئيسهم في العمل وتعجبت من خوفهم عندما أخبرتهم بذلك. "هل يخافونه لتلك الدرجة؟". بعد مرور وقت قصير، توقفت السيارة أمام شركة ضخمة جدًا، ذُهلت مريم قليلًا عندما رأتها ولكنها استفاقت وتذكرت أنها هنا لكي توبخه لعدم اهتمامه بعماد ولعدم ظهوره و... هزت رأسها بنفي وغضب من تفكيرها وهبطت من السيارة وعندما وقفت أمام الباب الرئيسي بالشركة أوقفها أفراد الأمن ناظرين إلى ملابسها العادية بتعجب.
الأمن: إنتِ مين؟ وعايزة مين؟
مريم بضيق مكتوم وكذب: أنا مريم أعرف ياسين بيه وهو منتظرني في مكتبه.
الأمن: ياسين بيه مش موجود في مكتبه.
غضبت من كذبهم ودخلت عنوة عنهم من جانب الباب وذلك نظرًا لصغر حجمها. هرولت سريعًا هربًا منهم لأنهم كانوا يلاحقونها. وعندما وصلت لجهة معينة ولا تعلم أين ستذهب تقابلت مع أحد الموظفين وسألتهم عن الطابق الذي يوجد به مكتب ياسين المغربي. أخبرها بالطابق وركضت نحوه مهرولة والأمن يلاحقونها. وصلت للطابق من خلال المصعد وكانت تتنفس بصعوبة لأنها ركضت كثيرًا. دخلت الطابق ونظرت حولها لا تدري أين يوجد مكتبه انتبهت للمصعد الآخر يصل للطابق الذي هي به، ركضت سريعًا لعلمها أنهم أفراد الأمن، ركضت ولا تدري أين تذهب؟ وعندما وجدت بابًا أمامها قامت بفتحه بسرعة ودخلت الغرفة واختبأت خلفه وهي تتنهد بارتياح. كانت مغمضة العينين وهي تلتقط أنفاسها وعندما فتحتهما تفاجأت مما رأت.. كان يجلس ويرأس المائدة الموجودة بالغرفة الكبيرة وحوله العديد من رجال الأعمال بالإضافة إلى حرسه الموجودين بكل أرجاء الغرفة. يبدو أنها غرفة اجتماعات. أعين الجميع كانت تنظر لها بتعجب واستفهام، فمن من تلك التي اقتحمت اجتماعهم؟ حاولت أن تستجمع شجاعتها وقامت بتوجيه حديثها له. عكفت حاجبيها بتصميم.
مريم: عايزة أتكلم معاك.
نظر كل من بالغرفة نحو ياسين بفضول، فمن تلك التي تتحدث معه هكذا وبتلك الطريقة؟ ينظر لها بهدوء غريب كأنها لم تقتحم اجتماعه المهم، كأنها لم تفعل أي شيء. تفاجأت مريم بباب الغرفة يُفتح وكان أفراد الأمن.
الأمن باعتذار: ياسين بيه، إحنا آسفين لحضرتك جدًا، بس الآنسة هـ.........
صمت عندما أشار لهم ياسين بالرحيل بإشارة من يده. رحل أفراد الأمن، ثم نظر ياسين لجميع من بالغرفة.
ياسين بهدوء: الاجتماع خلص، اتفضلوا.
خرج الجميع وأيضًا الحرس بإشارة من ياسين، بينما مريم كانت تقف بجانب في الغرفة ولوهلة شعرت أنها قامت بفعل شنيع. استفاقت على صوته وهو يشير لها بالجلوس على أحد المقاعد القريبة منه.
ياسين بهدوء: اتفضلي يا دكتورة.
جلست بهدوء وهي تنظر له بتوتر وتعجب في ذات الوقت. لماذا هو هادئ هكذا؟ أو بارد كما يبدو!
ياسين: "اتفضلي، أنا سامعك."
ظلت صامتة لعدة ثوان، ولا تدري ماذا تقول، شعرت أنها نسيت ما تريد التحدث عنه.
ياسين بتكرار وهدوء: "أنا سامعك يا دكتورة."
وبدون وعي منها قامت بمعاتبته.
مريم باستفسار: "أنا ليه مش عارفة أشوفك؟"
تعجبت من حديثها ذلك ونظرت له بتيه عندما سمعته يتحدث ببرود.
ياسين: "وتشوفيني ليه يا دكتورة؟"
لماذا يتحدث ببرود هكذا؟ عكفت حاجبيها بغضب واستقامت في مكانها واقتربت نحوه قليلًا.
مريم بضيق: "عايزة أشوفك عشان عايزة أعرف في إيه بينك وبين عماد خلاك تهمله بالشكل ده؟ ماهو مش معقول يبقى إنتوا الاتنين قرايب، وإنت بتعامله بالشكل ده؟ حالته اللي هو فيها دي بتثبت إنه محتاج دكتور نفسي، وأنا مش هقبل إني أفضل أراعيه وأنا عارفه إنه تعبان نفسيًا مش جسمانيًا."
ياسين باستفسار ناظرًا لعمق عينيها: "إنتي جايه عشان كده بس؟"
أخفت توترها من نظراته لها.
مريم بغضب: "أيوه، إنت إزاي سايبه كده؟ مهما كان بينكم إيه، ماتسيبهوش وتهمله، اعتبره زي أبوك و........"
قطعت حديثها وابتلعت لعابها بخوف عندما رأت تلك النظرة الجليدية مرة أخرى. استقام من مقعده واقترب منها، أما هي عادت عدة خطوات للخلف بخوف منه.
ياسين بنبرة جليدية: "إنتي عارفة إنتي عملتي إيه؟ إنتي قاطعتي اجتماع يساوي ملايين عشان تتكلمي عن عماد! مش في اختراع اسمه تليفون؟ احتاجي تتكلمي معايا في حاجة زي دي يبقى على التليفون، أو تستنيني لما أرجع القصر، يعني ماتجيش هنا وتعملي كل اللي إنتي عملتيه ده عشان خاطر شخص كبير في السن ومن الطبيعي إنه يعيش الحالات دي، وإنتي كدكتورة المفروض تكوني عارفة ده كويس."
تعجبت من قسوته في حديثه عن عماد، كيف يكون هكذا؟ لا تدري لماذا تشعر أنها تريد البكاء الآن، كيف تقوم بإحراج نفسها هكذا؟ هو الآن يوبخها على ما فعلته منذ قليل بدلاً من أن توبخه هو على عدم رؤيتها له وعدم اهتمامه بعماد! امتلأت الدموع بعينيها لأنها شعرت أن وجودها غير مرغوب به هنا.
مريم بحشرجة وهي تنظر أرضًا: "أنا... أنا آسفة، أنا بس كنت متضايقة عشان هو كان تعبان وصعب عليا، أنا آسفة عشان جيت وخليت شكلك وحش قدام الكل هنا، *هبطت الدموع من مقلتيها* مش هتتكرر مرة تانية."
عقد ياسين حاجبيه بغضب دون سبب يذكر وهو ينظر لحالتها تلك، انتظرت أن يجيبها ويقبل اعتذارها، فهي تشعر أنها تبدو كالفتاة الصغيرة المعاقبة من قبل أبيها، ولكنه لم يجبها، رفعت رأسها ونظرت لملامحه بهدوء تقابلت نظراتهما لثوان معدودة. هو بنظرته الجليدية، أما هي بنظرتها الهادئة البريئة. ولكن قطع نظراتهما تلك حديثه.
ياسين بنبرة مبهمة: "اتفضلي ارجعي للقصر يا دكتورة، وأنا ليا كلام مع كل اللي سمحولك تيجي هنا."
كادت أن تتحدث وتخبره أن لا ذنب ولكنه تحدث بنبرة غاضبة بعض الشيء.
ياسين: "اتفضلي."
خرجت من الغرفة سريعًا تاركة إياه في حالة كبيرة من الغضب.
....................................................................
في المساء:
منذ أن عادت من شركته وهي تجلس هكذا بغرفتها تنظر أمامها بشرود هل قلل من شأنها يا ترى؟ أم هل كان محقًا بحديثه ولم يقلل من شأنها البتة؟ لماذا إذا تشعر بأنه جرح مشاعرها؟ وبالنسبة للهاتف هي حتى لا تملك رقم هاتفه! ولكن جاء في عقلها أنها يمكنها أخذه من أحد الحرس هنا، تنهدت بضيق من نفسها متحدثة بتأفف.
مريم بضيق: "غبية ومتخلفة، إزاي تعملي كده؟ إزاي تقللي من نفسك؟"
ضربت رأسها بيدها تلعن غبائها على ما فعلته. ظلت هكذا لعدة دقائق حتى سمعت صوت طرقات على باب غرفتها. وجدت خادمتين أمامها إحداهما كانت تحمل شيئًا ولم يكن واضحًا لأنه كان في حقيبة كبيرة. تحدثت إحدى الخادمات بابتسامة هادئة وهي تقدم لها ورقة مطوية.
: "اتفضلي، ياسين بيه باعت لحضرتك ده."
أردفت الأخرى بابتسامة أيضًا وهي تشير لما تحمله بالحقيبة: "وده كمان."
تناولت مريم الورقة المقوية من الخادمة أما الأخرى دخلت الغرفة ووضعت الحقيبة في خزانة ملابسها ورحلت الاثنتان. أغلقت مريم باب غرفتها وهي تنظر للورقة التي بيدها بتعجب وقامت بفتحها وقرأت أسطرها بهدوء.
"أتمنى إنه يليق بيكي في الذكرى السنوية للمستشفى، وماتقلقيش مش هحاسب حد على اللي حصل النهاردة."
تنظر أمامها بذهول للمكتوب بتلك الورقة وبدون وعي منها قامت بفتح خزانة ملابسها وفتحت الحقيبة وشهقت عندما رأت ذلك الثوب الأحمر. أمسكت بالثوب تتلمسه من جماله الخلاب. يبدو أن ما تراه هو اعتذار راقٍ من ياسين المغربي على الرغم من أنه لم يخطئ، بل هي من أخطأت. احتضنت الثوب بقوة وهي تشعر بالسعادة. وهنا انتبهت لجملة "الذكرى السنوية للمشفى". التقطت هاتفها وبدأت تبحث في الإنترنت عن تاريخ الذكرى السنوية. صدمت عندما وجدت أنه غدًا. ستذهب نعم، يكفي أنه دعاها للحفل.
........................................................................................................................
في مساء اليوم التالي:
كانت تقف أمام المرآة مرتدية ثوبها الأحمر الطويل ذو الأكمام القصيرة والذي يليق بها تمامًا، تضع آخر لمسة وهو أحمر شفاه مماثلًا للون الثوب. قامت بوضع شعرها على جانب كتفها وهنا قد اكتمل مظهرها. ابتسمت بهدوء لمظهرها الخلاب والذي هي معجبة به، فهي لم ترتدِ أي ثوب منذ أن كانت بالجامعة وقبل وفاة عائلتها. أغمضت عينيها لوهلة ثم قامت بفتحهما وخرجت من غرفتها واتجهت لغرفة عماد وقامت بفتح الباب. كان يجلس على كرسيه المتحرك مرتديًا بدلة سوداء رائعة للغاية. تذكرت كم قامت بمحايلته على الموافقة للذهاب معها للحفلة لأنه كان رافضًا الذهاب وبشدة على الرغم من أن ياسين أرسل له هذه البدلة أمس لحضور الحفل. ولكنه يرفض أي شيء يتعلق بياسين، فقد ترجته كثيرًا حتى يأتي معها ولا تكن وحيدة حتى قبل. ولغرابتها لم يتحدث عن ما حصل بالأمس منه وهو طلبه منها بأن تهرب، كأنه نسي بالفعل، استفاقت من شرودها وابتسمت له بسعادة، أما هو كان ينظر لها مدهوشًا من جمالها.
مريم باستفسار: "اتأخرت عليك؟"
عماد: "لا، بس إنتي حلوة كده ليه يا مريم؟"
قهقهت مريم من حديثه وكادت أن تمسك مقبض كرسيه ولكن سبقها أحد الحرس.
: "هننزله إحنا، حضرتك استنيه في العربية تحت."
