تحميل رواية «القاتل الراقي» PDF
بقلم سارة بركات
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"ما زلت أبكي على ذكرى مؤلمة، ما زال الجرح عميقًا ويؤلمني كثيرًا حتى وإن تظاهرتُ بالقوة." في مساء يوم ممطر بمدينة القاهرة، وبالأخص بمنزل راقٍ يصدح به المذياع بصوت العندليب الأسمر، كانت فريدة تقف أمام مكتب زوجها والذي يُدعى مصطفى المنغمس في بعض أعماله. تنظر له بحب وعشق لم ولن ينتهي والذي نتج عنه صغيرهما الحبيب. شردت بتفكيرها قليلاً في طفلهما الذي لديه خوف من الجميع لدرجة أنها وزوجها يخفيان تواجده حتى الآن وذلك عندما علما بمرضه النفسي في سن الرابعة وبناءً على تعليمات الطبيب النفسي الخاص به. أما هي،...
رواية القاتل الراقي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة بركات
ظلت واقفة أمامه تنظر إليه بعدم فهم من تلك الجملة التي قالها للتو: "أنا قاتل؟!" وما أثار فضولها هو ابتسامته الهادئة تلك، هل يراها مجنونة؟ غبية؟ حسنًا، هي غبية لكن ليس لدرجة الجنون. تنهدت مريم ثم أردفت بمزاح من حديثه.
مريم باستفسار: هو أنت شايفني عيلة هبلة واقفة قدامك؟ إيه *قامت بتقليده* "أنا قاتل يا دكتورة" دي.
ثم قهقهت كثيرًا على تلك الجملة ولكنها صمتت وهدأت عندما اختفت ابتسامة ياسين وعادت ملامحه للبرود مرة أخرى.
مريم بابتسامة هادئة: أنا عارفة إنك بتهزر معايا، *أكملت بتفكير* عشان اللي أعرفه إن القاتل عمره ما يعترف إنه قاتل، لأنه بيكون مريض نفسي واللي أعرفه أو قرأته في علم النفس هو إن المريض مش بيعترف بإنه مريض.
ياسين وهو ينظر بعمق عينيها: وليه بتفترضي إن القاتل لازم يكون مريض نفسي؟ ما ممكن يكون مجرم وبيقتل لغرض معين؟
توترت مريم من نظراته تلك قليلًا ولكنها أكملت بثقة.
مريم: بس أنت عمرك ما تكون قاتل.
ياسين باستفسار: ليه؟
مريم بأمل متعلقة بعينيه: عشان أنت أنقذتني، وعشان كمان أنت أنقذت الطفل الصغير اللي كان موجود في المستشفى، هو محكاش حاجة بس ده اللي أنا استنتجته، وجبت حق روان من اللي اغتصبها أنا مش عبيطة أنا واخدة بالي من كل حاجة، لأن من بعد ما حضرتك اتدخلت والولد اتعدم، ده غير إنك سجنت مرتضى بسبب اللي عمله، كل ده دليل يثبت إنك مش قاتل *ضحكت ضحكة خفيفة* وبعدين هو في قاتل تعامله راقي ولطيف كده؟ بيتعامل كأنه في عصر الستينات مثلًا؟ زمن سعيدة يا هانم؟ بونسوار؟ أكيد لا طبعًا ما فيش الكلام ده، ده أنا على كده بقى أسميك "القاتل الراقي" لو الكلام ده صح.
قهقهت ولكنها هدأت وظلت تنظر له بهدوء منتظرة ردًا أو تعليقًا منه على حديثها. أما بالنسبة لياسين فظل واقفًا أمامها لم يجبها بأي شيء ولم يعلق على حديثها، ينظر لها بهدوء ولكن يبدو على ملامحه أنه شارد وهو ينظر إليها ولكنه استفاق من شروده سريعًا وعادت ملامحه إلى بروده المعتاد.
ياسين بهدوء: في حاجة طيب أقدر أساعدك فيها يا دكتورة؟
تحولت ملامحها للاستفهام ولكنها استوعبت أنها ما زالت موجودة بغرفة مكتبه ويبدو أن وجودها يزعجه فهي من اقتحمت غرفته.
مريم بإحراج: أنا آسفة، نسيت خالص إني المفروض أخرج بس أنا سألت حضرتك سؤال ومحتاجة رد عليه.
ياسين ببرود: أنا بالفعل رديت يا دكتورة.
مريم باستسلام وتفهم: تمام من الواضح إنك في مهمة ولو قولت حاجة أكيد كل حاجة هتبوظ.
عقص ياسين حاجبيه من تفكيرها الغريب ذاك. تنهدت مريم ثم أردفت.
مريم باستفسار: هشام فين طيب؟
ياسين بهدوء: تقدري تعرفي بنفسك يا دكتورة، اتفضلي.
أشار نحو طريق الخروج من الغرفة، هل قام بطردها للتو؟! ظلت واقفة لعدة ثوانٍ تقوم باستيعاب ما يحدث، هل ضايقته في شيء لكي يقوم بمعاملتها هكذا؟! لكن لا، لن تسمح له بأن يشعرها أنه قام بإهانتها للتو، رفعت رأسها بشموخ وابتعدت عنه ثم خرجت من غرفة المكتب وهي تشعر بالضيق من شعور أنها تريد أن تبقى معه أكثر من ذلك. لا تصدق أنها تعيش مع منقذها في نفس المنزل. بعد خروجها من غرفته توجه ياسين نحو فراشه وتسطح به وأغمض عينيه بنعاس لأنه لم ينم منذ أمس.
*************
دخلت غرفتها ولكنها تفاجأت بوجود عماد ينتظرها في الغرفة.
عماد بقلق من ملامحها: مريم، أنتِ كويسة؟ أنا كنت قلقان عليكي من إمبارح أنتِ ما رجعتيش ليه؟ وبعدين أنتِ كنتي فين أصلًا؟ وإيه اللي عامل في وشك كده؟
تنهدت مريم وابتسمت له بهدوء وأمسكت بمقبض كرسيه وجعلته أمام فراشها والذي جلست عليه بعدها.
مريم ممسكة بيده: أنا كويسة الحمد لله، ما تقلقش عليا، بالنسبة لباقي الأسئلة دي مش عايزاك تشغل بالك بيها.
عماد بضيق: إزاي مشغلش بالي بيها؟! أنتِ مش شايفة نفسك يا مريم، ردي عليا إيه اللي حصل؟
تنهدت مريم بصعوبة ثم أخذت تسرد له ما حدث. وبعد أن انتهت من حديثها، ظل عماد صامتًا لم يعلق على أي شيء مما قالته.
مريم: عماد.
استفاق عماد من شروده ونظر لها باستفسار.
مريم باستفسار: أنت ليه ما قولتليش إنك تبقى أبوه؟
عقص عماد حاجبيه ولكنه تنهد.
عماد: ما كنتش حابب أحكي حاجة، أنا وياسين علاقتنا مش كويسة أبدًا.
كادت أن تتحدث ولكن قاطعها عماد.
عماد بجدية: ما تسأليش عن أي حاجة تاني يا مريم تخصني وتخص ياسين، حافظي على سلامتك وبس، وحاولي على قد ما تقدري تبعدي عن ياسين.
مريم بعدم فهم واستيعاب لنفسها: إزاي أبعد عنه بعد ما لقيته؟
تحولت ملامح عماد للاستفسار مما سمعه وكاد أن يسألها ماذا تقصد، تنهدت بصعوبة فمخاوفه تلك عادت مرة أخرى، قررت أن تسايره.
مريم بهدوء: ماشي، هبعد عنه حاضر.
ابتسم عماد لها بحب أبوي وقام بالربت على يدها.
عماد: أنتِ غالية عندي أوي يا مريم، وطالما أنتِ كويسة فأنا مرتاح.
ابتسمت له باطمئنان، وكانت تريد أن تسأله ماذا يعمل ياسين؟ ولكنها احترمت رغبته في عدم التحدث عنه.
********************
كان يقف أمام غرفة مكتوب على بابها "المشرحة". ويشعر بالتوتر والقلق ويتمنى أن يكون كل هذا كابوس يحلم به فقط. خرج الطبيب من الغرفة وتحدث له بهدوء.
الطبيب: اتفضل حضرتك.
دلف طارق للغرفة ووقف أمام جثة مغطاة بغطاء أبيض. نزع الطبيب ذلك الغطاء وشهق طارق بفزع عندما وجده هشام، ابن أخته وابنه الوحيد الذي حظي به في هذه الحياة على الرغم من فارق السن بينهما إلا أنه كان بمثابة ابنه الوحيد فهو من حضر ولادته عندما كان مراهقًا وهو من حمله بين يديه وقام بتربيته ورعايته مع أخته الوحيدة. ارتجف جسده وانهمرت الدموع سريعًا من مقلتيه. اقترب طارق بخطى مرتعشة نحو جثمانه.
طارق: هشام.
أمسك وجه هشام بين يديه يحاول إيقاظه.
طارق ببكاء: اصحى يا ابني.
ظل يناديه لكي يستيقظ ولكنه لم يستيقظ أبدًا. صرخ طارق بألم من فراقه.
طارق: أنا السبب يا ابني، أنا السبب.
بكى طارق بنحيب وهو يحتضن جثمان هشام بقوة. وبعد عدة دقائق، كان يجلس في الممر على كرسي ينظر أمامه بشرود وفي ذات الوقت تستمر دموعه بالهطول. التقط هاتفه يحاول التحكم في شهقاته وقام بالاتصال بأخته "بلقيس".
بلقيس: ألو.
لم يستطع التحدث.
بلقيس: طارق ما تقلقنيش أنت كمان، أنا بحاول أوصل لهشام من إمبارح ومش عارفة أوصله.
لا يعرف كيف يخبرها؟ لا يعلم ماذا يفعل؟ سمعت صوت شهقاته.
بلقيس بقلق: طارق، في إيه؟ إيه اللي حصل؟ هشام كويس؟
بكى طارق بنحيب لم يستطع كتمانه أكثر من ذلك. بكت بلقيس أيضًا بسبب قلقها.
بلقيس: أرجوك، طمني على ابني.
طارق بصوت متقطع: هشام... هشام... مات.
رمي ذلك الخبر على سمعها كالصاعقة. فقد كانت ملامحها تعبر عن الصدمة التي تشعر بها، سقط الهاتف من يدها إثرًا لفقدانها الوعي.
طارق: ألو... بلقيس، ردي عليا.
لم تجبه ولكنه توقع ما يمكن أن يكون قد حدث لها قام بالاتصال بأحد خدم الفيلا للاهتمام بها حتى يعود من الإسكندرية. ظل ينظر لهاتفه وشعر بقلبه يحترق وكأنه يريد حرق ما حوله أو الانتقام. قام بتدوين رقم هاتفها وقام بالاتصال بها. كانت تتحرك في غرفتها ذهابًا وإيابًا تحاول الوصول لهشام ولكن هاتفه مغلق. تأففت مريم، لا تعلم ماذا حدث له. نظرت لهاتفها عندما سمعت صوت رنينه. وجدته رقم خاله. عقصت حاجبيها بضيق وقامت بالرد بتأفف.
مريم: نعم؟ عايز إيه؟
طارق بشرود: عايشة حياتك صح؟
تعجبت مريم من سؤاله.
مريم: إيه لازمته السؤال ده؟ وبعدين مش أنا قولت ما تتصلش هنا تاني؟
طارق بألم: أنتِ السبب، هشام مات بسببك، اتقتل بسببك.
صدمت مريم من حديثه، ماذا قال؟ مات؟ قتل؟ انتبهت لجملته الأخيرة قبل أن يغلق المكالمة الهاتفية بينهما.
طارق: هييجي اليوم اللي هشوف فيه قلبك بيتحرق على أقرب الناس ليكي، هييجي اليوم اللي هتخسري فيه كل حاجة يا دكتورة، وأنا هبقى أول الشمتانين.
أغلق المكالمة ثم استقام عندما اقترب الطبيب منه، وقام بتوقيع بعض الأوراق كإجراء روتيني.
الطبيب: تقدر تستلم الجثة، وبالنسبة للقضية، فإحنا بعتنا تقرير الطب الشرعي للشرطة عشان يبدأوا التحقيق.
طارق بهدوء: شكرًا لحضرتك، أنا هكمل من هنا.
*******************************
تجلس بفراشها بملامح مصدومة، هل مات هشام؟! لا تصدق!! كيف؟!! من قتله؟ هل من اختطفوها هم من قتلوه؟ أم؟ هزت رأسها بنفي لتوقعها أن ياسين من قام بقتله. لأن هؤلاء الرجال هم من وصلوا لها أولًا. لم تشعر بالدموع التي تهبط من مقلتيها، وعماد الذي يسألها ماذا هناك؟ ولكنها لم تسمعه حتى.
عماد بقلق: مريم، في إيه؟ إيه اللي حصل؟
أمسكها بكتفيها وجعلها تنظر له.
عماد باستفسار: في إيه؟
مريم بعدم استيعاب: هشام مات!
حزن عماد لذلك الخبر. وبكت مريم بشدة. ضمها عماد لصدره وقام بالربت على ظهرها. وهي كل ما تفعله تبكي. تبكي على صديق مقرب لها.
في المساء:
كانت تنظر لسقف غرفتها بشرود، حزينة على فراقه، حزينة على عائلته، تريد توديعه. التقطت هاتفها وقامت بالبحث عن صفحة هشام الشخصية، ووجدت منشورًا يعلن عن وفاته وعن تفاصيل جنازته التي ستقام صباح الغد. ظلت في غرفتها هكذا حتى أشرقت الشمس، فلم يجافيها النوم منذ أن علمت بخبر وفاته من خاله. وحينما اقترب موعد جنازته، قامت بارتداء ثياب سوداء ثم خرجت من غرفتها وهبطت لأسفل القصر ومرت من أمام غرفة الطعام التي يجلس بها ياسين وعماد.
قام عماد بمناداتها عندما رآها، ولكنها لم تجبه وخرجت من باب القصر. ترك ياسين الشوكة من يده ومسح فمه بهدوء ثم نظر نحو عماد الذي عاد ينظر لصحنه بحزن.
ياسين: كل يا عماد.
عماد بغضب وهو ينظر إليه: أنت السبب، أكيد أنت السبب في كل اللي بيحصلها.
استقام ياسين من مقعده ولم يجبه وتركها وحيدًا في تلك الغرفة. مشت مريم نحو أحد السائقين.
مريم بصوت متحشرج: لو سمحت، محتاجة إنك توصلني لـ ******.
أجابها السائق بحزن لرفضه طلبها: أنا آسف بس ياسين بيه أمرنا ما تخرجيش في أي مكان الفترة دي.
عقصت مريم حاجبيها بتعجب. قامت بسؤال سائق آخر ولكنه اعتذر أيضًا.
مريم للسائقين بضيق: مش عايزين توصلوني؟! تمام، أنا هوصل نفسي.
قامت بالمشي في الطريق بين القصر والبوابة الرئيسية وتشعر بالغضب والضيق من تصرف ياسين. ظلت هكذا تمشي في طريقها مرتدية نظارتها الشمسية السوداء، وعندما وصلت للبوابة الرئيسية وجدت عددًا كبيرًا من الصحافيين بالخارج. اندفع الصحافيون عندما رأوها تقترب منهم وحاولوا الاقتراب أكثر من البوابة الرئيسية، ولكن رجال ياسين الواقفين بالخارج يمنعوهم من الاقتراب أو التصوير، ولكنهم على الرغم من ذلك يحاولون التقاط الصور لها. انتبهت مريم للسيارة القادمة من القصر والتي توقفت بجانبها. قام ياسين بتنزيل زجاج سيارته ونظر لها بهدوء.
ياسين: ارجعي للقصر يا دكتورة، من فضلك ما تعصيش أوامري.
مريم بغضب: لا مش هرجع، وهروح للمكان اللي أنا عايزاه ومش محتاجة مساعدة من رجالتك، ولا حتى منك، أنا أقدر أعتمد على نفسي.
كانت تتحدث بنبرتها الباكية نظرًا لتأثرها بموت هشام. تركته واقتربت أكثر من البوابة والتي تم فتحها لسيارة ياسين للتو. خرجت من البوابة وانهالت الأسئلة عليها من الصحافيين: عن "ما علاقتها بياسين المغربي؟!" "هل هي عشيقته؟" "هل هي خطيبته؟" ابتعدت عنهم ومشت مترات قليلة ولكن توقفت بجانبها سيارة ياسين مرة أخرى.
ياسين بهدوء: اركبي يا دكتورة، هوصلك.
زمت شفتيها بضيق كالأطفال ولكنها استسلمت للأمر الواقع وركبت بجانبه ولكنها لم تنظر له ولم تتحدث إليه.
ياسين باستفسار هادئ: هتروحي على فين يا دكتورة؟
مريم بشهقات خفيفة وهي تنظر للجانب الآخر من الطريق: رايحة عند مقابر ******.
أمر ياسين سائقه بالتحرك نحو المكان الذي ذكرته. ظلت صامتة طوال الطريق، كل المسموع في السيارة هو صوت شهقاتها. ينظر لها ياسين بطرف عينيه، فهي لم تكف عن البكاء طيلة الطريق. حمل ياسين علبة المناديل الورقية الخاصة به وقام بتقريبها نحو مريم التي تزداد شهقاتها بسبب بكائها المستمر.
ياسين: اتفضلي يا دكتورة.
نظرت نحوه وقامت بأخذ تلك العلبة وأخذت منديلًا مسحت به دموعها، ونظرت من خلف النافذة للشوارع التي يتحركون بها، ولكنها أردفت باستفسار وكسرت ذاك الصمت.
مريم: أنت اللي قتلته؟
نظر لها بهدوء ووجدها تنظر له في المقابل برجاء منها أن يجيبها بالنفي. ظل الصمت هو سيد الموقف بينهما، ينظران في أعين بعضهما البعض، حتى قطعت مريم الصمت مرة أخرى.
مريم ببكاء: أرجوك رد عليا.
لم تنتبه مريم لملامح ياسين التي تبدلت للحزن لثانية ولكنه عاد للجمود والبرود مرة أخرى.
ياسين: لا، مش أنا.
ثم أبعد عينيه عنها ونظر أمامه، أما هي تنهدت بارتياح. ظلا هكذا حتى وصلت مريم للمكان المنشود وقبل أن تخرج من السيارة نظرت لياسين.
مريم: شكرًا إنك وصلتني.
لم يجبها ولكنه أمر سائقه بالتحرك. للمرة الثانية تسأل نفسها، هل ضايقته في شيء؟ لماذا تركها ورحل؟! لماذا تعامله الفظ هذا؟! استفاقت من شرودها وقامت بالاقتراب من المقابر ووقفت بعيدًا مرتدية نظارتها السوداء تتابع تشييع جنازة هشام. يبكي الجميع، الأصدقاء والأهل والأقارب. تصرخ والدته على فراقه، حتى خاله يبكي. قام الشيخ بالدعاء للميت وقام الجميع بالدعاء معه. تبكي مريم بنحيب وهي تقوم بالدعاء له، لا تدري لماذا تشعر وكأن هناك خطبًا ما؟! كل ذلك الحب الذي يحبه الجميع له ويبكون على فراقه كان لشخص محبوب، شخص لطيف مثل هشام الذي كانت تعرفه طوال فترة علاقتهما السابقة، وليس هشام الذي ظهر بالفترة الأخيرة. ظلت تنظر لهم وتتابعهم حتى رحل كل شخص يلي الآخر وتبقى في النهاية طارق الذي يحتضن أخته بلقيس والتي تبكي بشدة على فراق ابنها الوحيد. خرجا من المقابر وكاد أن يتحرك طارق نحو سيارته ولكنه انتبه لمريم التي تقف بعيدًا في الجهة الأخرى من المقابر. استمر طارق في طريقه وقام بجعل أخته تجلس بسيارته، ثم تركها وتحرك في اتجاه مريم التي لم تعرف ماذا تفعل أو تقول.
طارق باستفسار: عايزة إيه؟! جاية ليه؟!
مريم بتفهم لحالته: جاية أحضر عزا شخص كنت بحبه في يوم من الأيام.
طارق بضيق: والشخص ده مات، عايزة إيه تاني؟
مريم محاولة التحكم في بكائها: أنا آسفة.
طارق: أسفك خليه لنفسك، أنا هاخد حقي منك وأنا عارف هاخده إزاي.
كاد أن يتحرك أوقفته مريم.
مريم: أرجوك ما تحكمش عليا، هشام كان خاطفني و...
طارق بغضب مقاطعًا لها: وخلاص ابني مات، فمين السبب؟! إنتي؟! ولا ياسين المغربي بتاعك؟!
نظرت له مريم ولم تستطع الإجابة فهي السبب الأساسي لما حدث، لو لم يختطفها لما قُتل لأن من قتله كانوا يريدونها هي فقط. نظرت أرضًا وبدأت بالبكاء.
مريم ببكاء: أنا آسفة.
لم يجبها طارق وتركها ورحل. أما هي اقتربت من قبر هشام وجلست بجانبه.
مريم ببكاء: أنا آسفة يا هشام، يا ريتك ما كنت كلمتني عشان نتقابل، يا ريتك كنت نسيتني وكملت حياتك، أنا السبب في اللي حصلك، سامحني.
ملست على قبره بهدوء ولم تنتبه لذاك الذي يراقبها جالسًا في سيارته. يتابعها ياسين بعينيه، يرى بكائها على هشام. هل كانت تحبه لتلك الدرجة؟! لم تنساه قبلًا؟! لم يرحل، بل بقي يراقبها ويراها تبكي على فراق حبيبها السابق الذي لم ولن تنساه. لقد خانتك مشاعرك مرة أخرى يا "براء"، خانتك مشاعرك الغبية الطفولية. ارتدى نظارته السوداء وعاد لبروده مرة أخرى ثم أمر سائقه بالتحرك. بعد أن انتهت من حديثها معه عند قبره قامت بالدعاء له، فحتى وإن كانت علاقتهما في الفترة الأخيرة سيئة إلا أنه سيظل أجمل صديق قد حظت به من قبل. غادرت وتحركت بسيارة أجرة لعنوان القصر.
مرت الأيام وصارت مريم حبيسة غرفتها، تشعر بالاكتئاب لتأثرها بوفاة هشام. كثرت الإشاعات والأقاويل عن علاقة ياسين بمن تسكن معه بنفس القصر. اختفى ياسين من القصر، فلم يأتِ منذ أن رآها تبكي على هشام. كان عماد يحاول مواساة مريم وجعلها تضحك، فكان يبقى بجانبها في غرفتها بعد استيقاظها ويتركها حينما تنام. وفي يوم ما، كانت مريم تنظر إلى نافذتها بشرود وعماد ينظر.
عماد: اللي يشوفك كده، يقول إنك كنتي لسه بتحبيه.
نظرت مريم له بهدوء وأردفت بصوت مرهق.
مريم: أنا فعلًا كنت بحب هشام، كان في بينا أيام حلوة، كانت ذكريات جميلة عايشة في خيالي وبحاول أحافظ عليها عشان صورته ما تبقاش وحشة في نظري، لكن تصرفاته في الفترة الأخيرة كانت مخلياني مش طايقاه، وفعلًا تخطيته، بس ده بني آدم واتقتل بسببي يا عماد، أنا من يومها حاسة بتأنيب الضمير، هشام كان يستحق فرصة تانية، كلنا نستحق فرصة تانية.
هبطت الدموع من مقلتيها ولكنها قامت بمسحها فورًا.
مريم مستأنفة حديثها: كان ونعم الصديق، كان بيضحكني وبيقف جنبي، كنت بحس إني مطمنة وأنا معاه، قبل ما أقابلك يا عماد كان هو كل حاجة، بحكيله يومي ماشي إزاي؟ كنت بشاركه تفاصيل حياتي كلها، أنا مسامحاه ومش زعلانة منه أبدًا وبتمنى إنه يسامحني عشان ضميري بيأنبني من وقتها وأنا مش قادرة أعيش بالشكل ده.
عماد وهو يربت على يديها: إنتي محتاجة ترتاحي يا مريم.
تنهدت مريم وصمتت قليلًا ثم نظرت نحو عماد وأردفت.
مريم: أنا حاسة إني ضايقت ياسين بيه الفترة الأخيرة، وبقاله فترة مش بييجي القصر، ما تعرفش هو فين؟ محتاجة أتكلم معاه وأعتذرله.
عماد بضيق من الحديث عن ياسين: ما أعرفش.
مريم بتنهيدة: طيب، ممكن تروح تنام عشان إنت ترتاح؟
هز عماد رأسه لها بهدوء ثم قبل مقدمة رأسها وخرج من الغرفة. نظرت مريم نحو التلفاز وقامت بتشغيله لعلها تتسلى قليلًا وتنسى ما تمر به، ولكن لم يكن هناك أي شيء سوى الأخبار، ولكنها تعجبت من عدم وجود أخبار عن حالات القتل التي قام ياسين بها، والتي هي بالطبع تابعة لعمله.
مريم: طبيعي ظابط، وبيتستروا على اللي حصل.
أغلقت التلفاز والتقطت هاتفها تحاول البحث عن رقم لياسين لتتحدث معه ولكنها لم تجد أي رقم له. تأففت بضيق واستقامت من مقعدها وخرجت من غرفتها تبحث عن أحد رجاله ليعطيها رقم هاتفه ولكن لتعجبها لقد رفضوا جميعهم. ماذا يعني ذلك؟! هل هذا يعقل؟ لقد أخبرها سابقًا أنها إذا احتاجت إلى التحدث معه فرقم هاتفه يوجد مع رجاله، ماذا تغير؟! عادت لغرفتها وقامت بارتداء ثياب لتخرج بها وطلبت من أحد السائقين إيصالها لشركة ياسين.
بمرور الوقت، دلفت للشركة وقام رجال الأمن بإيقافها.
باستفسار: "على فين؟"
مريم بهدوء: "أنا جاية لياسين المغربي، أنا أبقى دكتورة والد الأستاذ عماد، محتاجة أتكلم معاه شوية بخصوص حالته."
نظر رجال الأمن لها قليلًا ثم قاموا بالاتصال بطاقم حرس ياسين ليخبروه ويقوموا بإيصال رده، وبعد دقائق وصلهم رده بالقبول، ثم سمحوا لها بالدخول. صعدت للطابق الذي يوجد به مكتبه كما تذكر من المرة السابقة، فكما تذكر كان في ذلك الطابق غرفتان كبيرتان، إحداهما كانت غرفة الاجتماعات والأخرى بالطبع هي غرفة مكتبه. توقفت أمام الغرفة الأخرى وقامت بالطرق على بابها. لا تدري لماذا ينبض قلبها بشدة هكذا، هل لأنها ستراه؟ وقفت لثوانٍ قليلة ثم دخلت الغرفة، وأول ما رأته كان هو، يقف أمام الحائط الزجاجي خلف مكتبه معطيًا إياها ظهره، ويضم يديه الاثنتين خلف ظهره. واضعًا سترة حلته الراقية كالعادة على كرسي مكتبه الضخم، يرتدي قميصًا أبيض يناسب جسده تمامًا وبنطال أسود ذو قماشٍ رائع. من أين يأتي بثيابه؟ استفاقت مريم على صوته الهادئ والغريب نوعًا ما.
ياسين: "اتفضلي يا دكتورة، عماد ماله؟"
مريم بتردد: "بصراحة أنا مش جاية عشان عماد."
ياسين باستفسار: "جاية ليه يا دكتورة؟"
مريم بدقات قلب عنيفة: "جاية عشانك."
التفت ياسين لها بهدوء. كم كان يبدو وسيمًا بالنسبة لها، أو أنه ازداد وسامة عن ذي قبل. مظهره رائع ومنظم كعادته، رقيه الذي اعتادت عليه. نظرات عينيه الهادئة والباردة في آنٍ واحدٍ، تيقنت الآن أنها اشتاقت إلى عينيه وإلى رؤيته أمامها، ولكن تلك المشاعر خاطئة، فهي لا تليق به. هي تعمل لديه لا أكثر ولا أقل. استفاقت من شرودها على صوته الجاف.
ياسين: "كان ممكن تنتظريني لما أرجع القصر يا دكتورة."
اقتربت مريم منه قليلًا.
مريم وهي تنظر بعمق عينيه: "بس أنت مرجعتش."
ياسين وهو ينظر لعينيها في المقابل: "جاية لحد هنا ليه؟"
مريم: "جاية أعتذر لك، على أي سوء تفاهم حصل بينا، أنا الفترة الأخيرة ما كنتش كويسة، كنت تعبانة نفسيًا، آسفة جدًا لو ضايقتك، أو اتكلمت بأسلوب مش كويس معاك."
ظل ينظر لها بهدوء ولم يجبها أو يتحدث.
مريم: "أنت ساكت ليه؟"
ياسين: "عشان ببساطة عاجبني تمثيلك."
مريم بعدم فهم: "مش فاهمة؟"
ياسين باستفسار: "إيه هي اللعبة اللي بتلعبيها عليّ يا دكتورة؟"
مريم بعدم استيعاب: "أنا ما بلعبش عليك ولا حاجة، أنا عادي جاية أتكلم معاك شوية عشان بقالي فترة ما شوفتش حضرتك، وأعتذر لو كان في سوء تفاهم حصل بينا، هو ده مش من حقي؟"
ياسين باستفسار: "وده بقى حقك من إمتى يا دكتورة؟"
كادت أن تتحدث ولكنه قاطعها ببرود جرح قلبها.
ياسين: "أنا اللي أقول ده حقك ولا لأ."
مريم بعدم فهم: "أنا مش فاهمة أنت بتتعامل معايا كده ليه؟ أنا عملت إيه؟"
ياسين باستفسار: "وهو أنا كنت بعاملك إزاي من الأول يا دكتورة؟"
استفزتها تلك الكلمة التي لا ينفك بمناداتها بها.
مريم بضيق: "أنا ما اسميش دكتورة، اسمي مريم."
ياسين بهدوء: "لازم أحتفظ باللقب، مهما يكن فأنتِ دكتورة والدي."
حاولت مريم التحكم ببكائها فآخر ما تتمناه هو أن لا يعاملها بتلك الطريقة، هي بحاجة إلى التحدث إليه لكي تهرب من تأنيب الضمير الذي تشعر به، ترى أنه السبيل الوحيد لمساعدتها، هو أملها وبطل حياتها، فكم كانت تتمنى لقاءه والتحدث إليه والبقاء معه. تحدثت بصوتٍ مهزوزٍ قليلًا.
مريم: "تمام اعمل اللي تحبه، بس أنا محتاجة أتكلم معاك."
ياسين وهو يشير لكرسيٍ أمام مكتبه: "اتفضلي."
جلست مريم بهدوء وهو جلس بكرسيه أيضًا.
مريم بتنهيدة: "هشام.. قصدي من يوم ما مات وأنا حاسة إن أنا السبب، وآسفة لو انفعلت على حضرتك أو اتعاملت بشكل مش لطيف، أنا بس تعبانة وحاسة بتأنيب ضمير من وقتها، مات بسببي."
ياسين بهدوء ناظرًا لعمق عينيها: "لا يا دكتورة.. اطمني مات بسببي أنا، تقدري ترتاحي."
صمتت مريم قليلًا وهي تنظر إليه، ثم أردفت بهدوء.
مريم: "بس مش ده اللي أنا بتكلم فيه، أنا بوضح لك موقفي لو اتعاملت مع حضرتك بشكل مش حلو."
ياسين بابتسامة هادئة: "أنا متقبل أسفك يا دكتورة، اطمني."
يدق قلبها بعنفٍ أكثر وهو يتحدث وعندما يبتسم لها أيضًا، يدق قلبها لمجرد رؤيته فقط، ماذا هناك؟ ماذا يحدث لها؟
ياسين باستفسار: "محتاجة تقولي أي حاجة تانية يا دكتورة؟"
مريم بإحراج من استفساره: "هو أنت عايزني أمشي؟"
ياسين بتفهم: "دكتورة مريم."