هزت رأسها له بهدوء. بعد مرور وقت قصير. كانت تجلس بالسيارة وبجانبها عماد، وتشعر بالحيرة هل سيأتي هشام أم لا؟ فهو لا يحب تلك الحفلات. إذا لن يأتي ولوهلة شعرت بالارتياح لذلك الاستنتاج. أخبرها الحرس بأن "ياسين المغربي" قد سبقهما وقد بدأ الحفل منذ قليل. وصلت السيارة أمام قاعة حفلات كبيرة التي يصدر منها موسيقى جميلة وهادئة، هبطت من السيارة ووضع الحرس عماد على كرسيه وقام أحدهم بإمساك مقبض الكرسي، وتحركت مريم خلف عماد. دخلا القاعة المليئة بالأشخاص وعلى ما يبدو أن أغلبهم يكونون زملائها بالعمل سابقًا. نظر الجميع لها بتعجب، لأنهم يعلمون جيدًا أنها تركت العمل، فلماذا أتت؟ ومنذ متى وهي جميلة هكذا؟ تجاهلت نظرات الجميع لها ولا تعلم لماذا فعلت ذلك ولكن أول شخص بحثت عنه بعينيها كان "ياسين المغربي". ظلت تبحث عنه بين الحاضرين وبجانبها الحارس الذي يقوم بتحريك كرسي عماد على حسب خطواتها هي، حتى تقابلت نظراتهما. كان يتحدث مع أحد رجال الأعمال وعندما التفت للخلف تقابلت نظراته مع مريم. ظلا هكذا لثوان عديدة ينظران لبعضهما البعض. هو يتفحص ثوبها وهيئتها كاملًا ثم يعيد النظر بداخل عينيها، أما هي فقد قشعر جسدها من الخجل والإحراج من نظراته. ابتسم لها بهدوء سامحًا لها بتلك الابتسامة أن تقترب وكادت أن تقترب منه ولكن أوقفها أكثر شخص لم تكن ترغب برؤيته اليوم.
هشام بابتسامة: "مريم، إزيك؟"
أغمضت مريم عينيها بضيق وقد تعجبت من نفورها لرؤيته. قامت بفتح عينيها ونظرت له بهدوء.
مريم: "الحمد لله."
كادت أن تتحرك وتذهب لياسين، ولكن هشام أوقفها ممسكًا ذراعها. وهنا فقط نظرت مريم سريعًا نحو ياسين وجدته قد عاد للتحدث مع الرجل الذي كان يتحدث معه سابقًا ولكن ملامحه متغيرة.
هشام: "أنا محتاج أتكلم معاكي."
أفلتت ذراعها من يده بقوة ونظرت له بغضب.
مريم: "إنت إزاي تلمسني؟"
تحدث هشام ساخرًا: "أفندم؟ إنتي نسيتي اللي كان بينا؟"
مريم بقوة: "أيوه نسيت، وياريت ما أشوفش وشك تاني."
كادت أن تتحرك ولكنه قبض على ذراعها بقوة وهنا عماد صرخ به بغضب.
عماد: "سيبها."
نظر له هشام بضيق ولكنه تجاهله وكاد أن يتحدث لمريم.
عماد بغضب: "بقولك سيبها."
كاد هشام أن يقوم بالرد عليه ولكن الحارس الذي معهما هدده بالسلاح الذي بجيبه. تركها هشام وعاد بهدوء لحيثما كان ولكن الغضب كان مسيطرًا عليه لدرجة أنه أراد أن يقتلها. عاد ووقف بجانب طارق الذي ينظر له بسخرية.
طارق: "إنت فاكر نفسك مين؟ إنت مش شايف لابسه إيه؟ دي لو قعدت تشتغل سنة بحالها مش هتعرف تجيب تمن الفستان ده، خلاص يابني راحت عليك، ياسين المغربي بقى في جيبها."
صر هشام على أسنانه بغضب لمجرد تخيله أنها وقعت بحب شخص غيره.
طارق بابتسامة وهو ينظر لاتجاه آخر: "فوق لنفسك وشوف اللي بتحبك بجد."
نظر هشام بالاتجاه الذي ينظر به، وجد "رضوى" خطيبته تقترب منهما بابتسامة مشرقة.
رضوى محتضنة طارق: "مساء الخير يا أونكل."
طارق: "مساء النور يا حبيبتي."
اتجهت رضوى نحو هشام وقامت بتقبيله على وجنتيه.
رضوى: "معلش يا حبيبي اتأخرت عليك."
رد هشام بنفور: "ما فيش مشكلة."
عاد بنظره نحو مريم التي وقفت بجانب ياسين ويحاول التحكم بغضبه قدر المستطاع.
تقف بجانبه ولكنها تشعر بشيء غريب يتجاهلها! نظرت لعماد الذي يجلس بكرسيه بعيدًا عنها غضبًا منها لأنها ذهبت لياسين. عادت بنظرها لياسين ووجدت فكه بارزًا كأن هناك شيء ما يزعجه، ونظرت للكأس الذي بيده وجدته يضغط عليه بقوة كأنه سيكسره، ولكنها استفاقَت على صوت الرجل الذي يتحدث معه.
الرجل ناظرًا لمريم: "مش تعرفنا يا ياسين بيه؟"
تحدث ياسين بهدوء: "دكتورة مريم بتراعي عماد بيه.. والدي."
صُعِقَت مريم عندما سمعت تلك الجملة، حقيقة لا تصدق ما سمعته، هل يكون والده؟ حقًا! لماذا إذًا لم يخبرها عماد بذلك؟ لماذا؟ نظرت مريم لياسين بعدم فهم ولكنه لم يكن ينظر إليها حتى كأنها غير موجودة على الإطلاق.
الرجل: "تشرفنا يا دكتورة."
مريم بابتسامة مصطنعة لذلك الرجل: "شكرًا، الشرف ليا."
وفي خلال دقائق انضم بعض الرجال لهم وشعرت مريم بالحرج أكثر لأن ياسين لم يُعِرْها أي انتباه ولم يتحدث إليها مطلقًا. تنهدت بخيبة أمل وابتعدت عنه وعادت لتقف بجانب عماد وبداخلها أكثر من تساؤل.. كيف يكون والده وهما يكرهان بعضهما هكذا؟
انتبهت لعماد الذي يمسك بيدها.
عماد: "إنتي كويسة يا مريم؟"
ابتسمت بهدوء وهزت رأسها له ثم عادت لشرودها مرة أخرى. وبعد دقائق قامت بالاستئذان من عماد متجهة للحمام. بعد عدة دقائق خرجت من الحمام وقبل أن تدخل للقاعة مرة أخرى.
طارق: "إزيك يا دكتورة؟"
صرَّت مريم على فكها بغضب والتفتت له بضيق.
مريم بتأفف: "نعم؟"
طارق بابتسامة مقتربًا منها: "أنا شايف إنك كسبتي وارتحتي."
مريم عاقدة حاجبيها بضيق منه: "هو أنا هلاحقها منك ولا من ابن أختك؟ ما تسيبوني في حالي."
كادت أن تدخل القاعة.
طارق بابتسامة: "ياسين المغربي عمره ما يحبك ولا يفكر فيكي."
توقفت بمكانها وزاد الغضب بداخلها والتفتت له مرة أخرى.
مريم: "يحبني ما يحبنيش دي حياته وهو حر فيها، وياريت كل واحد يخليه في حاله، وسيبوني أشتغل في سلام."
طارق باستئناف لحديثه: "مش عايزة تعرفي ليه؟"
مريم بضيق: "مش عايزة أعرف، وياريت بعد إذنك مش عايزة أشوفك إنت أو ابن أختك قدامي تاني، ماشي؟"
لم تنتظر ردًا منه ودخلت القاعة غاضبة ووقفت بجانب عماد، تشعر بالضيق والغضب في آنٍ واحدٍ. ظلت هكذا تتأفف بضيق مما يحدث حولها، حتى أعلن مسئول الحفلة عن إلقاء ياسين المغربي لكلمة الحفل.
صَعَدَ ياسين على منصة القاعة وبدأ الحرس بالانتشار حوله. تحدث ياسين بهدوء.
ياسين بابتسامة هادئة: "مساء الخير، الحفلة منورة بيكم كلكم..."
بدأ ياسين بالتحدث عن إنجازات المشفى خلال السنوات الماضية. وعلى الرغم من غضبها منه لم تستطع إبعاد عينيها عنه. سمعت بعض الوشوشات من بعض الفتيات خلفها يمدحون في ياسين المغربي وكم هو جذاب ورجل أربعيني أعزب مناسب لكل الفتيات هنا بالقاعة. شعرت بالضيق من ما سمعته وحاولت أن لا تستمع لهم. قام ياسين بإلقاء كلمته وأعطى جائزة تقديرٍ لطارق لرعايته للمشفى في الفترة السابقة وأخبرهم بأنهم سيجلبون مديرًا للمشفى عن قريب.
مر الوقت بذلك الحفل الممل بالنسبة لمريم، فلم تفهم إلى الآن سبب دعوته لها؟ هو حتى لا ينظر لها! تأففت بضيق من ذلك الملل ونظرت لعماد الذي يأكل الحلوى بجانبها.
مريم بضيق: "كفاية كده يا عماد عشان السكر."
كاد أن يرفض ولكنها أخذت طبق الحلوى من أمامه.
مريم بلوم: "إنت كده هتتعب أكتر."
عماد بضيق طفولي: "بس أنا بحب الحلويات."
مريم برفض قاطع: "لا، لحد كده وكفاية، أنا مش هقبل إن حالتك تسوء."
هز رأسه وصمت، ظلت تنظر حولها في الحفل وتقابلت عينيها مع عيني هشام الذي ينظر لها بغضب، ولكن قاطع نظراتهما خطيبته التي جعلته ينظر لها وهي مبتسمة له. تأففت مريم فكم هي تكرهه الآن أكثر، هي حقًا أصبحت لا تطيقه. قررت أن تقوم بالتمشية قليلًا حول القاعة في الليل ولم تنتبه لياسين الذي يتابع خروجها من القاعة. أخذت تقوم بالتمشية حول القاعة من الخارج وهنا وجدت حمام سباحة كبير وعميق جدًا ابتسمت بهدوء وتوجهت نحو ذلك الكرسي بجانب المسبح وقامت بخلع حذائها ذو الكعب العالي متأوهة بألم. لقد تحملت الوقوف به كثيرًا يجب عليها أن تريح قدمها الآن. أغمضت عينيها مستمتعة بالهدوء حولها ولكن قاطع هدوئها صوتها خلفها.
رضوى: "مساء الخير."
نظرت مريم بتعجب لمن تراها أمامها.
رضوى: "أنا خطيبة هشام، أكيد تعرفيني."
عكفت مريم حاجبيها بضيق وتحدثت بلا مبالاة.
مريم: "آه، أهلًا."
رضوى: "ممكن أطلب منك طلب؟"
مريم بتأفف: "قولي."
رضوى: "ممكن تبعدي عن هشام؟"
استقامت مريم من مكانها ونظرت لها بغضب.
مريم: "وهو أنا ماسكة فيه يعني؟ حطاه في جيبي مثلًا؟ ما هو خطيبك موجود عندك."
رضوى بهدوء: "أومال تفسري بإيه نظراتك ليه في الحفلة؟"
مريم بضيق: "أنا كنت ببصله؟ إنتي بتتكلمي بجد؟"
كادت رضوى أن تجيبها ولكن مريم استأنفت حديثها.
مريم: "بقولك إيه، ابعدوا كلكم عني.. أنا زهقت وتعبت منكم.. كل شوية حد فيكم يطلعلي بحاجة، وأنا زهقت بصراحة، ولمّي خطيبك يا حبيبتي شوية، هو اللي بيحوم حواليا من أول ما جيت هنا."
حديث مريم استفزها مما جعلها تدفعها بقوة من غيظها، ولطول فستان مريم وخلعها لحذائها العالي أيضًا، تعثرت ووقعت بالمسبح.
رضوى بضيق: "تستاهلي، بنت مستفزة وباردة."
تركتها وذهبت دون أن تلتفت خلفها. لكن لا أحد يعلم نهائيًا أن مريم لا تستطيع السباحة. حاولت قدر المستطاع أن تصل لسطح المسبح ولكنها لا تستطيع. حاولت مريم أن تصرخ بأقصى صوت لها ولم تستطع. تحاول أن تقاوم الغرق ولكن لم تستطع أيضًا. فقدت التنفس وبدأت بإغلاق عينيها وآخر ما رأته هو غوص أحدٍ بالمياه بقوة، وآخر وجه رأته كان وجهه هو.. "ياسين المغربي".
رواية القاتل الراقي الفصل التاسع 9 - بقلم سارة بركات
"لا ترحلي، فرحيلك بمثابة رحيل أنفاسي عني."
قبل وقت قصير:
ينظر ياسين لمكان خروج مريم، فهي لم تعد حتى الآن. انتبه لذاك الشخص الذي يحدثه:
"الحفل جميل وضخم يا ياسين بيه، ده كمان في بعض الصحافيين موجودين هنا."
هز ياسين رأسه له بهدوء، ثم عاد ونظر نحو مكان خروجها مرة أخرى ينتظر أن تعود، ولكنه شعر أنه ينتظر كثيرًا. لماذا اختفت؟ ذهب نحو عماد واستفسر عنها بهدوء.
ياسين: "الدكتورة مريم فين؟"
تحدث عماد بامتِعاض وهو لا ينظر له: "قالتلي إنها هتخرج تتمشى بره القاعة شوية."
هز ياسين رأسه ثم خرج من القاعة ولحقه عدد من رجاله حماية له من متابعة الصحافيين له، وهنا كاد أن يصطدم بخطيبة هشام التي قابلته للتو.
رضوى: "أنا آسفة."
هز ياسين رأسه لها ثم أكمل سيره بحثًا عن مريم حول القاعة. نظر حوله كأنه تائه، ولكنه لمح حذاءها الذي كانت ترتديه موجودًا بجوار المسبح. اقترب ياسين من المسبح يبحث عنها بعينيه، وهنا رآها تصارع أسفل المياه للنجاة بحياتها. قام بخلع حذائه سريعًا وخلع سترة حلته الراقية، وفي ذات الوقت حاولت الصحافة الاقتراب منه ولكن كان يمنعها حرسه الخاص. قفز في المياه بقوة متجهًا نحوها بسرعة. تحاول أن تقاوم الغرق ولكنها لم تستطع. فقدت التنفس وبدأت بإغلاق عينيها، وآخر ما رأته هو غوص أحدهم بالمياه بقوة، وآخر وجه رأته كان وجهه هو.. "ياسين المغربي". اقترب ياسين منها بسرعة وعندما وصل لها حملها بين يديه وعاد لسطح المياه. صعد سلم المسبح وهي بين يديه وقام بوضعها أرضًا. نظر الحرس نحو ما يحدث، وهنا استغل الصحافيون انشغالهم بالحدث وهجموا فجأة على ياسين المغربي الذي يضغط بقوة على صدر مريم لعلها تتقيأ المياه التي ابتلعتها، ولكن لم يحدث شيء. أمسك الحرس الصحافة وأبعدوهم مرة أخرى عن ياسين، وحاول ياسين عدة مرات تكرار فعلته ولكن عندما لم يجد أي نتيجة اقترب منها وقام بعمل تنفس صناعي لها. وهنا ثار جدل الصحافيين والذين على تجمعهم وأصواتهم العالية في الأسئلة المستمرة، خرج ضيوف الحفل لذلك المكان ويشملهم طارق وهشام ورضوى التي صُدمت مما يحدث. هل هي من تسببت في ذلك؟ اقترب هشام سريعًا نحو ياسين ولكن منعه من الاقتراب بعض الحرس.
هشام بغضب: "وسع كده أنت وهو، أنا دكتور."
لكن لم ينفذ قوله أحد، ولم يجبه أحد. كان يعطيها تنفسًا صناعيًا ويقوم بالضغط على صدرها بيديه الاثنتين، حتى تقيأت جميع المياه التي ابتلعتها وشهقت كأنها عادت للحياة مرة أخرى. ظلت تسعل بقوة، وهنا جعلها ياسين تستند على كتفه وربَّت على ظهرها حتى تهدأ. كان الجميع ينظر لهما، وهشام يحاول التماسك لأن هناك شخصًا غيره يحتضنها. أما بالنسبة لرضوى فهي لم تصدق تمامًا ما فعلته بيدها. كانت ستقتلها! لكنها لم تكن تعلم أنها تستطيع السباحة. أما بالنسبة لطارق فكان يقف بهدوء واضعًا يديه في جيب بنطاله وينظر لما يحدث ببرود. أما بالنسبة للصحافيين يحاولون تغطية الحدث الرائع والذي سيكون خبر الموسم كما يقولون. عندما هدأت ابتعدت عنه قليلًا وتقابلت أعينهما. كان ينظر لها بنظرات لم تراها قبلًا، نظرات تائهة، ولكن عندما رأى أنها بخير، عادت نظراته للبرود والجدية.
ياسين باستفسار: "بقيتي كويسه؟"
هزت رأسها له بهدوء، ولكنها كانت تشعر بالدوار قليلًا واستندت مريم أخرى على كتفه بإرهاق. استقام ياسين وحملها بين يديه، وهنا ثار الصحافيون أكثر. فمن تلك المجهولة التي يحملها ياسين المغربي بين يديه؟ هل وقع الأربعيني الجذاب في الحب؟ انهالت الأسئلة عليه وهو يحملها، ولكن الفاصل بينه وبينهم كان رجاله الذين صنعوا ممرًا له لكي يخرج من ذلك المكان. مستندة برأسها على صدره تقاوم فقدانها للوعي. أغمضت عينيها ثم جاءت ذكراها المشوشة مرة أخرى. يحملها وهي تحاول أن تنظر لوجهه ولكنها لا تستطيع أن ترى وجهه. فتحت عينيها ونظرت لوجه ياسين الخالي من المشاعر. استسلمت وفقدت وعيها. وصل ياسين نحو سيارته وقام أحد الحرس بفتح الباب له وقام بوضعها بالخلف وجلس بجانبها وجعل رأسها مستندًا على فخذه، وأعطاه حارس سترة حلته والتي قام بتغطية مريم بها. وأمر الحرس بإيصال عماد فقد انتهى الحفل، ثم أمر سائقه بالتحرك. تقف بجانب القاعة بوجه شاحب وتنظر أمامها بشرود لا تصدق. كيف فعلت ذلك؟ انتفضت عندما وضع أحدهم يده على كتفها.
طارق بتعجب: "مالك يا رضوى؟ في إيه؟"
نظرت له وبدأت بالتحدث وهي تجهش بالبكاء.
رضوى: "أنا مكنش قصدي."
طارق: "إهدي وفهميني إيه اللي حصل؟"
نظرت له وهي تبكي، ثم سردت له ما حدث. أما هشام كان يقف بالخارج ينظر لمكان خروج سيارة ياسين بغضب. كيف يلمسها أحد غيره؟ لقد تقابلت شفتيهما! قبض يديه بقوة حتى برزت عروقه، يقوم بالوعيد لمريم وياسين ذاك.
طارق: "إهدي طيب، إهدي."
رضوى ببكاء: "أنا ماكنتش أعرف إنها مابتعرفش تعوم، هي استفزتني، أنا كل ده كنت فاكراها مكسوفة تدخل عشان هدومها مبلولة مش أكتر. ماكنتش أعرف إنها بتغرق، أنا عمري ما أذيت حد. أنا مش قادرة أتعايش مع اللي أنا عملته ده يا أونكل."
ضمها طارق وقامت بالتربيت على ظهرها يهدئها قليلًا.
طارق: "هي خلاص بقت كويسه، *حاول أن يلطف الحديث قليلًا* اللي زي دي عاملين زي القطط بسبع أرواح بيعافروا عشان يمسكوا في الحياة."
قال تلك الجملة لعلها تضحك قليلًا ولكن محاولته باءت بالفشل، تقابلت نظراته مع أعين هشام الذي ينظر لهما باستفهام.
هشام باستفسار: "في إيه؟ مالها؟"
طارق: "أعصابها تعبانة شوية، روح أنت وأنا هوصلها."
هز هشام كتفه بلامبالاة، ثم خرج من القاعة.
في القصر:
يصعد سلالم القصر وهو يحملها بين يديه، وخلفه عماد القلق على مريم كثيرًا، ويحمله أحد رجال ياسين وخلفه الآخر يحمل كرسيه المتحرك، وخلفهم بعض الأطباء الذين طلبهم ياسين من مستشفاه لإنقاذها. ساعدته الخادمات بفتح باب غرفتها ووضعها على فراشها بهدوء، ثم عاد ونظر للخادمات والأطباء.
ياسين بهدوء: "خدوا بالكم منها كويس *وجه حديثه للأطباء* لما تخلصوا امشوا."
هز الأطباء والخادمات رأسهم امتثالًا لأمره، ثم خرج من غرفتها متجهًا لغرفته لتغيير ثيابه المبتلة. بدأت الخادمات بتغيير ثيابها المبتلة أولًا، بعد أن خرج الأطباء من غرفتها وقاموا بالاهتمام بها، ثم بعدها دخل الأطباء مرة أخرى للغرفة لفحصها للتأكد من أنها بخير. أما بالنسبة لعماد فكان بغرفته قلقًا على مريم ولكنه مطمئن قليلًا لأنها استفاقَت كما رأى هناك، ولكن ما تعجبه هو إصرار ياسين على إنقاذها، كأنه كان يرجوها أن تستيقظ حتى استيقظت. عكف عماد حاجبيه بامتِعاض لمجرد اعتقاده أن ياسين منجذب نحو مريم. ولكنه قاتل، يحب أن يخاف عليها منه أكثر. مر الوقت وهي نائمة وجسدها متصل ببعض أجهزة المؤشرات الحيوية للتأكد من أنها بخير وهناك مغذٍّ موصل بجسدها أيضًا. ولكنها لا تشعر بأي شيء حولها وكل ما تراه الآن وهي نائمة هو حلمها الذي رأته وهي بالمياه وهي تفقد حياتها. تمد يدها لها أما هي كانت ترتدي حذاءها بتعجل.
: "يلا هنتأخر."
مريم بصوت طفولي: "استني، الجزمة مش عارفة أربطها."
نظرت لها أختها بهدوء ثم ضحكت ضحكة خفيفة على حالها، اقتربت منها وهبطت أرضًا وقامت بربط حذائها.
بابتسامة لطيفة: "كده خلاص ربطنا الجزمة، يلا بينا ماما وبابا مستنيين تحت."
مريم بسعادة طفولية: "يلا."
استقامت أختها ومدت لها يدها بابتسامة لطيفة وقامت مريم بمد يدها الصغيرة ليدها ولكنها اختفت. استيقظت مريم من حلمها ووجدت نفسها في غرفتها بالقصر. وجسدها موصولًا بالأجهزة، ولم تنتبه لذلك الشخص الذي يقف أمام نافذة غرفتها بهدوء معطيًا إياها ظهره. هبطت الدموع من مقلتيها بسبب ذلك الحلم الذي رأته. لقد اشتاقت لهم حقًا. بدأ نحيبها يزداد على ذكريات جميلة رائعة انتهت ولن تتكرر مرة أخرى. تتذكر ذلك الصراخ الذي لا يترك ذكرياتها أبدًا. أغمضت عينيها بقوة وبكت بكثرة، ولكنها صمتت عندما شعرت بيدٍ على وجنتيها تمسح دموعها. قامت بفتح عينيها اللتان تقابلتا مع عيني ياسين الذي ينظر لها بهدوء. نظرت له قليلًا بتعجب حتى شعرت بالأمان، ثم عادت للبكاء مرة أخرى وتلك المرة أمسكت بيده التي على وجنتيها بقوة دون وعي منها. جلس ياسين بجانبها على فراشها ينظر لها بملامح هادئة. يشعر بالأسف لها على ما عاشته اليوم، فقد كانت بين الحياة والموت. ظلت هكذا لوقت لا تعلم كم مر منه. بدأت شهقاتها في الهدوء، وعندما استفاقت من حالتها تلك انتبهت أنها ممسكة بيده، تركتها بإحراج وابتعدت بنظراتها عنه.