مريم: "نعم؟"
ياسين بهدوء: "أنا مقدر إنك في صدمة نفسية، وإن الشخص اللي بتحبيه توفى و..."
مريم بصدمة مقاطعة له: "الشخص اللي بحبه؟!"
ياسين بهدوء مستأنفًا حديثه: "أنا مقدر إنك محتاجة حد يقف جنبك ويخرجك من اللي أنتِ فيه، بس ده مش أنا، أنا مستحيل أفكر فيكِ يا دكتورة."
لماذا هي مصدومة هكذا؟ فهي من استنتجت كل ذلك منذ البداية وكانت تمنع نفسها من التفكير به. فهي تعمل لديه، ومن المستحيل أن يكون بينهما شيء. حاولت جاهدة أن ترسم ابتسامة مصطنعة واستطاعت ذلك.
مريم: "أكيد طبعًا كلامك صح، أنا بس كان قصدي إني بأثق في حضرتك وكنت محتاجة أتكلم معاك شوية."
أكملت بداخلها: "كنت محتاجة أشوفك، كنت محتاجة أطمن". استقامت من مقعدها وأردفت بصعوبة محاولة التحكم بحزنها بسبب جرح قلبها.
مريم: "آسفة لو ضيعت وقت حضرتك."
وقفت أمام باب مكتبه، تشعر بالغضب بسبب رفضه لها. لا تستطيع أن تستسلم لشعور الهزيمة الآن. التفتت له مرة أخرى ووجدته ينظر لها بهدوء.
مريم بضيق: "على فكرة أنت مستفز."
ذهل ياسين من كلمتها تلك، فكيف تتحدث معه هكذا؟ عقص حاجبيه واستقام من مقعده واقترب منها حتى صار أمامها.
ياسين: "عيدي كلامك تاني يا دكتورة، قولتي إيه؟"
مريم بهدوء وهي تنظر بعينيه: "زي ما سمعت، أنت مستفز."
ياسين بهدوء أخافها: "ليه؟"
مريم بتوتر: "عشان كلامك ده."
ياسين بغضب مكبوت: "وهو معقول يا دكتورة تعيطي على قبر الشخص اللي بتحبيه وبعدها تيجي تقوليلي إنك محتاجاني جنبك؟ أنتِ كده خاينة ليه هو."
مريم بغضب: "ده مش حبيبي، كان حبيبي... كاان."
ياسين: "بس اللي أنا شوفته النهاردة يثبت غير كده يا دكتورة، حضرتك لسه بتحبيه."
مريم بغضب وهي تنظر بعمق عينيه: "إزاي لسه بحبه وأنا بفكر فيك أنت؟ أنت ما تتخيلش أنا كان نفسي أقابلك قد إيه من زمان! أنا ما صدقت إنك أنت اللي أنقذتني، لإني من يوم ما قابلتك وأنا متلخبطة ومش فاهمة إيه اللي بيحصلي، و..."
اقترب ياسين منها وقاطع حديثها بقبلة عميقة بث من خلالها عقابه وعتابه لها على رفع صوتها كما حذرها من قبل. استسلمت له ولقبلته تلك. لأول مرة تستسلم لرجل يقترب منها هكذا. بعد ثوانٍ انقطعت أنفاسهما فيها ابتعد ياسين عنها بهدوء، كانت تتنفس بصعوبة بسبب تلك القبلة العنيفة وتشعر بالسعادة في ذات الوقت، ولكن تبخرت سعادتها عندما رأته ينظر لها ببرود كأن ما حدث بينهما منذ ثوانٍ عديدةٍ لم يكن شيء من الأساس. وقتلها ما قاله الآن.
ياسين ببرود بنظرات خالية من الحياة: "أنا ياسين المغربي.. مستحيل أفكر فيكِ يا دكتورة.. واعتبري اللي حصل بينا ده من شوية ما حصلش، اتفضلي."
أشار بيده لباب مكتبه، أما هي تنظر له بعدم فهم، لقد قبلها؟! كيف لها أن تنسى تلك القبلة؟ كيف لها أن تنسى الشعور التي شعرت به وقتها؟
خرجت مريم سريعًا من المكتب غاضبةً مما حدث، كيف يفعل بها هذا؟ انهمرت الدموع من مقلتيها بسبب رفضه لها. لقد استسلمت له وسمحت له بتقبيلها. كيف يجرح قلبها هكذا؟ ظلت هكذا تقوم بمعاتبة نفسها حتى خرجت من الشركة وهي تقوم بمسح دموعها المنهمرة، ويا للصدفة العجيبة لقد كان هناك عددًا كبيرًا من الصحافيين بالخارج واندفعوا نحوها بالأسئلة عندما رأوها.
"إيه هي علاقتك بياسين المغربي؟ أنتِ عشيقته؟"
سأل شخص آخر.
"إيه اللي بينكم؟ إيه سبب إنكم عايشين مع بعض في نفس المكان؟"
انهالت عليها الأسئلة وكل ما كانت تشعر به نحو ياسين هو الغضب وأنها تريد الانتقام منه على رفضه لها. فكيف يخبرها أنه لن يفكر بها مطلقًا؟ تنهدت مريم بعمق واقتربت نحو الصحافيين بهدوء وبدأت في التحدث.
مريم: "عايزين تعرفوا علاقتي بياسين المغربي عاملة إزاي؟"
كان ردهم جميعًا بالموافقة.
مريم بابتسامة هادئة: "أنا وياسين المغربي مخطوبين وفرحنا بعد شهر وكلكم معزومين طبعًا."
رواية القاتل الراقي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة بركات
"أنا أُحبكِ"
مريم: "عايزين تعرفوا علاقتي بياسين المغربي عاملة إزاي؟"
كان ردُّهم جميعًا بالموافقة.
مريم بابتسامة هادئة: "أنا وياسين المغربي مخطوبين، وفرحنا الشهر الجاي وكلكم معزومين طبعًا."
انهالت عليها الأسئلة أكثر من الصحافيين، والذين كانوا يقومون بتصوير كل شيء لحظة بلحظة. كانت أسئلتهم لها: "كيف تعرفا على بعضهما البعض؟"، "ما هي قصة حبكما؟"، والكثير من الأسئلة والتي لم تجد مريم أجوبة لها. شعرت أنها أوقعت نفسها في فخ كبير؛ فقد كذبت، وليست مجرد كذبة عادية، لقد كذبت بخصوص حياة ياسين المغربي الذي لن يتركها حية بالتأكيد. قَشعر جسدها بخوف لوهلة، ولكنها مثَّلت الشجاعة وحاولت الهروب من الصحافة بأيَّة طريقة. أشارت لرجال ياسين الواقفين خارج الشركة، والذين كانوا مدهوشين أيضًا من إعلانها عن زفافها هي ورئيس عملهم. ولكنهم استفاقوا وانتبهوا عندما أشارت لهم، ففهموا ماذا تقصد، فقد أبعدوا الصحافيين عنها. وركبت السيارة وأمرت السائق بالتحرك للقصر، وهي ترتجف رعبًا مما يمكن أن يفعله بها ياسين إذا علم ما فعلته.
يقف أمام نافذة مكتبه ينظر أمامه بشرود، وواضعًا يده على شفتيه يتلمس موضع قُبلته لها. يتذكر جيدًا كم قامت بإغضابه حينما قامت بسبِّه. تنهد بغضب منها ومن ما تفعله معه؛ لأنها دائمًا تُثير غضبه منذ أول لحظة وقعت عيناه عليها. استفاق ياسين من شروده على طرقات على باب الغرفة، وبعد عدة ثوانٍ تم فتح الباب. دخل أحد رجال ياسين الغرفة ينظر بقلق وتوتر نحو ياسين الذي يعطيه ظهره وينظر للخارج من خلال نافذة الغرفة. يخاف من ردة فعله، ولكن يجب عليه أن يخبره.
الرجل: "ياسين بيه."
همهم ياسين يحثه على الحديث، وبدأ الرجل في التحدث:
الرجل: "الدكتورة مريم، قالت خبر للصحافة فاجئنا كلنا... *أكمل بتوتر*... أعلنت إن جوازها بحضرتك بعد شهر."
صمتٌ تام. لم يلتفت له ياسين. انتظره الرجل لعدة ثوانٍ ليرى ردة فعله، داعيًا في داخله أن يتركه ويخرج من غرفته؛ فقد عفا عنهم بعدما استعاد الطبيبة بعد خطفها. هل يمكن أن يعفو عنه الآن لأنهم لم يمنعوها من التحدث للصحافة؟ وجده يشير له بيده يحثه على الخروج، وقد سُعِد الرجل كثيرًا بذلك وخرج من الغرفة. أما بالنسبة لياسين، فقد التفت للخلف وتوجه نحو التلفاز الموجود بالغرفة وقام بتشغيله ورآها أمامه على إحدى القنوات الفضائية.
مريم بابتسامة: "أنا وياسين المغربي مخطوبين، وفرحنا الشهر الجاي وكلكم معزومين طبعًا."
سمع تلك الجملة فقط وقام بإغلاق التلفاز. ظل واقفًا هادئًا لعدة ثوانٍ فقط يبرر ما رآه، ولكن كل ذلك كان حقيقيًا. الطبيبة الوقحة فتحت على نفسها أبواب الجحيم. ارتدى سترة حُلته ليعود إلى القصر.
وصلت مريم للقصر وصعدت لغرفتها بسرعة لعلها تستطيع تجهيز حصون غرفتها لكي تمنع ياسين من أن يعاقبها على ما فعلته. وعندما وصلت لغرفتها وجدت عماد ينتظرها أمام الغرفة.
عماد بدهشة: "إيه اللي إنتِ قولتيه ده يا مريم؟ إنتِ بتهزري؟"
مريم بتوتر وهي تنظر حولها: "هحكيلك بعدين، ماشي؟"
نظر لها عماد بقلق ولكنها تجاهلت نظراته تلك، ودخلت الغرفة وأغلقتها خلفها لعلها تمنع ياسين من الدخول. تتمنى أن لا يكون لديه نسخة أخرى من مفتاح غرفتها. قامت بتغيير ثيابها سريعًا، ثم اختبأت بفراشها تنتظر.
مريم بعدم فهم وخوف: "إيه اللي أنا هببته ده؟ يا مصيبتك السودة يا مريم."
حاولت أن تستجمع شجاعتها ولكنها فشلت، أغمضت عينيها داعية الله أن يمضي كل ذلك على خير.
بعد وقت ليس بقصير:
كانت في غرفتها ترتعش من الخوف، تشعر أنها كالطفلة الصغيرة التي افتعلت مشكلة في مدرستها وتخاف من عقاب والدها فتختبئ بفراشها. عقصت حاجبيها عندما سمعت صوت خطوات هادئة في الممر بالخارج وتلك الخطوات تقترب أكثر من غرفتها حتى توقفت أمام الغرفة بالتحديد. أغمضت عينيها تتوقع ما سيحدث من عراك بينهما، ولكنها فتحت عينيها بتعجب عندما أكملت تلك الخطوات سيرها حتى ابتعدت، وبعدها بعدة ثوانٍ سمعت صوت باب الغرفة بآخر الممر يتم إغلاقه. غرفة ياسين. تُرى هل لا يعلم بما قالته للصحافة بعد؟ ظلت هكذا مختبئة في فراشها لوقت طويل، حتى أتى منتصف الليل. وذلك استفزها كثيرًا. فهي خائفة من اللاشيء. غبية مريم، غبية. عقصت حاجبيها بضيق من نفسها واستقامت من فراشها.
مريم بضيق: "مخوفة نفسك على إيه يعني؟ ما يعرفش أي حاجة خلاص."
ظلت واقفة في غرفتها تفكر به. لمَ إذا توقف أمام الغرفة؟ هل كان يريد التحدث لها؟ هل يريد الاعتذار عما بدر منه؟ كَبُرت تلك الفكرة بمخيلتها وأصرت عليها وابتسمت لتلك الفكرة.
مريم بابتسامة: "مش مشكلة، هروح له أنا، أكيد مكسوف."
رسمت ملامح الجمود على وجهها ثم خرجت من غرفتها. وقفت أمام غرفته بتوتر وطرقت عليها بهدوء، وثوانٍ قليلة وفُتِح الباب. يقف أمامها ينظر لها بهدوء وبرود كعادته، ولكن ما زادها حيرة هو تلك الابتسامة الهادئة التي ارتسمت على وجهه.
ياسين: "مساء الخير يا دكتورة... اتفضلي، كنت مستنيكي."
هل قال أنه كان ينتظرها؟ دخلت الغرفة بتردد وبعد دخولها أغلق ياسين باب الغرفة بالمفتاح. شعرت أن قلبها يسقط في قدمها عندما أغلق الباب. التفتت له بتوتر ووجدته يقف عند باب الغرفة ولكن تلك المرة بملامح غاضبة. حتى بدأ بالحديث.
ياسين باستفسار: "إيه اللي عملتيه ده؟"
مريم بتوتر: "عملت إيه؟"
توجه ياسين نحو التلفاز وقام بتشغيله على قناة معينة، ورأت نفسها وهي تتحدث مع الصحافيين وتخبرهم بذلك الخبر، وبعد أن انتهت أغلق التلفاز ونظر لها بهدوء ينتظر منها توضيح. ولكنها كانت صامتة، متوترة، لا تعلم بماذا تُخبره.
ياسين: "اتفضلي وضِّحي."
ولكنها زادت البلة طينًا عندما تفوهت:
مريم: "حقي طبعًا."
تفاجأت مما تفوهت ونظرت في أعين ياسين الذي انتشر الغضب فيهما. استأنفت حديثها لكي تقوم بإنقاذ نفسها.
مريم بشجاعة مزيفة: "أيوه حقي، بعد اللي إنت عملته النهاردة لازم يكون ده حقي."
عادت ملامحه للبرود مرة أخرى. لا تعلم كيف تتغير ملامحه سريعًا هكذا للبرود، لا يطول غضبه ولكنه بارد.
ياسين: "وأنا قولت لك انسى اللي حصل يا دكتورة."
مريم بعدم استيعاب: "أنسى اللي حصل إزاي؟ هو إنت زعقت لي أو اتخانقنا مع بعض عشان أنسى اللي حصل؟ إنت عارف إنت عملت إيه؟"
أغمض ياسين عينيه ثم فتحهما وكاد أن يتحدث.
مريم مستأنفة لحديثها مقاطعة له: "لازم تصلح غلطتك بعد اللي إنت عملته، ما ينفعش أسكت، إنت أول حد أسمح له يقرب مني كده."
ياسين بهدوء: "أظن دي مش غلطتي لوحدي يا دكتورة، وبعدين أنا ما غلطتش معاكي."
مريم بعِناد: "لا غلطت، وإنك تصلح غلطتك دي تبقى بالجواز."
نظر ياسين نحو فراشه ثم عاد ونظر لها مرة أخرى واقترب منها بهدوء أخافها.
ياسين: "طالما إنتِ مصممة إني لازم أصلح غلطتي، يبقى لازم يكون في غلطة فعلًا عشان أصلحها."
لم تفهم قصده، ولكن عندما نظرت للفراش خلفها وعادت بنظرها له كان أمامها والمسافة بينهما تكاد تكون معدومة.
مريم بارتعاش وخوف قد ملك قلبها: "ابعد عني."
توقف ياسين ونظر لها بهدوء وتحدث:
ياسين بجدية: "أظن يا دكتورة إنك واحدة كبيرة وفاهمة معنى كلامك اللي قولتيه كويس للصحافة، كذِّبي الخبر وقولي أي عُذر."
مريم بعدم فهم: "هو إنت إزاي كده؟ إزاي ما اعتذرتش على اللي إنت عملته؟ إزاي معتبر إن ده عادي؟"
ياسين ببرود متجاهلًا حديثها: "نفذي اللي قولته."
مريم بغضب وعِناد: "لا مش هكذِّب الخبر."
ياسين بغضب مماثل: "انسى يا دكتورة إن يجمعنا سرير واحد."
شعرت أنها تريد البكاء، كيف يقوم بإهانتها هكذا للمرة الثانية؟ لقد جرح قلبها. أغمض ياسين عينيه بغضب عندما رأى أنها ستبدأ في البكاء.
مريم بغصة: "أنا مش هموت عليك على فكرة، أنا بس اللي يفرق معايا كرامتي، كان لازم تعتذر أو تتعامل بشكل لطيف معايا عشان أقدر أعدِّي الموضوع ده، لكن إنت بتخليني أسوء فيها."
التفت ياسين وأعطاها ظهره وتحدث بنبرة غريبة:
ياسين: "تمام يا دكتورة، إحنا كده ما وصلناش لحاجة في نقاشنا... تقدري تتفضلي على أوضتك."
لم تنتظر منه أن يلتفت لها، توجهت للباب والذي كان مفتاحه موجودًا به، قامت بفتحه وكادت أن تخرج.
ياسين ببرود: "خليكي عارفة كويس جدًا، إنك فتحتي على نفسك أبواب جهنم وأنا مش هبقى موجود معاكي في كل مكان عشان أحميكي يا دكتورة."
لم تنظر إليه بل كانت تقف عند الباب وهو أيضًا لم ينظر إليها. خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها وتوجهت لغرفتها وعندما جلست بفراشها شرعت بالبكاء بشدة. أما ياسين كان يقف في غرفته يضغط بقوة على جهاز التحكم الخاص بالتلفاز، زمجر بغضب وقام برمي جهاز التحكم الذي بيده نحو التلفاز مما سبب كسرًا في شاشة التلفاز. كان يتنفس سريعًا بحجم الغضب الذي بداخله والذي تسببت به تلك الحمقاء. فكيف سيقوم بحمايتها من أعدائه؟ غبية!!
في صباح اليوم التالي:
مستيقظة بفراشها بعينين منتفختين بسبب بكائها. لقد أهانها وجرح مشاعرها. كيف له أن يفعل ذلك؟ لم تنم الليل لأن جرح قلبها وكرامتها كانا عميقين. سترحل، نعم سترحل. استفاقت من شرودها على صوت طرقات على بابها والذي بعد ثوانٍ تم فتحه. دخل عماد بكرسيه المتحرك داخل الغرفة، واقترب من فراشها، قلق عندما رأى انتفاخ عينيها.
عماد بقلق: "مالك يا مريم؟ فيكِ إيه يا حبيبتي؟"
لم تتحدث ولكنها كانت تنظر له بحزن.
اقترب منها عماد أكثر وأمسك بيدها.
عماد بتفهم: احكيلي يا مريم.
لم تستطع مريم التحمل أكثر من ذلك، وشرعت في البكاء مرة أخرى.
عماد بقلق: إيه اللي حصل؟ بتعيطي ليه؟ ياسين عملك حاجة؟
مريم بصوت متحشرج: جرحني.. مكنش ينفع يعمل كده.
احتضنها عماد وهي تبكي وربت على ظهرها لعلها تهدأ ولكن نحيبها ازداد بقوة. بعد مرور عدة دقائق، كان يربت على ظهرها بهدوء والمسموع في الغرفة هو صوت شهقاتها والتي بدأت تهدأ شيئًا فشيئًا. قام عماد بإبعادها قليلًا عنه حتى ينظر لعينيها الباكيتين.
عماد باستفسار: إيه اللي حصل؟
بدأت مريم في سرد ما حدث أمس منذ أن كانت في غرفة مكتبه حتى قام بطردها من غرفته.
عماد بضيق منها: قولتلك ابعدي عنه يا مريم، هتتأذي طول ما أنتِ بتقربي منه.
نظرت له مريم ولم تستطع أن تجيبه في شيء، أو تتحدث. نظر لها عماد قليلًا يتأمل ملامحها الحزينة.
عماد باستفسار: أنتِ حبيتي ياسين؟
نظرت له ولكنها لم تجبه، بل أجابته الدمعة التي هبطت من مقلتيها. هز عماد رأسه بنفي.
عماد: لا.. ماينفعش تحبيه.. ده بالذات ما يتحبش، ده لازم يعيش مكروه من الناس كلها، ماينفعش حد يحبه أبدًا، لإنه لو اتحب كل اللي حواليه هيموتوا وأولهم اللي حبه. اهربي يا مريم واخرجي من هنا، ماينفعش تفضلي معاه، ده بيحرق كل اللي حواليه.
لم تصدق كيف يتحدث عماد عنه هكذا؟ هل يتحدث الأب عن ابنه هكذا؟ هل يكرهه عماد لتلك الدرجة؟ ولكن هذا ليس ما يجب أن تفكر به الآن. هي بالفعل تحتاج للرحيل، سترحل وتبحث عن عمل آخر. هزت رأسها لعماد.
مريم بصوت متحشرج: أنا فعلًا همشي.
عماد بحزن لرحيلها: لازم تمشي.. لازم تنقذي نفسك، حياتك مهمة بالنسبالي.
قام بمسح وجهها وابتسمت بتكلف وبعدها استقامت من فراشها وقامت بتجهيز ثيابها للرحيل بشكل نهائي. وبعد عدة دقائق، كانت تمسك بيد عماد.
مريم: هتوحشني قوي.
عماد بحب أبوي: وأنتِ كمان يا مريومة.
ابتسمت ثم تحدثت بهدوء.
مريم: تعرف إن بابا كان بيدلعني الدلع ده.. *تنهدت تنهيدة بسيطة*.. شكرًا يا عماد.
تركت يده ونظرت إليه لمرة أخيرة وبعدها خرجت من غرفتها. كانت تحمل حقيبتها الخلفية وبيدها حقيبتها الأخرى وتهبط على سلالم القصر تتجاهل نظرات الخادمات لها وتعجبهن مما فعلته أمس، فقد رأوا ذلك الخبر أيضًا، فلم يغفل عنه أحد، لا أحد. حينما وصلت لباب القصر وضعت حقائبها أرضًا وقامت بفتحه، ولكنها تقابلت مع رجال ياسين الواقفين بالخارج. كانت ملامحهم جادة وهم ينظرون لها وأغلقوا الطريق أمامها.
مريم: لو سمحتم عدوني.
تحدث أحدهم: بنعتذر لحضرتك، بس ياسين بيه أمرنا إن ممنوع تخرجي من القصر.
كيف؟ كيف يخبرها أمس بشكل غير مباشر أنها لا شيء، والآن يجعلها حبيسة هذا القصر؟ ولكن لا.. في أحلامه بالطبع.
مريم بغضب: عدوني.
تحدث آخر: ممنوع يا دكتورة.
صرخت بغضب.
مريم: أنا عايزة أكلمه دلوقتي.
نظر بعضهم لبعض وأعطاها أحدهم هاتفه مدون به رقم هاتفه. قامت بالاتصال به من هاتفها وبعد عدة ثوانٍ، فُتح الخط ولكن الطرف الثاني كان صامتًا.
مريم بغضب: خليهم يخرجوني من هنا.
ياسين بهدوء: ما فيش خروج.
مريم بغضب: يا سلام! بتتحكم فيا بأمارة إيه بقى إن شاء الله؟ أنا لا خطيبتك ولا مراتك، فبعد إذنك خليهم يسيبوني أمشي.
ياسين: دكتورة مريم.. ارجعي لأوضتك.
أغلق المكالمة الهاتفية وصرخت مريم بغضب وطرحت هاتفها أرضًا من غضبها. صعدت لغرفتها بغضب تاركة حقائبها والتي بدأ رجاله بحملها وإعادتها لغرفتها. فتحت باب الغرفة بقوة تشعر أنها ستنفجر. لحقها عماد عندما سمع صوت صراخها.
عماد بقلق: في إيه؟
مريم بغضب وصراخ: البيه حابسني هنا.. فاكر إنه بيعاقبني كده؟ إما وريته ما بقاش أنا مريم.
عماد: اهدي طيب يا مريم، اهدي.
جلست بفراشها تحاول أن تهدأ ولكنها غاضبة بحق.
مريم: أرجوك يا عماد سيبني لوحدي، وأنا لما أهدى هاجيلك.
هز عماد رأسه وخرج من غرفتها أما هي ظلت باقية في غرفتها تحاول أن تهدأ وتنتظر عودة ذلك المدعو ياسين المغربي.
بعدما أغلق المكالمة الهاتفية معها تحرك نحو مكتبه بالمشفى وعندما دخل المكتب قام بالاتصال بالطبيب طارق ليقوم بتعزيته في وفاة ابن شقيقته. وبعد عدة ثوانٍ أجاب طارق بصوت حزين.
طارق: إزيك حضرتك يا ياسين بيه؟
ياسين بهدوء: بخير.. البقاء لله.
حاول طارق أن يتحكم في نفسه فهو لن يرغب بالبكاء أمام ياسين.
طارق: ونعم بالله، شكرًا لحضرتك.
ياسين: المستشفى في انتظار رجوعك يا دكتور طارق.
طارق: قريب إن شاء الله، شكرًا لاهتمام حضرتك.
ياسين ببرود: العفو.
أغلق ياسين المكالمة الهاتفية، أما طارق كان يطبق على هاتفه بقوة بغضب بسبب عجزه عن عدم الوصول لأي دليل يخص قتل هشام.. كأن الدليل تبخر. من قتله؟ بالطبع لم تقتله تلك الطبيبة الحمقاء.. ولكنها السبب الرئيسي لموته. من قتله إذًا؟ لم يخبر أخته عن سبب موت هشام، فقد أخبرها أنه توفى بحادث.. لا يريدها أن تعيش في حزن وقهر أكثر مما تشعر به بعد وفاة غاليها. جعل الألم كله له، فالألم دائمًا يكون صديقه.. لم يتركه أبدًا.
في المساء:
كانت تجلس بغرفتها تنتظر قدومه.. لم تقم بتبديل ثيابها حتى الآن.. تنتظره والغضب يملأها. ظلت هكذا حتى علمت بقدومه وذلك لسماعها صوت إغلاق باب غرفته.
استقامت من فراشها وخرجت من غرفتها ولم تطرق على باب غرفته بل دخلتها دون استئذان منها. لم يتعجب ياسين من دخولها المفاجئ فقد توقع ذلك.
مريم بغضب: يعني إيه ما فيش خروج؟
ياسين بهدوء وتأكيد: يعني ما فيش خروج، بتفهميها إزاي دي؟
مريم بغضب وهي تقترب منه: أنت مين أنت عشان تتحكم فيا؟ ها؟
تجاهلها ياسين ولم يجبها وخلع حلة سترته.
مريم بغضب من تجاهله: رد عليا، أنت مين؟
لم يجبها أيضًا وقام بفك أزرار قميصه الأبيض، حتى شهقت مريم بخجل وإحراج وأدارت وجهها للجهة الأخرى، فكان نصف جسده العلوي عاريًا.
ياسين: ارجعي لأوضتك يا دكتورة.. وبعد يومين في حفلة هنا في القصر، أتمنى تحضريها.
كيف يتحدث هكذا كأن شيئًا لم يكن؟ كيف يتحدث معها كأن لم يحدث بينهما شجار أمس؟
مريم بغضب: مش هحضر.
خرجت من الغرفة دون أن تلتفت له وصفقت الباب خلفها. دلفت لغرفتها وصرخت بغضب بسبب بروده واستفزازه لها. حتمًا ستُجن. يحبسها بالقصر ويأمرها بما يريد، لا مستحيل هي ليست خادمة لديه.. ولن تحضر تلك الحفلة أبدًا. كان يرتدي ثيابه ولكنه سمع باب الغرفة يُفتح.
ياسين بانشغال: اتفضلي يا دكتورة؟
عماد بضيق: لا أنا عماد.
التفت له ياسين بهدوء.
عماد: ابعد عن مريم، وإياك تقربلها أنت فاهم؟
اقترب ياسين منه وتحدث بنظرة خالية من الحياة: أنا أبعد ما يكون من إني أفكر فيها.
نظر له عماد قليلًا يبحث عن الصدق، ولكن نظرته تلك التي لا يوجد بها مشاعر تؤكد له صدقه. هز عماد رأسه بفهم ثم خرج من الغرفة دون إضافة شيء. ظلت مريم حبيسة غرفتها لمدة يومين.. غاضبة منه كثيرًا.. وكان عماد يحاول إشغال يومها وهي أيضًا تقوم بعملها على الرغم من أنها استقالت منه بداخلها منذ يومين، ولكنها تعتني بعماد حبًا به. لم تتحدث إليه وهو لم يتحدث إليها، ولكنها كانت تحاول ألا تأبه به. كاذبة؟ أنتِ تحبينه يا مريم. أحبه عقلك قبل قلبك. أخبرت عماد بأمر الحفل ولكنه أخبرها أنه لا يريد حضوره فسينام في ذاك الوقت، وهي قررت ألا تحضره أيضًا.
بعد مرور يومين:
تنظر لذلك الثوب المغلف بغلافه الخاص ولتلك الرسالة الصغيرة التي أتت معه.. تلك الهدية هي منه بالطبع. "أتمنى تلبسيه في الحفلة". لم تعد تتحمل، كيف يتعامل كأن شيئًا لم يكن؟ هي لم تسامحه فكيف يتعامل معها هكذا؟ نظرت للثوب مرة أخرى وأمسكته.. هي لا تستطيع أن تنكر أنه رائع جدًا.. ذوقه رفيع كالعادة. هزت رأسها بنفي من رأيها عن ياسين.. حسنًا إذًا، تريدني أن أحضر الحفل؟ لك ذلك.. ستحاول أن تنتقم منه اليوم بأية طريقة.
في المساء:
كان القصر مليئًا بالعديد من رجال الأعمال وزوجاتهم وبعضهم كانوا مع عشيقاتهم وبعض من الصحافيين أيضًا، يتحدثون ويتشاورون عن أعمالهم. كان ياسين يقف مع بعض رجال الأعمال ولكنه لم يكن يتحدث معهم بل كان صامتًا، ينظر باتجاه سلم القصر، يريد رؤيتها. وبالفعل رآها تخرج من الممر وتهبط على سلالم القصر بهدوء. تقابلت نظراتهما.. كانت فاتنة بفستانها الأسود والذي قام باختياره بعناية. أما هو فكان جذابًا بالنسبة إليها، حلته السوداء الراقية وربطة عنقه الحمراء والتي تليق مع لون أحمر الشفاه الذي تضعه.. كأنهما اتفقا على تنسيق ثيابهما سويًا. بدأ الصحافيون بالتقاط الصور للحفلة ولمريم وأيضًا يقومون بتصوير ياسين وهو ينظر لها. ترك ياسين رجال الأعمال واتجه نحو مريم واستقبلها مادًا يده إليها. نظرت إلى يده قليلًا وبداخلها العديد من الأسئلة. وضعت يدها على يده وهبطت آخر درجتين. نظرت له باستفسار أما هو قال لها:
ياسين بابتسامة: اضحكي للكاميرا يا دكتورة.
وقف أحد الصحافيين أمامهم وقام بالتقاط لهم صورة مرة وهي لا تضحك ومتعجبة مما يحدث والأخرى وهي تبتسم بعدم فهم. ماذا يحدث؟ ذلك ما كانت تسأله بداخلها.
جعلها تقف مع بعض سيدات المجتمع الواقفات في الحفلة وعاد هو للوقوف مع رجال الأعمال، ومريم لم تفهم شيئًا حتى الآن: لماذا قام ياسين بعمل ذلك الحفل؟ ولسرعان ما أتتها إجابتها الآن، فقد رأت فتاة شقراء رائعة الجمال تدخل من باب القصر. تلك الفتاة اقترب منها ياسين مبتسمًا بهدوء، وابتسمت له الفتاة في المقابل. أمسك ياسين بيدها وقبلها قبلة رقيقة تنم عن رقيه. وهنا فقط، كُسر قلب مريم وخاصة عندما اجتمع الصحافيون نحو ياسين والفتاة التي قبل يدها قبل ثوانٍ، وكانت الأسئلة عن: من هي؟ انشغل الصحافيون وجميع من بالحفل بتلك الضيفة. أما مريم، فكانت تقف بمكانها تشعر بأنها ستنهار، لا بل انهارت بالفعل، تريد أن تهرب وتبكي، فقد كان من ضمن الأسئلة التي وجهت إلى ياسين أن تلك الفتاة الشقراء هي عشيقته، وكان رد ياسين هو ابتسامة بسيطة فقط. يا الله إنه يؤكد حديثهم! إنه يجرح قلبها بذاك الحفل وينفي كل ما قالته أيضًا، ولكن ليس بكلامه بل بأفعاله. أمسك بيد تلك الفتاة واقترب بها نحو مريم مبتسمًا بهدوء.