مريم بصوت متحشرج: "أنا آسفة."
ظل ينظر لها بهدوء وهي تعجبت من كونه صامت هكذا ولكنها نظرت إليه بصدمة عندما سألها بهدوء.
ياسين باستفسار: "مين اللي غرقك؟"
فكرت مريم قليلًا، لا تعلم ماذا تقول. هل تخبره أنها تشاجرت مع خطيبة هشام وقامت بدفعها؟ هل كانت تعلم أنها لا تعلم كيف تقوم بالسباحة؟ هل كانت نيتها أن تقتلها حقًا؟
ياسين بتكرار عاقدًا حاجبيه بضيق من صمتها: "دكتورة.. مين اللي عمل فيكي كده؟"
مريم بصوت متحشرج: "اتكعبلت بفستاني ووقعت."
حسنًا إذا هذا ما حدث بالفعل. نظر لها ياسين بعدم اقتناع قليلًا، ثم أردف ببرود.
ياسين: "تمام، ابقي خدي بالك بعد كده."
استقام من فراشها وبعدها اتجه نحو باب غرفتها وهنا انتبهت فقط لما يرتديه. لأول مرة تراه يرتدي ملابس غير ما اعتادت أن تراه دائمًا. يرتدي تي شيرت أسود وبنطال منزلي رمادي. يبدو وسيمًا كثيرًا. عكفت حاجبيها بضيق من تفكيرها ذاك وقررت أن تشكره قبل أن يخرج.
مريم بصوت متحشرج: "شكرًا يا ياسين بيه."
كان أمام بابها ثم نظر لها بهدوء.
ياسين: "تصبحي على خير يا دكتورة، نامي كويس."
خرج من الغرفة، أما هي أراحت جسدها على فراشها. تنظر لمؤشراتها الحيوية تتطمئن على نفسها.
تنهدت بارتياح عندما شعرت أنها بخير، ثم عادت ذكرياتها نحو ذلك الحادث. لم تخبر ياسين بأن رضوى من فعلت ذلك، لأنها تريد أن تأخذ حقها بيدها.
في اليوم التالي:
يجلس بمكتبه يبحث في أحداث القاعة عن ما حدث بالضبط في ذلك اليوم، يشعر بأنها تكذب. ولكن لحسن حظها لم يكن يوجد كاميرات مراقبة معلقة في الجزء الخاص بالمسبح، ولكن ما رآه هو أن خطيبة ذاك الطبيب سارت في نفس اتجاه سير مريم وبعد دقائق عادت ودخلت القاعة وقابلته مصادفة. كان يتذكر ملامحها جيدًا، لم تكن متوترة كأنها قد حاولت قتل أحدهم، كانت تتعامل بشكل طبيعي. أغلق حاسوبه الشخصي وفرك ما بين عينيه يحاول تحليل الأحداث التي وصل لها، ولكن لا يوجد شيء.
كانت نائمة بهدوء على سريرها، ولكنها انتبهت على يد تمسك بيدها. قامت بفتح عينيها والتي تقابلت مع أعين عماد الذي ينظر لها بحنان أبوي.
عماد بابتسامة: صباح الخير.
ابتسمت له مريم بهدوء ونظرت حولها تتأكد من أنها لم تكن تحلم، فقد كان ياسين معها هنا أمس بتلك الغرفة بالفعل. وماذا فعل؟ هل كان يقوم بمسح دمع عينيها؟ كان ينظر لها بشكل مختلف أيضًا، هل هناك شيء ما؟ أم أنها يتهيأ لها ذلك؟ هل أمسكت بيده بالفعل؟ استفاقَت على صوت عماد.
عماد: طمنيني عليكي يا مريومة؟ إنتي كويسة؟
مريم بنعاس: أنا كويسة الحمد لله.
عماد بحزن ممسكًا بيدها بقوة: أنا كنت خايف عليكي أوي إمبارح يا مريم، كان قلبي هيقف لما شوفتك بالحالة دي إمبارح.
مريم: ما تخافش عليا أنا خلاص بقيت كويسة.
عماد بابتسامة: تمام، أنا خليتهم يجيبوا الفطار هنا عشان هنفطر سوا، إيه رأيك؟
مريم بابتسامة: أكيد طبعًا هنفطر سوا.
استندت بجسدها على فراشها وحاولت أن تستقيم بهدوء وقامت بنزع الأجهزة من جسدها وتحركت ببطء شديد نحو الطاولة الصغيرة الموجودة بغرفتها ولحقها عماد بكرسيه المتحرك لكي يأكلا الطعام سويًا.
يتحدث بهاتفه معها وهو يقود سيارته.
رضوى: أنا خايفة أوي يا أونكل بجد، خايفة تعملي حاجة.
طارق عاقدًا حاجبيه بتصميم: قلت لك ما تخافيش، أنا هبقى أتكلم معاها.
رضوى باستفسار: تفتكر هتسمعك؟
طارق بهدوء: هتسمعني، ما تقلقيش يا رضوى هساعدك.
رضوى بامتنان: شكرًا لحضرتك يا أونكل.
طارق بابتسامة: العفو يا حبيبتي، روحي نامي إنتي مانمتيش من إمبارح بسبب إحساسك بالذنب.
رضوى بصوت متعب: حاضر.
أغلق معها، وظل عدة دقائق في الطريق حتى وصل للمكان الذي يقصده "المقابر". هبط من سيارته وتوجه نحو قبر معين مرتديًا نظارته الشمسية ممسكًا بباقة جميلة من الورود. ظل واقفًا أمام القبر محاولًا التحكم بحزنه، لكنه لم يستطع. تحدث بصوت مهزوز.
طارق: وحشتيني.
صمت قليلًا ثم وضع باقة الزهور أمام قبرها وأكمل حديثه.
طارق: أنا جبت لك الورد اللي إنتي بتحبيه، أنا مش ناسي أبدًا كنتي بتحبيه قد إيه. أنا عمري ما نسيت أي حاجة تخصك، عشان إنتي كنتي دايمًا على بالي.
هبطت الدموع من مقلتيه واستأنف حديثه بألم: ليه؟ ليه تسيبيني كل ده أعيشه من غيرك؟ بس صدقيني أنا عمري ما حبيت غيرك، وهفضل كده لحد آخر يوم في عمري.
قام بالجلوس بجانب قبرها كأنها تجلس بجانبه ونظر للسماء.
طارق: الحياة من بعدك مش حياة، كنتي أجمل حلم حلمته وبحاول أحققه بس ما لحقتش.
ظل هكذا لوقت لا يعلمه، يبكي بجانب قبرها ويتحدث معها كأنها تسمعه. بعد فترة طويلة، قام بمسح دمع عينيه بيده وأعاد شعره الأسود المتخلط باللون الأبيض إلى الخلف، ثم استقام من مكانه منفضًا ثيابه من غبار القبر. خرج من المقابر وتحرك نحو سيارته ولكنه توقف عندما رآه أمامه.
هشام بابتسامة: كنت واثق إني هلاقيْك هنا بتبكي على الأطلال، قصدي على قبرها.
عكف طارق حاجبيه بضيق من حديث هشام وتجاهله وأكمل سيره نحو سيارته ولكنه أوقفه متحدثًا بسخرية.
هشام: يعني كلام بلقيس كان حقيقي؟ إنت فعلًا ما تجوزتش أصلًا عشانها؟
استدار طارق له وقد عادت ملامحه الغاضبة وكاد أن يتحدث ولكن استأنف هشام حديثه.
هشام: أنا عمري ما هبقى زيك يا طارق، عمري. مش هسيب الإنسانة اللي بحبها في حضن واحد تاني، مش هسيب لها أصلًا حرية الاختيار، هي هتكون ملكي بدون أي قرار منها، المهم هو قراري أنا.
طارق: إياك تتصرف بالطريقة المتهورة دي.
اقترب هشام منه بغضب: أنا مش هكرر غلطتك، مش هبقى الحبيب اللي ضحى بحياته كلها عشان خاطر واحدة اختارت حضن واحد تاني وفي الآخر ماتت وهي مش معاك برضه، مش هبقى الحبيب اللي بيبكي على الأطلال وبيعذب نفسه في شغله ليل نهار عشان ينساها وبرضه مش عارف ينساها، مش هبقى المغفل اللي...
قطع حديثه صفعة قوية من طارق الذي ينظر له بغضب شديد.
طارق: إنت إزاي تتكلم معايا كده؟ أنا خالك!!
هشام: إنت خسرت احترامي ليك في اليوم اللي أجبرتني فيه أبعد عنها، لكن ده بعدك. مريم هتكون ليا، بالذوق بالعافية هتكون ليا، أنا مش جبان زيك.
كاد أن يتحرك ولكن طارق أمسك ذراعه بغضب.
طارق: ياسين المغربي مش سهل، مش هيسيبك في حالك. هو شكله بيحبها، ابعد عن طريقها، هي ما تليقش بيك يا ابني.
أبعد هشام ذراعيه بعنف عن خاله، وتحدث بغضب شديد.
هشام: ما تليقش بيا وتليق بيه هو؟ إحنا هنهزر؟ الكل عارف إن مريم ملكي أنا من البداية، وحتى لو هو ما يعرفش مصيره هيعرف قريب جدًا لما تبقى معايا، وخليك فاكر كويس يا طارق إنك إنت السبب في كل اللي بيحصل ده واللي عمري ما هسامحك عليه أبدًا، إنت السبب في إن حبيبتي أنا تبقى في حضن واحد تاني.
تركه هشام بغضب وتحرك نحو سيارته يخطط بداخله لمريم ولجعلها ملكًا له. أغمض طارق عينيه بضيق من حديث ابن أخته المتهور الغبي. ركب سيارته وبدأ بالتحرك ويقوم بمهاتفة رقم معين.
طارق بهدوء: مساء الخير، كنت محتاج رقم دكتورة كانت بتشتغل عندنا في المستشفى، اسمها مريم أحمد سعيد هنداوي...
تجلس في غرفتها تشعر بالملل من وجودها المستمر بالغرفة. حاول عماد مساعدتها في أن تشعر بالمرح قليلًا ولكنها ضحكت قليلًا ثم عادت إلى شعور الملل مرة أخرى. تتساءل أين ياسين الآن؟ نبض قلبها بشدة عندما تذكرت فارسها الذي كان يحملها لينقذها. لقد شعرت بنفس الشيء عندما كان يحملها ياسين بين يديه. الفرق هنا أنها رأت وجهه لكن الآخر لم ترَ وجهه. إذًا لماذا شعرت أن كلاهما نفس الشخص؟ هزت رأسها بنفي مطلق. يستحيل أن يكون الاثنان واحد، فياسين رجل أعمال أما ذاك الشخص هو أكيد بالطبع ضابط شرطة لأنه أنقذها من الأشرار.
استفاقت على صوت عماد.
عماد بتأفف: أنا مليت، ما تيجي نتفرج على التليفزيون؟
هزت مريم رأسها وقامت بفتح التلفاز وبدأت بالبحث في القنوات واحدة تلو الأخرى. ولكنها انتفضت بقوة عندما رأت ذلك الخبر الذي وجدته على إحدى القنوات.
"علاقة ياسين المغربي السرية، تُرى من تلك المجهولة التي كان يحملها بين يديه يوم أمس؟"
نظرت لتلك الصورة التي تم التقاطها لها من بعيد وهو يحملها بين يديه بثوبها المبتل وملامحها غير واضحة.
"هل هناك قصة حب بينهما؟ أم أنها مجرد علاقة عابرة؟"
كانت تنظر لذلك الخبر أمامها بصدمة وذهول لا يقل عن صدمة وذهول عماد. بحثت عن قناة أخرى ولكن أغلب القنوات الإخبارية كانت عنها هي وياسين فقط. التقطت هاتفها سريعًا ولكنها لا تحتاج إلى عمل بحث على ذلك الخبر، فقد أتى أمامها. هي وياسين كانا حديث وسائل التواصل الاجتماعي. لم تكن تعلم أن ياسين معروف إلى تلك الدرجة!! ظلت هكذا تقلب في هاتفها دون أن يغمض لها جفن من ذهولها وصدمتها، أما عماد عكف حاجبيه بغضب من ذلك. فلن يتركها أحد في حالها. استفاقت من صدمتها عندما رأت رقمًا غير معروف يتصل بها. نظرت للرقم قليلًا وتنهدت ثم أجابت.
مريم: ألو.
تحدث طارق بهدوء: حمد الله على سلامتك يا دكتورة مريم.
عكفت مريم حاجبيها بضيق لأنها علمت صوت من هذا.
مريم بضيق: عايز إيه؟
طارق بسخرية: عايز كل خير يا دكتورة، كنت عايز أقول لك إن رضوى ما كانتش تقصد تعمل اللي عملته ده، هي ما كانتش تعرف إنك ما بتعرفيش تعومي.
مريم بغضب: وهي بقى عينتك المحامي بتاعها؟ إنت فاكرني هسيب حقي كده؟ البلد فيها قانون، أنا هوديها في داهية لما أفوق لها بس و...
طارق بنبرة مستفزة مقاطعًا لها: حيلك يا دكتورة، طالما إنتي جايباها بالعناد أنا كمان هجيبها بالعناد وأقف قصادك، وهجيب أشطر محامي في مصر يثبت إنها ما عملتش أي حاجة أو ممكن غلطة منها عادي بدون قصد، إنتي ليه واخدة الموضوع على قلبك أوي كده؟ قلت لك البنت ما كانتش تعرف إنك ما بتعرفيش تعومي، واحمدي ربنا إنك لسه عايشة.
أغمضت مريم عينيها بغضب وكادت أن تتحدث.
طارق: عدي يا دكتورة وانسِي، هي مش هتتعرض لك مرة تانية، هي اتعلمت من غلطتها خلاص.
ضغطت مريم على هاتفها بقوة وهي ممسكة به.
مريم بغضب: إياك أشوف حد فيكم تاني قدامي.
طارق بانتصار: شكرًا لتفهمك يا دكتورة مريم.
أغلق طارق معها ثم قام بالاتصال برضوى يطمئنها قليلًا، أما بالنسبة لمريم فكانت تنظر أمامها بصدمة وذهول مما يحدث. هي الضحية ويقوم بتهديدها!! كيف؟!!
ضغطت على هاتفها بقوة ولم تشعر بدموعها التي تهبط من مقلتيها، وهنا في هذه اللحظة تيقنت تمامًا أنها يتيمة، ليس لها أحد. استفاقت عندما وضع عماد يديه على كتفها بقلق.
عماد: "مالك يا مريم؟ فيكِ إيه؟"
نظرت مريم في عينيه بعدم استيعاب.
مريم بألم: "أنا يتيمة، أنا ماليش حد."
هز عماد رأسه برفض شديد.
عماد: "ما تقوليش كده، أنا موجود معاكِ ومش هسيبك أبدًا."
أمسك بكتفيها وقام بضمها له. بكت بنحيب عالٍ. لماذا تشعر أن كل من حولها يحاول أن يثبت لها أنها وحيدة؟ لماذا تغار من كل شخص لديه عائلة وأناس يحبونهم؟ آلمها قلبها بشدة مما تشعر به. ابتعدت عن عماد عندما أصدر هاتفها صوت رنين مرة أخرى. لكن تلك المرة كانت تعرف من الشخص الذي يهاتفها. على الرغم من أنها قامت بحذف رقم هاتفه إلا أنها تتذكره. "هشام". أغلقت هاتفها ولم تجبه.
عماد باستفسار: "في إيه؟ إيه اللي حصل؟ كنتِ بتكلمي مين؟ ومين اللي رن عليكِ دلوقتي؟"
هزت مريم رأسها بنفي.
مريم: "مش حد مهم، بعد إذنك يا عماد أنا محتاجة أبقى لوحدي، تعبانة شوية."
كاد أن يتحدث، ولكنها قاطعته بألم.
مريم: "أرجوك سيبني لوحدي."
هز عماد رأسه بقلة حيلة وتحرك بكرسيه نحو الباب، ثم نظر لها مرة أخيرة وبعدها خرج من الغرفة. عادت مريم لفراشها مرة أخرى. تفكر بكل ما حدث لها. تشعر دائمًا أنها ليست بالمكان المناسب. ممتنة لياسين أنه ساعدها وممتنة لحب عماد لها. ولكنها تعيسة تشعر أنها لم تعد تفهم ما تريد. تفسر اهتمام ومساعدة ياسين لها إعجاب ولكنه يساعدها فقط وعلى الرغم من ذلك فقد سببت له الأذى فقد كانت السبب في أن الجميع يتحدث عنه بسبب إنقاذه لها أمس، لقد كانت السبب في أنه على الصفح الرئيسية في قنوات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي. فيبدو أن حياته سرية وخاصة به فقط وهي من دمرت ذلك. أما عماد فقد اعتاد عليها يبدو كالأطفال ولكنها إذا ابتعدت عنه قليلًا سوف ينساها سريعًا. تنهدت بقوة على قرارها الذي اتخذته. تحركت بهدوء نحو خزانة ملابسها الجميلة والتي ستفتقدها كثيرًا. أخرجت حقيبتها وقامت بوضع جميع ملابسها بهم.
خرج ياسين من شركته وحاوطه رجاله بسبب وجود تجمع أعداد كبيرة من الصحافيين بخارج الشركة. انهالت الأسئلة عليه من الجميع. من تلك الغامضة التي كان يحملها بين يديه؟ هل هناك قصة حب سرية لا يعلم عنها أحد؟ ولكنه لم يجب أحد واتجه نحو سيارته وتحرك السائق به وخلفه رجاله. تقف أمام مرآتها بيدها ورقة استقالتها من رعايتها الطبية لعماد، اتجهت نحو فراشها ووضعت الورقة به، حملت حقيبتها وخرجت من الغرفة. تعجبت الخادمات عندما رأوها تحمل حقيبتها واقتربت إحداهن تسألها بتعجب.
الخادمة: "رايحة فين يا دكتورة؟"
تحدثت مريم بابتسامة هادئة: "خلاص ده آخر يوم ليا هنا، مبسوطة إني قابلتكم كلكم."
كادت أن تتحدث الخادمة ولكن مريم تركتها وهبطت للأسفل وعندما وصلت باتجاه باب القصر الداخلي وضعت حقيبتها أرضًا واتجهت نحو الباب لتفتحه وهنا تقابلت عينيهما. كان يقترب من باب القصر وخلفه رجاله. تعجب من رؤيتها بذلك الوقت، نظر لتلك الحقيبة الملقاة بجانبها أرضًا ثم عاد بنظره لها مرة أخرى.
دق قلبها بعنف عندما رأته أمامها لسبب لا تعلمه.
ياسين باستفسار: "على فين يا دكتورة؟"
مريم بابتسامة رسمية: "أنا باستقيل من رعايتي الطبية لعماد، وبعتذر عن أي أذية سببتها لحضرتك."
ظل ينظر لها ولم ينطق بأي حرف حتى حملت حقيبتها واقتربت منه أكثر.
مريم بحزن: "أنا آسفة على اللي حصلك بسببي، أنا ما كانش قصدي إن ده كله يحصل، كله بقى بيتكلم عنك بسببي."
كان ينظر لها بهدوء كأن ما يحدث حوله لا يهمه حتى.
مريم مكملة حديثها بابتسامة وامتنان وهي تنظر داخل عينيه: "شكرًا على كل حاجة حلوة حضرتك قدمتها لي، صدقني مش هنساك، هافضل فاكراك دائمًا، وما تخليش عماد يزعل مني،" ضحكت ضحكة خفيفة ثم استأنفت حديثها "هو أصلًا أسبوع أو أسبوعين وهينساني."
تعجبت من صمته المستمر، لماذا ينظر لها فقط؟ لماذا لا يتحدث؟ أغمضت عينيها تحاول تهدئة نفسها ولكن فتحتهما باتساع عندما سمعته.
ياسين بهدوء: "ارجعي على أوضتك يا دكتورة."
نظرت له بعدم فهم. اقترب ياسين نحو أذنها قليلًا وهمس لها.
ياسين: "الصحافيين بره القصر لو مش حابة تأذيني أكثر من كده يبقى ارجعي على أوضتك وما تخرجيش النهاردة."
نظرت باتجاهه. كان قريبًا منها أكثر من ذي قبل. شعرت بأنها تائهة، أنفاسه تلفح وجهها ولكنها استفاقت عندما اعتدل ياسين ونظر أمامه بهدوء.
ياسين برقي اعتادت عليه: "أنا ما أقبلش أبدًا إني أكون ذكرى، استقالتك مرفوضة،" نظر لها بابتسامة هادئة "تصبحي على خير يا دكتورة."
تركها وذهب. أما هي نظرت خلفها تتابعه بذهول. تتذكر كلماته الأخيرة، تفكر بكل كلمة قالها. هل هو يخبرها بأن تبقى؟ هل هو متمسك بوجودها هنا؟ ولكن لا يجب أن تشعر بمشاعر اتجاهه. يبدو أنها تتوهم مرة أخرى أنه يهتم بها وبوجودها. أغمضت عينيها بإرهاق، ثم نظرت لباب القصر وللرجال الواقفين أمامها. تنهدت باستسلام والتفتت لتعود لغرفتها، أخذ أحد الرجال حقيبتها من يدها، أما هي هزت رأسها باستسلام لا تصدق أنها ستبقى هنا بقراره هو.
في صباح اليوم التالي:
كان يجلس أمامها ينظر لها بهدوء.
رضوى بحزن: "أنا آسفة يا هشام، بس أنا طول الليل بأفكر في الموضوع ده، أنا خلاص هاروح لندن، كان نفسي نكمل سوا.. بس أنا ما بقتش مرتاحة هنا، ربنا يوفقك."
نزعت خاتمها ووضعته بيده.
رضوى بحزن: "أتمنى ما تزعلش مني، بس أنا خلاص قررت."
هز هشام رأسه بهدوء لها. أما هي ابتسمت له بهدوء وتركته ورحلت مبتعدة عنه وعن حياته بأكملها. ابتسم بهدوء وهو ينظر للخاتم الذي بيده ثم التقط هاتفه وقام بتدوين رقم هاتف مريم وظل يهاتفها ولم ترد. ظل هكذا لوقت طويل حتى ردت أخيرًا. قبل دقائق. تجلس بفراشها لا تصدق ما حدث معها يوم أمس. أخبرته أنها تستقيل ولكنه رفض استقالتها. هناك شيء بداخلها يخبرها أن ياسين لديه مشاعر اتجاهها ولكنها ترفض تصديق ذلك. فهو يساعدها فقط. لكن لماذا يساعدها؟ لماذا؟ ماذا يريد بالمقابل؟ وضعت يدها على مكان قلبها الذي ينبض بقوة لمجرد تفكيرها به. وماذا عن تلك الجملة التي قالها أمس؟ أنه لا يقبل أن يكون ذكرى؟ ماذا يقصد؟ لماذا تشعر بأنها غبية؟ هي بالفعل غبية. استفاقت على صوت رنين هاتفها. عكفت حاجبيها والتقطت هاتفها. تأففت بضيق عندما رأت رقم هاتفه. رمته بجانبها وعادت تفكر بياسين مرة أخرى. ولكنها عكفت حاجبيها بانزعاج بسبب الرنين المستمر نظرت لهاتفها عدة دقائق. التقطته وتحدثت بغضب.
مريم: "في إيه؟ عايز إيه؟ افهم بقى مش عايزة أرد عليك أو أتعامل معاك مرة ثانية."
هشام: "وحشتيني."
مريم بغضب وتقزز من حديثه: "أنت إزاي مستحمل نفسك كده وأنت بتقول لواحدة ثانية غير خطيبتك الكلام ده؟ احترم وجودها في حياتك."
هشام بابتسامة: "مريم، خلاص أنا ورضوى ما بقاش في بينا حاجة، أنا باحبك أنتِ صدقيني، أنا ما ليش غيرك."
مريم بغضب: "افهمني بقى، أنا خلاص ما بقتش باحبك، أنا وأنت انتهينا من قبل ما نبتدي يا هشام.. ما بقاش في بينا حاجة."