ياسين: أعرفك يا دكتورة بشاهيناز.
نظرت شاهيناز لمريم بابتسامة هادئة.
ياسين: شاهيناز، دي الدكتورة مريم حكيتلك عنها قبل كده، الدكتورة اللي بتراعي والدي عماد.
نظرت مريم له بعدم فهم، ثم عادت بنظراتها نحو شاهيناز التي قامت بمد يدها نحوها.
شاهيناز بابتسامة كبيرة: اتشرفت بيكي.
نظرت مريم ليدها بتيه ثم مدت يدها، تصافحت الاثنتان، مريم بقلب مكسور أما شاهيناز بابتسامة هادئة.
ياسين لشاهيناز: تعالي أعرفك على الباقيين.
هزت شاهيناز رأسها له ثم تركت مريم وتبعته. وقفت مريم بركن من أركان قاعة القصر تحاول التحكم بما تشعر به، فهي تريد أن تبكي والآن، تريد أن تنتقم منه وبشدة على ما تشعر به. الحقير يقبلها وبعدها يجعلها تقابل حبيبته؟ وقعتي يا مريم في فخ الحب المرعب، لقد خدعكِ. هبطت الدموع من مقلتيها، ومن الجيد أن الجميع كانوا منشغلين بياسين وحبيبته المجهولة، فلم يروها وهي تبكي. توجهت لإحدى غرف المطابخ بالقصر، وفي نفس الوقت كانت تتحدث بعض الخادمات سويًا.
إحداهن: حطيلي بس الحبوب في الكوباية.
الأخرى: يا بنتي ما قلتلك بلاش الحبوب دي.
إحداهن: صدقيني محتاجاها، بتساعدني ما أحسش بوجع رجلي.
الأخرى: بس بتخلي دماغك طايرة، ده إنتي بهدلتي المطبخ آخر مرة.
ضحكت الأخرى.
إحداهن: العلاج بقى، أعمل إيه؟ حطيهالي بس في الكوباية بتاعتي على ما أرجع.
الأخرى: ماشي.
خرجت الخادمة وقامت الأخرى بوضع دواء زميلتها في كوب ماء ووضعته على الطاولة التي كانت تجلس عليها زميلتها قبل قليل، وقامت بالانشغال في عملها. بعد عدة دقائق بسيطة، دخلت مريم المطبخ، كانت تحاول الهروب ممن يكونون في القاعة، فلم تستطع الصعود لغرفتها لأنهم كانوا مجتمعين بالقرب من سلالم القصر، فهربت لإحدى غرف المطابخ. تجاهلت الخادمة الموجودة بالمطبخ ونظرت لكوب الماء الموضوع على الطاولة أمامها وقامت بشربه بسرعة لعلها تهدأ قليلًا. رأتها الخادمة وهي تشرب المياه التي بها دواء زميلتها، وفتحت فاها بدهشة وصدمة مما يمكن أن يحدث. أخذت مريم نفسًا عميقًا وتقابلت نظراتها مع الخادمة الموجودة بالمطبخ.
مريم باستفسار: نعم؟ في حاجة؟
الخادمة: لا ما فيش.
التفتت الخادمة لعملها وتتمنى ألا يحدث مصيبة اليوم. بعد أن هدأت مريم قليلًا، خرجت من المطبخ وأتت الخادمة الأخرى وتحدثت بتأفف.
إحداهن: برضه ما جهزتيش الدواء؟
نظرت لها زميلتها برعب.
الأخرى: الدكتورة شربته بالغلط.
شهقت زميلتها مما يمكن أن يحدث.
إحداهن: ربنا يستر.
تتمشى مريم بهدوء في القصر ولا تعرف لماذا تشعر بالدوار، اقتربت نحو قاعة القصر ودق قلبها بعنف عندما رأت ياسين يقف مع تلك الشقراء، ولكنه لم يكن ينظر لها بل كان يبحث عن أحد. دخلت القاعة وهي تشعر بالدوار، رآها ياسين وهي تستند على أحد جدران القاعة، لم يشعر أنها بخير. اقترب منها وأمسكها من كتفيها.
ياسين باستفسار: مالك يا دكتورة؟
نزعت يده من على كتفيها وتحدثت بدوار.
مريم بتيه: إمشي من هنا، أنا زعلانة منك، مش بكلمك.
حرك ياسين رأسه لليمين يفكر بحالتها تلك. هل شربت شيئًا؟ أمسكها من ذراعها.
ياسين: يلا يا دكتورة تعالي ورايا.
مريم بصراخ وعدم وعي: وسع، شيل إيدك من عليا، ابعد عني، أنا بكرهك.
نظر كل من بالقاعة لياسين ومريم بسبب صوتها المسموع. نظر ياسين لكل من بالحفل.
ياسين: تقدروا تتفضلوا، الحفل خلص.
هز الجميع رأسه بهدوء وخرجوا من القاعة وتبعتهم المدعوة شاهيناز أيضًا. أشار ياسين لأحد رجاله برأسه يحثه على فعل شيء، هز الرجل رأسه بتفهم وخرج من القصر، لحق المدعوة شاهيناز وأوقفها وأخرج ظرفًا كبيرًا مليئًا بالنقود.
الرجل: أستاذة شاهيناز أو أيًا يكن اسم حضرتك، دي باقي الدفعة من اتفاق ياسين بيه معاكي.
نظرت المدعوة التي كانت تقوم بتمثيل دور شاهيناز حولها وتأكدت بأن الجميع قد رحلوا بالفعل، وقامت بنزع شعرها الأشقر المستعار وظهر أسفله شعر أسود قصير وتحدثت بابتسامة تحاول إيقاع الرجل الذي أمامها.
المدعوة: اشكرهولي أوي، وأنا موجودة لو احتاجني في أي وقت.
أخذت الظرف من يده وأرسلت له قبلة في الهواء، ورحلت بسيارتها للمكان الذي أتت منه. أما بالداخل، أمسك مريم وقربها منه بقوة يحاول أن يشم رائحة فاها، ولكن لا توجد رائحة. تفاجأ بصوت ضحكتها التي خرجت منها فجأة.
مريم: بس هي قمر أوي بصراحة.
ظل ياسين صامتًا وهو ينظر لها.
مريم: هو إنت ساكت ليه؟
ياسين بهدوء: عشان إنتي مش في وعيك يا دكتورة.
مريم بضحك: أنا في وعيي جدًا يا ياسين بيه، صحيح مبروك.
لم يجبها ياسين ولكنه نظر لعينيها لعلها شربت شيئًا بالخطأ، مخدرًا أو شيئًا آخر.
مريم باستفسار وهي تنظر بعمق عينيه: إنت ليه بتعمل فيا كده؟ إنت ليه مش قادر تحبني؟
ياسين بانشغال: كويس إنك مش هتفتكري ده لما تصحي تاني يوم.
مريم: ياسين، رد عليا.
ياسين وهو ينظر بعمق عينيها: نعم؟
مريم بارتجاف من نظرته تلك: إيه السبب اللي مخليك تجرحني كل شوية كده؟
لم يجبها بل ظل ينظر إليها.
مريم ببكاء: أنا حبيتك، حبيت ياسين المغربي، البارد، المستفز، اللي نظرته أحيانًا بتخوفني، وأحيانًا بتحسسني بالأمان، حبيتك بكل حالاتك، بس إنت ليه مصمم تجرحني؟ كل ده عشان حبيتك؟ ولا خايف تضعف مثلًا؟
ظلا ينظران لبعضهما البعض قليلًا واستأنفت مريم حديثها.
مريم: أنا مهما حاولت أكرهك مش عارفة، ممكن عشان أنا بحبك من وأنا صغيرة أوي، واتعلقت بيك أكتر وحبيتك أكتر لما عرفت إنك إنت اللي أنقذتني، وعشان كده شايفة إن على الرغم من أي حاجة وحشة إنت بتعملها بتبقى حلوة بالنسبة لي، أه ممكن أزعل منك شوية، بس بنرجع نتكلم تاني.
ياسين: يلا يا دكتورة تعالي أوصلك لأوضتك.
مريم ببكاء: إنت ليه بتهرب مني؟ أنا بحبك يا ياسين.
ياسين بنظرة خالية من الحياة: وأنا ما بحبكيش.
ضحكت مريم بهيستيريا ولكن في ذات الوقت كانت تبكي. حملها ياسين بين يديه وأسندت برأسها على صدره وصعد بها لغرفتها. دخل الغرفة ووضعها بفراشها. وكاد أن يخرج.
مريم بنعاس: ياسين.
نظر لها ياسين بهدوء.
مريم: ممكن تقرب؟
اقترب منها بهدوء ونظر لعينيها.
مريم: إنت بتحبني؟
ابتسم ياسين من السؤال الذي سألته إياه مرة أخرى ثم تحدث.
ياسين: دكتورة إنتي محتاجة ترتاحي.
مريم: مش كل شوية تقول إني محتاجة أرتاح، أنا راحتي معاك إنت.
تبدلت ملامحها للحزن.
مريم: بس إنت اخترتها هي، بس يا ترى إنت بتحب مين فينا؟
ياسين: ما فيش وجه مقارنة أصلًا يا دكتورة.
نظرت له بعدم فهم لما قاله.
ياسين بهدوء: تصبحي على خير.
مريم: ما تهربش مني.
مريم بابتسامة: أنا بحبك أوي.
نظر لها لعدة ثوانٍ.
ياسين بنظرة خالية من الحياة: وأنا كمان يا دكتورة، تصبحي على خير.
خرج من غرفتها وأغلق الباب خلفه.
رواية القاتل الراقي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة بركات
في صباح اليوم التالي:
كانت نائمة تحلم بذلك اليوم كالعادة، تحلم به وهو يحملها بين يديه ورائحة الدماء نفاذة بسبب أن ملابسه ملطخة بها. وفجأة وجدت نفسها بأسفل حمام السباحة تفقد أنفاسها ثم يأتي هو وينقذها. وبعدها يختفي ذلك المشهد من أمامها، ثم تراه يقف أمامها بملامحه الباردة.
مريم: أنا بحبك أوي.
ياسين بنظرة خالية من الحياة: وأنا كمان يا دكتورة.
قامت بفتح عينيها تُعلن عن استيقاظها وتحاول التقاط أنفاسها بانتظام، تشعر كأنها كانت تجري في طريق لا نهاية له. اعتدلت بفراشها ونظرت حولها، تحسست ملابسها ووجدت أنها ما زالت ترتدي الثوب الذي كانت ترتديه أمس. حاولت تذكر ما حدث ليلة أمس، وقد تذكرت. تذكرت كيف أهانها وجرح مشاعرها عندما أعلن أن له عشيقة أخرى، تتذكر كم كانت غاضبة كثيرًا وذهبت لإحدى غرف المطابخ وبعدها لا تتذكر شيئًا. ولكن هناك شيء، يتردد في مسمعها جملتان: "أنا بحبك أوي... وأنا كمان يا دكتورة". أغمضت عينيها بإرهاق فقد نسج عقلها الباطن حديثًا بينها وبين ياسين المغربي وما تتذكره فقط هما تلك الجملتان. هزت رأسها بيأس. لماذا تأتي له بمبررات كثيرة؟ لقد أرهقها حزنًا، فهي لم تسمح لأحد أن يقوم بالتأثير عليها هكذا من قبل. إذًا ما الفائدة؟ لا يجب أن تكون معه بعد اليوم. فقد قام بإهانتها وجرح مشاعرها ولا تستطيع أن تبقى هكذا. نظرت للثوب الذي ترتديه مرة أخرى، وضحكت باستهزاء على حالها، فقد كانت تعتقد أنه سيحدث أي شيء سوى أن يجعلها تقوم بمقابلة عشيقته. "الحقير". تحولت ملامحها للاشمئزاز ولا تستطيع أن تطيق الثوب الذي ترتديه. استقامت من فراشها وتوجهت نحو خزانة ملابسها لتقوم بتغيير ملابسها، فهي لا تريد شيئًا منه ولا تريد أن تراه بعد اليوم.
بعد مرور وقت قصير، كان عماد يجلس بغرفته يشعر بالضيق وهو يشاهد التلفاز، فقد كانت حفلة أمس تتصدر الأخبار والصحف، يعلم جيدًا أن مريم تعشق ياسين كثيرًا ولكنه قام بإهانتها أمام الجميع بطريقة غير مباشرة. أغلق عماد التلفاز وخرج من غرفته وتوقف أمام غرفة مريم وقام بطرق بابها وبعد عدة ثوانٍ، فتحت مريم الباب بأعين حادة، ولكن سرعان ما ابتسمت ابتسامة هادئة عندما وجدته عماد.
عماد: ممكن نتكلم شوية؟
مريم بابتسامة: أكيد، اتفضل.
تحرك عماد بكرسيه المتحرك وهي أغلقت باب الغرفة عقب دخوله. توقف عماد بكرسيه أمام فراشها وأشار لها بالجلوس أمامه. جلست أمامه ونظرت إليه باستفسار. أمسك عماد بيدها ونظر بعمق عينيها.
عماد: أنا آسف على اللي هو عمله فيكي، مكنش ينفع يعمل كده.
مريم بلامبالاة مصطنعة: وهو عمل إيه أصلًا؟ ما يفرقش معايا أي حاجة هو عملها.
عماد بتنهيدة بسيطة وهو ينظر بعمق عينيها: عينك بتقول العكس يا مريم، إنتي لسه من كام يوم قايلالي إنك بتحبيه، دلوقتي خلاص مبقاش يهمك؟
مريم بقوة: اللي يقلل مني بالشكل ده، يبقى ما يفرقش معايا.
عماد بابتسامة: حلو، ده اللي عايزك تكوني عليه دايمًا. كنت خايف تكوني متأثرة.
عقصت مريم حاجبيها بغضب وأردفت: لا مش أنا اللي أتأثر بسبب حاجة زي دي، حقي هاخده منه، سواء دلوقتي أو بعدين.
عماد باستفسار: طب إنتي ناوية على إيه؟
مريم: هسيبله كل حاجة وأمشي، أهم حاجة إني مش عايزة أشوفه.
عماد: ولو ما وافقش؟
مريم بضيق: هيوافق غصب عنه، وبعدين مش من حقه يمنعني أصلًا.
صمت عماد قليلًا ولكنه أردف بعد ثوانٍ.
عماد باستفسار: محتاجة فلوس طيب؟
ابتسمت مريم بحنو وربتت على يده.
مريم وهي تنظر بعمق عينيه: مش محتاجة ما تقلقش، وحتى لو احتجت أنا هعرف أدبر نفسي، يعني مرتبي على معاش بابا الله يرحمه هتتدبر، وبعدين مش مريم اللي تبين للناس إنها محتاجة فلوس.
عماد بتوضيح: أنا بس قصدي عشان بعد كده، عشان تبدأي حياتك، إيجار ومصاريف، أنا قلقان عليكي، مهما يكن إنتي في حكم حفيدتي، وليكي حق عليا، لو عايزة أنا ممكن أعملك توكيل بحق التصرف في ممتلكاتي و...
مريم بحب مقاطعة له: عماد، شكرًا. بس أنا مش محتاجة حاجة، أنا أقدر أعتمد على نفسي، أنا بنت بمائة راجل.
عماد بتفهم: ماشي، بس إنتي معاكي رقم البيت هاه؟ إبقي اسألي عليا، ماتنسينيش.
مريم بتفهم: حاضر، وإنت كمان معاك رقمي لو احتجت حاجة كلمني.
عماد: تمام، هتمشي إمتى؟
مريم بتفكير واستفسار: هو هنا؟
عماد: على ما أعتقد أيوه.
مريم بقوة: همشي من دلوقتي، هروح أتكلم معاه بخصوص استقالتي.
لمعت عينا عماد بالدموع، ولاحظت مريم ذلك.
عماد بابتسامة حزينة: خدي بالك من نفسك.
احتضنته مريم وهو بادلها بقوة، يحاول كتم شهقاته بسبب عبراته التي بدأت في الهطول من عينيه، فقد تعلق بها كتعلق الابن بوالدته. ابتعدت مريم عنه وهو حاول أن يقوم بمسح عبراته ولكنها قامت بمسحهم نيابة عنه.
مريم: عايزاك تبقى أقوى، أنا مش قادرة أسيبك بس ما ينفعش أفضل هنا بعد اللي حصلي.
عماد برفض وبصوت متحشرج: وإنتي من مصلحتك إنك تبعدي عن هنا، وهفضل أقولهالك، ياسين المغربي ما يستاهلش أي حاجة حلوة، حتى إنتي ما يستاهلكيش، إنتي ملاك لكن هو شيطان، هو ما بيرحمش، وطالما إنتي بعيدة عنه فإنتي هتكوني في أمان.
هزت مريم رأسها وقامت بتقبيل مقدمة رأسه.
مريم: أنا هخرج طيب أشوفه فين عشان أتكلم معاه.
هز عماد رأسه بهدوء، أما بالنسبة لمريم فقد خرجت من الغرفة وبدأت بالبحث عن ياسين، تاركة عماد يبكي بشهقات قوية دون أن تدري على فراقها إياه. يجلس ياسين بمكتبه يدون بعض الأشياء في دفتر كبير أسود اللون. انتبه ياسين على صوت الطرقات العنيفة على باب غرفته ولكن سرعان ما تم فتح الباب. أغلق ياسين الدفتر ووضعه بخزينة موجودة بمكتبه ومن الواضح أن تلك الخزينة ممتلئة فقط بالدفاتر السوداء وأغلقها بالمفتاح. اقتحمت مريم غرفة المكتب ووجدت ياسين يقف أمامها بنظرات هادئة. كانت غاضبة ولكنها كانت تخفي ذلك بقوة لم تعهدها قبلًا. لا تستهينوا بجرح امرأة عاشقة أبدًا.
ياسين بابتسامة هادئة: صباح الخير يا دكتورة، بقيتي كويسة؟
تستفزها ابتسامته تلك كأن شيئًا لم يكن. لكن لا، سَتُريه من تكون مريم.
مريم بابتسامة: صباح النور، أه أنا كويسة.
ياسين بابتسامة: تمام، أنا بعتذرلك على اللي حصل إمبارح، الحالة اللي كنتي فيها إمبارح كانت بسبب إنك شربتي دواء واحدة من المساعدين هنا، بعتذرلك مرة تانية.
نظرت له باستفسار بسبب ما يتفوه به. ولكن كل ما تراه أمامها هو إمساكه بيد عشيقته وابتسامته الصفراء تلك.
مريم بلامبالاة: مش مهم، أنا جايه أتكلم معاك في حاجة مهمة.
ياسين: اتفضلي.
مريم بتنهيدة: أنا جايه أقدم استقالتي، ما بقتش حابه أكمل شغل هنا.
صمت ياسين قليلًا لعدة ثوانٍ ولكنه تحدث بابتسامة هادئة استفزتها أكثر.
ياسين: تمام يا دكتورة، اللي تحبيه.
توجه نحو مكتبه تاركًا إياها تحملق بصدمة من رده ذاك، فقد توقعت كل شيء يتعاركان أو يفتعلا شجارًا إلا أنه سيوافق على استقالتها! مستحيل. استفاقت على صوته.
ياسين: دكتورة مريم.
نظرت نحوه بتيه ووجدته ممسكًا بورقة يقدمها نحوها. أخذت الورقة من يده وبدأت بقرائتها. ولكن يا للعجب! تلك استقالتها من المشفى، ماذا تفعل هنا؟
ياسين بابتسامة هادئة: أنا ما حبتش أمضي على استقالتك لإني اعتبرتك في إجازة مفتوحة من المستشفى، عشان لو حبيتي ترجعي بعد ما نفسيتك تتحسن تلاقي مكانك، وبمناسبة كده.
تابعته وهو يخرج ورقة من أحد أدراج مكاتبه ويقدمها لها.
ياسين: دي أوراق تعيينك كمديرة إدارية للمستشفى.
صمت قليلًا ثم تحدث بابتسامة غريبة.
ياسين: اعتبريها مكافأة نهاية الخدمة هنا في القصر.
هل يستهزئُ بها؟ هل يراها مغفلة؟ نظرت للورقة التي يحملها، ووضعت استقالة المشفى جانبًا وأخذت ورقة التعيين من يده ثم نظرت في عمق عينيه وقامت بشق الورقة أمامه ببرود.
مريم بقوة: بلها واشرب مايتها، مش عايزة منك حاجة.
قامت برمي القطع الممزقة من يدها على مكتبه الذي كان فاصلًا بينهما وهي تنظر له بقوة، لمحت الغضب بعينيه للحظة ولكن ذلك الغضب حل محله الهدوء والبرود.
ياسين بابتسامة هادئة: بالتوفيق ليكي يا دكتورة.
لم تُجِبْه ولكنها خرجت من مكتبه وذهبت لغرفتها والتي كان قد خرج منها عماد منذ دقائق. كانت حقيبتها كما هي مُجهزة منذ آخر محاولة لها بالذهاب. حملتها وأخذت كل ما يخصها وتركت الثوبين اللذين قام ياسين بشرائهما لها سابقًا، ورمتهما بإهمال على فراشها. خرجت من غرفتها وهبطت لأسفل الدرج وفتحت باب القصر. لم تجد أحد يمنعها بل ترك لها رجال ياسين الطريق مفتوحًا. وحاول أحدهم مساعدتها لحمل حقيبتها ولكنها رفضت. عرض السائقين إيصالها ولكنها رفضت أيضًا. سارت الطريق بين القصر والبوابة الرئيسية على قدميها وعندما وصلت، فُتحت البوابة الرئيسية لها. وقفت قليلًا ثم وجدت سيارة أجرة لِتُقلها.
السائق: على فين يا آنسة؟
مريم بتنهيدة: على أقرب مكتب سمسار لو سمحت.
هز السائق رأسه وقام بإيصالها، أما مريم لم تفهم. لماذا قلبها يؤلمها؟ كان من المفترض أن تشعر بالسعادة لخروجها من ذاك القصر ولكن لا. تشعر الآن أنها فقدت شيئًا غاليًا على قلبها. "أم أنكِ أحببتِ أسرَهُ لكِ يا مريم؟" استفاقت على عبراتها التي بدأت بالهطول. قامت بمسحهم سريعًا وهزت رأسها بنفيٍ، تشجع نفسها على الثبات والقوة. ستقاوم وتنساه. دلف ياسين غرفتها بعد رحيلها ونظر لبرود الغرفة الذي يماثل برود قلبه، انتبه للثوبين الملقين على فراشها بإهمال. جلس بفراشها وأمسك الثوب التي كانت ترتديه أمس.
يتأمله بهدوء حتى قربه من أنفه، ليقوم بشم العطر الذي دائمًا ما تتعطر به، تلك الرائحة التي لا تفارق مخيلته أبدًا، رائحة مميزة لها فقط، لأن العطر مختلط برائحة جسدها الطبيعية أيضًا، مما جعل هنا خليطًا جميلًا من العطور. فُتح باب غرفتها ودلف عماد للغرفة بكرسيه المتحرك. ونظر لياسين الممسك بثوبها ويبعده عن أنفه بهدوء، ناظرًا لعماد بنظرات خالية من الحياة، ولكنه عاد لينظر للثوب مرة أخرى. أغلق عماد باب الغرفة خلفه واقترب منه بحذر حتى ترك بينهما مسافات قليلة.
عماد: "براء."
رفع ياسين رأسه ينظر له بهدوء.
عماد: "أنا مبقتش فاهمك، أنت إيه؟ مرة تبقى قاتل ومرة تبقى عاشق؟ بس من الواضح للأسف إن مهما حصل أنت ما تستاهلش الحب."
ابتسم ياسين بسخرية ولم يجبه.
عماد بإشفاق على حاله: "طب طالما بتحبها سيبتها تمشي ليه؟"
ياسين وهو ينظر أمامه بشرود: "عشان لازم يحصل كده."
عماد باستفسار: "مش فاهم؟"
تجاهله ياسين واستقام من فراشها، ولكنه ظل ممسكًا بثوبها وتحرك للباب.
تضايق من أسلوبه ذاك وتحدث بغضب.
عماد بغضب: "هو مش أنا بتكلم؟ يبقى لازم ترد عليا."
تجاهله ياسين أيضًا وكاد أن يقوم بفتح الباب.
عماد بغضب: "رد عليا، ولا أنت خايف تعترف إنها كسرت قلبك؟ أوعى تمثل دور الراجل عليا، أنت لسه عيل صغير خايف بالنسبالي، رد عليا."
انتشر الغضب بأعين ياسين والتفت له.
ياسين بغضب: "عشان أنا قاتل. هي ما تنفعنيش بشيء. هي تستاهل تعيش حياتها وتتجوز وتخلف وتبني عيلة. لكن معايا أنا لا، معايا أنا هتشوف اللي عمرها ما شافته، هتشوف جرايم بشعة، هتشوف حاجات كتير ما ينفعش تشوفها، مش هتعيش مرتاحة، هتفضل خايفة. فده الأفضل ليها هي."
التفت مرة أخرى للباب وقام بفتحه، ولكن قبل أن يخرج.
عماد باستفسار: "طب إيه الأفضل ليك أنت؟"
ياسين بنظرة خالية من الحياة دون الالتفات إليه: "إنها تكون بعيدة عني."
خرج من الغرفة وعاد لغرفته. أما عماد لا يعلم بماذا يحكم عليه؟ ولكن ياسين لا يستحق الحب، فهو يبعد كل من يحبه عنه، حتى هو، أبيه.
في فيلا هشام:
يجلس بغرفة ابن أخته يفكر كثيرًا. يبحث في أوراقه الموجودة بغرفته، لا يوجد دليل على معرفته بأحد الأشخاص السيئين. يبحث عن أي شيء يتعلق به، ولكن لا يوجد دليل على أي شيء غريب في الآونة الأخيرة. استلقى قليلًا على فراش هشام يفكر بعلاقاته بأصدقائه وبمعارفه، ولكنهم جميعهم يحبونه ولا يكنون له الضغينة أبدًا. إذا من قتله؟ أغمض عينيه بإرهاق وقام بتشغيل التلفاز لعله يشاهد أي شيء يشغله عن التفكير. يبحث في القنوات بملل ولكنه عاد لإحدى القنوات الإخبارية مرة أخرى وقام بزيادة مستوى الصوت أكثر.
: "مع الأسف كما أخبرناكم سابقًا، لقد انتشرت حالات القتل في الآونة الأخيرة، لقد تم اكتشاف العديد من الجثث بأحد المصانع المهجورة. من الواضح أن تلك الجريمة حدثت منذ فترة وليست في تلك الأيام..."
انتبه طارق لهاتفه الذي يصدر رنينًا. وجده أحد الضباط المسؤولين عن قضية هشام.
طارق بلهفة: "وصلتوا لإيه؟"
: "نوع الرصاصة اللي خرجت من المسدس اللي اتقتل بيه قريب حضرتك، هو نفس نوع الرصاص اللي موجود في مسدس مترخص لشخص اسمه عادل."
طارق باستفسار: "قبضتوا عليه صح؟ أنا جاي حالًا أ..."
تحدث الضابط مقاطعًا له: "مع الأسف الشخص ده متوفى، لقوا جثته مع مجموعة من جثث تانية امبارح، ده يبقى واحد من حرس رجل أعمال اسمه وائل سعيد اللي مع الأسف برضه لقيناه مقتول هو كمان ومن الواضح إن الجريمة اتنفذت بعد مقتل الدكتور هشام بساعات. فكنت حابب أستفسر، هل قريب حضرتك كان ليه تواصل مع الراجل ده قبل كده؟ هل كان في معرفة سابقة بينهم؟ هل فيه عداوة أو حتى صداقة بينهم؟"
كل تلك الأسئلة تنهال عليه وهو صامت، يشعر بالصدمة مما سمعه للتو. قاتل ابن أخته مقتول! تحدث بتيه.
طارق: "لا هشام ما لوش علاقة بالناس دي خالص، هشام كان في حاله وما كانش ليه دعوة بحد."
تنهد الضابط ثم أردف.
: "تمام يا دكتور طارق، إحنا مستمرين في التحقيقات بخصوص القضية التانية دي برضه، ولو وصلت لحاجة تخص مقتل الدكتور هشام هبلغ حضرتك."
أغلق طارق المكالمة الهاتفية مع الضابط وتدور الكثير من الأسئلة في مخيلته حول ما سمعه. قام أحد رجال رجل أعمال يدعى وائل بقتل هشام. إذًا كيف قام هشام بخطف مريم وفي ذات الوقت تم قتله من قِبَل ذاك الرجل؟ وكيف نجت الطبيبة من كل ذلك إذا كانت مع هشام في ذاك الوقت؟ إلا إذا قام هؤلاء الرجال بخطفها ومن قتلهم أنقذها. إذا من القاتل الحقيقي هنا؟ كانت جميع تلك الأسئلة تشير إلى إجابة واحدة فقط بالنسبة إليه ألا وهي "ياسين المغربي".
مرت ثمانية أشهر وانقطعت أخبار ياسين عن مريم، لأنها أرادت ذلك. قاطعت جميع وسائل التواصل الاجتماعي لكي لا ترى أي خبر أو سبق صحفي عن من قام بجرح قلبها، وقامت بالابتعاد عن مشاهدة التلفاز أيضًا لأنه مصدر من تلك المصادر أيضًا. كان يرهقها ذلك ولكنها أصرت على فعله، حتى وإن غلبها الشوق، فلم تسمح لنفسها بالضعف أبدًا. ولكنها تشتاق إليه، تشتاق إلى منقذها وحب حياتها. تشتاق إلى ذلك البارد، لماذا تشعر بأنه دائمًا يراقبها؟ لماذا تشعر بأنه دائمًا حولها؟ تشعر أنها يومًا ستلتفت للوراء وتجده وراءها يبتسم ببرود، بروده المستفز الذي اشتاقت له. دلفت للمشفى الخاص الذي تعمل به مهرولة لأنها متأخرة كالعادة، تبتسم للجميع بعملية وتحييهم والآخرون يبادلونها التحية باحترام. هناك فارق كبير بين تلك المشفى والمشفى الذي كانت تعمل به وهو مشفى ياسين المغربي. هنا يبادلها الجميع الاحترام، أما هناك لم تجد سوى الإهانة من طارق ومن طاقم المشفى بأكمله. قامت بتبديل ملابسها ثم اتجهت لغرفة مكتبها. دلفت للغرفة اللطيفة المريحة لها، فعلى الرغم من صغرها إلا أنها كانت دافئة كثيرًا مقارنة بالطقس بالخارج، وتلك الغرفة كان يوجد بها سرير صغير في ركن جانبي من أركان الغرفة. جلست على كرسي مكتبها بارتياح وقامت بالتجهيز لعملها، وبعد دقائق انتبهت لهاتفها الذي يضيء باسم عماد. ابتسمت مريم بحب ثم أجابت.
مريم: "وحشتني أوي يا عماد."
عماد: "وإنتِ كمان يا مريومة، عاملة إيه في البرد ده؟"
مريم بتنهيدة وانشغال: "تمام، ما تقلقش عليا، المهم أنت كويس؟"
عماد: "أيوه الحمد لله، أنا قلت أطمن عليكي قبل ما تبدأي شغلك، هبقى أكلمك بعدين، مش هتعوزي حاجة يا حبيبتي."