هشام برجاء: "أرجوكِ يا مريم اسمعيني، كان غصب عني، كان لازم أعمل كده عشان كنت خايف عليكِ، كان لازم أبان وحش قدامك."
مريم برفض شديد: "مهما يكن موقفك كان إيه، أنا وأنت خلاص انتهينا افهم بقى."
هشام بهدوء: "حاضر، بس أنا محتاج أقابلك.. محتاج أتكلم معاكِ، مش هينفع الكلام في التليفون خالص."
مريم بيأس: "انساني يا هشام، انساني."
كادت أن تغلق.
هشام: "مريم اديني فرصة طيب أشرح لك، حتى لو مش هتسامحيني بس اديني فرصة أقابلك وأشرح لك موقفي."
صمتت قليلًا تفكر بحديثه. انتهت قصتهما بالفعل. كادت أن تتحدث ولكن هشام أكمل حديثه.
هشام: "أنا مستنيكي في الكافيه اللي أنا وأنتِ كنا دائمًا بنقعد فيه لما بنيجي نخرج سوا، ما تتأخريش عليَّ."
أغلق معها قبل أن تتحدث. أغمضت عينيها بغضب ولكنها أخذت نفسًا عميقًا.
مريم بهدوء: "هتخسري إيه لو قابلتيه يعني؟ هتوضحّي له إنكم انتهيتوا بس كده."
استقامت من فراشها وتوجهت نحو خزانتها. بعد مرور عدة دقائق. طلبت من أحد سائقي القصر إيصالها لمكان ما. وقام بإيصالها بالفعل وتبعها بعض الرجال لمنع الصحافة من الاقتراب منها، أوصلها السائق وانتظرها بالخارج هو ورجال ياسين، أما هي دخلت المكان الذي ينتظرها هشام به. بدأت بالبحث عنه بعينيها حتى وجدته جالسًا عند مائدة صغيرة منتظرًا إياها. تنهدت بضيق ثم توجهت نحوه. عندما رآها ابتسم لها بحب كأن لم يحدث بينهما شيء. عكفت حاجبيها بغضب من ابتسامته الغبية تلك.
عندما وقفت أمامه تحدثت بتأفف:
"نعم؟"
هشام بابتسامة بسيطة:
"اقعدي الأول نشرب حاجة."
مريم بغضب:
"أنا مش جاية أشرب حاجة، أنا جاية أقولك كلمتين، مهما يكن حصل إيه بيني وبينك انساني يا هشام، أنا خلاص نسيتك وما بقتش بحبك، ما بقاش في بينا أي حاجة أصلاً، كل حاجة انتهت من زمان."
قبض على يديه بقوة محاولًا التحكم بغضبه.
هشام بهدوء:
"مريم اقعدي واتكلمي براحة، الناس بتتفرج علينا."
نظرت حولها ثم نظرت له مرة أخرى.
مريم بقوة:
"أنا قولت اللي عندي، وما فيش قعاد معاك، أنت ما تقربليش ولا في بينا أي حاجة عشان أقعد معاك."
تركته وذهبت وهو ذهب خلفها وأوقفها ممسكًا بذراعها بقوة.
هشام بغضب:
"أنت فاكر إني هسيبك هتمشي؟ أنت ملكي يا مريم، أنت فاهمة؟ هنرجع لبعض وهنبقى أحسن من الأول."
حاولت دفعه بقوة ولكنه كان قويًا عنها.
مريم بصراخ وغضب:
"أنا عمري ما هبقى لواحد زيك."
هشام:
"مش هتبقي غير ليا أنا وبس."
كادت أن تتحدث ولكنه جعلها تفقد الوعي بتلك الإبرة التي حقنها بها بيده الأخرى، فقد كانت إبرة مخدرة. حملها بين يديه وخرج من الممر الآخر بالمكان حتى لا يراه رجال ياسين المتواجدين بالخارج عند ممر الخروج الأول.
رواية القاتل الراقي الفصل العاشر 10 - بقلم سارة بركات
في المساء:
يجلس بغرفة اجتماعات الشركة متحدثًا مع جميع رجال الأعمال في مناقصة مهمة، ولكن قاطع ذلك الاجتماع طرقات على باب الغرفة بشكل مستمر. عكف ياسين حاجبيه بغضب سامحًا لرجل من رجاله بفتح الباب. دلف أحد رجاله وهو يتنفس سريعًا كأنه كان يجري أميالًا طويلة. تعجب ياسين من حاله.
ياسين باستفسار: "إيه إللي حصل؟"
الرجل بتوتر: "الدكتورة..."
صمت الرجل ولا يعرف كيف يخبره بما حدث.
ياسين بهدوء للجميع: "الاجتماع خلص."
خرج الجميع بتعجب مما يحدث، وبعد خروجهم، استقام ياسين من مقعده وتوجه سريعًا نحوه.
ياسين بهدوء: "مالها الدكتورة؟"
الرجل: "الدكتورة اتخطفت يا ياسين بيه، وصلناها لمكان هي كانت محتاجة تروحه، غابت هناك ساعتين ولما حبينا نتأكد منها هل هتطول أكتر ولا لأ ماكانتش موجودة، من وقتها بنحاول نوصل لحضرتك وحضرتك مش بترد ولا حتى زمايلنا إللي مع حضرتك ما حدش فيهم رد."
أغمض الرجل عينيه بقوة مستسلمًا لما سيحدث بعد ذلك، ولكنه تعجب من عدم حدوث شيء ولا حتى حدوث عقاب من ياسين له. قام بفتح عينيه وكان ياسين اختفى من أمامه وكان باقي رجاله يهرولون خلفه.
***
تشعر بلمسات خشنة على جسدها وهي نائمة، لمسات محرمة قد استباحها خاطفها، ولكنها لا تستطيع الاستيقاظ لمنعه بسبب ذلك المخدر الذي احتُقنت به. تسمع صوته الذي أصبحت تمقته ولا تستطيع فتح عينيها ولا التحدث أيضًا. ينظر لجسدها بشهوة كم كان يريد التقرب إليها وجعلها بين يديه هكذا. اقترب هشام من أذنها هامسًا بلهفة.
هشام: "كان نفسي تبقي بين إيديا زي دلوقتي، كنت بتمنى اليوم ده ييجي، أنا بحبك يا مريم وماحبتش غيرك، أنا هفضل طول عمري أحبك."
نظر لشفتيها وقام بلمسهما بضيق متذكرًا أنهما تقابلتا مع شفتَيْ شخص غيره. اقترب منهما سارقًا عذرية شفتيها. تئن برفض وهي نائمة، تشعر بما يحدث حولها ولا تستطيع التحرك. تيقنت بداخلها أنه قام بحقنها بمخدرٍ مرة أخرى حتى لا تستيقظ ولا تفر منه. هبطت الدموع من مقلتيها على ما تشعر به من قهر وهو أنها لا تستطيع إنقاذ نفسها. قطع قبلته لها طرقات مستمرة على باب الشقة المتواجدين بها. عكف هشام حاجبيه بغضب لأنه يريدها الآن. ابتعد عنها على مضضٍ، وخرج من الغرفة متجهًا نحو باب الشقة وعندما قام بفتحه تفاجأ بتلك الرصاصة التي اخترقت صدره ووقع أرضًا يلفظ أنفاسه الأخيرة. انتشر رجالٌ بالشقة وقاموا بالبحث عنها وعندما دخلوا غرفة معينة وجدوها أمامهم. حملها أحد الرجال ووضع آخر ورقة مطوية على الفراش بالمكان الذي كانت مريم به سابقًا. تشعر بأحد يحملها ولا تدري من ولكن قلبها ينبض من الذعر. خائفة كثيرًا ولا تدري أين هي ذاهبة، حتى نامت مرة أخرى وغابت أحاسيسها.
***
خائفون؟ نعم هم خائفون فمنذ لحظة معرفته باختفائها هو صامت لم يتحدث ولم يبدِ أي ردة فعل وهذا ما يخيفهم كثيرًا. يقف بالكافيتيريا التي حدث بها تلك الواقعة، يرى تسجيلات المكان وعلم أنها كانت معه ورأى كل ما حدث ورأى أيضًا تحرُّك هشام بسيارته بعد أن وضعها بها. استقام ياسين من مقعده وخرج للخارج ولحقه رجاله. ركب ياسين سيارته والتقط هاتفه وقام بإرسال رسالة لرقم معين.
ياسين: "عربية رقم **** موجودة فين دلوقتي؟"
انتظر ياسين قليلًا بهدوئه المعتاد أمام الجميع ولكن لا أحد يعلم أن هناك بركان غاضب بداخله. سيقتله، سيقتل ذاك الطبيب دون رحمة منه. قرأ الرسالة التي وصلت إليه للتو، فالعنوان الموجود أمامه بمدينة الإسكندرية. قام بعمل مكالمة هاتفية لم تستغرق ثوانٍ ثم أغلق هاتفه، وبعد مرور عدة دقائق كان ياسين يجلس بطائرته الخاصة المتجهة لمدينة الإسكندرية والتي لم تستغرق سوى عدة دقائق للوصول إليها. عند الوصول لمدينة الإسكندرية كان هناك العديد من السيارات السوداء بانتظار ياسين المغربي ورجاله. ركب ياسين بإحدى السيارات وركب رجاله بالسيارات الأخرى. بعد مرور دقائق قليلة وصل لمبنى سكني وسأل أحد الحرس عند الطبيب هشام وقد أبلغهم حارس المبنى بالطابق المتواجد به. صعد ياسين لذاك الطابق وعند طرق الباب لم يُجب أحد، قام رجال ياسين بفتح الباب بطريقتهم الخاصة، ثم دخل ياسين الشقة أولًا ورأى جثة هشام ملقاةً أمامه. عكف ياسين حاجبيه ثم بدأ بالبحث في الغرف الموجودة بالشقة على مريم وصل لغرفة بها فراش يوجد عليه ورقة مطوية وبجانبه شيء صغير يصدر لمعانًا. اقترب ياسين من الورقة وحملها وبدأ بقرائتها.
"وأخيرًا قدرنا نعرف إيه هي نقطة ضعف ياسين المغربي.. انسحب من المناقصة إللي إنت فيها عشان تقدر تشوف الدكتورة الجميلة بتاعتك مرة تانية."
فقط ذلك ما كُتب في الورقة التي يحملها قلب ياسين الورقة على ظهرها ولكن لم يجد شيئًا مكتوبًا. تنهد تنهيدة بسيطة ثم جلس بهدوء على ذلك الفراش ونظر لتلك الورقة لعدة دقائق. يقف رجاله خارج الغرفة ينظرون له بترقب تُرى ماذا سيفعل بهم بعدما فشلوا في حمايتها؟ التقط ياسين الشيء الصغير الذي كان يصدر لمعانًا وكان عبارة عن سوارٍ فضيٍ رقيق. السوار الذي ترتديه الطبيبة حول معصمها الأيمن دائمًا. تأمل ذلك السوار لعدة دقائق يتأمله، ثم عاد والتقط هاتفه وقام بعمل مكالمة هاتفية.
ياسين بهدوء: "أنا بعلن انسحابي من المناقصة."
لم ينتظر ردًا من الطرف الآخر وقام بإنهاء المكالمة. استقام ياسين من الفراش وتقابلت عينيه مع أعين رجاله الذين ينظرون له بترقب ولكن سرعان ما نظروا أرضًا خوفًا من عقابه. تحرك ياسين لخارج الغرفة حتى أصبح أمامهم. ثم تحدث برقيٍ يليق به كعادته.
ياسين: "بعد ما الدكتورة ترجع، هشوف إذا كنتم هتتعاقبوا ولا لأ."
ثم توجه بنظره نحو جثة الطبيب.
ياسين: "بلغوا أهل الشاب إنه توفى."
هز الجميع رؤوسهم بطاعة، ثم خرج ياسين من الشقة ممسكًا بسوار مريم بقوة.
***
بدأت أعراض المخدر في الذهاب وبدأت مريم في الاستيقاظ شيئًا فشيئًا. نظرت حولها بخوف ووجدت نفسها في مكانٍ مُظلمٍ وكادت أن تتحرك ولكنها لم تستطع بسبب أنها مُكبلة بالفراش الذي توجد به. بدأت مريم بالصراخ لعل أحدًا يقوم بإخراجها ولكن لم يُجبها أحد. شرعت بالبكاء وبدأت بمناداة هشام لعله يسمعها فهو من اختطفها.
مريم بصراخ: "هشام."
ولكن لم يُجبها أحد. بكت بقهر على الخوف الذي ينتشر بداخلها. تتذكر جيدًا ذلك اليوم. ذلك الشعور الذي شعرت به. هي خائفة. خائفة جدًا مثل ذلك اليوم. الظلام الحالك المنتشر بالمكان. أين النور الذي تتمسك به لتخرج من تلك الظلمة الحالكة؟ ظلت تبكي لعدة دقائق ولكنها هدأت عندما بدأت بالتفكير بـ "ياسين المغربي". لا تدري بماذا تشعر ولكنها تتمنى من قلبها أن يقوم بإنقاذها مما هي فيه.
***
هبطت طائرة ياسين المغربي مرة أخرى ولكن عودة للقاهرة. وبعد مرور عدة دقائق. يجلس بسيارته ممسكًا بسوارها الفضي بقوة في يد وفي يده الأخرى ممسكًا بهاتفه. يعلم جيدًا ما نوع الأشخاص الذي يتعامل معه. يريدونه أن يترك المناقصة لهم. سيتركها. لكن لن يتركهم على قيد الحياة. سيقتلهم جميعًا. نظر لهاتفه فقد انتشر خبر انسحابه من المناقصة بسرعة كبيرة جدًا. انتبه لسؤال سائقه الشخصي.
السائق: "حضرتك ما قولتش هنروح فين؟"
لم يُجبه ياسين ولكنه كان ينتظر. ينتظر فقط. حتى ارتسمت ابتسامة قاتلة وهو ينظر لتلك الرسالة التي أتت للتو على هاتفه. والتي تبين انتصار أحد المساهمين بتلك المناقصة. فقد كان انسحابه من تلك المناقصة يعني انسحاب أغلب المشاركين بها وسيتبقى المذنب. وبعد دقائق قليلة وصله عناوين خاصة بالمساهم الذي ربح المناقصة والذي يُدعى "وائل". أمر سائقه بالتحرك وتحرك خلفه رجاله.
***
تجلس في الظُلمة الموجودة بها وكان المسموع في تلك الغرفة الهادئة هو صوت شهقاتها المستمرة. حتى قطع ذلك الهدوء صوت باب يتم فتحه وإضاءة عالية تم تشغيلها في المكان مما جعل مريم تغمض عينيها بشكل تلقائي نظرًا لوجودها في الظلام لوقت أطول، وحينما اعتادت عينيها على الضوء نظرت لذلك الرجل الذي ينظر لها بابتسامة ودودة كأن شيئًا لم يكن، كأن لم يتم خطفها من الأساس.
مريم بصوت متحشرج من البكاء: "إنت مين؟ وعايز إيه مني؟"
اقترب الرجل منها وجلس بجانبها بالفراش. وهي حاولت الابتعاد ولكنها كانت مكبلة، فلم تستطع التحرك.
وائل بابتسامة: "إهدي."
مريم بتكرار: "إنت مين؟ وعايز إيه مني؟"
وائل: "مش عايز منك حاجة خالص."
مريم باستفسار: "أومال أنا هنا ليه؟"
وائل: "إنتي هنا بسبب ياسين المغربي، جبتك هنا عندي عشان ينفذ لي حاجة وهو نفذها خلاص."
تحدثت مريم بأمل: "وهتخرجني من هنا دلوقتي صح؟"
صمت الرجل والذي يُدعى وائل، ونظر لجسدها بنظرة تعجبتها مريم، حتى شعرت أنه يراها عارية، أرادت أن تستر جسدها على الرغم من أنها ترتدي ثيابها. تحدث وائل بنبرة غريبة.
وائل: "ممكن تقعدي معايا هنا لو حابة."
لاحظت اقترابه من جسدها أكثر، وكادت أن تصرخ ولكنه قام بلثم فمها بيده.
وائل: "ما تخافيش، ما حدش هيعرف حاجة، رجالتي بره ومش هيدخلوا علينا خالص... المهم ننبسط أنا وإنتي."
هبطت الدموع من مقلتيها قهرًا على ما سوف يحدث لها وفي تلك اللحظة فقط تمنت الموت. لم تستطع مقاومة ما يحدث لأنها مكبلة بقوة لدرجة أنها لا تستطيع التحرك.
قبل عدة دقائق... وصلت سيارة ياسين لمكان مهجور، ومن الواضح أنه يبدو مصنعًا قديمًا للأقمشة... عكف ياسين حاجبيه عندما رأى الكثير من الرجال يحاوطون المكان. أمر السائق بإيقاف السيارة هنا حتى لا يلاحظهم أحد، وتوقفت سيارات رجاله أيضًا، وجميعهم يتجهزون بأسلحتهم النارية... قام ياسين بأخذ سكين حاد وعيار ناري من أسفل مقعده بالسيارة... هبط ياسين من سيارته بهدوء ونظر لرجاله بنظرته الخالية من الحياة، وتلك كانت إشارة لهم بالانطلاق... حاوط رجال ياسين المكان بهدوء، وكان كل تحركاتهم بالإشارات كأنهم تدربوا على ذلك جيدًا.. وعندما اقتربوا من المكان كانوا على أهبة الاستعداد. أما ياسين، فكان واقفًا منتظرًا إشارتهم في التقدم حتى بدأت أصوات إطلاق النيران.... لم تستطع مقاومة ما يحدث لأنها مكبلة بقوة لدرجة أنها لا تستطيع التحرك، فقامت بعض أصابعه بأسنانها بقوة.
وائل بألم:
يا بنت الـ*****، أنا هوريكي.
قام بضربها بقوة وهي بدأت بالصراخ، وعندما تزيد صرخاتها يقوم بضربها أكثر، وأغلب ضربه لها كان في الرأس مما جعلها تشعر بالدوار، ولكنه توقف حينما انتشرت أصوات طلقات النيران حول المكان.. فزع وائل من تلك الأصوات وفهم أنه قد كُشِف... قام بفك قيد مريم سريعًا وأخذ عيارًا ناريًا ووجهه لرأسها.
وائل بغضب:
قومي اتحركي.
دخل ياسين ذلك المصنع يمر فوق الجثث التي تم قتلها من قِبَل رجاله... ولكنه أثناء سيره توقف أمامه العديد من الرجال.
أحدهم:
نزل سلاحك.
نظر لهم ياسين بهدوء كأنهم لم ينطقوا شيئًا.
الآخر بتكرار وغضب:
نزل سلاح.......
قطع حديثه ذلك السكين الذي قام ياسين بتصويبه نحو عنقه سريعًا، ولم يستطع الباقون إصدار أي ردة فعل بسبب سرعة ياسين في التصويب عليهم من عياره الناري... تنهد ياسين وتوجه نحو سكينه الموجود في عنق أحدهم.. نزع السكين وأكمل سيره بهدوء، ولكنه وجد أحدهم حي. توجه ياسين نحوه.
ياسين بنظرة خالية من الحياة:
هي فين؟
كان ذلك الرجل يلهث ويلفظ آخر أنفاسه، وينظر لياسين بخوف ورعب... أمال ياسين رأسه للجانب الأيسر اعتراضًا عن صمته وقام بالتصويب نحو منتصف جبهته وأكمل طريقه بحثًا عنها.. تمسك بها وهو يوجه عياره الناري نحو رأسها وهي واقفة أمامه.. ينظر نحو باب الغرفة بترقب خوفًا مما يمكن أن يحدث... كل ما يسمعه هو طلقات النيران المنتشرة بالمكان.... تحاول الابتعاد عنه ولكنه قام بإمساك شعرها بقوة وإلصاق عياره الناري برأسها أكثر.
وائل بغضب:
إخرسي.
كان ياسين يقاتل رجال وائل مع رجاله الذين تدربوا على القتال بشكل جيد، ولكن كان ياسين ذو المهارة العالية في القتال فكان يتحرك ويقتل بسرعة لا يترك فرصة لأحد بالتنفس.. كأنه تدرب على ذلك لوقت أطول... نزع سكينه ببرود من صدر أحدهم ووقف أمام الغرفة الأخيرة والمتبقية... كان وائل يقف متمسكًا بمريم جيدًا، يرى خيال شخص يقف أمام باب الغرفة.. ارتجف جسده لأنه شعر بالهزيمة، ولكن لا.. تلك الطبيبة هي فرصة نجاته من ذاك المكان... سيخرج من هنا حتى لو اضطر لجعلها رهينة له طوال الحياة.. فُتِح باب الغرفة بهدوء وهنا ابتسمت مريم من بين دموعها وهي تنظر لياسين الذي يقف أمامهما، ولكن اختفت ابتسامتها عندما رأت ثيابه الممتلئة بالدماء، ووجهه الذي يوجد عليه قطرات من الدماء. أما بالنسبة لياسين، فقد تأمل معالم وجهها، شفتاها تنزفان، وثيابها ممزقة، ووجهها به بعض الكدمات... اقترب ياسين منهما بهدوء وهو يتأمل مريم التي تبكي وهي تنظر إليه، ولكنه توقف عندما تحدث وائل بتهديد.
وائل:
لو قربت خطوة تانية هقتلها، نزل اللي في إيدك.
حرك ياسين رأسه لليسار بنظراته الخالية من الحياة.
وائل بتكرار:
بقولك نزل اللي في إيدك.
تجاهله ياسين ثم عاد بنظره لمريم وتحدث بابتسامة هادئة.
ياسين:
أنا آسف يا دكتورة.
تعجبت مريم من حديث ياسين، أما بالنسبة لوائل فتشتت ونظر لمريم التي تنظر لياسين باستفسار.. استغل ياسين فرصة تشتته وقام برمي سكينه في رأس وائل والذي يبعد عن رأس مريم سنتيمترات قليلة، وقع وائل أرضًا.. أما مريم شهقت برعب مما حدث وارتجف جسدها، وشعرت أن الدوار أصبح يجتاحها أكثر حتى وقعت أرضًا... توجه ياسين نحوها وحملها بين يديه وخرج بهدوء من الغرفة.. ظلت هكذا فاقدة الوعي فقط لعدة دقائق، ولكنها قامت بفتح عينيها كانت مستندة برأسها على صدره وهو يحملها بين يديه كان يمشي بها خارج المصنع الذي كانت به.. أصابها الدوار مرة أخرى... تحاول أن تنظر لوجهه ولكن الرؤية كانت مشوشة بالنسبة إليها.. كانت مستسلمة لحمله إياها.. مستسلمة لكل شيء... تشعر بالراحة تريد أن تبقى هنا... هنا فقط.. ذلك الشعور! هو ما شعرت به من قبل مع منقذها.. تلك الرائحة! تتذكرها جيدًا كانت رائحة الدماء المنتشرة بملابسه، ذكرتها بمنقذها... رفعت مريم رأسها بتعب وإرهاق تحاول النظر لوجهه ولكنها لم تستطع الرؤية جيدًا، أغمضت عينيها واستسلمت لنومها... مع كلمة أخيرة قالتها.
مريم:
أنت!
سمعها ياسين جيدًا ولم يجبها وتوجه نحو سيارته ووضعها بها وتحرك بها سائقه، تاركًا رجاله يتولون باقي المهمة.. وغابت السيارة عن المكان عند شروق شمس يوم جديد.
في القصر:
يصعد سلالم القصر حاملًا إياها بهدوء حتى وصل لغرفتها، وضعها بفراشها بهدوء، وهنا فتحت مريم عينيها بإرهاق.. ابتسم ياسين ومد يده نحو وجهها يلتمسه برقة، ثم مرر أصابعه على شفتيها يلتمس جرحها بهدوء.. الإرهاق كان يغزو ملامحها وجسدها فقد تعرضت للضرب المبرح من ذاك الذي قام بخطفها بعد هشام.. قام بضربها على رأسها كثيرًا حتى شعرت أن جمجمتها سوف يتم كسرها.. كاد أن يبتعد ياسين عنها ولكنها تمسكت بيده التي على وجهها.
مريم بتخريف وبكاء:
ما تسيبنيش.