مريم بابتسامة: "سلامتك يا عماد."
أغلقت المكالمة الهاتفية بينها وبين عماد وعادت بالتذكر، فقد كانت على تواصل بشكل مستمر مع عماد منذ رحيلها، وما تعجبته أنه أخبرها أن ياسين أتى له بهاتف نقال ومنذ ذلك الوقت وعماد يقوم بالاتصال بها يوميًا ليتحدث إليها ويطمئن عليها، ويخبرها أنه يشتاق إليها، ثم يغلق المكالمة الهاتفية بينهما. أغلقت عينيها بإرهاق واستندت بمقدمة رأسها على سطح مكتبها. لقد أرهقها عشقه. تألمت لفراقه. النسيان لم يكن بتلك السه
كانت تقف بغرفة مريض عجوز تبتسم له بهدوء وتسأله عن حالته وصحته.
أشرقت بضيق وهي تقتحم الغرفة:
"خليتي منظري زفت."
تعجب المريض من تلك الطبيبة التي اقتحمت الغرفة.
مريم بابتسامة للمريض:
"ما تتخضش، دي أشرقت صاحبتي، هي بس مجنونة شويتين، عايشة في فيلم أجنبي."
أشرقت بضيق:
"نعم؟! إنتي بتهزري صح؟!"
مريم بابتسامة:
"أشرقت، المريض اتخض، تعالي نتكلم بره."
أمسكت مريم بذراعها وخرجتا من الغرفة.
مريم بتنهيدة:
"نعم؟!"
أشرقت بضيق:
"إيه اللي عملتيه ده؟"
مريم بهدوء:
"عملت إيه؟! مشيت عشان أشوف شغلي."
أشرقت بجدال:
"لا يا مريم، إنتي مشيتي لما لقيتي دكتور آسر بيقرب ناحيتك، وإنتي عارفة كويس إنه معجب بيكي، ده المستشفى كلها واخدة بالها من نظراته ليكي يا بنتي."
مريم:
"بلاش تعيشي في جو الأفلام ده بجد، إحنا المفروض كبرنا على الكلام ده."
أشرقت:
"لا مش جو أفلام يا مريم، نفسي أعرف إنتي بتهربي منه ليه؟! دكتور محترم سمعته كويسة، ناجح في حياته، ده حلم أي بنت غيرك."
مريم:
"زي ما قولتي أهوه، غيري.. يعني مش أنا."
صمتت مريم قليلًا ثم أردفت:
مريم:
"وبعدين لو شايفاه حلو ومناسب، إتكلي على الله وأهو نقول مبروك يلا."
أشرقت بضيق منها:
"إنتي باردة يا بت إنتي."
ضحكت مريم ضحكات خفيفة وابتسمت أشرقت هي الأخرى، وصمتت تفكر في حال صديقتها، وما بها.
مريم:
"أظن يلا نبتدي شغلنا، ولا إيه؟"
أشرقت بتنهيدة:
"يلا."
أكملت الاثنتان سيرهما ونظرت أشرقت نحو إحدى الملصقات الملصقة بأحد جدران المشفى وعادت بنظرها نحو مريم.
أشرقت:
"مريوم."
همهمت مريم لها.
أشرقت:
"ما تنسيش حفلة المساهمين بكرة."
مريم بإنشغال:
"مش ناسية."
أشرقت:
"ماشي، هبقى أعدي عليكي بكرة."
همهمت مريم لها مرة أخرى. مر يوم الاثنتين بروتينهما المعتاد، لم يكن هناك أي عمليات جراحية خلال اليوم مما جعلهما يتابعان حالات المرضى وتغذيتهم.
في المساء:
وقفت مريم أمام المبنى السكني الذي تسكن، نظرت له بهدوء فقد كان رائعًا، فلقد حالفها الحظ وسكنت به. ولدهشتها فقد كان إيجار الشقة التي تبقى بها خفيفًا عليها، صعدت لشقتها بالطابق الثاني. وقامت بفتح باب الشقة، ابتسمت لمن كانت تنتظرها عند الباب.
مريم:
"مساء الخير يا لولي."
حملت مريم قطتها الصغيرة بين يديها وقامت باحتضانها بقوة معبرة عن اشتياقها لها. أغلقت الباب بقدمها، وتوجهت نحو غرفتها. وجدت أن قطتها أكلت الطعام كله.
مريم بابتسامة وهي تربت عليها:
"برافو عليكي يا روحي، استني أحطلك أكل وبعدها هغير."
وضعت قطتها أرضًا وتوجهت نحو طعامها المجفف وقامت بوضع البعض منه في صحن قطتها. وبدأت قطتها بالأكل. قامت مريم بالاستحمام بالمياه الدافئة وارتدت ثيابها الثقيلة وخرجت لغرفتها. جلست بفراشها وقامت بتغطية نفسها وصعدت قطتها الصغيرة على الفراش وجلست على ركبتي مريم. تنظر لها بعينيها البريئة الواسعة، ابتسمت مريم لها وهي تربت على جسدها بهدوء. تعود بذكرياتها لذاك الوقت الذي تقابلت به مع تلك القطة الشيرازي النوع، فقد كانت تائهة بالشوارع، طفلة صغيرة لا يوجد لها أحد. ذكرتها بنفسها كثيرًا وقررت أن تهتم بها. ومنذ ذاك الوقت وهي أنيستها، لا تشعر بالملل أبدًا بوجودها. بدأت قطتها باللعب بيديها تحاول الإمساك بيد مريم التي تبتعد عنها ثم تقترب منها مرة أخرى. تضحك مريم باستمتاع من قطتها البريئة التي تلاحق يدها. ولكن سرعان ما تحولت تلك الضحكات لدموع وبكاء. انتبهت القطة لصوت بكاء مريم التي كفكفت وجهها بيديها الاثنتين. اقتربت منها القطة بهدوء تنظر لها. بكت بكاءً مريرًا على فراقهما. فقد كانت هكذا طيلة الأشهر السابقة، تُمثل القوة طيلة اليوم لكن عندما تكون في غرفتها تبكي. المكان الوحيد الذي تكون به على سجيتها.
في مساء اليوم التالي:
تقف أمام مرآتها تقوم بتنسيق ثوبها الأسود الطويل وإرجاع شعرها الأسود المموج للخلف، قامت بوضع آخر اللمسات على وجهها وهو أحمر الشفاه. انتبهت لصوت مواء قطتها.
مريم بابتسامة وهي تحملها:
"مش هتأخر عليكي، ماشي؟"
قبلتها ثم وضعتها أرضًا.
مريم بابتسامة لها:
"يلا باي."
خرجت من شقتها وهبطت أسفل الدرج حتى خرجت من المبنى السكني. كانت أشرقت تجلس بسيارتها تنتظر مريم، وذُهلت عندما رأتها. أصدرت أشرقت صفيرًا ينم عن إعجابها بمظهرها. ضحكت مريم من رد فعلها وصعدت بجانبها.
أشرقت:
"إيه يا بت الحلاوة دي؟ وجبتي الفستان القطيفة ده إمتى؟"
مريم:
"يا بنتي إحنا فايقين للأسئلة دي؟! يلا اتحركي عشان شكلنا اتأخرنا."
أشرقت بإصرار:
"لا قولي جبتيه إمتى؟"
مريم بتأفف:
"يا ستي كنت بتمشى بعد المستشفى شدني الفستان ده، ارتحتي خلاص؟!"
همهمت أشرقت وبدأت بالتحرك بسيارتها.
مريم:
"على فكرة حلو الفستان اللي إنتي لابساه ده، شيك برده."
أشرقت بغرور مصطنع:
"من يومي يا بنتي عيب عليكي."
ضحكت مريم بخفة على إجابتها تلك وظلا يتسايران طوال الطريق. بعد مرور وقت قصير، دخلت الاثنتان قاعة كبيرة كل المسموع بها هو صوت النغمات الموسيقية الرائعة. كانت تلك القاعة ممتلئة بالكثير من الأشخاص لدرجة أن مريم شعرت أنها ستضل الطريق بين الضيوف. تسير بجانب أشرقت والتي تقوم بوكز ذراعها لتقوم بالنم معها على بعض الأطباء الموجودين بالحفل. وكان رد فعل مريم الطبيعي هو الضحك على تصرفات صديقتها. انتبهت الاثنتان لبداية الحفل عندما بدأ التصفيق الحار. نظرت الاثنتان باتجاه منصة القاعة وبدأ أحد مقدمي الحفل بالتحدث في مكبر الصوت.
مقدم الحفل:
"أهلًا بيكم كلكم، نورتوا الحفلة. طبعًا أنتوا كلكم عارفين الحفل ده بمناسبة إن..."
كان الحديث بالنسبة لمريم شيء طبيعي فلم تهتم بباقي الحديث وانتبهت عندما وكزها أحدهم على كتفها. التفتت للخلف ووجدت زميلها بالعمل الطبيب آسر.
آسر بابتسامة:
"إزيك يا دكتورة؟ أخبارك إيه؟"
كادت أن تتحدث مريم ولكن قلبها دق بعنف عندما سمعت اسمه يُنادى في مكبر الصوت.
مقدم الحفل:
"وطبعًا المساهم الأساسي هو ياسين المغربي."
التفتت سريعًا تبحث عنه بعينيها. لا تصدق. إنه هنا. صعد ياسين على منصة القاعة بهيبته المعتادة، وهنا تقابلت نظراتهما لثانية واحدة فقط، ولكن ياسين ابتعد بعينيه عنها. وبدأ بالتحدث.
ياسين بابتسامة هادئة:
"مساء الخير، أهلًا بيكم..."
أكمل ياسين ترحيبه بالضيوف ولكن من بعدها تجنب النظر نحو مريم التي تنظر له مدهوشة من وجوده بالحفل والذي يدهشها أكثر أنه المساهم الأساسي للمشفى الذي تعمل به. انتبهت لأشرقت التي وضعت يدها على كتفها.
أشرقت:
"مريم."
نظرت مريم لها بتيه.
أشرقت باستفسار:
"إنتي كويسة؟"
هزت مريم رأسها سريعًا بالموافقة. ولكنها تشعر أنها ستفقد أنفاسها.
مريم:
"هروح الحمام."
هزت رأسها لها. ذهبت مريم للحمام وحاولت أن تهدأ. لا تصدق عينيها إنه هنا، الذي أرهقها عشقًا يوجد هنا بنفس المكان ولا تستطيع حتى التحدث إليه. لا تصدق أن تلك أصبحت النهاية بينهما. من اتجاهها هي. فقد كانت تحبه من طرف واحدٍ فقط. لا تصدق أنها مجبرة على إكمال الحفل دون المبالاة لوجوده معها. كم تتمنى أن يقوم بضمها بقوة حتى يقوم بتكسير عظامها تعبيرًا عن اشتياقه لها إذا كان يشتاق لها من الأساس! تنهدت بعمق تحاول تشجيع نفسها على التعامل ببرود أمامه وأمام الجميع، فلقد كان صفحة قديمة بحياتها وقامت بتمزيقها. خرجت من الحمام وبدأت تبحث عن أشرقت ووجدتها تقف مع آسر. اقتربت منهما ووقفت بجانب أشرقت.
آسر بابتسامة:
"ما قولتيش رأيك يا دكتورة؟"
نظرت مريم له باستفسار.
آسر بابتسامة:
"كنت بقترح لدكتورة أشرقت إننا نخلي المستشفى تطلع رحلة، إيه رأيك في الساحل أو مرسى علم؟"
لم تستطع مريم أن تجيبه في شيء ووقعت عينيها على ياسين الذي يقف مع بعض من رجال الأعمال في الحفل ومن الواضح أنهم باقي المساهمين للمشفى. يرتشف العصير من الكأس الذي بيده بهدوء ويتحدث مع أحدهم. إنه يتعامل كأنها غير موجودة من الأساس. لم يُلقِ عليها التحية كما كان يفعل دائمًا، حتى وإن كان سيخبرها "طاب مساؤك". لكن لا. تجاهلها كأنها غير موجودة. انتبهت لأشرقت التي تعطيها كوبًا من الماء.
أشرقت:
"محتاجة تشربي؟"
هزت مريم رأسها بهدوء وقامت برشف بعضٍ من قطرات المياه. ولكن الغضب يزداد بداخلها. كيف يفعل بها ذلك؟! لقد آلمها كثيرًا وها هو الآن يؤلمها أكثر بتجاهله إياها. تمسكت بالكوب الذي بيدها أكثر. فهو بارد. وبروده يستفزها أكثر. الحقير الذي لا يهمه وجودها معه بنفس المكان. لم تشعر بنفسها سوى وهي تقترب نحوه بإصرار، حتى توقفت أمامه وبخطوة سريعة منها ألقت المياه التي بالكوب بوجهه.
رواية القاتل الراقي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة بركات
"الرقصة الأخيرة"
لم تشعر بنفسها سوى وهي تقترب نحوه بإصرار، حتى توقفت أمامه وبخطوة سريعة منها ألقت المياه التي بالكوب بوجهه.
أشرقت: مريم سامعاني؟
استفاقت مريم من شرودها عندما وكزتها صديقتها ونظرت إليها باستفسار.
أشرقت بابتسامة متوترة: دكتور آسر سألك سؤال وإنتِ ما ردتيش.
نظرت مريم لآسر الذي ينظر إليها باستفسار أيضًا، ولكنها أبعدت عينيها عنه ونظرت مرة أخرى نحو ياسين اللوح الثلجي الموجود بالحفل معها. يبتسم بهدوء لرجال الأعمال الذين يتحدث معهم وأيضًا يبتسم لصور الصحافة التي يتم التقاطها له. أغمضت عينيها بضيق، لم تنساه ولم تستطع نسيانه ولكنها يجب أن تمضي قدمًا. نظرت لآسر بهدوء.
مريم بابتسامة هادئة: أنا آسفة بس مش حابة أسافر.
آسر: بس أنا حاسس إنك محتاجة تغيري جو.
مريم بابتسامة: لما أنوي أكيد هقولك، شكرًا يا دكتور.
ظل الاثنان صامتين لبعض الوقت ومريم تسترق بعض النظرات تجاه ياسين أيضًا وكانت أشرقت ترى تلك النظرات وتتساءل بداخلها عن ماذا هناك وماذا يحدث لمريم؟ لما هي متوترة هكذا؟ ولماذا تنظر للمساهم الأساسي هكذا؟ ماذا هناك بينهما؟ انتبهت أشرقت على صوت الموسيقى الهادئة وانتبهت لبعض زملائها الرجال يتجهون نحو بعض زميلاتها يمسكون بأيديهم ويتجهون لمنتصف القاعة للرقص. وكزت أشرقت مريم في ذراعها ونظرت لها مريم في المقابل بتعجب.
أشرقت بهمس: مش قولتلك دول معجبين ببعض أنا صح.
حاولت مريم كبت ضحكاتها على صديقتها الساذجة.
مريم بهمس: قولتلك مالناش دعوة.
نظر آسر بنفس الاتجاه الذي ينظرون إليه ووجدها فرصة رائعة أن يدعو مريم للرقص.
آسر: دكتورة مريم.
انتبهت إليه مريم ونظرت له باستفسار.
آسر بابتسامة لطيفة وهو يمد يده إليها: تسمحيلي بالرقصة دي؟
كادت أن تجيبه بالرفض ولكن قامت أشرقت بالرد بدلًا عنها.
أشرقت: أكيد طبعًا.
دفعتها أشرقت من الخلف نحو آسر تحت ذهولها مما يحدث. نظرت مريم بإحراج نحو آسر الذي يقف أمامها مباشرة.
ابتسم آسر وأمسك بيدها وهنا شعرت مريم برفض شديد لما يحدث ونظرت بشكل تلقائي نحو ياسين الذي تقابلت نظراتها معه، ولكنه أبعد نظراته سريعًا كأن شيئًا لم يكن. شعرت بالإحباط عندما لم يُبدِ أية ردة فعل. عقصت حاجبيها بغضب وسارت مع آسر وانضما للآخرين. كانت أشرقت تنظر لهم بسعادة آملة أن تعطي مريم لنفسها فرصة للحب ولكنها لم تعلم أن قلبها قد ذاب عشقًا في ذاك البارد الذي يُدعى ياسين المغربي. وضع آسر يده خلف ظهرها وقربها منه أكثر. كانت بداخلها ترفض ما يحدث رفضًا قاطعًا ولكنها يجب أن تُظهر لياسين أنها تستطيع العيش بدونه. هي كاذبة تعلم ذلك ولكنها لا تستطيع أن تجعله يراها ضعيفة لأنها ليست ضعيفة. كاد آسر أن يبدأ الرقص ولكنه انتبه لرجل يربت على كتفه. نظر له آسر وقام الرجل بهمس بعض الكلمات له وهز آسر رأسه سريعًا ونظر لمريم.
آسر: أنا آسف يا دكتورة، بيقولوا إن في مشكلة في عربيتي، هروح أشوفها وأرجعلك.
هزت مريم رأسها أما آسر خرج من القاعة. تنهدت مريم بإحراج لما حدث ثم عادت مرة أخرى ووقفت بجانب أشرقت التي تنظر لها بعدم فهم لما حدث.
أشرقت باستفسار: إنتِ عملتي حاجة ضايقته؟
مريم وهي تمط شفتيها بعدم فهم: ما اعرفش، أنا فجأة لقيته بيتحجج إن عربيته فيها مشكلة وخرج.
أشرقت بتنهيدة: ولو إني مش مصدقاكي، بس هصدقك.
ضحكت مريم بخفة وعادت تنظر لمكان تواجد ياسين ولكنه اختفى. هدأت ملامحها وبدأت تبحث عنه بعينيها لعلها تجده ولكن لا يوجد له أثر، حتى رجاله اختفوا أيضًا. لا تعلم لماذا شعرت بالقلق على الطبيب آسر. هل يمكن أن يفعل له ياسين شيئًا؟ دب الرعب في قلبها ولا تعلم لماذا أتى على بالها ذاك التفكير.
مريم: أشرقت، أنا هروح الحمام.
كادت أن تتحدث ولكن مريم تركتها وذهبت. تعجبت أشرقت عندما رأتها تسير في اتجاه آخر غير الحمام. بدأت مريم تبحث حولها عن ياسين ولكنها لم تجده، ذهبت لاتجاه مخرج من مخارج القاعة ولكنها توقفت عندما لمحت ياسين يقف أمام مسبح كبير وينظر أمامه بهدوء. سارت بالممر الخاص بالمسبح بهدوء. لا تدري لما تتجه إليه ولكنها تشعر أنها مسلوبة الإرادة نحوه خصيصًا. وقفت خلفه وحاولت التحكم بوتيرة أنفاسها التي بدأت تزداد، هادئٌ وباردٌ كالعادة. يرتدي حُلة سوداء راقية من عصر الستينات كالمُعتاد، شردت به ونسيت لماذا هي هنا؟ استفاقت على صوته.
ياسين دون أن يلتفت إليها: مساء الخير يا دكتورة.
عقصت مريم حاجبيها بعدما استوعبت لماذا هي هنا؟ واقتربت منه حتى وقفت أمامه.
مريم بضيق: لا مساء الخير ولا صباح الخير حتى، فين دكتور آسر؟ إوعي تكون عملت فيه حاجة؟
ياسين بابتسامة هادئة: ماكنتش معتقد إن أول كلمة بينا بعد الشهور اللي فاتت دي إنك تتهميني بإني أذيت حد.
مريم بإصرار: دكتور آسر فين؟
أشار ياسين بعينيه نحو مدخل القاعة والتفتت مريم للخلف، وجدت آسر يدخل للقاعة ومن الواضح أنه يبدو بخير. توجه آسر نحو أشرقت وهو يبحث بعينيه عن مريم.
آسر باستفسار: هي دكتورة مريم فين؟
أشرقت: في الحمام. هو في حاجة؟ حضرتك كنت خرجت بسرعة.
آسر بضيق: آه ده في حد جه قالي العربية بتاعتي اتخبطت بس لما طلعت لقيتها سليمة. مش عارف إيه الهزار السخيف ده.
تنهد آسر ثم تحدث.
آسر: هي الدكتورة هتتأخر طيب؟
أشرقت: ممكن مش عارفة. أنا عمومًا هروح أشوفها.
آسر بابتسامة: شكرًا.
تركته أشرقت وذهبت تبحث عنها.
تنهدت مريم بعدما رأت آسر يعود للقاعة ثم عادت ونظرت لياسين الذي ينظر لها بهدوء في المقابل، لم تنسَ ما فعله لها أبدًا، لم تنسَ كيف جرح قلبها، لم تنسَ كيف كان يبتسم للصحافة وهم يسألونه عن عشيقته. أغمضت عينيها بغضب وألم من تلك الذكريات والتفتت لترحل ولكن أوقفها صوته.
ياسين: دكتورة مريم.
أغمضت عينيها بقوة تحاول التحكم بوتيرة أنفاسها والتفتت إليه تنظر له باستفسار.
ياسين باستفسار: إنتِ كويسة؟
مريم بهدوء: أيوه كويسة.
كادت أن تلتفت ولكن أتى على بالها سؤال.
مريم باستفسار: هو إنت إزاي المساهم بتاع المستشفى دي؟ ومن إمتى؟
ياسين باستفسار: الإجابة تهمك في إيه يا دكتورة؟
نظرت إليه قليلًا تُفكر. حسنًا لا يهم كثيرًا ولكنه آخر شخص تريد أن تراه في حياتها.
مريم: عندك حق فعلًا، هي تهمني في إيه؟ لإنها مش مهمة فعلًا بالنسبالي.
لم يُجبها ياسين ولم يعطها أية ردة فعل كان باردًا ثابتًا قويًا كما هو. أما مريم كانت تنظر له بضيق لأنه لم يتغير أبدًا. الخائن.
انتبهت مريم للموسيقى التي تغيرت في القاعة وتحولت لموسيقى أخرى شاعرية. اقترب ياسين منها حتى صار أمامها مباشرة ومد يده إليها.
ياسين بابتسامة هادئة: تسمحيلي بالرقصة دي يا دكتورة؟
نظرت مريم ليده ثم نظرت لعينيه الباردتين مرة أخرى. تشعر أن هناك مغناطيسًا يمنعها من التحرك والرفض، هناك شيء أيضًا يمنعها من إلقاء الشتائم في حقه. تشعر أنها مشوشة. شخص في رُقيه كيف يكون خائن لعشيقته؟ نظراته الهادئة تلك تبعث عليها الطمأنينة، لماذا لا زالت تشعر أنه الأمان بالنسبة إليها؟ على الرغم من جرحه لها. لماذا نظراته تلك تخبرها بأنه لم يقم بجرحها؟ لماذا تخبرها أنه يحبها؟ نظرت ليده مرة أخرى ومدت يدها له بدون وعي. ابتسم ياسين بهدوء وضغط على يدها برفق وقربها منه أكثر. وضع يديه خلف ظهرها وهي وضعت يدها على كتفيه. لم تبتعد أعينهما عن بعضهما البعض، وبدأ ياسين بالتحرك بها متذكرًا تلك الرقصة التي رأى والده يراقصها لوالدته تلك الحركات تلك اللمسات الرقيقة. مصطفى وفريدة أجمل قصة حب تمنى براء أن يعيش بها. كان جسدها يتابع حركاته بانسيابية، لقد كانت منسجمة معه في الرقص، يتمايل جسدها بخفة. مرت تلك اللحظات اللطيفة وهي تنظر في عينيه بلهفة وهو ينظر لها بابتسامة هادئة مسالمة، ابتسامة خلفها الكثير من الذكريات. عندما انتهت الموسيقى تذكر براء جيدًا ماذا حدث بعد تلك الرقصة الأخيرة. تذكر كيف مات والديه. ظل براء ينظر لعينيها الصافيتين البريئتين. كم كانت تبدو مسالمة. يعلم جيدًا أنه مهما حاول أن يجعلها تكرهه فإنها ستظل تحبه وستشتاق لأي لحظة تجمعهما سويًا كما يريد هو ذلك أيضًا. ووضع يده على وجنتها يتلمسها بلطف.
ياسين وهو ينظر بعينيها: كوني بخير يا مريم، وعيشي حياتك، الدكتور مناسب ليكي، هو هيقدر يسعدك.
ابتعد عنها بهدوء وتوجه نحو مدخل القاعة ثم خرج منها. تقف بمكانها لا تستطيع استيعاب ما قاله وما حدث؟ لقد كان يراقصها منذ لحظات ولكن تلك اللحظات الجميلة انتهت بحديثه لها. هل أخبرها أن أحدًا غيره سيُسعدها؟ هل يمتلك أي فكرة أنه قد كسر قلبها مرة أخرى بتركه لها في تلك اللحظة؟ تلك اللحظة التي رأت حبه لها. نعم لم يكن ذلك حلم. لقد كانت بين يديه يتحكم بحركات جسدها كما يريد. لقد شعرت بحبه لها. شعرت باهتمامه بها. لكن كيف يجرحها مرة أخرى بعد أن تشعر بالأمان له؟ لم تشعر سوى بانهمار دموعها على وجنتيها. لماذا يفعل بها ذلك؟ لماذا تشعر دائمًا أنها غير كافية بالنسبة إليه؟ لا يعلم أبدًا أنه هو سبب سعادتها بعدما فقدت كل شيء.
أشرقت: مريم.
التفتت مريم لصديقتها وهي تبكي. صُدمت أشرقت من بكائها واقتربت منها وقامت بضمها لعلها تهدأ. ولكن مريم زاد بكائها.
لم يشفَ جرح قلبها السابق، بل أصبح الجرح عميقًا أكثر.
أشرقت: "مالك فيكي إيه؟"
مريم ببكاء: "أنا محتاجة أمشي من هنا، مش قادرة أفضل هنا دقيقة واحدة، مش قادرة أستحمل."
أشرقت: "طيب، تعالي نخرج."
أمسكتها من يدها وخرجتا سوية من القاعة. تحركت أشرقت بسيارتها وبجانبها مريم التي تبكي وتنظر أمامها بشرود. وبعد عدة دقائق توقفت أشرقت أمام بيتها، هبطت مريم من السيارة ولحقتها أشرقت. تعجبت مريم ونظرت لها باستفسار.
أشرقت: "أنا هبات معاكي النهاردة، أنا محتاجة أعرف منك إنتي فيكي إيه؟ ومين الشخص اللي كنتي واقفة معاه ده؟ وإزاي تبقي عارفة المساهم أصلًا وماتقوليليش؟ في كلام كتير أوي يا مريم محتاج يتقال، محتاجة أفهم صاحبتي. ماينفعش أبقى شايفاكي حزينة ومش سعيدة طول الوقت وأعدي ده كله وأقول عادي، كفاية سكوت لحد كده. أنا عايزة أعرف منك كل حاجة."
هزت مريم رأسها باستسلام وتبعتها أشرقت. دلفت مريم للشقة وكانت قطتها في انتظارها وهنا فزعت أشرقت عندما رأت القطة وتمسكت بمريم تحتمي بها.
أشرقت: "إبعديها عني."
ضحكت مريم من ردة فعل صديقتها وخوفها المستمر من القطط.
مريم: "يابنتي دي لطيفة جدًا ومسالمة خايفة منها ليه؟"
أشرقت: "معرفش."
مريم: "سيبيني طيب."
تركت أشرقت ثوب مريم التي حملت قطتها وملست على جسدها بلطف ووضعتها بصندوقها ووضعت أمامها الطعام.
مريم لأشرقت: "يلا تعالي."
تحركت أشرقت بحرص وهي تنظر للقطة التي تنظر لها ببراءة في المقابل حتى دلفت الغرفة وتبعتها مريم.
مريم: "غيري هدومك وأنا كمان هغير هدومي."
أخرجت منامة لتقوم بتغيير ثيابها واستأذنت من صديقتها لتذهب للحمام. بعد عدة دقائق، كانتا تجلسان بالفراش بجانب بعضهما.
أشرقت: "أنا عايزة أعرف عنك كل حاجة يا مريم، محتاجة أفهمك، لإني دايمًا حاسة إني مش فاهماكي."
تنهدت مريم بعمق وبدأت بالتحدث.
مريم باستفسار: "عايزاني أبدأ منين؟ أو أحكي عن إيه؟"
أشرقت: "من غير ما أحددلك هو تقريبًا سؤال واحد هيطلع الإجابات المطلوبة. إيه اللي بينك وبين المساهم اللي على ما أعتقد اسمه ياسين المغربي؟"
صمتت مريم قليلًا تحاول البحث عن إجابة ولكن الإجابة الوحيدة كانت تلك الدمعة التي هبطت من مقلتيها عندما سمعت اسمه. ولم تلبث سوى أن بدأت بالبكاء فعلًا، كأن هناك كمًا من المشاعر المحتجزة بداخلها. ربتت أشرقت على كتفها لعلها تهدأ، وها قد نالت الإجابة.
مريم بصوت متحشرج: "ده صاحب المستشفى اللي كنت شغاله فيها السنة اللي فاتت..."
بدأت مريم في سرد قصة حياتها مع ياسين المغربي الذي سرق قلبها ولم يُعِده إليها.
مريم ببكاء: "وفي الآخر جاي يقولي كوني بخير وعيشي حياتك وإن آسر مناسب ليا وهو اللي هيسعدني. وهو مايعرفش أصلًا إن كل ثانية في حياتي بتعدي عليا وهو مش موجود فيها بموت بدل المرة مليون مرة."
شهقت مريم بقوة من كثرة بكائها وتقوم أشرقت باحتضانها وتحاول تهدئتها ولكنها باءت بالفشل. فهي لا تستطيع مساعدتها في ذلك سوى أن تتركها تبكي، لأن جرح الحب صعب شفاؤه.
مريم في وسط شهقاتها: "أنا قلبي اتعلق بيه من وأنا صغيرة، كنت دايمًا بحلم أقابله. ولما لقيته قدامي ماصدقتش نفسي، لإن الإنسان اللي فضلت أتمنى أقابله طول سنين حياتي موجود قدامي."
ظلت مريم تبكي وأشرقت تحتضنها بقوة وتبكي على حالها أيضًا. وبعد عدة دقائق بدأت شهقات مريم في الهدوء.
أشرقت باستفسار: "بقيتي أحسن؟"
هزت مريم رأسها بهدوء وهي مستندة على كتفها. ظلت الاثنتان صامتتين هكذا، حتى تحدثت مريم.
مريم بصوت متحشرج: "تعرفي إنك بتفكريني بأختي."
اعتدلت أشرقت ونظرت لها باستفسار.
مريم بتوضيح: "مكانتش بتسيبني أبدًا، وتفضل ورايا لحد ماتعرف مالي. كانت أغلى حاجة في حياتي بعد ماما وبابا، الله يرحمهم."
أشرقت: "الله يرحمهم."
كانت تريد أن تسألها كيف ماتوا؟ ولكنها محرجة من ذلك السؤال. وكأن مريم سمعت السؤال الذي بداخلها وبدأت بالتحدث.
مريم بحزن وشرود: "بابا مات الأول. كان مريض قلب جه في يوم وقلبه وقف. أنا وماما وأختي اتبهذلنا من بعده. أنا كان عندي 12 سنة وقتها ماكنتش فاهمة أي حاجة، بس كل اللي أعرفه إني مش هشوف بابا تاني. وبعده ماتت أختي. *ارتجف جسدها*. ماتت في حادثة، وأنا وماما لما عرفنا، ماما مستحملتش وماتت هي كمان. أنا كنت وقتها في أول سنين الجامعة بقيت لوحدي تمامًا. كل اللي كان بيساعدني معاش بابا اللي يادوب كان بيقضي الغرض بالنسبة للكتب والمذاكرة والأكل كنت باكل سندوتشات أي حاجة تشبعني يعني. الحمدلله."
ربتت أشرقت على كتفيها. وبدأت بالتحدث.
أشرقت: "الله يرحمهم."
مريم: "آمين."
بدأت أشرقت بالتحدث بمرح.
أشرقت: "بالنسبة لآسر بقى، على فكرة هو بيحبك."
نظرت مريم لها بضيق.
مريم: "يعني بعد كل الكلام اللي قولته ده تقومي تقولي آسر؟ ياستي مش عايزاه، هو شخص لطيف وكل حاجة بس مش مناسب ليا، مش قادرة أفكر في حد غير ياسين."
أشرقت: "طيب ياستي خليكي في حضرة الظابط بتاعك ده، أنا هنام عشان مش قادرة."
مريم: "إنتي معرفتيش خالتك إنك هتباتي هنا؟"
أشرقت: "صباح الخير بليل. أنا بعتلها رسالة من بدري إني هبات عندك عشان ماتقلقش."
تنهدت مريم وهزت رأسها. استلقت أشرقت على السرير وبجانبها مريم. وبعد عدة دقائق، تحدثت مريم بشرود.
مريم: "شكرًا يا أشرقت."
لم تجد ردًا بالطبع لأن أشرقت كانت نائمة نومًا عميقًا.
يجلس بغرفة مكتبه في قصره، ينظر للصورة التي بيده والتي كانت عبارة عن صورة لهما سويًا. والصورة الوحيدة لهما في ذلك الحفل الذي انتهى فيه كل شيء. يتذكر اليوم كيف كانت في الحفل، كانت رائعة الجمال بثوبها الأسود الرائع. يتذكر رائحتها التي غرق بها عندما كان يراقصها. يتمنى لو كان من حقه أن يهرب بها ويعيشان سويًا في سلام. ولكن ليس لديه الحق في ذلك فهي كالطفلة البريئة بالنسبة إليه، وهو قاتل. استقام من مقعده ووضع الصورة في تلك الخزينة لتنضم مع دفاتره السوداء وقام بإغلاق الخزينة. وخرج من غرفته وذهب لغرفتها واستلقى بسريرها الذي لم يفارقه منذ خروجها من القصر.
مر شهر كامل وفي تلك الأثناء كانت مريم تحاول أن تتعايش على الوضع الحالي تتجاهل محاولات آسر لها. تشتاق لياسين الذي لم تعد تراه منذ ذلك اليوم ألا يكفيه إرهاق قلبها هكذا؟ عادت لوسائل التواصل الاجتماعي ولكنها لم ترَ أي أخبار في الفترة السابقة عن ظهور عشيقته أو حتى ظهوره هو شخصيًا. هل كان يكذب؟ تساءلت مع نفسها دائمًا ذاك السؤال ولكن لم تجد له إجابة. كانت تسير بممر المشفى تقوم بمراجعة بعض أوراق المرضى ولكنها توقفت عندما رأت الطبيب آسر يقترب منها.
آسر: "مساء الخير يا مريم."
مريم بابتسامة مصطنعة: "مساء الخير يا دكتور."
آسر بتنهيدة وتوتر: "ممكن أنا وإنتي نقعد في مكان ونتكلم شوية؟"
مريم بابتسامة: "أكيد يا دكتور أنا كمان محتاجة أتكلم معاك."
آسر بلهفة: "فاضية دلوقتي طيب؟"
مريم بتنهيدة: "أيوة فاضية، هروح بس أقول لأشرقت إني هخرج عشان ماتقلقش عليا."
هز آسر رأسه بهدوء. بعد عدة دقائق، جلسا بمقهى قريب من المشفى وبدأ آسر بالتحدث.
آسر: "تشربي حاجة؟"
مريم: "لا شكرًا."
حمحم آسر بإحراج وأخذ نفسًا عميقًا ثم بدأ بالتحدث.
آسر: "مريم.. أنا جوايا كلام كتير محتاج أقوله ليكي، بس خايف ترفضي."
مريم بهدوء: "أظن إني عارفة الكلام من قبل مايتقال."
ابتسم آسر على اعتقاده أنها أيضًا تبادله نفس الشعور ولكن ابتسامته اختفت عندما سمعها.
مريم: "بس للأسف، أنا ما أنفعش. يعني أقصد حضرتك زميل ليا مش أكتر ولا أقل. وأنا مش بفكر في الارتباط دلوقتي خالص."
ظل آسر صامتًا ينظر لها بحزن.
مريم بابتسامة: "خلينا زمايل زي ما احنا، ولو احتجت أي حاجة أنا موجودة وكمان أشرقت موجودة هي تنوب عني طبعًا في أي حاجة."
آسر بعدم استيعاب: "بس أنا مش عايز أشرقت. أنا عايزك إنتي."
مريم بهدوء وتكرار: "وأنا زي ما قولتلك يا دكتور، أنا بعتبرك مجرد زميل مش أكتر."
استقامت مريم من مقعدها.
مريم: "بعد إذنك."
ذهبت وتركته وعادت للمشفى مرة أخرى وبدأت بسرد كل ما حدث لأشرقت.
أشرقت بضيق: "بطلي تصرفاتك دي."
مريم: "تصرفات إيه؟ واحد مش متقبلاه بجد، عايزاني أعمل إيه؟"
أشرقت بإصرار: "تتقبليه. إنتي داخلة على الثلاثين يا مريم يعني صعب تلاقي شخص يتجوزك."
مريم: "مافيش حاجة اسمها كده. وبعدين أنا خلاص رافضة فكرة الارتباط ومش عايزة، أنا عايزة أعيش حياتي لنفسي."
كادت أشرقت أن تتحدث ولكن رن هاتف مريم. نظرت مريم للرقم الذي يتصل بها ثم بدأت بالرد.
مريم باستفسار: "ألو؟"
ظلت أشرقت تنظر لها بضيق على ما تفعله تلك المغفلة بنفسها، يجب أن تعيش سعيدة ولا تترك نفسها للحزن أبدًا. غبي من قال أن الحب نهاية العالم بالنسبة إلى الشخص.
انتبهت أشرقت لابتسامة مريم العريضة بعدما أغلقت المكالمة الهاتفية.
أشرقت باستفسار وترقب:
"في إيه؟ إيه اللي مخليكي مبسوطة كده؟ تتحسدي."
مريم بسعادة:
"فاكرة القافلة الطبية اللي أنا اتطوعت فيها من شهر؟"
أشرقت بتفكير:
"تقريبًا اه."
مريم بسعادة:
"كانوا بيكلموني بيقولولي أجهز عشان خلاص الميعاد الأسبوع الجاي."
تنهدت أشرقت ونظرت لها بضيق.
مريم باستفسار:
"نعم؟"
أشرقت بضيق:
"أقولها جواز وهي تقولي قافلة وشغل، بقولك إيه؟ إنتي لازم تتستتي وتقعدي في البيت ده حلك يابنتي."
مريم برفض:
"اقفلي الموضوع ده، أنا هروح أقدم على الأجازة."
أشرقت بتأفف:
"اعملي اللي تعمليه أنا غلطانة يا ستي."
تركتها أشرقت، أما مريم هزت رأسها بيأس من صديقتها العنيدة التي لن تتذوق طعم الراحة إلا بعد زواجها.
بعد مرور أسبوع:
كانت تقوم بتجهيز حقيبتها وبجانبها أشرقت تساعدها.
مريم بانشغال:
"هتاخدي لولي عندك الأسبوع ده تأكليها وتشربيها وتاخدي بالك منها كأنك أنا بالظبط."
أشرقت بضيق وتأفف:
"ما بحبش القطط، لازم تجيبيها عندي يعني؟ ما توديها عند أي حد من الجيران."
مريم بتنهيدة:
"مش هعرف أطمن عليها غير معاكي، عشان إنتي عارفة كويس هي مهمة قد إيه بالنسبالي."
أشرقت باستسلام:
"حاضر."
ابتسمت مريم باطمئنان وقامت بغلق الحقيبة.
مريم:
"أنا كده خلاص خلصت."
أشرقت بحزن:
"هو يعني مكنش ينفع تسيبك من القافلة دي؟"
مريم بابتسامة:
"إنتي عارفة إن حلم حياتي كان إني أتطوع في الحاجات دي."
أشرقت بتأفف:
"طيب."
قامت مريم باحتضانها بقوة ثم ابتعدت عنها واتجهت نحو قطتها وقامت بحملها وتقبيلها.
مريم:
"هتوحشيني يا لولي."
ظلت تلاعبها لثوانٍ، ثم وضعتها بصندوقها ومعها بعض الطعام.
مريم بارتياح:
"يلا كل حاجة جاهزة."
ساعدت أشرقت مريم في حمل حقيبتها ومريم كانت تحمل بيدها الأخرى صندوق قطتها وخرجتا من الشقة. ركبت أشرقت السيارة وبجانبها مريم لتقوم بإيصالها للمكان الذي ستتحرك منه. وفي ذات الوقت كان بعض الرجال يتابعون ما يحدث. قام أحدهم بالاتصال به.
"ياسين بيه، الدكتورة خلاص هتسافر، هنفضل وراها برده، صح كده؟"
ياسين بهدوء:
"أيوه."
أغلق ياسين المكالمة الهاتفية بعد تلك الكلمة واستقام من مقعده في نية منه للخروج من الشركة.
ضمت مريم بقوة لوداعها.
مريم:
"أمانة عليكي يا أشرقت خدي بالك كويس من لولي."
أشرقت:
"حاضر ما تقلقيش،"
تحدثت بتأفف:
"وبعدين إنتي يدوب هتغيبي شهر، ما تحسسنيش إنك هتغيبي العمر كله."
ضحكت مريم بخفة ثم أشارت لها بيدها تعبر عن الوداع وركبت إحدى وسائل المواصلات التي ستوصلها للبلد الريفي الذي ستذهب إليه. جلست مريم بالمقعد الثالث في الحافلة الصغيرة والذي يُسمى "ميكروباص". مستندة برأسها على النافذة تفكر بياسين وتشرد بالطريق حتى مرت دقائق بسيطة واستسلمت للنوم الذي شعرت به فجأة. لا تدري كم مر من الوقت ولكنها شعرت بعجز وهي نائمة. شعرت بانقطاع أنفاسها، شعرت بأنها تختنق، تموت. أصوات صراخ عالية حولها جعلتها تعقد حاجبيها بانزعاج وألم، لا تستطيع التحرك. فتحت عينيها بتعب وتأوه. ونظرت حولها بهلع عندما وجدت حولها الكثير من جثث الركاب في السيارة حولها ملقون على الأرض وهناك رجال يحاولون إنقاذ الباقين. أما هي لاحظت أن هناك قطرات دم كثيفة تنتشر على ثيابها من جانب رقبتها. شعرت بأن هناك شيئًا حادًا اخترق عنقها ولا تستطيع التحرك إنشًا واحدًا بسببه. منذ عدة دقائق، كان رجال ياسين يراقبون السيارة التي تحركت الآن ولحقوها. وبعد مرور عدة دقائق بسيطة من ملاحقتهم إياها، كان سائق السيارة التي بها مريم يتحرك بشكل سريع فهو طريقٌ حر ولم ينتبه لتلك الشاحنة العملاقة تسير بالاتجاه المعاكس سريعًا حتى تقابلت الشاحنة مع السيارة وحدث تصادم قوي بينهما. توقفت سيارة رجال ياسين سريعًا وهبطوا من السيارة يحاولون إنقاذ ضحايا الحادث وخاصة الطبيبة. قام أحدهم بالاتصال بياسين ليخبره بما حدث. كان يجلس بسيارته يفكر بها كعادته. استفاق من شروده على صوت هاتفه، التقطه بهدوء وقام بالرد دون أن يقول أي كلمة. ولكن ملامح وجهه قد تبدلت بشكل غريب، لا يصدق ما يسمعه.
"ياسين بيه؟ حضرتك معايا؟"
استفاق ياسين مما شعر به وهو شعور الفقدان مرة أخرى ولكنه استجمع ما تبقى من هدوئه.
ياسين:
"إنتوا فين؟"
"إحنا في ******."
لقد كان الحادث قريبًا منه، أغلق المكالمة الهاتفية وأمر سائقه بالركوب مع باقي الرجال وأخذ هو القيادة. تحرك بسيارته سريعًا ولحقه رجاله بسياراتهم. بعد مرور دقائق قليلة، كان يتحرك بسيارته سريعًا يتمنى ألا يحدث لها شيء، يتمنى ذلك من كل قلبه، ولكن سيارته أصدرت صريرًا عاليًا عندما توقف بصدمة وهلع من هول ما رأى أمامه. شاحنة نقل كبيرة ملقاة بمنتصف الطريق وأناس مجتمعون خلفها. هبط من سيارته سريعًا لكي يرى ماذا حدث تحرك بسرعة خلف هذه السيارة وهنا صدم مما رآه سيارة أخرى مقسومة إلى نصفين وحولها جثث الركاب والذين كان يخرجهم رجاله من السيارة، يقف تائهًا وهو ينظر للضحايا. كان هناك من هو حي ولكن يلفظ أنفاسه الأخيرة والآخرون ميتون ملقون على الطريق بإهمال. بحث عنها بهلع وخوف تكون في قلبه لأول مرة. بحث عنها ولم يراها بين الجثث تنهد بارتياح ولكنه فتح عينيه على وسعهما عندما رآها هناك ويقف رجاله هناك أيضًا لا يعرفون كيف يحملوها من حالتها!! مستندة بجسدها في النصف الآخر من العربة مغمضة العينين. شعر بأن روحه سوف تُزهق عندما رأى قطعة كبيرة من الزجاج موجودة في عنقها ويخرج من هذا الجرح الكثير من الدماء. اقترب منها سريعًا بعدم استيعاب لما يحدث أمامه وبدأ يربت على كتفها لعلها تستيقظ.
ياسين بارتجاف:
"مريم."
لم تستيقظ ودب الرعب في قلبه أكثر. مسك أكتافها وبدأ يصرخ بها.
ياسين بصراخ:
"مريم."
يحاول إيقاظها بشتى الطرق ولكنها لا تستيقظ. هبطت دمعة من إحدى مقلتيه بعجز وضعف من هذا الموقف الذي هو ملقى به لا يعرف كيف يحملها. لا يعرف كيف يفعلها خوفًا من أن يحدث لها مكروه. قامت بفتح عينيها بإرهاق. رأته أمامها الشخص البارد الذي تعشقه هنا. ولكنه ليس بارد تلك المرة، الهلع والدموع في عينيه. كان يصرخ باسمها بأقصى طاقته. دلالة على ضعف موقفه وعجزه. كبكب وجهها بين يديه اللتان امتلأتا بدمائها ونظر في عينيها وهدأ قليلًا.
ياسين بدموع:
"خليكي صاحيه، خليكي صاحية."
أغلقت عينيها بتعب واستقام من مكانه وقام بخلع معطفه الأسود والذي قد امتلأ بدمائها. قام بتغطيتها به وذلك لأنها كانت ترتعش كثيرًا. حملها بين يديه وهو يبكي ولا يهتم لقميصه الذي تلوث بدمائها. فتحت عينيها مرة أخرى بوهن وبدأت الرؤية تتشوش أمامها وكل ما تراه كان ياسين الذي يبكي ولكنه يحاول أن يظهر صلابته كأن لم يحدث شيء. نظرت مطولًا إلى وجهه الذي يحمل ملامح قاسية ولكن الآن هو أبعد ما يكون عن القسوة. الخوف والقلق ودموعه التي تهبط من مقلتيه. نظراته الخائفة من فقدانها. حاولت أن تبقى واعية ولكنها لم تستطع بسبب فقدانها الكثير من الدماء، أغمضت عينيها وفي تلك اللحظة نطقت باسمه بتعب.
مريم:
"ياسين."
ولكنه لم يسمعها كان كل ما ينشغل به الآن هو إنقاذها فقط.
"في تلك اللحظة فقط أدركت كل شيء، أدركت أنك أكثر شخص يحبني حتى وإن لم تظهر ذلك، فيكفي دموعك تلك."
رواية القاتل الراقي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة بركات
"كوني سعيدة"
يحملها بين يديه يجري بها نحو سيارته ولكنه انتبه عندما رأى سيارة إسعاف قادمة وخلفها العديد أيضًا. ركض نحو السيارة التي توقفت أولًا، فهو بحاجة أن يتم إيقاف نزيفها. قدمها لرجال الإسعاف وحملوها على عربة نقالة في السيارة وبدأوا بعمل الإسعافات الأولية لها وهي إيقاف النزيف. ركب ياسين السيارة معها وظل بجانبها ممسكًا بيدها يضغط عليها بقوة وينظر لها كالتائه تارة، وينظر لرجال الإسعاف وهم يحاولون فعل ما بوسعهم لإنقاذها تارة أخرى.
"لو سمحت، محتاجين حضرتك تساعدنا."
نظر لهم ياسين بتيه. أشار له أحد الشبان بالتمسك بالمنشفة الموضوعة على عنقها لمنع النزيف. وضع ياسين يده الممتلئة بدمها على المنشفة وهو ينظر لمريم كالطفل الضائع. أكمل رجال الإسعاف باقي إجراءاتهم لنجاتها. تسير في ممر المشفى تحاول الاتصال بها مرارًا وتكرارًا لتطمئن عليها ولكنها لا تجيب.
أشرقت بتعجب: "ما صدقت تمشي دي ولا إيه؟"
تأففت بضيق ثم أكملت سيرها ولكنها توقفت عندما قابلت الطبيب آسر في طريقها.
آسر بابتسامة: "إزيك يا دكتورة؟"
أشرقت بإحراج: "أنا الحمد لله، حضرتك أخبارك إيه؟"
آسر: "تمام."
نظر حوله يبحث عن مريم بعينيه ولكنه انتبه لأشرقت.
أشرقت بتفهم: "مريم واخدة إجازة شهر."
آسر بقلق: "ليه؟ مالها؟"
أشرقت: "ما تقلقش يا دكتور، هي بس انضمت لقافلة طبية في بلد أرياف وهتقعد فترة هناك بس كده."
تنهد آسر بحيرة ثم استأنف حديثه.
آسر: "طب ممكن نتمشى شوية؟ محتاج أتكلم معاكي."
أشرقت: "أكيد، اتفضل."
سارت بجانبه في ممر المشفى وبدأ هو بالتحدث بصوت هادئ قليلًا.
آسر: "أنا بحب مريم."
لم تتفاجأ مما قاله لأنها تعلم بالفعل فنظراته لها تفضحه هنا في المشفى وبالطبع الجميع يعلم. ابتسمت أشرقت لحديثه عن صديقتها.
آسر: "بس هي رفضتني، وصدقيني يا أشرقت أنا نيتي كويسة ناحيتها، أنا عايزها زوجة ليا."
أشرقت: "وإنت ليه اخترتها زوجة ليك من قبل ما تعرفها؟ ما يمكن هي محتاجة شوية وقت؟"
آسر باستفسار: "مش فاهمك، ليه اخترتها من قبل ما أعرفها؟ وهي محتاجة وقت لإيه؟"
أشرقت بتنهيدة: "أنا حاساك متسرع شوية، إنت ما تعرفش حاجة عن مريم، بالنسبة لهي محتاجة وقت لإيه، فمريم بتحاول تعيش حياتها بشكل طبيعي الفترة دي، بتحاول تتأقلم مع حياتها."
آسر: "أنا أقدر أساعدها، وبعدين أنا من أول يوم شوفتها فيه وهي خطفتني، وأنا بتكلم معاكي دلوقتي عشان عارف إنك أقرب واحدة ليها وهي هتسمع كلامك لإني عارف إنك هتقنعيها بيا، ممكن تحاولي تقنعيها إني هفضل دايمًا معاها وجنبها وهسعدها؟"
شعر بالإحراج من إفصاحه عن مشاعره.
أشرقت بابتسامة: "أنا متفهمة مشاعرك دي يا دكتور، بس ممكن تسيبلها فرصة."
نظر أرضًا وصمت قليلًا وكاد أن يتحدث انتبه لصراخ أشرقت المفاجئ. نظر نحوها وجدها تتجه نحو التلفاز برعب. صُدم عندما رأى عدة صور لبعض الهويات الشخصية في الأخبار ومن ضمنهم هوية مريم الشخصية ويفيد ذلك الخبر بأن هناك حادث أصاب أصحاب هذه الهويات ومكان تواجدهم الحالي. انهارت أشرقت من البكاء وانتبه آسر لانهيارها وحاول تهدئتها ولكن أعصابه كانت منهارة مثلها تمامًا.
دخل المشفى الخاص به مع جسد مريم الملقى على نقالة صغيرة يحركها رجال الإسعافات. قميصه الأبيض أصبح مختلطًا بدمائها، ظل خلفهم حتى وصلوا لغرفة العمليات. وهنا اتجه فريق الجراحة نحو غرفة العمليات لإنقاذها وذلك من خوفهم عندما رأوا ياسين المغربي. بدأوا بتوصيل الأجهزة بجسدها داخل الغرفة، كان ياسين يحاول تمثيل الجمود ولكنه يشعر أنه سيفقد أعصابه الآن. سينهار! نظر نحو الأطباء ولكنه شعر أن هناك شيء خاطئ، هؤلاء لن يستطيعوا إنقاذها بكل ما أوتوا من قوة. أين الطبيب طارق؟ تركهم وتوجه نحو غرفة مكتبه. قام بفتح الغرفة على مصراعيها. انتفض طارق ينظر لمن اقتحم غرفة مكتبه.
ياسين: "إنت اللي هتعملها العملية."
طارق بتوتر وعدم فهم: "هي مين؟"
أمسكه ياسين من تلابيبه متحدثًا بغضب جحيمي.
ياسين بأمر: "هتعمل العملية للدكتورة مريم، ولو حصلها حاجة، إنت المسؤول."
هز طارق رأسه بهدوء لياسين، ثم تحرك لخارج الغرفة. كان الأطباء يحاولون قدر استطاعتهم الحفاظ على المؤشرات الحيوية الخاصة بها ومن الواضح أن الجرح يبدو عميقًا. استهلكوا أكياس الدماء الخاصة بالمشفى على حالتها تلك. يقف ياسين أمام غرفة العمليات مستندًا بجسده على الحائط، ينظر للباب منتظرًا إجابة أو بمعنى آخر ينتظر أن يطمئن عليها. يقف طارق في الغرفة وينظر لمريم الغائبة عن الدنيا وجسدها موصولًا بالأجهزة. يتذكر جيدًا ما تسببت به، يتذكر أنها كان سببًا رئيسيًا في موت ابن أخته. عقص طارق حاجبيه بغضب وقام ببدء جراحته لمريم. وصل آسر بسيارته أمام المشفى الخاصة بياسين المغربي وبجانبه أشرقت المنهارة من البكاء. لا تصدق ما سمعته. خرج الاثنان من السيارة وركضا لداخل المشفى والتي كان الكل يعمل بها بانضباط وبسرعة نظرًا لحالات الطوارئ التي أتت لهم وهي الخاصة بالحادث. استفسر آسر عن مريم، أخبروهم بالغرفة التي تُقام بها عمليتها، ذهبوا باتجاه الغرفة المحددة. اقترب أحد رجاله نحوه وتحدث بهدوء.
"الحادثة ما كانش متخطط ليها، كانت قضاء وقدر."
نظر له ياسين بهدوء ليس لديه طاقة للحديث، أشار له بالرحيل وظل واقفًا أمام الغرفة ينظر لها بتركيز شديد. اقتربت أشرقت ومعها آسر نحو الغرفة وهنا رأوا رجلًا ملابسه ممتلئة بالدماء. عرفته أشرقت فور أن رأته فذلك هو حبيب صديقتها أو الذي جرح مشاعرها. اقتربت منه ببكاء.
أشرقت ببكاء: "مريم... مريم كويسة؟"
نظر لها ياسين بنظرة خالية من الحياة، فقد استطاع استعادة هدوئه في ذلك الوقت ولكنه بداخله خائف من فقدانها. بل يموت من فقدانها.
ياسين بهدوء: "الدكاترة بيعملوا اللي يقدروا عليه."
انتبه لرجل آخر معها أو بمعنى آخر الطبيب الذي كان يحاول أن يراقصها قبلًا. لم يعره انتباه وعاد ينظر للغرفة مرة أخرى. اقترب رجل آخر من رجاله نحوه وقام بإعطائه حلة قد جاءوا بها من قصره. أخذها ياسين منه ثم تركهم ليقوم بتغيير ثيابه. تعجب آسر من وجود أحد مساهمي المشفى التي يعملون بها هنا في تلك المشفى ومن الواضح أنه يعرف مريم جيدًا، قرر أن يسأل أشرقت عن ذلك الرجل.
آسر: "إنتي تعرفي الشخص ده؟"
نظرت له أشرقت بحزن على حالة مريم فهي لا تستطيع الحديث الآن. لم يُرد أن يزعجها أكثر من ذلك وفضل الصمت وهو بداخله يأكله القلق على مريم أيضًا وبذات الوقت يدور ذلك السؤال في رأسه. بمرور الوقت، فُتحت أبواب غرفة العمليات وأول من خرج من تلك الغرفة كان طارق الذي اقتربت منه أشرقت وهي تبكي.
أشرقت: "طمني عليها، مريم كويسة؟"
طارق بتنهيدة وهو يقوم بنزع كمامته: "كويسة الحمد لله، خسرت دم كتير بس إحنا أنقذناها في شوية كسور في جسمها قدرنا إننا نعالجها الفترة الجاية هتحتاج الراحة التامة."
ابتسمت أشرقت في وسط بكائها وشكرت طارق كثيرًا. رفع طارق عينيه نحو ياسين الذي ينظر له بهدوء، ولكن من الواضح أن تلك النظرات عبارة عن تحدٍ وصراع داخلي بينهما وخاصة طارق. تركهم طارق ورحل لمكتبه وعندما دخل المكتب صرخ بغضب وقام بإلقاء كل ما هو على مكتبه بغضب. نظر ليديه بحسرة لقد أنقذها بهما. أنقذ قاتلة هشام. ولكن اهدأ طارق ليس الآن. ستأخذ حقك وحق هشام. حق ابنك الذي حملته بين يديك. جلس على كرسيه بقلة حيلة وكفكف وجهه بيديه. منذ ذلك اليوم لم يجد الراحة مطلقًا. عاد للمشفى لكي يستطيع أن ينتقم من ياسين ومريم ولكن لا يعلم كيف. ولكنه سيفعلها. سينتقم قريبًا. كل ما عليه هو الانتظار فقط.
خرجت الممرضات من الغرفة وهن يحركن النقالة التي تحمل جسد مريم الهزيل. اقترب آسر وأشرقت نحو النقالة بلهفة والممرضات يحاولن منعهم. أما ياسين ظل يراقب الحال من بعيد. ينظر لها بعيني عاشق مشتاق لحبيبته. تنهد بارتياح نعم. لقد ارتاح. وقعت عينيه على آسر الذي يسير بجوار النقالة وينظر لها بلهفة هو الآخر. ابتعد ياسين بنظره عنه وسار نحو طريق الخروج من المشفى.
مرت الأيام وظلت مريم بالمشفى نائمة تحلم بعائلتها الصغيرة. تحلم بحياة سعيدة خالية من الألم. تحلم بأن تعيش الأجمل فيما هو قادم. لم تتركها أشرقت يومًا بل ظلت بجانبها تتردد على المشفى باستمرار هي وآسر. في يومٍ ما. كان آسر يجلس بجوار فراشها يمسك بكتابٍ يحتوي على قصة لطيفة يسردها لمريم وهي نائمة وأشرقت تجلس تستمع لقصصه وتبتسم لأن سرده للأحداث لطيف.
انتبه الاثنان عندما دلف طارق للغرفة.
طارق بابتسامة: آسف على الإزعاج.
آسر: لا اتفضل.
طارق: شكرًا.
نظر طارق نحو أشرقت.
مساء الخير.
شعرت أشرقت ببعض الارتباك وتحدثت.
أشرقت بتردد: مساء النور.
ابتعد طارق بنظراته عنها واقترب نحو مريم ليقوم بفحصها.
آسر باستفسار: هي هتفوق إمتى؟
طارق بانشغال: المفروض في خلال الـ 24 ساعة الجايين، بتمنى بس إنها متحسش بوجع لما تصحى، بتمنى إن المخدر مفعوله يكون لسه موجود بالنسبة لجسمها.
أشرقت بتدخل: مش المفروض عدى أيام على الحادثة، أكيد لازم يكون الوضع مريح وأكيد مش هتحس بحاجة.
التفت طارق لها وتحدث بهدوء.
طارق: من الواضح يا دكتورة إنك نسيتي حاجة مهمة تابعة لشغلك، إن لما المريض بيفوق من البنج وآثاره بتروح بيحس بكل حاجة، يعني الدكتورة مريم هتحس بالكسور اللي في جسمها وبوجعها، ومش هتقدر أكيد تستحمل كل ده، فهتاخد مسكنات الفترة الجاية لحد ما تخف تمامًا، فإنتي لازم تفكري كإنك دكتورة مش مجرد قريب لمريض، فكري إزاي تقدري تداوي المريض لما يفوق من البنج، لازم تدوريله على حلول مش لازم تستني إنه يتوجع عشان تبدأي تدوري على حلول.
شعرت أشرقت بالإحراج منه، وعاد طارق للتركيز في فحصه لمريم، وبعد أن انتهى استأذن منهم وخرج من الغرفة. كانت أشرقت تشعر بالضيق لإحراجه لها لأنها شعرت أنها لا تفقه شيئًا في عملها. قررت أن تخرج خلفه وتوضح له، وبالفعل خرجت خلفه.
أشرقت: دكتور لو سمحت.
التفت طارق ينظر لها باستفسار. تشعر أنه تم حبس أنفاسها عندما نظر إليها، أرادت أن تتحدث ولكنها تشعر أن الكلمات هربت منها.
طارق باستفسار عندما طال صمتها: أفندم؟!
أشرقت بتوتر: ما فيش، أنا آسفة لو ضايقت حضرتك، أنا من قلقي عليها اتكلمت بسرعة وخلاص.
طارق بابتسامة: لا عادي، مقدر قلقك. تؤمري بحاجة؟
ظلت أشرقت صامتة قليلًا تنظر لابتسامته تلك. تأملت ملامحه، شعر بني مختلط باللون الأبيض نظرًا لعمره، فهو يبدو أنه قد بلغ الأربعين بأعوام كثيرة ولكنه وسيم. ظلت في حيرة من أمرها، هل هو متزوج؟ بالطبع هو متزوج لكن... نظرت نحو يديه الاثنتين، لا يوجد ما يدل على زواجه. إذًا هل هو أرمل؟ أم مطلق؟ انتبهت له عندما تحدث له بصوت مسموع قليلًا.
طارق: محتاجة حاجة تانية؟
أشرقت بتوتر: لا شكرًا، أزعجت حضرتك.
هز طارق رأسه ثم تركها ورحل لغرفة مكتبه. أما هي تأففت من توترها وعادت لغرفة مريم مرة أخرى.
آسر باستفسار: مش هنمشي؟
نظرت أشرقت للوقت وتأففت.
أشرقت: ما لحقتش أقعد معاها.
آسر: مرة تانية، الوقت اتأخر خلينا نروح، وبكرة إبقي تعالي من بدري، إنتي بنت ما ينفعش تروحي في نص الليل.
تنهدت أشرقت بقلة حيلة وقامت بتقبيل مقدمة رأسها وخرجت هي وآسر من الغرفة وبعدها خرجا من المشفى. ركب كل منهما سيارته وتحرك آسر وتبعته أشرقت. بعد مرور وقت قصير كانت تتحرك بسيارتها ولكنها تفاجأت بوقوف السيارة المفاجئ والسيارة تعطي إنذار بنفاذ الوقود.
أشرقت بغضب: ده اللي كان ناقصني.