ياسين بابتسامة هادئة:
حاضر، دلوقتي إنتِ محتاجة ترتاحي.. نامي يا مريم... نامي.
بسبب إرهاقها ودوارها لم تنتبه أنه نطق اسمها دون ألقاب، وكانت تلك المرة الأولى التي يفعل بها ذلك.. كأن حديثه ووجوده بجانبها كالمخدر.. أغلقت عينيها بارتياح... ابتعد ياسين عنها وعادت نظراته للبرود ثم خرج من الغرفة.
في المشفى:
واضعًا رأسه على سطح مكتبه نائمًا فقد سهر كثيرًا ليلة أمس.. يقوم بمهاتفة هشام ولم يستطع الوصول إليه... فمن بعد ما أرسل له تلك الرسالة النصية ظهر أمس يخبره بذهابه إلى شقته بالإسكندرية مع حبيبته مريم ولا يريد أي إزعاج، وهو من وقتها يحاول الوصول إليه لكي يمنعه عن ذلك، فياسين المغربي لن يتركه، ولكنه لم يستطع الوصول إليه لأن هشام أغلق هاتفه... ظل هكذا حتى ذهب في النوم وهو على مكتبه... استيقظ طارق على صوت رنين هاتفه المستمر، استقام من مقعده بلهفة لعله هشام، ولكنه كان رقمًا غير مدون بهاتفه.. أجاب طارق الهاتف باستفهام.
طارق بنعاس:
ألو؟
المتصل:
دكتور طارق عزت؟
طارق:
أيوه أنا.
المتصل:
مع حضرتك مستشفى **** في إسكندرية، بنبلغ حضرتك باستلام جثمان هشام عادل أبو الوفا.
صُدِم طارق من حديث الذي يهاتفه.
طارق بعدم استيعاب:
إنت بتخرف بتقول إيه؟
المتصل:
أنا مقدر اللي حضرتك فيه، إحنا في انتظار حضرتك.
تم إغلاق المكالمة الهاتفية، أما طارق ظل هكذا غير مصدق لما سمعه، ولكنه بكى بغير تصديق.. لا يعلم كيف يحادث بلقيس شقيقته الغالية... لا يعلم بماذا يخبرها.. استقام من مقعده سريعًا وخرج من مكتبه ينوي أولًا التأكد من ذلك الخبر.
كانت نائمة على فراشها المريح بالقصر، ولكنها كانت تشعر بانزعاج شديد أثناء نومها، وكل ما تراه حولها هو الدماء ونظرات ياسين الخالية من الحياة... فتحت أعينها بفزع وخوف ووجدت نفسها بغرفتها بالقصر.. هل ما عاشته كان حقيقة أم حلم؟.. وضعت يدها على وجهها وتأوهت بألم، وبسبب ذلك الألم تيقنت أن كل ما عاشته كان حقيقة.. ارتجف جسدها عندما تذكرت تلك اللحظة.. لقد قتله بدم بارد.. غير أن ثيابه كانت ممتلئة بالدماء!!.. هل هو ضابط متنكر في هيئة رجل أعمال؟ هل هو في مهمة سرية أم ماذا؟.. لقد تهيأ لها أنه هو منقذها منذ الصغر، ولكن لو هما نفس الشخص فذلك هو إجابة استفسارها الوحيد الذي وصلت إليه من كل ما حدث.. لأن لا أحد يقتل بدم بارد هكذا... حسنًا مريم إنه ضابط وكان في مهمة إنقاذها... تنهدت بارتياح لعلها تريح قلبها، ستواجهه اليوم.. لا بد أن تجد تأكيدًا لما وصلت إليه، وذاك التأكيد سيكون منه هو... استقامت من فراشها وجاءت عيناها على سوارها الفضي.. التقطته من على الكومود بجانب فراشها بسعادة وقامت باحتضانه فهو ذكرى جميلة من أمها.. ارتدته وتنهدت بعمق مغمضة عينيها لعلها تهدأ قليلًا، ثم خرجت من غرفتها واتجهت مباشرة نحو غرفة ياسين متمنية أن يكون موجودًا فاليوم هو يوم عطلة، قامت بطرق الباب عدة مرات ولكنها لم تجد إجابة، قررت أن تتسلل لغرفته لتعلم بعض المعلومات عنه.. دخلت الغرفة بهدوء وكم تفاجأت بضخامتها ورقيها... غرفة تبدو مثل غرف الملوك بقصورهم ولكنها كانت بديكور عصري، فقد كانت خليطًا رائعًا من العصر القديم والحديث... كانت شاردة بجمال الغرفة ولكنها استفاقت من شرودها وعكفت حاجبيها بغضب... تحركت بالغرفة تحاول البحث عن أي شيء مريب.. ولكن الغرفة كلها مريبة، زمجرت بضيق وهزت رأسها بنفي وأكملت بحثها.. توجهت نحو غرفة بداخل الغرفة وهذا ما جعلها متعجبة.. فقد كانت تلك غرفة مكتبه، غرفة منظمة مليئة بالكتب تدل على ثقافة مالكها.. نظرت حولها فكل شيء مرتب هنا ولا يوجد شيء مريب.. عكفت حاجبيها موبخة نفسها... "ما بكِ مريم؟ أتبحثين في نظافة الغرفة؟ أم تبحثين عن شيء يثبت أنه ضابط سري؟!"... توجهت نحو مكتبه الخشبي الكبير وقامت بفتح الأدراج وللعجب الأدراج غير مقفلة كما ترى بالأفلام السينمائية... بدأت بالبحث في الأوراق الموجودة بمكتبه ولكن بلا فائدة لم تجد أي شيء.
فكلها أوراق صفقات تابعة للعمل ومناقصات وإلخ. نفخت بيأس ثم أعادت كل شيء كما كان، وعندما استدارت فتحت عينيها بصدمة عندما رأته واقفًا عند باب مكتبه ينظر لها بهدوء.
ياسين بابتسامة هادئة: "مساء الخير يا دكتورة، نمتي كويس؟"
شعرت مريم بالحرج كثيرًا فقد ضبطها متلبسة.
اقترب ياسين منها بهدوء، وابتعدت هي للخلف في المقابل حتى التصقت بمكتبه الخشبي. لم يكن بينهما سوى مسافة صغيرة، كانت تنظر أرضًا بتوتر وإحراج، أما هو يتفحصها بهدوء.
ياسين باستفسار: "حد عملك حاجة امبارح؟"
رفعت رأسها بتلقائية نظرًا لسؤاله. تقابلت أعينهما. عينيه الهادئتين مع عينيها المرتبكة، ولكنها تحدثت بصوت مبحوح من الخجل والإحراج في آن واحد.
مريم وهي تنظر أرضًا مرة أخرى: "ما حدش لحق يعمل حاجة."
هل تنهد بارتياح أم لا؟ هذا ما شعرت به مريم بعدما أجابته بتلك الإجابة. تفاجأت به يمسك بذقنها برقة ليرفع وجهها يتفحصه.
ياسين: "الجروح بدأت تخف، الكمادات تقريبًا مفعولها أعلى."
تعجبت من حديثه، هل هو من ظل بجانبها؟ نعم لقد كانت تشعر بأحد بجانبها طيلة نومها. لاحظت عينيه الناعستين تنظر لها باستفسار، ولكنها ابتعدت بعينيها عنه بإحراج. ابتعد ياسين عنها بخطوات بسيطة.
ياسين باستفسار: "كنتي بتدوري على إيه يا دكتورة؟"
مريم بتوتر: "لا أنا ما كنتش بدور على حاجة، أنا بس كنت بتفرج على جمال المكتب."
نظر ياسين لمكتبه والذي لم يعد منظمًا كما كان. توجه نحو مكتبه الخشبي وقام بتعديل بعض الأوراق عليه وضبط أماكنها كما كانت، ثم عاد ينظر إليها مرة أخرى.
ياسين بهدوء: "أنا ما بحبش الكذب يا دكتورة."
شعرت مريم بالتوتر أكثر لأنه قام بكشف كذبها.
ياسين بتفهم: "اتفضلي، محتاجة تسأليني في إيه؟"
مريم بتوتر: "أنا بس... كنت... كنت بدور على حاجة."
ياسين باستفسار: "إيه هي؟"
صمتت وظلت تنظر أرضًا بإحراج وخجل مما هي فيه، ولكنها شجعت نفسها قليلًا ورفعت رأسها له مرة أخرى.
مريم باستفسار: "إنت مين؟ أنا حاسة إن أنا أعرفك قبل كده! صح؟ إحنا اتقابلنا قبل كده؟"
ظل ياسين ينظر لها بهدوء.
مريم برجاء: "أرجوك محتاجة أعرف إحنا اتقابلنا قبل كده ولا لا؟"
ياسين باستفسار: "هيفيدك بإيه يا دكتورة؟"
مريم بضيق من ذلك اللقب: "ما سميش دكتورة. أنا بني آدمة وليا اسم زي باقي الناس. اسمي مريم، أنا محتاجة أعرف إنت مين؟ وهل إحنا اتقابلنا قبل كده؟ قصدي أنا محتاجة أعرف أنا بتعامل مع مين؟ أنا حاسة إن أنا في متاهة، محتاجة أعرف الحقيقة."
ياسين بهدوء: "دكتورة، تقريبًا اللي حصلك أثر على دماغك، اتفضلي ارجعي أوضتك ارتاحي شوية."
مريم برفض تام: "لا مش هرجع غير لما أعرف الحقيقة، أنا واثقة إن أنا وإنت اتقابلنا قبل كده، إنت أكيد مش فاكرني من كتر مهامك اللي بتقابلك أكيد... بص أنا هفكرك بيا، *بدأت دموعها بالهطول*... لما كنت صغيرة اتخطفت من أهلي، في عصابة خطفتني يعني، كنت أنا وأطفال كتير معايا. في اليوم ده حد من العصابة ضربني على راسي عشان أنام لإني كنت بصرخ وبعيط عشان حد يلحقني، وبعدها بشوية سمعت صوت ضرب نار في المكان، ما كنتش شايفة حواليا عشان كنت دايخة والرؤية كانت مشوشة عندي نتيجة الضربة، بس في حد لحقني... *اقتربت منه أكثر*... حد شالني وخرجني من المكان ده، حد كان حضنه أمان ليا، *ارتجف صوتها*... حسيت بالأمان وأنا معاه... بس سابني هناك عند شجرة وبعدها زمايله لقوني وأخدوني ورجعوني لأهلي، افتكرتني؟"
ظل ياسين صامتًا ينظر لها بهدوء.
مريم: "أرجوك رد عليا."
ياسين: "إجابتي هتفيدك بإيه؟"
مريم: "هتفيدني في حاجات كتير أكيد."
ياسين باستفسار: "ولو أنا طلعت عكس اللي إنتي بتتمنيه؟"
مريم بتجاهل لاستفساره: "المهم إني أعرف إنت هو ولا لا."
ياسين بنبرة ثلجية: "أيوه أنا هو. دلوقتي هيفيدك في إيه؟"
نظرت له بذهول من إجابته. "إنه هو!!" منقذها يقف أمامها. كادت أن تتحدث بلهفة ولكنه قاطعها ببرود شديد.
ياسين: "ما تعيشيش أحلام وطموحات على الفاضي يا دكتورة، أنا مش الفارس المغوار اللي إنتي متخيلاه."
نظرت له باستفسار عن معنى حديثه. ولكنها استفاقت.
مريم بابتسامة: "هعدي كلامك ده. *تحدثت باستفسار وتوتر* إنت ظابط صح كده؟ أكيد طبعًا أنا بقول إيه بس؟ إنت أكيد تحفظت على هشام عشان خطفني، هو فين طيب؟ هيخرج إمتى؟ أو هتحكموا عليه بأد إيه؟ اعذرني أنا ما بفهمش في القانون وكده."
لم يجبها ياسين بل كان ينظر لها بهدوء قاتل.
ياسين: "عشان يا دكتورة إنتي بعدتي كتير بتوقعاتك دي عني."
مريم بعدم فهم: "أنا مش فاهمة. طب لو إنت مش ظابط، معنى كده إنت تبقى إيه؟"
ياسين بابتسامة هادئة: "أنا قاتل يا دكتورة."