صرخت بغضب وتأففت بحنق. هبطت من سيارتها تحمل هاتفها تبحث حولها عن محطة بنزين بالقرب منها ولكن أقرب محطة تبعد عنها بنصف ساعة. نظرت حولها، الشوارع كانت خالية من الأشخاص، نظرت للوقت، وجدت أن الوقت يقترب من منتصف الليل. ظلت تقف بالطريق تنتظر مرور أي سيارة لكي تعود للمنزل. ولحسن حظها لمحت سيارة بعيدة قادمة نحوها. وقفت أشرقت بمنتصف الطريق ورفعت يديها الاثنتين تلوحهم في الهواء. كانت تلك السيارة تقترب مسرعة ولكن عندما لمحها راكبها توقف بسرعة حتى أصدرت السيارة صريرًا عاليًا. هبط من السيارة سريعًا ونظر لها يتأكد من أن لم يحدث لها شيء. صدمت أشرقت عندما رأته، لقد كان ذاك الطبيب المغرور طارق.
طارق بضيق: هو في حد يقف كده في نص الطريق؟
أشرقت بتوتر: البنزين خلص في عربيتي، ومش عارفة أروح، وما صدقت إني لقيت حد.
أغمض طارق عينيه بغضب من تلك الغبية وعاد لسيارته يبحث في الحقيبة الخلفية عن شيء ما. أغلق الحقيبة وكان يحمل في يده عبوة من الوقود.
طارق: اتفضلي.
أشرقت بامتنان: شكرًا لحضرتك.
لم يجبها طارق بل عاد لسيارته مرة أخرى وأكمل طريقه. أما هي لا تدري ما سبب تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجهها، فهي سعيدة أنها جمعتها لحظة أخرى معه، فمنذ أول لحظة نظرت في عينيه وهو يشغل تفكيرها.
***
دخل ياسين غرفتها وأغلق الباب خلفه وجلس بجوار فراشها، ينظر لها بهدوء، يتأملها. كان هكذا منذ أن دخلت المشفى يقوم بزيارتها بعد أن يرحل الجميع، يريد أن يكونا وحدهما سويًا. أمسك بيدها وهنا ابتسم عندما رأى ابتسامتها وهي نائمة. قبل مقدمة رأسها، ملس على يدها بهدوء وهو يتأمل ملامحها. يتذكر ما حدث في ذلك اليوم، كيف كانت دماؤها تملأ ثيابه، كيف أصابه الرعب حينها. ولكنه مضى، يكفي أنها بخير. هي تستحق الحياة لكي تعيش سعيدة، نعم تستحق الحياة. ظل بجوارها الليل كله وهو يتأملها بعينيه فقط.
***
في اليوم التالي:
نائمة بهدوء تحلم به هو فقط، تحلم بلحظاتها السعيدة معه، وبلحظات أخرى تتمنى أن تحدث، ولكنه اختفى فجأة من أمامها. قامت بفتح عينيها بهدوء ونظرت حولها تبحث عنه كأنها تقوم باستكمال حلمها في الواقع ولكن من رأته أمامها لم يكن هو، بل كان آسر.
آسر بسعادة: مريم! حمد الله على سلامتك.
في تلك اللحظة كانت أشرقت عائدة من الحمام ودخلت الغرفة، توقفت بمكانها بتفاجؤ عندما وجدتها مستيقظة، ثم صرخت بسعادة وركضت نحوها تضمها.
مريم بألم: اااااااه.
أشرقت بقلق وهي تبتعد عنها: أنا آسفة، إنتي كويسة؟ حاسة بحاجة؟ فيكي حاجة؟
مريم بابتسامة ناعسة: أنا كويسة، بس...
امتعضت ملامح مريم من ألم جسدها وخاصة من كتفها المكسور.
آسر: أنا هروح أبلغ الدكتور.
خرج آسر من الغرفة وهدأت مريم قليلًا ونظرت لأشرقت التي تنظر لها بسعادة.
مريم باستفسار: ياسين؟
أشرقت باستفسار: ماله؟
مريم بإرهاق: ياسين فين؟ هو ما جاش؟
أشرقت مغيرة مجرى الحديث: إنتي محتاجة ترتاحي، الحمد لله إنك قمتي بالسلامة.
مريم بإصرار: أنا عايزة أتكلم مع ياسين.
أشرقت بضيق: انسيه بقى، ده رماكي هنا وما سألش فيكي من بعدها، مستنية منه إيه؟
مريم بإصرار وألم: أنا عايزة أشوف ياسين يا أشرقت.
ابتسمت بألم بسبب كسور جسدها وهبطت الدموع من مقلتيها.
مريم: أنا اتأكدت إن ياسين بيحبني، أنا ما كنتش بحلم، أنا محتاجة أتكلم معاه.
كادت أن تتحدث ولكنها انتبهت لدخول آسر وخلفه الطبيب طارق.
طارق بابتسامة مصطنعة لمريم: حمد الله على سلامتك يا دكتورة مريم.
امتعضت ملامح مريم بضيق من وجوده أمامها فهو الشخص الوحيد الذي تتمنى ألا تراه أو تقابله مرة أخرى ولكن لسوء حظها لقد قابلته.
مريم: الله يسلمك.
بدأ طارق بفحصها وتأكد أنها بخير.
طارق: في ممرضة هتجيلك بمسكنات بعد دقايق، ارتاحي.
لم تجبه وخرج من الغرفة تحت أعين أشرقت التي تنظر له بحيرة واستفسار.
آسر بابتسامة واطمئنان: حقيقي إحنا مبسوطين جدًا إنك صحيتي.
مريم بابتسامة: شكرًا يا دكتور، وجود حضرتك في وقت زي ده حاجة كبيرة بالنسبالي.
آسر: ما تقوليش كده، أنا مكاني إني أكون جنبك.
حمحمت أشرقت بإحراج.
أشرقت: طب أنا هخرج، رايحة بس أجيب حاجة من العربية، بعد إذنكم.
خرجت أشرقت من الغرفة لتلحق بطارق.
أشرقت: دكتور طارق.
توقف طارق ونظر لها باستفسار.
أشرقت بابتسامة: أنا ما لحقتش أشكرك على اللي إنت عملتهولي إمبارح.
طارق بتفكير: بس أنا على ما أتذكر إنك شكرتيني فعلًا.
أشرقت بإحراج: ممكن أكون نسيت إني شكرتك، بس شكرًا مرة تانية.
طارق: العفو.
تركها ورحل ليباشر عمله أما هي كانت تشعر بالضيق منه، فهو لا يتحدث معها إطلاقًا.
أشرقت بضيق: مغرور.
كان آسر ينظر لمريم بنظرات رائعة أما هي كانت تفكر بياسين. هل من المعقول أنه لم يأتِ لزيارتها؟
آسر: إنتي حاسة بإيه؟
نظرت له بتيه، ثم تنهدت بألم.
مريم: يعني... شوية وجع في دراعي.
آسر: هو بس كام أسبوع كده ونفك الجبس من على دراعك.
ابتسمت له بهدوء وبعدها تحدثت.
مريم: أنا آسفة على اللي حصل مني، ما كانش قصدي أزعلك أو أضايقك، أنا بس قلت اللي أنا حاسة بيه.
آسر بابتسامة: مش مهم ده كله، المهم إنك تبقي بخير ونتطمن عليكي.
كادت أن تتحدث ولكن قاطع حديثها هاتف آسر الذي أصدر رنينًا.
آسر بإحراج: آسف، هضطر أرد.
هزت مريم رأسها له بهدوء، وخرج من الغرفة. تنهدت بارتياح وعادت بتفكيرها نحو ياسين. تتذكر جيدًا كم كان يبكي، كم كان يصرخ بها لتظل مستيقظة. هل من المعقول أنه تركها؟ لا لم يتركها والدليل على ذلك أنه أتى بها هنا، لمشفاه.
انتبهت عندما سمعت صوت طرقات على الباب. للحظة اعتقدت أنه ياسين وظهرت اللهفة بملامحها، ولكنها تنهدت عندما دلفت أشرقت للغرفة. كانت تشعر بالضيق وذلك ما لاحظته مريم.
مريم بإرهاق: مالك؟ في إيه؟
أشرقت بتأفف وتلقائية: مغرور ومتكبر.
مريم باستفسار: مين ده؟
أشرقت: الدكتور اللي اسمه طارق ده.
مريم باستفسار: وإنتِ مالك بيه؟
أشرقت باستيعاب: هاه؟ لا.. ما فيش.
نظرت مريم لها قليلًا ولكنها شعرت بالألم في جسدها، فأغمضت عينيها.
أشرقت: إنتِ كويسة؟
هزت مريم رأسها بالنفي.
أشرقت: إنتِ محتاجة ترتاحي وأكيد الممرضة على وصول.
أغمضت مريم عينيها لعلها ترتاح قليلًا. مرت الأيام وظلت مريم في المشفى لفترة حتى تحسنت حالتها. وفي ذاك الوقت كانت تتمنى أن ترى ياسين ولكنه لم يظهر. شعرت بحزن كبير ينمو بداخلها فهو الشخص الوحيد الذي تتمنى وجوده معها. تتمنى أن يضمها إليه بقوة. تتمنى أن ترى لهفته لها مرة أخرى.
ظل آسر وأشرقت يقومان بزيارتها بشكل مستمر حتى أتى يوم خروجها من المشفى. كانت تسير بهدوء بجانب أشرقت وقد سبقهم آسر الذي كان يحمل حقيبتها ليضعها بسيارته. وأثناء سيرهما رأته. توقفت بمكانها بلهفة واشتياق حينما رأته يقترب نحوهم، تتمنى أن تركض نحوه وتضمه باشتياق كم كانت تتمنى أن تراه وقد تحققت أمنيتها، فها هو أمامها الآن.
تقابلت نظراتهما لثوانٍ، ولكن مريم شعرت أنها دقائق، لأنها تشتاق له كثيرًا. ظل يقترب نحوهما وحينما أصبح أمامهم توقف ونظر لمريم بابتسامة هادئة.
ياسين: مساء الخير يا دكتورة، بقيتِ كويسة؟
نظرت له بعدم استيعاب من نبرته الطبيعية تلك، كأنه لم يكن الشخص الذي كان يبكي عليها، شخص آخر. هزت مريم رأسها له بتيه ترد على سؤاله.
ياسين بابتسامة: وده أهم شيء يا دكتورة، حمد لله على سلامتك.
تركهم ورحل مكملًا طريقه. أما هي ظلت واقفة بمكانها تنظر أمامها بتيه. لقد ذهب هكذا! دون إضافة أية كلمة أخرى؟ لم تشعر بدموعها التي انهمرت من مقلتيها.
أشرقت بهمس: مريم، ما تعيطيش.
مريم بتيه: أنا لازم أتكلم معاه.
أشرقت برفض: لا، خلينا نمشي أحسن.
أصرت مريم على الرفض.
مريم: استنيني بره، أنا مش هتأخر هروح أتكلم معاه.
تركت أشرقت ولحقت بياسين الذي ذهب في اتجاه غرفة مكتبه. وقفت أمام الغرفة وأطرقت الباب وبعد عدة ثوانٍ دخلت. كان يقف أمام نافذة مكتبه الزجاجية المطلة على حديقة المشفى. التفت ياسين لها بهدوء.
ياسين باستفسار: مروحتيش ليه يا دكتورة؟ محتاجة حاجة؟
وقفت أمامه تنظر له باستفسار.
مريم باستفسار: إنت إزاي كده؟
ياسين باستفسار: مش فاهم؟
مريم: إزاي كنت بتعيط وبتتحايل عليا أفضل صاحية وإزاي دلوقتي بارد وبتتعامل معايا عادي كأن ما فيش حاجة حصلت.
ياسين ببرود: ده الطبيعي يا دكتورة، كلنا بشر وبييجي علينا لحظات بنضعف فيها، ده كان يوم وانتهى، والمهم إنك قومتِ بالسلامة، وبعدين طبيعي إني أزعل عليكي، إنتِ من الأشخاص اللي بعزهم.
مريم بعدم فهم: من الأشخاص اللي بتعزهم بس؟
ياسين ببرود: دكتورة مريم، من الواضح إن الحادثة أثرت عليكي. إنتِ محتاجة ترتاحي شوية.
اقتربت منه أكثر تنظر له ولملامحه. كيف يكون بارد هكذا؟ لقد تغير كل شيء!
مريم: أنا واثقة ومتأكدة من اللي أنا شوفته، حتى لو كانت لحظة ضعف فحبك ليا كان ظاهر فيها.
ياسين وهو ينظر بعمق عينيها: أنا أبعد ما يكون من إني أفكر فيكِ يا دكتورة، تقدري ترجعي بيتك ترتاحي.
حزنت كثيرًا بسبب حديثه الجارح لها. لن يتغير أبدًا! هبطت الدموع من مقلتيها وهي تنظر بعمق عينيه.
مريم ببكاء: أنا متأكدة من حبك ليا، بلاش تقتل الأمل ده جوايا، إنت كده بتقتلني أنا.
وضع ياسين يديه على وجنتها واقترب منها أكثر يقوم بمسح دموعها المنهمرة وينظر لها بنظرات غريبة.
ياسين: أنا مش بحبك يا دكتورة.. وحتى لو بحبك إنتِ تستحقي السعادة وسعادتك هتكون بعيد عني، لإن عمرك ما هتبقي سعيدة معايا، لإني أبعد ما يكون من إني أفكر فيكِ.
مريم ببكاء من حكمه عليها: وإنت ليه تحكم عليا إني هبقى مش سعيدة معاك؟ أنا ضحكتي بتطلع معاك إنت وبس، أنا سعادتي معاك إنت وبس.
ياسين: صدقيني يا دكتورة، إنتِ كده أحسن. وبعدين الدكتور زميلك بيحبك، شكله مهتم بيكي، هو هيقدر يسعدك، هو ده الشخص المناسب ليكي.
ابتسم لها بهدوء أما هي تعجبت من ابتسامته وهدوئه وهو يتحدث عن أحد غيره، كأنها لا تعنيه بالفعل.
مريم باستفسار وألم: إنت ليه بتضحي بيا؟
ياسين: فوقي يا دكتورة، بلاش تعيشي في أرض الخيال، خليكي في الواقع.. أنا وإنتِ يستحيل نبقى مع بعض.
ابتعد ياسين عنها أما هي ظلت تقف بمكانها تنظر له لا تصدق ما يحدث. لا تستطيع أن تصدق. إنه شخص آخر تمامًا.
ياسين: محتاجة حاجة تانية يا دكتورة؟
التفتت وتوجهت نحو الباب وكادت أن تخرج ولكنها التفتت له مرة أخرى.
مريم بألم والدموع تهبط من مقلتيها: هتندم.. هتندم على اللحظة دي.
ياسين بنظرة خالية من الحياة: كوني سعيدة يا دكتورة، خدي بالك من نفسك.
خرجت من الغرفة وهي تبكي ولم تكن ترى أمامها حتى اصطدمت بأحد.
طارق بكره وشماتة: خير يا دكتورة مريم؟ مين اللي مزعلك؟
لم تجبه وتركته وتوجهت لممر الخروج من المشفى. عندما خرجت وجدت أشرقت بطريقها، ركضت نحوها وقامت أشرقت بضمها بقوة لعلها تهدأ قليلًا.
مريم ببكاء: إزاي ما بيحبنيش؟ إزاي؟ أنا شوفت كل حاجة بعينيا، إزاي؟
ابتعدت أشرقت عنها قليلًا وتحدثت بضيق من حالها.
أشرقت: اللي يبيعك بيعيه. ده ما يستاهلكيش، وما يستحقش دموعك دي، اللي بيحبك بجد هيخلي الضحكة دايما مرسومة على وشك، لكن ده واحد معقد وبيطلع عقده عليكي، سيبك منه.
ضحكت مريم أثناء على وصف أشرقت لياسين.
أشرقت: أيوه كده اضحكي، بلا رجالة بلا هم يا شيخة، يلا بقا عشان آسر مستنينا بره، طب تصدقي إنه صعبان عليا، ده طيب أوي وبيحبك يا مريم، ونفسه يتجوزك.
هدأت مريم قليلًا ونظرت لها بهدوء. ثم أردفت بثقة.
مريم: هو فعلًا بيحبني.
خرجت مريم من المشفى بعد أن قالت تلك الجملة وتركت أشرقت في حيرة من تأكيدها لجملتها ولكنها تبعتها. كان آسر يقوم بتجهيز سيارته ليقوم بتوصيل الفتيات.
مريم: دكتور آسر.
التفت آسر ينظر لها باستفسار.
آسر: أيوه.
مريم بابتسامة: أنا موافقة.
ذهلت أشرقت مما سمعت فقد كانت تقف خلفها تمامًا. أما آسر، فهو أيضًا لا يختلف عنها. لقد وافقت!
رواية القاتل الراقي الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة بركات
"بطريق خالٍ من الناس يتراقصان سويًا تحت المطر."
ينظر لها بدهشة مما سمع، فهي وأخيرًا قد وافقت وقبلت به. اقترب منها بابتسامة كبيرة لأنه إلى الآن لم يصدق ما سمعته أذناه.
آسر بعدم استيعاب مع ابتسامة: "إنتِ بتتكلمي بجد؟ يعني موافقة نتجوز؟!"
مريم بهدوء: "أيوه موافقة."
آسر بسعادة: "ده أجمل يوم في عمري."
اقتربت أشرقت ووقفت بجانب مريم وقامت بوكزها بكتفها، ولكن مريم تجاهلتها.
آسر: "طب إنتِ حابة نتقابل إمتى، عشان نتفق على كل حاجة، وأقابل مين طيب عشان أتقدملك؟"
نظرت له مريم قليلًا تفكر. وكادت أن تخبره أن ليس لها أحد فهو بالفعل يعلم ذلك، ولكن هنا في تلك اللحظة كبر شعور الانتقام لديها نحو ياسين.
مريم: "تقدر تطلبني من ياسين المغربي."
اختفت ابتسامته وتحولت ملامحه للاستفسار.
آسر: "مين ده؟"
مريم: "هو في حكم ولي أمري، هو إللي يعرفني من صغري."
آسر بعدم فهم: "طب وده أوصله فين؟"
اقتربت مريم منه قليلًا وتحدثت بهدوء.
مريم: "يبقى صاحب المستشفى دي، والمساهم الأساسي بتاع المستشفى بتاعتنا."
آسر باستيعاب: "آه أنا برضه اتهيأ لي إني سمعت اسمه قبل كده."
مريم بابتسامة: "أيوه هو ده."
آسر بهمهمة: "ماشي، طب يلا عشان أوصلكم؟"
هزت مريم رأسها ولحقتها أشرقت. ركبت مريم بجانب آسر وأشرقت خلفهما، وبدأ آسر بالتحرك. بعد مرور عدة دقائق، توقف آسر أمام المبنى السكني وهبط من سيارته لأخذ حقيبتها من الحقيبة الخلفية. هبطت مريم ومعها أشرقت.
آسر باستفسار لأشرقت وانشغال: "مش هوصلك ولا إيه؟"
نظرت مريم باستفسار لأشرقت هي الأخرى.
أشرقت: "هبات مع مريم النهاردة، شكرًا يا دكتور."
آسر بابتسامة وهو يعطيها حقيبة مريم: "العفو."
تحركت أشرقت تحمل حقيبة مريم ومفاتيح شقتها وكادت أن تتبعها مريم ولكنه أوقفها.
آسر: "مريم."
التفتت إليه ونظرت له باستفسار.
آسر بابتسامة: "أنا مش معايا رقم ياسين المغربي، أوصله إزاي؟"
تذكرت مريم أنها قامت بحذفه وهي تبكي بعدما تركت القصر ولكن مع الأسف هي تحفظه عن ظهر قلب. أملت عليه رقم هاتف ياسين واحتفظ به في هاتفه.
مريم بابتسامة سطحية: "تمام كده؟ مش هتعوز حاجة تانية؟"
آسر بابتسامة: "هعوز إيه أكتر من سلامتك؟"
مريم: "شكرًا."
التفتت مريم وأكملت سيرها نحو المبنى الذي تسكن به تحت أعين آسر الذي يراقبها، وبعد أن دخلت المبنى تحرك بسيارته. دلفت لشقتها بعد أن فتحت أشرقت الباب لها. كانت تنظر لها عاقصة حاجبيها بضيق منها.
مريم باستفسار: "مالك فيكِ إيه؟"
أشرقت بضيق: "إنتِ مش واخدة بالك إنك اتسرعتي شوية؟"
مريم: "لا."
أشرقت: "لا اتسرعتي. كان المفروض تاخدي فترة نقاهة مع نفسك من علاقتك بياسين و..."
مريم بحسرة مقاطعة إياها: "علاقة؟!! هو أنا وهو كان يجمعنا علاقة؟ مانتي عارفة إللي فيها، من الواضح إنه كان حب من طرف واحد."
أشرقت: "تمام من طرف واحد، على الأقل طيب كنتِ تاخدي على ماتنسيه."
مريم: "مش هعرف أنساه، أنا فضلت 8 شهور بحاول أنساه بس معرفتش، أنا تعبت يا أشرقت، نفسيتي تعبت ومبقتش قادرة أستحمل أي حاجة."
لمعت الدموع بمقلتيها.
تنهدت أشرقت باستسلام: "طيب، المهم إنك تكوني سعيدة. أنا بس متضايقة عشان آسر، مش حابة إنك تظلميه."
مريم: "المرة دي بجد. كل حاجة بجد هحاول أسعد آسر لإنه يستحق عشان هو بيحبني وده واضح."
رفعت أشرقت حاجبيها بسخط.
أشرقت: "وتفسري بإيه إنك قولتيله يقابل ياسين المغربي ويطلبك منه؟ إنتِ كده منتظرة خطوة من ياسين."
مريم بنفي: "لا دي آخر خطوة أنا بعملها ناحية ياسين، بوصله من خلالها إنه خلاص خسرني نهائيًا. *أكملت بتهكم* ده لو أنا أفرق معاه أصلًا."
أشرقت بعدم فهم: "هو إنتِ إزاي بتحبيه الحب ده كله؟ أنا لو منك بصراحة من الأول ما أحبش حد مطنشني."
مريم: "الموضوع ما بدأش من كام شهر عشان ماحبهوش أو أنساه أو أطنشه أيًا يكن، الموضوع من سنين وصعب يتنسي."
هبطت الدموع من مقلتيها وحزنت صديقتها لأجلها وقامت بضمها بقوة، وبعد ثوانٍ ابتعدت أشرقت عنها بابتسامة مرحة.
أشرقت: "بقولك إيه كفاية نكد، يلا بقى عشان أنا هعملك أكلة حلوة إنما إيه؟ ما أقولكيش."
ابتسمت مريم من مرحها فهي تحاول أن تخفف عنها آلامها للحظات على الرغم من حياتها البائسة. تبدو أشرقت من الخارج مرحة أما بداخلها ألم كبير بعد طلاقها من زوجها منذ سنوات، وبعد ذلك انتقلت إلى بيت خالتها لتعيش معها لتنسى ما حدث. مباشرة كانت دائمًا تلقب زواجها من طليقها بالتجربة الفاشلة وهي على يقين تمامًا أنها ستقابل الشخص المناسب يومًا ما. استفاقت مريم على صوتها.
أشرقت: "مش يلا يابنتي؟"
مريم بتنهيدة: "تمام."
كادت أن تتحرك ولكنها تذكرت قطتها الصغيرة.
مريم باستفسار: "لولي فين؟"
أشرقت: "عند خالتي، هجيبها بكرة."
هزت مريم رأسها وتبعتها.
قام آسر بركن سيارته في إحدى الأرصفة والتقط هاتفه ضاغطًا على عدة أزرار وحمحم بهدوء ووضع الهاتف بأذنه. كان ياسين يجلس بمكتبه بالمشفى ينظر لبعض الملفات ولكنه انتبه لهاتفه الذي يصدر رنينًا. التقط هاتفه ونظر لذلك الرقم المجهول بهدوء ثم أجاب ولكنه لم يتحدث. تحدث آسر بتوتر عندما توقف الرنين وفُتحت المكالمة.
آسر: "ألو، ياسين المغربي؟"
ياسين: "مين؟"
آسر بتردد: "أنا آسر زميل مريم. كنت محتاج أقابل حضرتك وأتكلم معاك في موضوع يخصني أنا وهي."
تحولت ملامح ياسين للاستفهام للحظة يفكر بما يريده ذاك الطبيب ولكن سرعان ما ابتسم على سذاجتها.
ياسين بابتسامة هادئة: "أكيد، تقدر تنورني في شركتي بكرة الصبح."
آسر: "شكرًا لحضرتك."
ياسين ببرود: "العفو."
أغلق ياسين المكالمة الهاتفية وظل صامتًا يفكر بما فعلته مريم. تنهد ياسين محدثًا نفسه بهدوء.
ياسين: "لأول مرة تثبتي لي إنك ذكية يا دكتورة."
وضع هاتفه جانبًا وعاد ليكمل عمله.
في اليوم التالي:
يجلس ياسين بمكتبه بالشركة يمسك بيده ملف خاص ببعض أمور الشركة ولكن قطع تركيزه رنين هاتفه. وجده أحد رجاله، فأجاب.
: "ياسين بيه، الشخص إللي حضرتك بلغتنا إنه جايلك خلاص دخل الشركة."
همهم ياسين ثم أغلق المكالمة ولكن أتاه اتصال آخر قبل أن يعيد هاتفه، وكان عماد، فأجاب.
عماد بضيق: "أنا عايز أشوف مريم."
ياسين ببرود: "لا."
عماد: "يعني إيه لا؟ بقولك عايز أتطمن عليها."
ياسين: "مش هكرر كلامي."
أغلق المكالمة الهاتفية، فعماد منذ حصول الحادث وهو يترجاه لرؤيتها ولكنه دائمًا يقابل رجاءه بالرفض. انتبه لصوت طرقات خفيفة على باب الغرفة وبعد ثوانٍ، دخل شخص يبدو متوترًا قليلًا. ابتسم ياسين بهدوء.
ياسين وهو يشير لكرسي أمام مكتبه: "اتفضل."
هز آسر رأسه وجلس بالمقعد.
ياسين: "أهلًا بيك يا دكتور."
آسر: "أهلًا بحضرتك."
نظر آسر حوله من ضخامة مكتبه وانتبه عندما دخل ساعٍ يسأله عن ما يريد أن يشرب.
آسر: "قهوة سادة لو سمحت."
هز الساعي رأسه وخرج من المكتب أما ياسين ظل صامتًا ينظر له بهدوء كالأسد الذي ينظر لفريسته بتصيد كل حركاته. وذلك ما شعر به آسر. قرر أن يبدأ حديثه.
آسر بتوتر: "أنا آسف لو أزعجتك، بس أنا مش قادر أستنى."
ياسين بهدوء: "اتفضل اتكلم يا دكتور."
صمت آسر قليلًا ثم قرر أن يتحدث بشجاعة.
آسر: "أنا طالب من حضرتك إيد مريم."
لم يجد أية ردة فعل من ياسين عندما قال تلك الجملة.
ياسين بهدوء: "الدكتورة موافقة؟"
آسر بابتسامة وثقة: "أكيد."
ياسين بابتسامة: "يبقى مبروك."
تعجب آسر من موافقته السريعة تلك.
آسر باستفسار: "بس كده؟"
ياسين باستفسار: "وهو المفروض يبقى فيه إيه تاني؟"
آسر بتوضيح: "يعني مش المفروض تسأل عني وبعدها حضرتك تقول رأيك سواء بالموافقة أو الرفض أو أيًا يكن يعني!"
ياسين بنظرة خالية من الحياة: "طالما الدكتورة هتكون سعيدة، فأنا موافق."
للحظة، شعر آسر بالخوف من نظرته تلك، فهو يشعر أن تلك النظرات ما هي إلا أسهم قاتلة.
آسر باستفسار: "وحضرتك عرفت منين إنها هتكون سعيدة معايا؟"
ياسين: "طالما هي موافقة يبقى هي شايفة إنها هتكون سعيدة معاك."
آسر بتفهم: "فهمت حضرتك، بالنسبة طيب للاتفاق."
ياسين ببرود: "دي شكليات، الدكتورة تقدر تتكلم معاك فيها."
آسر: "تمام."
صمت ياسين ونظر لآسر بهدوء يشعره بأن مقابلتهم انتهت.
آسر باستفسار: "خلاص كده صح؟"
ياسين: "تقدر تنتظر قهوتك يا دكتور، لو حابب طبعًا."
آسر بهدوء: "اسمي آسر."
لم يجبه ياسين بل ظل ينظر له بهدوء وتلك النظرات أصبحت تخنقه كثيرًا.
قرر أن يرحل، استقام من مقعده.
آسر: "طب أستأذن أنا."
استقام ياسين من مقعده ووضع يديه خلف ظهره وتحدث بابتسامة هادئة.
ياسين: "نورتني يا دكتور."
مد آسر يده ليصافحه ولكن ياسين ظل بمكانه لم يتحرك له جفن وهو ينظر لآسر... شعر آسر بعدم ارتياح وقام بسحب يده بإحراج.
آسر: "شكرًا لحضرتك."
ياسين ببرود: "العفو."
خرج آسر من الغرفة وهو يشعر بالضيق من تلك المقابلة، أما ياسين فالتفت ونظر باتجاه حائط مكتبه الزجاجي ينظر بشرود للأمطار الشديدة التي تهطل بالخارج. تنظر بشرود للأمطار التي تهطل وهي تقف بشرفة شقتها. أغمضت عينيها لكي تشعر بتلك الأمطار التي تتساقط على وجهها. تتمنى لو أنه معها الآن، يسيران بطريق خالٍ من الناس يتراقصان سويًا تحت المطر. استفاقت مريم من خيالها ذاك وانتبهت لهاتفها الذي يصدر رنينًا. التقطته ووجدته آسر.
مريم: "ألو."
آسر: "أيوه يا مريم."
مريم: "إنت كويس؟ صوتك ماله؟ حاجة مضايقاك؟"
آسر بضيق: "ما فيش."
مريم: "في إيه يا آسر؟ ممكن أعرف؟"
تحدثت ببعض الأمل: "ياسين رفض؟"
آسر بضيق: "مين ده؟ يقربلك إيه؟ تعرفيه منين؟ أنا نفسي أفهم الشخص ده يهمنا في إيه أصلًا؟ أنا حسيت إن الكلام معاه ما كانش ليه لازمة أصلًا."
مريم: "إيه اللي حصل؟"
قام آسر بسرد ما حدث لها. حاولت مريم كبت شهقاتها عندما تأكدت أنها لا تعني شيئًا بالنسبة إلى ياسين.
آسر: "ألو إنتي معايا؟"
مريم بصوت متحشرج: "معاك، معلش بس هقفل وهكلمك مرة تانية عشان مشغولة."
أغلقت المكالمة الهاتفية وانهمرت دموعها. وفي تلك اللحظة كان المطر أقل من قطرات دموعها. دلفت أشرقت للشقة وهي تحمل صندوق قطتها وتعجبت عندما رأتها تقف بالشرفة.
أشرقت: "مريم."
لم تجبها مريم بل كانت تبكي من شعورها بالخذلان. وضعت أشرقت الصندوق جانبًا واقتربت نحو الشرفة.
أشرقت: "مريم."
التفتت مريم لها وهي تبكي.
أشرقت بقلق: "مالك فيكي إيه؟ بتعيطي ليه؟ وادخلي عشان الجو تلج."
خرجت مريم من الشرفة وكانت ملابسها مبتلة نتيجة عن الأمطار الشديدة.
أشرقت: "غيري هدومك طيب ونقعد نتكلم سوا."
ذهبت مريم لغرفتها لتقوم بتغيير ثيابها، أما أشرقت فاتجهت نحو الشرفة وقامت بإغلاقها وانتبهت لصوت تنبيه صغير يدل على وصول رسالة. قامت بفتح هاتفها وابتسمت عندما رأت ردًا منه على رسالتها "صباح الخير .. هتعمل إيه النهاردة في يومك؟".
طارق: "صباح النور .. مش هعمل حاجة، هفضل في المستشفى النهاردة."
ردت عليه برسالة.
أشرقت: "بالتوفيق."
أغلقت هاتفها وابتسمت تتذكر كيف تبادلا الأرقام سابقًا وذلك قبل خروج مريم من المشفى بعدة أيام بحجة احتياجها لبعض المعلومات الطبية منه. ابتسمت بخبث من نجاح خطتها فمنذ ذلك الوقت وهي تحاول أن تشغل وقته ومن الواضح أنه يستجيب لها. استفاقت عندما وصلتها رسالة منه.
طارق: "وإنتي .. هتعملي إيه في يومك؟"
كادت أن تكتب له ولكنها انتبهت لخروج مريم من الغرفة، فأغلقت هاتفها سريعًا.
أشرقت مخفية توترها: "مالك بقى؟ فيكي إيه؟"
نظرت لها مريم بحزن وبدأت بسرد ما أخبرها به آسر.
نظر طارق لرسالته التي أرسلها لها منذ عدة دقائق ويظهر له أنها رأتها ولكنها لم تجبه، مط شفتيه بعدم فهم وترك هاتفه جانبًا ولكن بعد عدة دقائق رن هاتفه. التقطه ونظر لرقم المتصل ثم أجاب.
طارق: "إيه الأخبار؟"
آسر: "كان عندك حق... ياسين المغربي مش سهل، مش بعيد أصلًا يكون عارف إحنا بنعمل إيه."
طارق: "بالظبط ده اللي أنا بتكلم فيه .. وعشان كده خلينا مكملين كإننا ما نعرفش أي حاجة عنه."
آسر بتنهيدة: "تمام."
طارق: "عملت إيه مع مريم؟"
آسر: "كله تمام، ما تعرفش أي حاجة ومش واخدة بالها من حاجة أساسًا، عيلة عبيطة، كل اللي يهمها ياسين."
طارق بسخرية: "ما تنساش إنها مفتاح انتقامي من ياسين."
تنهد آسر ثم صمت قليلًا.
طارق: "ساكت ليه؟"
آسر: "أنا مش قادر أستحمل .. شايف قاتل صاحب عمري وأخويا قدامي وساكت."
طارق: "طب هو صاحب عمرك .. أنا أبقى خاله اللي مربيه."
آسر بشر: "هناخد حق هشام .. حتى لو اضطرينا نضحي بمريم في الأول .. موتها هيأثر على ياسين."
صمت طارق قليلًا.
آسر: "سكت ليه يا دكتور طارق؟"
طارق بتنهيدة: "ما فيش."
ابتسم آسر بشر وهو يتحرك بسيارته.
آسر: "كل ده عشان هي فيها شبه منها جامد؟ بتفكرك بيها صح؟ عشان كده دايمًا متردد ناحية أي قرار بنختاره لمريم؟"
صمت طارق وأغمض عينيه قليلًا ثم قام بفتحهما مرة أخرى.
طارق: "خلينا نقفل الموضوع ده .. أنا مش هتنازل عن انتقامي منه حتى لو هي هتكون الضحية هي ما تفرقش معايا بحاجة .. اللي راح مني عمره ما يرجع."
آسر بهمهمة واستفسار: "ألا صحيح .. أخبار الدكتورة أشرقت إيه؟"
طارق باستفسار: "مالها؟"
آسر: "خد بالك برده إنها نقطة ضعف لمريم، نقدر نستغلها أو نوصل من خلالها لحاجة."
طارق بنفي: "لا أشرقت ما تعرفش حاجة عن حياة مريم وده اللي فهمته منها، خطة انتقامنا متضمنة شخصين بس ياسين ومريم، يعني ما لناش دعوة بأشرقت."
آسر بسخرية: "ماشي يا دكتور طارق."
طارق: "هبقى أكلمك وأقولك هنعمل إيه المرة الجاية."
آسر: "تمام."
أغلق طارق المكالمة الهاتفية وقام بفتح الدردشة بينه وبين أشرقت لعلها قامت بالرد ولكنها لم ترد. هز طارق رأسه لعله يستفيق من أمور المراهقين تلك. ترك هاتفه جانبًا متذكرًا كيف استطاع جعل آسر صديق هشام المقرب يعود من الخارج ليساعده في الانتقام، فلقد كان آسر صديقًا عزيزًا لهشام حتى وإن لم يظهر كثيرًا في الآونة الأخيرة إلا أنهم أصدقاء منذ الطفولة.
أشرقت وهي تربت على كتفها: "اهدي طيب."
مريم ببكاء: "إزاي أهدى؟ ده باعني، أنا مكسورة بسببه."
أشرقت: "خلاص يا مريم .. ياسين موضوعه اتقفل .. ركزي في اللي إنتي فيه .. إنتي خلاص وافقتي على آسر، يعني خلاص هتحددوا الفرح أهوه ولو في خطوبة كمان هتحددوا وقتها، يعني بقى معاكي شخص تاني احترمي وجوده في حياتك."
هزت مريم رأسها وهي تبكي ثم قامت أشرقت بضمها.
أشرقت وهي تربت على ظهرها بحنان: "كل حاجة هتعدي ما تقلقيش، وصدقيني آسر هيخليكي مبسوطة .. وبعدين ينفع تعيطي وتلولي هنا؟"
انتبهت مريم لما تقول وابتعدت عنها ونظرت حولها تبحث عن قطتها وجدتها بصندوقها تنظر لها ببراءة. اقتربت منها وقامت بفتح القفص واحتضنتها بقوة. ثم استقامت وهي تحملها وعادت لتجلس بجانب أشرقت.
أشرقت: "لازم تبدأي تشوفي حياتك، ركزي في الشغل وفي حياتك الجاية وانسى ياسين ده خالص بقى."
مريم بصوت متحشرج: "تمام، هعمل كده."
في المساء:
دلف ياسين لغرفته بالقصر ولم يتفاجأ عندما رأى عماد ينتظره بالغرفة. تجاهله وأكمل طريقه لداخل الغرفة.
عماد: "أنا عايز أروح لمريم."
ياسين ببرود دون أن ينظر إليه: "تقدر تكلمها لكن تروحلها لا."
عماد: "بس أنا ....."
ياسين مقاطعًا له: "عماد .. ارجع لأوضتك."
صمت عماد قليلًا.
عماد: "إنت ليه بتعمل كده في نفسك؟"
نظر له ياسين باستفسار.
عماد: "ليه مصمم تبعدها عنك؟ إنت بتحبها يا براء."
تقدم ياسين نحوه بنظرات خالية من الحياة.
ياسين: "أنا اسمي ياسين .. وأنا مش بحبها وبعدين الدكتورة خلاص اتخطبت."
ابتعد عنه وأكمل ما يفعله.
عماد بعدم فهم: "مش فاهم؟ مريم اتخطبت؟"
ياسين: "خطيبها لسه كان عندي النهاردة."
عماد بتعجب: "كان عندك بيعمل إيه؟"
ياسين ببرود وهو ينظر إليه: "كان بيطلب إيديها مني."
ذهل عماد من حديثه.
عماد بصدمة: "وإنت قبلت عادي؟"
لم يجبه ياسين بل أشار له بالرحيل.
عماد: "هو إنت بني آدم طبيعي؟ إنت إزاي توافق إنها تبقى لغيرك؟"
تجاهله ياسين ولم يجبه ولكن عماد تحدث.
عماد بضيق: "ما أنت قاتل هتفرق معاك في إيه، أحسن برده أهي تكون في أمان بعيد عنك."
تركه عماد وخرج من الغرفة، أما ياسين فكان يتصرف كأن عماد لم يكن موجودًا من الأساس.
في صباح اليوم التالي:
خرجت مريم من شقتها لتذهب للمشفى الذي تعمل به هبطت على الدرج ثم خرجت من المبنى السكني وهنا تفاجأت بوجوده مستندًا بجسده على سيارتها ينتظرها.
آسر بابتسامة: "صباح الخير."
مريم بابتسامة هادئة وتعجب: "صباح النور، أنا آسفة على سؤالي ده، بس إنت بتعمل إيه هنا؟!"
آسر: "قلت أعدي عليكي نروح سوا بما إننا بقينا مخطوبين."
حاولت مريم أن تتصنع ابتسامتها واستطاعت ذلك واقتربت منه. قام آسر بفتح الباب لها.
ركبت السيارة وهو جلس بجانبها وبدأ بالتحرك.
آسر بانشغال أثناء القيادة: "أشرقت ما كانتش بايتة عندك إمبارح برضه؟"
مريم: "لا، فضلت معايا اليوم كله وفي الآخر روحت."
آسر بهمهمة: "تمام."
ظلت مريم صامتة قليلًا وبعد دقائق قطع صمتها استفساره.
آسر: "هنعمل الفرح إمتى؟"
نظرت له بتعجب من استفساره، هل ذلك حقيقي؟
آسر: "سامعاني؟"
مريم بانتباه: "هاه؟ شوف أنت حابب نعمله إمتى؟"
آسر بتفكير: "إيه رأيك في الشهر الجاي؟"
تنهدت مريم وتذكرت ذلك اليوم الذي أرادت أن تنتقم فيه من ياسين وأخبرت الصحافة أن زواجها من ياسين المغربي بعد شهر.
آسر: "قولتي إيه؟"
مريم: "تمام، ماشي."
آسر بابتسامة وهو ينظر إليها: "مبروك يا عروسة."
لوهلة شعرت بالتقزز والاشمئزاز من حديثه ذلك، ولكنها أعطته ابتسامة سطحية ونظرت أمامها. عاد آسر ينظر للطريق واختفت ابتسامته وكل ما يشعر به هو الرغبة في الانتقام. وصل الاثنان للمشفى وهبط آسر من السيارة وهبطت مريم أيضًا وعندما توجهت نحو مدخل المشفى تفاجأت به يمسك بيدها. نظرت له مريم بتعجب وعدم فهم.
آسر بتوضيح: "عشان الكل يعرف إننا خلاص اتخطبنا."
نزعت مريم يدها وتحدثت بنبرة بها بعض العنف.
مريم: "مش لازم تمسك إيدي عشان تثبت للكل إن في بينا حاجة، ممكن نتكلم عادي ونعرف الناس."
تركته وسارت للداخل أما هو صر على أسنانه بضيق منها ولحقها.
آسر وهو يقف أمامها: "خلاص أنا آسف، ما تزعليش مني."
لم تـُجبه مريم ولكنه أصرَّ على أسفه وهنا بدأ بالتحدث عند الاستقبال بصوتٍ عال.
آسر: "يا جماعة."
أشار للجميع بالتقدم نحوهم ومن ضمنهم أشرقت.
آسر للجميع: "أنا والدكتورة مريم خلاص قررنا نتجوز، فرحنا الشهر الجاي وكلكم طبعًا معزومين."
بدأت التهنئات والمباركات لهما. نظرت مريم لآسر الذي ابتسم لها بلطف يتودد إليها لتعفو عنه. ابتسمت ابتسامة هادئة وعاد كل شيء بينهما كما كان. مرت الأيام وكان آسر يظهر لمريم أنه أكثر إنسان سعيد لقرب زواجه منها. قدم لها خاتمًا ماسيًا هدية منه لها وهي قبلته منه. أشرقت وطارق كانا يدردشان سويًا دون علم مريم بذلك، اختفى ياسين تمامًا من حياتها ولا تعلم ماذا يفعل أو بماذا يفكر ولم تفكر به من الأساس؟ فهو قد تنازل عنها لشخص آخر. وفي يومٍ ما، انتهت مريم في مناوبتها بالمشفى بمنتصف الليل. خرجت من المشفى ووجدت أن الطريق خالٍ من الناس. تنهدت بضيق.
مريم: "يا ريتك يا أشرقت ما كنتِ أخذتِ إجازة النهاردة، هروح أنا إزاي بقى؟"
فكرت بآسر ولكنه ما زال في مناوبته لا تريد أن تشغله بها. قررت أن تسير قليلًا لخارج المشفى وتتمشى قليلًا لعلها تجد سيارة أجرة. سارت بالطريق الخالي تترقب ما حولها لعلها تجد سيارة تقترب. وبعد خمس دقائق من المشي وجدت سيارة تقترب نحوها. أشارت سريعًا لسيارة الأجرة التي تقترب منها. توقف السائق لها وركبت السيارة.
مريم: "عند **** في *****."
هز السائق رأسه لها وبدأ بالتحرك نظرت مريم بهاتفها لعلها تشغل نفسها قليلًا وبعد دقائق قليلة استفاقت مريم عندما توقفت السيارة. تعجبت مريم من وقوف السيارة وشعرت بالرعب أكثر عندما أغلق السائق أبواب السيارة. نظرت مريم له ووجدته ينظر لها بنظرات غريبة تمقتها لأنها تراها في جميع الرجال.
مريم وهي تراه يعود للخلف ويقترب منها: "ابعد عني."
"وأسيب الجمال ده كله يروح من إيدي؟"
لكمته مريم بوجهه ورد لها لكمتها تلك بصفعة قوية على وجهها حاولت مريم أن تهرب منه ولكن أبواب السيارة موصدة. حاولت أن تضربه مرة أخرى وتبعده عنها بأقصى طاقة تملكها ولكنه كان يضربها أكثر في المقابل حتى شعرت أن عظامها قد كسرت. سحبها أسفله وكانت مريم تصرخ بقوة وتحاول إبعاده عنها قدر المستطاع ولكنها لم تستطع. لم ينتبه السائق لياسين الذي كسر نافذة السيارة خلفه. أمسك ياسين السائق بقوة من رأسه وقام بذبحه وهنا صرخت مريم من الرعب لما رأته أمامها وخاصة عندما وقعت جثة السائق فوقها وكان خلف تلك الجثة ياسين المغربي بنظراته الخالية من الحياة.
رواية القاتل الراقي الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة بركات
"قاتل في بيتي!"
يقف أمامها ينظر لها بنظرات خالية من الحياة، حرك رأسه وهي تنظر إليه برعب في المقابل. نظرت حولها سريعًا وتوجهت لمقعد السائق لتقوم بفتح أبواب السيارة لتستطيع الهرب، فهي لا تستطيع القيادة لكنها ما تستطيع فعله هو أن تركض بعيدًا عنه. ضغطت على زر وفتحت الأبواب الموصدة، وعند خروجها وجدته يقف أمامها.
مريم برعب: "ابعد عني."
ينظر لها بهدوء وحرك رأسه لليمين وهو ينظر بعمق عينيها، اتجهت نحو اليسار لتبتعد عنه ولكنه توقف أمامها مرة أخرى. ضربته بقوة على صدره وبدأت بالصراخ. ظلت تضربه بقوة وهو لا يمنعها حتى خارت قواها وسقطت بين يديه.
***
كان آسر يجلس بمكتبه يتابع عمله وانتبه لهاتفه الذي يصدر رنينًا، وجده طارق وقام بالإجابة.
طارق: "أنا بتصل عشان أبلغك بخطوتنا الجاية."
آسر بابتسامة خبيثة: "من غير ما تبلغني أنا بدأت."
طارق بعدم فهم: "مش فاهم، إزاي؟"
آسر: "زمان مريم دلوقتي في الباي باي."
طارق باستفسار وعدم استيعاب: "عملت إيه؟"
آسر: "اتفقت مع سواق تاكسي إنه يخطفها ويغتصبها وبعدها يرميها في أي مكان، أهي الحركة دي هتدمر ياسين المغربي."
طارق بغضب: "إيه اللي أنت عملته ده؟ أنت إزاي تتصرف من غير ما ترجعلي؟"
آسر بلامبالاة: "لقيتك اتأخرت قولت أسبق."
طارق بتوتر: "طب، طب هي فين؟"
آسر بلامبالاة: "زمانه نفذ."
استقام طارق من مقعده بذهول لا يعلم ماذا يفعل، لا يريد أن يتكرر الأمر لها على الأقل، فهي ستُدَمَّر. أغلق المكالمة الهاتفية بغضب من آسر وجلس بكرسيه بقلة حيلة. على الرغم من كرهه لها يتمنى من قلبه أن تنجو.
***
في صباح اليوم التالي:
كانت نائمة بفراشها وعلى وجهها ملامح الانزعاج، تراه أمامها يقوم بذبحه. استيقظت بفزع ونظرت حولها وجدت نفسها بغرفتها وتفاجأت بأنها قد قامت بتبديل ثيابها! هزت رأسها سريعًا لعلها تستفيق مما رأت، لقد شعرت أن ذلك يبدو حقيقيًا. لقد كان حقيقيًا بالفعل. انتبهت عندما سمعت صوتًا قادمًا من مطبخها وأيضًا قطتها تصدر مواءً ناعمًا. خرجت من فراشها بتأوه بسبب ألم عظامها والذي دب الشك بداخلها أن كل ما عاشته في حلمها كان حقيقيًا. تحركت بحرص وفتحت باب غرفتها بهدوء، تحركت بحرص وتوجهت نحو المطبخ وإذ بها تتفاجأ به أمامها يقوم بإعداد الطعام في مطبخها، يرتدي قميصه الأبيض الناصع مشمرًا ساعديه وبنطالًا أسود من القماش الفاخر. تذكرت كل ما حدث أمس، لقد كان ذلك حقيقيًا. كان ياسين يُرَبِّت على قطتها بنعومة ومن الواضح أن قطتها مستمتعة. استفاقت على صوته.
ياسين بابتسامة هادئة مع انشغال: "صباح الخير يا دكتورة."
نظرت له برعب وخوف فما حدث أمس لا يمكن أن تنساه أبدًا.
مريم بارتعاش وعدم فهم: "إيه اللي حصل امبارح ده؟"
التفت لها ياسين وتحدث بهدوء.
ياسين: "حصل اللي بيحصل واللي هيفضل يحصل طول ما أنا عايش يا دكتورة."
مريم بعدم استيعاب: "يعني إيه؟"
ياسين بنظرات خالية من الحياة: "يعني أنا قاتل يا دكتورة مش ظابط زي ما كنتي معتقدة، أنا مجرم."
ارتعشت وهي تنظر إليه، ظلت هكذا لعدة ثوانٍ تستوعب ما قاله. التفت ياسين ليكمل إعداد الفطور. أمسك بسكين حاد وبدأ بتقطيع البندورة وهو يستمع لإحدى الموسيقى الكلاسيكية وقطتها تقف عند قدمه تحتك به بنعومة. استفاقت من ذهولها واستوعبت ما يحدث. يوجد قاتل في بيتها، يجب أن تتصرف. استفاقت من أفكارها عندما التفت ياسين لها بابتسامة هادئة.
ياسين: "يلا عشان نفطر."
أمسك بيده صحنين ووضعهما على طاولة الطعام الصغيرة الموجودة بالقرب من مطبخها الخشبي الصغير. نظر لها وتحدث.
ياسين وهو يشير لكرسي على الطاولة: "اتفضلي يا دكتورة."
كان جسدها يرتعش بسببه وبسبب ما حدث أمس. إنه قاتل! لا تصدق أنها وقعت في غرام قاتل. يجب أن تهرب ولكنها خائفة من أن يقتلها هي أيضًا. ولكن إذا لم يقتلها ستموت هي من الرعب إذا بقيت معه. اقتربت منه ببطء وهدوء. أبعد الكرسي لها بهدوء في حركة راقية منه ولكن لا، ذلك لم يعد يؤثر معها بعد الآن. لأنه قاتل. جلست بخوف وهي تترقب حركاته كلها، جلس أمامها بابتسامة هادئة وبدأ بتناول الطعام أما هي لم تتناول أي شيء بل كانت تنظر له بخوف تترقب كل حركاته. انتبه ياسين لعدم تناولها للطعام وارتعاش يديها وحركات جسدها الخائفة وتنهد بهدوء.
ياسين وهو ينظر بعمق عينيها: "دكتورة، أنا مش عايزك تخافي مني."
استقام من مقعده وفي ذات الوقت استقامت من مقعدها هي الأخرى لتبتعد عنه.
ياسين: "اهدي."
اقترب منها خطوات بسيطة ولكنها أوقفته.
مريم بخوف: "ابعد عني."
لمح ياسين ملامح الاشمئزاز بالإضافة إلى الرعب الذي يعتريها.
ياسين ببرود: "مصدومة ليه؟ ده اللي المفروض إنتي عارفاه من البداية يا دكتورة."
مريم بارتعاش وعدم استيعاب: "أنت طلعت قاتل. تحولت ملامحها للغضب... أنت قاتل."
ياسين ببرود: "أنا كنت صريح معاكي من البداية يا دكتورة."
مريم بصراخ وغضب: "اطلع بره بيتي."
نظر ياسين لمعالم الشقة بهدوء ثم عاد ينظر إليها مرة أخرى.
ياسين: "لا."
مريم برجاء: "طب أنت عايز إيه مني؟ أنا خلاص بعدت عنك، عايز إيه مني تاني؟"
ياسين ببرود: "أنا عايز أتكلم معاكي."
***
يتحرك طارق ذهابًا وإيابًا في مكتبه بالمشفى يقوم بالاتصال بآسر ولكنه لا يجيب! لم ينم منذ أمس، فهو قلق عليها. دون رقم هاتف مريم وقام بالاتصال بها ولكن هي أيضًا لا تجيب. هل حدث ما أخبره به آسر يوم أمس؟ أيُعقَل؟ عاد يتصل بآسر مرة أخرى لعله يجيب وبعد عدة رنات قام بالإجابة.
آسر بنعاس: "أيوه."
طارق باندفاع: "السواق اللي أنت كنت مأجره امبارح ده، عمل إيه؟"
آسر: "معرفش، لسه ما كلمتوش."
طارق: "طب بعد إذنك، اتصل بيه عايز أعرف إيه اللي حصل؟"
آسر: "أنت قلقان عليها كده ليه؟ ما تغور في داهية هي كانت من بقية أهلك؟"
طارق: "سواء منهم أو مش منهم عايز أعرف إيه اللي حصل يا آسر."
آسر بتأفف: "طيب."
أغلق آسر المكالمة الهاتفية وقام بالاتصال بذلك السائق مرارًا وتكرارًا ولكنه لم يجب، تعجب من عدم رده واستقام من فراشه ليتجه إلى عمله وفي ذات الوقت لم يتوقف عن الاتصال به.
***
مريم برفض قاطع: "أنا مش متقبلة أي كلام منك، ومش هسمعك، بعد إذنك اطلع بره بيتي."
ياسين: "قولت مش هطلع من البيت ده غير لما تسمعي اللي عايز أقوله."
هزت رأسها بهيستيريا وكل ما تتذكره ذبحه لذاك السائق. كل ما تتذكره أنه قتله دون أن يرمش له جفن. قتله ببرود. انتبهت لياسين الذي يقترب منها، ركضت سريعًا منه ولكنه قام بالإمساك بها.
مريم بصراخ هيستيري: "سيبني أرجوك سيبني."
ياسين بغضب: "اهدي يا دكتورة."
مريم ببكاء: "ما تقتلنيش."
أمسكها من أكتافها ونظر في عمق عينيها وتحدث بهدوء.
ياسين: "أنا آخر شخص ممكن يأذيكي."
ظلت تبكي وهي تنظر في عينيه في المقابل. تركها بهدوء ومد يده نحو وجهها ليمحو تلك الدموع التي تنهمر من عينيها ولكنها عادت للخلف خطوات قليلة خوفًا من أن يؤذيها، ولوهلة شعر بالحزن بسبب نظراتها تلك، فقد كانت خائفة منه كثيرًا! نعم يجب أن تخاف منه، فهي تلك حقيقته. إنه قاتل.
ياسين بهدوء: "لازم تهدي عشان نقدر نتكلم، وأنا مش هخرج من الشقة دي غير بعد ما أخلص كلامي معاكي."
هزت مريم رأسها بارتعاش وابتعدت عنه واتجهت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها. هرولت سريعًا نحو حقيبتها تبحث عن هاتفها. تنهدت بارتياح عندما وجدته. قامت بفتح هاتفها وتجاهلت كل من حاول الاتصال بها فمن كانت تريد الاتصال به هي الشرطة. بدأت بتدوين رقم الشرطة وبدأت بالاتصال. وبعد عدة ثوانٍ أجابوها.
مريم ببكاء: "الحقوني، في قاتل في بيتي، هيقتلني."
الشرطة: "إحنا هنكون عندك على طول، التزمي بالهدوء التام، عنوان حضرتك فين؟"
أخبرتهم بعنوان شقتها.
الشرطة: "في خلال دقائق هنكون عند حضرتك."
أغلقت معهم المكالمة الهاتفية. وظلت في غرفتها تنتظرهم ولكن بعد دقائق قليلة انتبهت لطرقات بسيطة على باب غرفتها.
ياسين: "دكتورة مريم؟"
نظرت للباب خائفة. خائفة كثيرًا يراودها ذكريات سيئة في تلك اللحظة. ذكريات أخفتها عن الجميع حتى هي لا تحدث بها نفسها. انهمرت دموعها أكثر وهي تتذكر كل ما مضى بحياتها. لكن لا. لقد كبرت تستطيع حماية نفسها. قامت بمسح دموعها واقتربت نحو الباب وقامت بفتحه. كان يقف أمامها بهدوئه المعتاد. أما هي كانت مختبئة تظهر نصف وجهها من خلف الباب.
ياسين بابتسامة هادئة: "أنا عملتلك عصير، تعالي."
خرجت بتوتر من خلف الباب وتبعته بترقب. أشار لها بالجلوس على الأريكة وجلست بخوف. أمسك بكأس العصير وناوله إياها وهي حملت الكأس بترقب.
ياسين بهدوء: "ما فيهوش سم ما تقلقيش."
نظرت أرضًا أما هو جلس بجانبها ولكنها ابتعدت عنه تاركة مسافة بينهما. نظر ياسين نحو الفراغ الذي بينهما للحظة ولكنه عاد ينظر أمامه. نظرت مريم لساعة الحائط واطمأنت أنهم بالتأكيد اقتربوا من البيت، تحسست مريم ملابسها كأنها استفاقت مما حدث.
مريم بصوت متحشرج: "هدومي..."
"مين غير لي؟ إنت؟!"
نظر لها ياسين بهدوء ولكنه لم يجبها. كادت أن تتحدث ولكنه بدأ بحديثه.
ياسين: "أنا هنا مش عشان أضيع وقتي ووقتك يا دكتورة. في كلام كتير لازم يتقال أو تعرفيه على الأقل."
نظرت له مريم بتيه واستفسار. كاد أن يتحدث انتبه لصوت صافرات سيارات الشرطة تقترب نحو المبنى السكني المتواجدان به. نظر ياسين لمريم التي ركضت سريعًا نحو باب شقتها.
مريم بصراخ: "إلحقوني!"
قامت بفتح باب شقتها وكادت أن تخرج منها ولكنها تفاجأت بياسين الذي أمسك بها وكمم فاهها بيده. صرخت مريم بقوة ولكن صوتها لم يسمع. أغلق ياسين الباب بقدمه وسحبها عنوة نحو غرفتها ووضعها بها، وعلى الرغم من محاولتها في منعه والفرار منه ولكن جسدها الضئيل لم يساعدها في ذلك. قام بربط يديها الاثنتين بطرف من الفراش بإحدى الأقمشة وقام بتكميم فمها أيضًا. كانت تبكي بقوة ونظرت إليه وهو يتحدث لها ببرود كأن شيئًا لم يكن.
ياسين ببرود وهو ينظر لها وهي تبكي: "ما كنتش عايز أعمل الخطوة دي معاكي. بس إنتي اللي خلتيني ألجأ للطريقة دي."
تركها وأغلق باب غرفتها واتجه نحو باب الشقة الذي يقوم رجال الشرطة بالطرق عليه بقوة. فتح ياسين الباب بابتسامة لطيفة. نظر رجال الشرطة بتعجب للشخص الذي فتح الباب. إنهم يعرفونه جيدًا. ومن لا يعرف ياسين المغربي؟ فهو من أهم رجال الأعمال في مصر!
ياسين بابتسامة واستفسار: "أهلًا بيكم، أقدر أساعدكم في إيه؟"
كانت مريم تستمع لما يقولون فصوتهم كان مسموع.
أحد رجال الشرطة بذهول: "هو حضرتك ياسين بيه المغربي؟!"
هز ياسين رأسه بابتسامة هادئة.
كاد أن يتكلم الشرطي ولكن وكزه زميله في ذراعه وتحدث الآخر.
أحد رجال الشرطة: "احنا جالنا بلاغ إن في قاتل هنا في الشقة دي، وفي واحدة محبوسة هنا."
نظر له ياسين باستفسار لعدة لحظات ولكنه تحدث بهدوء.
ياسين: "هي خطيبتي أكيد اللي كلمتكم. هي بتحب تهزر معايا دايمًا."
نظر له الشرطي قليلًا غير مقتنع لحديثه، ولكن ردود أفعال وجهه الهادئة تثبت له أنه صادق، ولا يوجد هناك شيء طارئ! تنهد باستسلام لأن ياسين المغربي معروف بسمعته الجيدة والطيبة بين الجميع وغير ذلك فهو يعطي معونات لهم دائمًا! فكيف له أن يكون قاتل! إن الأمر مزحة بالفعل كما يبدو. تحدث الشرطي الآخر بتعجب!
شرطي آخر: "هو حضرتك خاطب؟ ما كناش نعرف."
ياسين بابتسامة هادئة: "هعلن قريب."
تنهد الآخر متحدثًا بابتسامة.
شرطي آخر: "بنعتذر على الإزعاج."
ياسين بابتسامة: "ده أنا اللي بعتذر عن الإزعاج، اعذروا خطيبتي. أشار لهم بالدخول. ممكن تتفضلوا تفطروا معانا؟"
شرطي: "لا شكرًا."
ياسين: "بالتوفيق ليكم."
أغلق ياسين باب الشقة واختفت ابتسامته وعاد لغرفتها. أغلق باب الغرفة عليهما واقترب منها بهدوء وتلك المرة يتضح عليها الاستسلام والخضوع لما يحدث، فهي لا تستطيع مجابهته وخاصة بعد ما سمعت حديثه مع أفراد الشرطة، يبدو أنه هو القانون هنا.
حرر يديها من عقدتهما وأزال قطعة القماش من على فمها. ونظر في عمق عينيها بهدوء.
ياسين: "أنا عايزك تسمعيني يا دكتورة."
ظلت جالسة بفراشها صامتة ولم تجبه وأبعدت عينيها عنه. اعتدل ياسين وجلس بطرف فراشها.
ياسين: "ابعدي عن خطيبك."
نظرت له مريم باستفسار وتعجب.
ياسين: "خطيبك يبقى صديق الدكتور هشام ورجع هنا عشان ينتقم مني فيكي."
ضحكت مريم بهيستيريا لما يقول. أي عقل! عقص ياسين حاجبيه بغضب من طريقتها المتعجرفة تلك. وهنا استقامت مريم من فراشها وتحدثت بقوة لم تعهدها من قبل.
مريم بغضب وهي تقترب منه: "إنت بأي حق تحكم على الناس؟! إنت فاكر نفسك مين هاه؟! إنت قاتل! عارف يعني إيه قاتل؟! وبعدين لو آسر متضايق فعلًا مني في حاجة أنا هتكلم معاه وأكيد هو هيتكلم معايا. آسر ده أنضف منك مليون مرة. حتى لو هو وحش وفيه العبر، بس على الأقل مش قاتل زيك، وإياك... إياك تقرب من آسر أو تأذيه إنت فاهم؟!!! ويا ريت بعد إذنك ما أشوفكش تاني قدامي. مش عايزة أقابلك تاني في حياتي. ابعد عني. مش عايزاك تفضل ورايا. مش عايزاك تساعدني أبدًا حتى لو حصل إيه؟"
تحدثت بندم شديد: "أنا كنت غبية لما حبيتك، أنا إزاي ما شفتش حقيقتك من الأول، أنا كنت غبية لما فكرتك ظابط بينفذ الناس. أتاريك بتقتلهم."
كانت تبكي بقوة، أما ياسين كان ينظر لها بتيه أثناء حديثها ذاك. للمرة الثانية بحياته يشعر أن هناك أحدًا يقرب له قد مات! تبدلت نظراته تلك في لحظة وبدأ بالتحدث ببرود لاذع وهو ينظر بعمق عينيها.
ياسين: "بالتوفيق ليكي يا دكتورة. أتمنى إنك تلاقي الأمان."
مريم باشمئزاز: "هلاقيه بعيد عنك."
ابتعد ياسين عنها وخرج من غرفتها وحمل حُلة سترته المعلقة بجوار باب الشقة ثم خرج منها، أما بالنسبة إليها فقد جلست بفراشها بعد خروجه وبدأت بالبكاء بقوة على ما يحدث بحياتها. لقد عشقت قاتل! وضعت يدها على موضع قلبها وهي تتذكر كيف كانت تخبره بأنها تحبه. كيف استسلمت لعشق قاتل، هارب من العدالة التي لم تعد موجودة الآن، فأصبح هو العدالة!!!! تتمنى من كل قلبها ألا تجتمع معه مرة أخرى ولا حتى عن طريق الصدفة فوجوده أصبح يخيفها.
***
كان يجلس بمكتبه يشعر بالضيق يقوم بالاتصال بذلك السائق ولكن للمرة المائة لا يجيب. حتى أنه قام بالاتصال بمريم أيضًا على اعتقاده إمكانية رد السائق عليه من خلال هاتفها ولكن لا يوجد رد، تأفف آسر بغضب ولكنه انتبه لدخول أشرقت غرفة مكتبه وحاول أن يخفي ردود أفعاله.
أشرقت باستفسار: "أنا آسفة على الإزعاج بس ما تعرفش مريم فين؟ ما جتش المستشفى لسه، وبتصل بيها ما بتردش خالص، أنا قلقانة عليها أوي."
آسر: "لا ما اعرفش حاجة."
تعجبت من عدم قلقه عليها ولكنه كان يبدو منشغلًا قليلًا فبررت له عدم ملاحظته غياب مريم.
أشرقت باستفسار: "يعني هي طيب ما كلمتكش ولا قالت حاجة؟"
آسر: "لا."
هزت رأسها بهدوء وخرجت من الغرفة وعادت تحاول الاتصال مرة أخرى بمريم. كانت تجلس تبكي في غرفتها وتشعر بالخوف وتتذكر كل ما كانت تراه في نشرة الأخبار في الفترات السابقة. هل من المعقول أن يكون هو!! انتبهت على هاتفها الذي تضيء شاشته ثم تنطفئ فهو في وضع الصامت منذ الأمس. أمسكته بارتعاش وقامت بالرد.
أشرقت بارتياح: "إنتي فين يا مريم؟! قلقتيني عليكي!"
مريم بارتعاش حاولت إخفاءه: "أنا تعبانة شوية. مش جاية النهاردة."
أشرقت بقلق: "ليه في إيه؟"
مريم: "عادي. شوية برد ما تقلقيش عليا. هشوفك بكرة."
أشرقت: "ماشي تمام، بس لو عوزتي حاجة أنا موجودة، تمام؟"
مريم: "تمام."
أغلقت معها واستلقت مريم بفراشها وهي تبكي وترتعش من الخوف. صعدت قطتها بجانبها وقامت مريم بضمها بقوة. تنهدت أشرقت بارتياح بعدما أغلقت مع مريم وقامت بعمل مكالمة هاتفية وبعد عدة رنات رد الطرف الآخر.
طارق: "ألو."
أشرقت بارتياح: "أنا اطمنت عليها خلاص، هي كويسة."
طارق: "بجد؟"
أشرقت: "أيوة كويسة ونايمة في البيت، شكرًا يا طارق. دوشتك معايا."
طارق: "لا ما فيش مشكلة، المهم إنها كويسة."
أشرقت بتنهيدة: "الحمد لله، هشوف أنا شغلي تمام؟"
طارق: "تمام. ولو كده هشوفك النهاردة طيب؟"
أشرقت بابتسامة: "ماشي، ابقى ابعتلي عنوان المكان اللي هنتقابل فيه."
طارق بابتسامة: "ماشي."
أغلق المكالمة وقام بالتواصل مع آسر الذي أجابه بتأفف.
آسر: "سيبني في حالي يا دكتور طارق دلوقتي."
طارق بضحك: "أثبتلي فشلك يا دكتور، مريم بخير."
تعجب آسر من حديثه.
آسر: "مش فاهم؟! وإنت عرفت منين؟"
طارق: "عرفت من صاحبتها."
كاد أن يتحدث آسر ولكنه انتبه للتلفاز عندما رأى صورة السائق وبعض الكلام عن ذلك الشخص. قام بجعل مستوى الصوت أعلى.
المذيع: "وهذا قد تبين لنا أن الضحية من الأساس هو مجرم هارب من العدالة، ولكن من افتعل ذلك الجرم؟ بأي حق يفعل ذلك؟"
انتبه آسر عندما تحدث طارق على الهاتف فهو مثله كان يستمع لتلك الأخبار.
طارق: "تقريبًا كده ياسين لحقها، ويا ترى هيعمل فيك إيه لما يعرف إنك متفق معاه؟ مش بعيد يكون عارف أصلًا."
آسر بغضب: "أنا وإنت في الهوا سوا. يعني لو مت إنت كمان هتموت."
طارق بغضب: "ما حدش قالك تتصرف من دماغك. أنا قلتلك إنك تستناني أقولك هنعمل إيه."
آسر بلامبالاة: "وإن يكن. اتفاقنا مع بعض إننا هننتقم منهم. أي تصرف نابع مني هيكون نابع منك إنت كمان."
حاول طارق كبت غضبه وبدأ بالتحدث بسخرية.
طارق: "طيب. ألا قولي إنت صحيح فرحك إمتى؟"
آسر: "بعد أسبوعين."
ضحك طارق بسخرية: "يا ترى بقى ده هيكون فرحك؟! ولا جنازتك؟!"
غضب آسر منه وأغلق معه دون أن يتحدث بكلمة. وقام بكسر كل ما هو موجود على مكتبه بغضب لفشل خطته.
***
في المساء:
استيقظت مريم من نومها وجدت قطتها نائمة هي الأخرى. تحركت في فراشها لقد تحسن حال جسدها عن الصباح. لقد كانت تشعر أن عظامها كسرت نتيجة للضرب الذي تلقته أمس. تنهدت تنهيدة بسيطة واستقامت من فراشها بأعين تائهة. فهي لا زالت تحت صدمة حقيقة ياسين. حقيقة الشخص الوحيد الذي أحبته من قلبها. قامت بأخذ حمامًا لعلها تستفيق للواقع الذي هي به الآن.
تقوم بربط الأحداث والمياه تتساقط على شعرها الأسود المموج ثم على سائر جسدها. إنه قاتل! من أحببته قاتل! كيف أحببته؟ لقد كان كل شيء واضحًا منذ البداية. أنا فقط كنت عمياء. كانت الحقيقة البشعة أمامي ولكنني زينتها بكل الطرق لأنني أحببته فقط! لماذا لم تعد تشعر بالأمان؟ لماذا قلبها يؤلمها الآن؟ نعم بالطبع بسبب صدمتها تلك. أن تهرب من الدنيا كلها إلى شخص يكون هو الأمان بالنسبة إليك وبعدها تظهر الحقيقة ويتضح أن هذا الشخص هو الجحيم بحد ذاته فذلك طبيعي. أن لا تشعر بالأمان مطلقًا. لفت جسدها بالمنشفة وخرجت لغرفتها وهي تائهة. لا تعرف كيف تستمر في حياتها؟ لقد كانت سابقًا تعيش على حبها له. والآن؟ كيف ستعيش. لقد كان الشيء الجميل في حياتها هو حبها المخلص النقي لياسين المغربي، حبها لمنقذها منذ الطفولة والذي اتضح أنه ما هو إلا قاتل. جلست تمشط شعرها أمام المرآة بشروط وإرهاق. صراع داخلي لكل ما عاشته. ولكن لا يا مريم، كوني قوية. لقد مررتِ بالأسوأ من ذلك، تحملي قليلًا. حملت هاتفها ورأت كل المكالمات الفائتة ومن ضمنهم كان رقمًا غير مدون لديها ولكنها تجاهلت ذلك الرقم وقامت بالاتصال بآسر لكي تطمئنه عليها، فقد اتصل بها مرات عديدة، بالتأكيد أنه قد قلق.
آسر: "ألو! مريم إنتي فين؟ أنا قلقت عليكي، كل ده مش بتردي!"
مريم بابتسامة مرهقة: "أنا كويسة الحمدلله، أنا بس كنت تعبانة شوية."
آسر باستفسار: "أجيلك طيب؟"
مريم بنفي: "لا. أنا كويسة ماتقلقش عليا."
آسر: "طب صوتك ماله؟"
مريم: "عندي شوية برد، حاجة عادية."
صمت الاثنان قليلًا. هي تفكر بما قاله لها ياسين وهو يفكر هل قال لها ياسين شيئًا عنه؟ ولكنه استفاق عندما تحدثت.
مريم: "آسر."
آسر: "نعم؟"
مريم: "أنا واثقة فيك."
تحولت ملامح آسر للاستفسار ولكن تبدلت ملامحه لابتسامة خبيثة عندما استأنفت حديثها.
مريم بابتسامة: "عايزاك دايمًا تبقى عارف إني فخورة بإنك هتكون زوجي وأبو أولادي."
آسر باطمئنان أن ياسين لا يعلم بشيء: "وأنا كمان سعيد جدا إنك هتكوني زوجتي يا أكتر إنسانة بحبها في حياتي."
مريم: "هتعدي عليا إمتى عشان أجيب فستان الفرح؟"
بدآ بالتحدث بأمور تخص حياتهما المستقبلية. وهنا قررت مريم أن تنسى ياسين نهائيًا فهو لم يعد له وجود بحياتها بعد حقيقته البشعة تلك.
كان ياسين يجلس في غرفته بالقصر ينظر لصورته هو ومريم الملتقطة لهما منذ أشهر. يملس على وجهها في الصورة برقة. لقد اختارت وهو يجب عليه أن يحترم قرارها. وبذلك تكون النهاية قد كتبت لقصتهما.
بعد مرور أسبوعين:
تجلس بالفندق الذي سيقام به عرسها ترتدي ثوبها الأبيض الرائع والذي حرصت أن يكون رائعًا وخلابًا. ترتدي على رأسها تاجها الأبيض الضخم، فقد كانت تبدو كالملكة. كانت تشعر بالتوتر فلقد تأخر آسر عليها. استقامت من الكرسي الذي تجلس به وبدأت تتحرك ذهابًا وإيابًا في الغرفة وانتبهت لصوت طرقات على الباب وهنا رأت أشرقت.
مريم باستفسار: "شوفتي آسر؟"
دلفت أشرقت للغرفة وتركت الباب مفتوحًا وتوجهت نحوها.
أشرقت: "لا لسه مجاش، ماتقلقيش زمانه جاي في الطريق."
مريم: "كله جه صح؟"
أشرقت بابتسامة: "أيوه زمايلنا كلهم هنا."
مريم بحزن: "كان نفسي عماد يكون موجود هنا معايا."
أشرقت بابتسامة: "ماتزعليش يا مريم، هتتعوض أكيد."
انتبهت الاثنتان لصوت منظفة حفلات الزفاف.
المنظفة: "فين باباكي يا عروسة؟ مش المفروض يسلمك لعريسك؟"
كادت أن تتحدث مريم ولكن أجابت أشرقت نيابة عنها.
أشرقت: "باباها متوفي."
المنظفة بإحراج: "آسفة. طب أخوها طيب؟"
أشرقت: "معندهاش أخ."
المنظفة: "طب مين طيب اللي هيسلماه ليه؟"
كادت أن تجيبها أشرقت وتخبرها أنها من ستقوم بذلك ولكن قاطع حديثها صوته.
طارق: "أنا موجود."
أشرقت بدهشة: "طارق!"
نظرت لها مريم بتيه ثم عادت وتنظر له. لماذا دهشت أشرقت هكذا عندما رأته؟ وكيف تركت ذلك اللقب الخاص به؟ كيف تحدثت كأنه شخص عادي أو مقرب بالنسبة إليها؟ استفاقت من أفكارها تلك فذلك ليس وقت التفكير، ستتحدث معها فيما بعد بخصوص ما يحدث.
مريم باستفسار: "إنت بتعمل إيه هنا؟ وعايز مني إيه؟"
طارق بهدوء: "أنا حابب أكون موجود معاكي في اليوم ده وحابب أكون وكيلك. وقصاد ده كله مش عايزك تزعلي مني على اللي فات ونبدأ صفحة جديدة سوا أنا وإنتي."
كادت أن تتحدث ولكن استعجلتها أشرقت.
أشرقت: "يلا يا مريم بسرعة هنتأخر على المعازيم."
مريم: "بس آسر لسه مجاش."
طارق بتفكير: "ممكن يكون على وصول تعالى ننزل تحت ونستناه."
ترددت مريم قليلًا ولكنها أرادت أن يمضي اليوم على خير، اقتربت منه ووضعت يدها في ذراعه فهي لا تصدق. هناك من يقوم بتسليمها لعريسها. ولم تكن تتوقع أن ذلك الشخص سيكون طارق. أكثر شخص يكرهها بالحياة وحتى الآن لا تدري ما السبب. هبطت على السلالم وبجانبها طارق. صفق لها جميع من بالقاعة. جلست هي وطارق على المائدة الكبيرة الموجودة بمنتصف القاعة وكان هناك شيخ ينتظرهما وهو موثق عقود الزواج أو بمعنى آخر "المأذون الشرعي". كانت تجلس تنتظر حضور آسر ولكنه لم يأتِ. مرت دقائق ولم يأتِ أيضَا. تحدث المأذون باستفسار لطارق.
المأذون: "ألا هو فين العريس؟ أنا إتأخرت أوي."
طارق بإحراج: "أنا آسف، هو أكيد على وصول."
التقط طارق هاتفه وبدأ بالاتصال بآسر ولكنه لم يجب. نظر نحو مريم التي تنظر له باستفسار. كيف يحمل رقم هاتف آسر؟ انتبهت لأحد من الحضور يقترب نحوهم وأعطاها ورقة مطوية. قامت بفتحها وبدأت بقرائتها.
"فاكراني هبقى عبيط وأتجوزك؟ إنتي مين عشان أبصلك؟ أنا مش عارف هشام كان في إيه في دماغه لما حبك؟ إنتي أكيد ضحكتي عليه بكلمتين عشان يقدر يحبك. لكن أنا ما بيتضحكش عليا. نصيحة مني ليكي يوم أما تحلمي ماتعليش سقف طموحاتك أوي أحسن تقعي على جدور رقبتك زي دلوقتي. ألف مبروك يا عروسة."
انهمرت الدموع من مقلتيها وهي تنظر للورقة التي بيدها. تشعر بأنها تائهة. نظرت حولها عندما بدأت همسات الحضور. هناك من ينظر لها بشفقة وهناك من ينظر لها باشمئزاز. لقد تركها عريسها في يوم زفافها. اليوم الذي تتمناه كل الفتيات. توقفت الأغاني وعلت همسات الحضور أكثر وبدأت أشرقت بالبكاء على حال صديقتها.
أردف المأذون بتأفف: "ماتردوا فين العريس؟"
صمت الجميع بصدمة وذهول مما يحدث عندما سمعوا صوته.
ياسين: "أنا العريس."
كان ياسين يقف عند باب القاعة بقوة ونفوذ لم يعهده أحد غيره من قبل. وكان عماد بجانبه يجلس بكرسيه المتحرك وخلفهم جميع رجاله. نظرت مريم بتيه لياسين وهنا تبين لها أنه كان محقًا فيما قاله عن آسر! أمر أحد رجال ياسين عازفي الموسيقى بالاستكمال وانتشرت الموسيقى مرة أخرى بالقاعة. جلس ياسين وبجانبه عماد الذي ينظر بحزن لمريم التي ما زالت ممسكة الورقة بيدها وتنظر أمامها بتيه، ويتمنى لو يضمها يخفف عنها حزنها وألمها.
ياسين للمأذون: "اتفضل."
بدأ المأذون بتجهيز الأوراق وعندما كان يطلب من ياسين صورًا أو أوراقًا أخرى يعطيها له أحد من الرجال الذين يقفون خلفه.
المأذون: "مين وكيل العروسة؟"
طارق: "أنا وكيل العروسة."
نظر ياسين ببرود نحو طارق الذي يجلس بجانبها وبادله طارق تلك النظرات بالتحدي والكره. كان عماد يتمنى أن يكون هو وليها ولكن بسبب مرضه وهو الـ "زهايمر" فهو لا يصح له أن يكون وليًا لها. بدأ المأذون بجعلهم يوقعون على الوثيقة وكانت مريم توقع بتيه وحزن، بعدما انتهوا بدأ المأذون بتلقين ياسين وأيضًا طارق كذلك بعدما وضعا يدهما بيد بعض.
الشيخ لطارق: "إني استخرت الله وزوجتك موكلتي مريم أحمد سعيد هنداوي على سنة الله ورسوله."
ردد طارق حديثه بهدوء.
الشيخ لياسين: "وأنا قبلت زواج موكلتك."
ياسين بابتسامة: "وأنا قبلت زواج موكلتك."
الشيخ: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
تعالت أصوات الزغاريد في القاعة. ومريم تنظر حولها بتيه. لا تصدق لقد أصبحت زوجته! زوجة ياسين المغربي!
رواية القاتل الراقي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة بركات
"القاتل... خائف؟!"
بارك لها الجميع وهي في حالة ذهول تام مما يحدث لها... لقد أصبحت زوجته... انتبهت لأشرقت التي أمسكت بيدها... نظرت لعينيها التي تهطل الدموع منها...
أشرقت ببكاء: "أنا آسفة على اللي إنتي عشتيه ده أ..."
قاطع حديثها مريم التي سحبت يدها منها بقوة وتحدثت بكره دفين.
مريم: " كلكم متفقين عليا؟! كلكم عايزين تدمروني؟! "
انهمرت الدموع من مقلتيها.
مريم: "بطلي دموع التماسيح دي، ما تعمليش نفسك زعلانة عشاني... كلكم هنا عشان تفرحوا فيا."
توجهت بنظرها نحو طارق الذي ينظر لها بحزن.
مريم: "وإنت؟! أكيد التسامح ده مش هييجي فجأة كده، لإن إنت الوحيد اللي بتكرهني هنا."
استقامت من مقعدها واتجهت نحو باب القاعة بفستان زفافها هاربة لمكان بعيد عن النفاق الذي تشعر به حولها... استقام ياسين من مقعده هو الآخر وابتسم بهدوء للجميع.
ياسين: "نورتونا النهاردة... شكرًا ليكم."
تركهم وخرج خلف مريم التي أوقفها رجاله بالخارج.
ياسين باستفسار: "على فين؟"
التفتت له بأعين ممتلئة بالبكاء.
مريم بغضب: "على مكان أبعد فيه عنك وعن أمثالك."
ياسين بابتسامة هادئة: "إنتي بقيتي زوجتي وللأسف مبقاش في مهرب مني... "
أشار نحو سيارته.
ياسين: "اتفضلي."
نظرت له بكره كبير بداخلها ولكنها انتبهت لخروج طارق وأشرقت من القاعة، توجهت نحو السيارة وصعدت إليها وانتظرت قدوم ياسين الذي توقف أمام أشرقت وطارق.
أشرقت ببكاء: "مريم معتقدة إني عملتلها حاجة، أنا مقدرش أعمل حاجة زي دي في صاحبتي، وبعدين أنا مش فاهمة أي حاجة أصلاً، كل اللي أعرفه إنه بيحبها وعايز يتجوزها."
نظر ياسين لها بهدوء ولكنه عاد بنظراته نحو طارق الذي يشعر بالضيق الشديد مما يحدث.
ياسين بابتسامة هادئة: "أظن إن دكتور طارق عنده كلام كتير محتاج يوضحه ليكي."
تركهم وصعد بجوار مريم التي تنظر أمامها ولا تنظر حتى لصديقتها التي بدأت تشعر بالانهيار.. بعدما تأكد من صعود عماد لسيارة أخرى خلفهم مع أحد رجاله، أمر سائقه بالتوجه للقصر وامتثل لأمره.. أما مريم كانت شاردة مما حدث.. لم تكن تلك الحياة التي تتمناها يومًا.. كانت تتمنى حياة سعيدة فقط.. كانت تريد أن تنشئ أسرة صغيرة مع زوج لطيف لها.. أسرة تعوضها عما فقدته.. ينظر لها ياسين بطرف عينيه، لقد بعثر بكائها مساحيق التجميل التي تضعها بوجهها ويوجد خطان باللون الأسود على وجنتيها الناعمتين.. انتبه عندما وصلته رسالة بهاتفه... "لاقيناه"... أغلق ياسين هاتفه بعدما قرأ الرسالة النصية التي أرسلها أحد رجاله له.. ثم عاد ينظر لها مرة أخرى.. يراقبها وهي تمسك الورقة بيدها بقوة.. كأن هناك أفكار كثيرة متزاحمة بداخلها.. ظلا هكذا طوال الطريق لم يتحدث أحدهما للآخر مطلقًا.. بمرور الوقت... توقفت سيارة ياسين أمام باب القصر وترجل منها وتوجه نحو مريم التي ظلت جالسة بالسيارة.. فتح الباب بالجهة الموجودة بها ومد يده لها.. ظلت صامتة قليلًا ولكنها أزاحت يده عنها وهبطت هي الأخرى بوجه بائس وغاضب... تجاهل ياسين فعلتها تلك ودخل القصر بجانبها وهنا كانت جميع الخادمات يقفن صفًا واحدًا يرحبن بسيدة القصر... لم تبدِ مريم أية ردة فعل تذكر واعتبر ياسين أن صمتها ذلك وقاحة ليس إلا.
ياسين بابتسامة هادئة للخادمات: "شكرًا ليكم."
تأففت مريم وقلبت عينيها وتركته وصعدت للأعلى وتبعها ياسين بهدوء يترقب صعوبة صعودها لدرجات سلم القصر بسبب ثوب الزفاف... وعندما أصبح بجانبها مد لها يدها مرة أخرى.
ياسين: "اسمح لي أساعدك."
تأففت بحنق ونظرت له قليلًا ولكنها بالنهاية استسلمت وأعطته يدها... أسندها وقامت بإمساك جزء من ثوبها بيد واليد الأخرى تمسك بيد ياسين الخشنة القوية... لماذا تشعر بالدفء هكذا.. إنه يمسك بيدها فقط!! نظرت له بطرف عينيها وجدته ينظر أمامه ولا ينظر إليها، فقط يتحكم بخطواته وفي ذات الوقت ينتبه لخطواتها وحذر في أن لا تتعثر بأحد الأدراج.. التفتت لتنظر أمامها مرة أخرى.. بماذا تفكرين مريم؟! أتفكرين بقاتل؟! وصلا للطابق الذي يوجد به غرفتهما، أبعدت يدها من يده وسارت بالممر المؤدي لغرفتها القديمة وكان ياسين يتبعها كظلها، توقفت أمام غرفتها وحاولت فتح الباب ولكنه لا يفتح.. حاولت فتحه مرة أخرى ولكنه لا يفتح، نظرت بغضب لياسين الذي يقف خلفها وينظر لها بهدوء.
مريم: "افتح الباب."
ياسين: "ليه؟"
مريم: "هو إيه اللي ليه؟! بقول لك افتح الباب."
ياسين: "ما أنا عايز أعرف السبب، ليه أفتح لك باب الأوضة دي؟"
حاولت أن تتحكم بغضبها ولكنها لم تستطع.
مريم بغضب: "ما هو لو إنت ما فتحتش الباب، أنا هنام فين سيادتك؟!"
ياسين بابتسامة هادئة: "معايا."
مريم بغضب وهي تقترب منه: "إنت قليل الأدب ووقح."
تحولت معالم ياسين من الهدوء إلى الغضب الشديد من أسلوبها غير اللبق بتاتًا.. أمسكها بقوة من ذراعيها وقربها إليه أكثر.
ياسين بتحذير: "أنا لصبري حدود، وبلاش تختبري صبري.. وإنتي عارفة كويس أنا هاعمل إيه؟ اتفضلي روحي لأوضتنا وأنا دقايق وهاحصلك، في لبس ليكي موجود هناك."
ابتعد عنها وتركها عائدًا للأسفل... أما هي في ذاك الوقت كانت تريد أن تصرخ به بقوة.. فهي ليست في مزاج جيد أن يوبخها أحد.. فهي ضحية اليوم.. كانت أشرقت تنظر إليه بمزيج من الصدمة والمفاجأة مما تسمعه.
طارق: "أنا في الأول كنت هاستغلك بس رفضت ده كله.. إنتي بنت كويسة وأنا اتشدّيت ليكي، وكنت على قد ما أقدر باحاول أبعدك عن أي حاجة تأذيكي."
أشرقت بعدم استيعاب: "وإنت فاكرني هأصدقك؟!! إنت عارف إنت عملت إيه؟! "
صرخت بوجهه.
أشرقت: "إنت خليتني أخسر صاحبتي، أختي اللي ما خلفهاش أبويا وأمي... هي الوحيدة اللي كانت معايا."
بدأت بالبكاء وكاد أن يربت على كتفها ولكنها صرخت به.
أشرقت: "إياك!... إياك تقرب مني.. أنا كنت غبية وساذجة لما قررت إني أدي لنفسي فرصة تانية.. عشت نفسي في أجواء المراهقين وقلت ما فيش مشكلة أهو أعيش في قصة حب جديدة وأبدأ من تاني كإني لسه بنت صغيرة.. بس للأسف اتأكدت إنكم كلكم شبه بعض.. نسخة واحدة."
طارق بتوضيح: "أشرقت افهميني أ..."
أشرقت بصراخ وهي تقاطعه: "أفهم إيه؟! هاه؟! أفهم إيه؟!... إنت عايز تنتقم لمجرد اعتقادك إن صاحبتي السبب في موت ابن أختك.. وياسين المغربي يبقى السبب الرئيسي في موته.. تقوم تنتقم إزاي؟! تستغلني أنا عشان تنتقم من صاحبتي."
ابتسمت بألم واستأنفت حديثها.
أشرقت: "بس برافو عليك، خليتني أخسر صاحبتي.. شكرًا."
ابتعدت عنه وحاولت أن تهدأ بسبب ما حدث.. صعدت لسيارتها والتقطت هاتفها وبدأت بالاتصال بمريم مرات تلو الأخرى ولكن لا توجد إجابة... أرسلت لها رسالة نصية.. "صدقيني أنا ما عملتش حاجة".. تحركت بسيارتها تاركة طارق ينظر أمامه بضيق مما يحدث... بمرور الوقت.. توقف ياسين أمام غرفته وطرق الباب بهدوء وبعد عدة ثوانٍ دخل الغرفة.. تعجب من جلوسها بفراشه بثوب الزفاف فهي لم تبدله.
ياسين: "لسه ما غيرتيش؟!"
رفعت رأسها نحوه ونظرت له بهدوء، ولكنها لم تجبه.. اقترب منها ياسين وأعطاها هاتفها.
ياسين: "اتفضلي، كنتي سايباه هناك."
أمسكت بهاتفها وقامت بوضعه بجانبها.
ياسين: "الدكتورة صاحبتك، ما كانتش تعرف أي حاجة بخصوص اللي بيحصل."
تنهدت تنهيدة بسيطة وبدأت بالتحدث.
مريم باستفسار: "ممكن أسألك سؤال؟"
ياسين: "اتفضلي."
استقامت من الفراش وفتحت يدها التي توجد بها الورقة التي أرسلها آسر إليها.
مريم: "إنت اللي كتبت دي؟ إنت عملت حاجة في آسر صح؟"
ياسين ببرود: "اتهامك ليا قاسي يا زوجتي العزيزة."
مريم برجاء: "أرجوك رد عليّ، طمني."
ياسين: "مع الأسف مش أنا اللي كتبتها."
مريم ببكاء: "يعني كل اللي أنا عايشاه ده بسبب ناس مؤذيين غيرك."
اقترب منها بضع خطوات حتى صارت المسافة بينهما قليلة جدًا.
ياسين وهو ينظر بعمق عينيها: "اتقبلي الواقع، مش أنا الوحيد اللي بأذي.. الناس كلها مؤذية بس بمراحل."
ظلت تشهق شهقات بسيطة وأبعدت بناظريها عنه ولكنه رفع يده وأمسك بذقنها ليجعلها تنظر إليه مرة أخرى.. نظرت إليه بأعين باكية.. كانت نظراته لها في تلك اللحظة دافئة وهو يقوم بمسح دموعها المنهمرة.. يتأملها بهدوء وهي تنظر إليه بالمقابل... قرّب ياسين وجهه من وجهها وبدأ بتقبيلها برقة، أما مريم فقد كانت في صراع مع عقلها وقلبها، فهي في يوم من الأيام كانت تتمنى أن تصبح زوجته وتبقى معه بنفس الغرفة والفراش.. كان يومًا ما هو اختيارها الوحيد.. لكنه الآن ومع الأسف هو قاتل بالنسبة إليها.. استفاقت عندما شعرت به يقوم بفتح سحّابة ثوبها وابتعدت عنه سريعًا، نظر لها ياسين باستفسار وهو يحاول استعادة هدوئه.
مريم بغضب: "إياك تقرب مني مرة تانية، أنا يستحيل أبقى زوجة قاتل."
ياسين بهدوء: "إنتي بالفعل بقيتي زوجتي."
مريم: "إنت بتحلم."
ياسين بابتسامة هادئة مع استفسار: "طب ليه ما رفضتيش؟! كان ممكن ترفضي إننا نتجوز من البداية."
مريم: "إنت استغليت صدمتي، وخليتنا نتجوز."
ياسين: "بالعكس، إنتي كنتي موافقة على جوازك مني، أو على الأقل في حاجة جواكي منعتك ترفضي جوازنا."
اقترب منها وكادت أن تبتعد إلا أنه أمسك بكتفيها وقربها منه أكثر وتحدث ببرود وهو ينظر بعمق عينيها.
ياسين برقي اعتادته منه قبلًا: "أنا اتجوزتك عشان ما حدش يقول عنك كلمة وحشة، وأنا ممكن أستغل إنك زوجتي أسوأ استغلال وهو إني آخد منك حقي حتى لو هاغتصَبك.. بس دي مش أخلاقي أبدًا..."
أنا مش بالوحشية اللي تخليكي تبصيلي بالنظرة دي.
ابتعد عنها وكادت أن تجيبه إلا أنه قاطعها بهدوء.
ياسين مكملًا حديثه:
أنا سايبك على راحتك، ويوم أما أقرب منك هيكون برغبتك إنتي مش أنا.
استفزها حديثه ذاك.
مريم بغضب:
إنت حتى ماجبتش سيرة الطلاق.. مش إنت المفروض متجوزني عشان ماحدش يقول كلمة وحشة عليا؟ يبقى الموضوع ده يكون فترة وبعدها نتطلق.
ياسين بنظرات خالية من الحياة وهو ينظر بعمق عينيها:
الأسلم ليكي إنك تكوني على ذمتي.
ضحكت باستهزاء على ما يقوله لها.
مريم:
وده من إمتى؟ هو مش إنت كنت دايمًا بتبعدني عنك؟
بدأت تتحدث بغضب مع بكاء:
جاي دلوقتي تفتكرني وتقول إن الأحسن ليا إني أبقى مراتك؟ إنت بتتكلم بجد؟
ياسين باستفسار:
حددي كلامك، إنتي بتعاتبيني دلوقتي على إني ياسين اللي إنتي بتحبيه ولا ياسين القاتل؟
مريم وهي تقترب وتنظر في عمق عينيه بغضب:
ياسين اللي بحبه مات لما عرفت إنه قاتل.
ياسين:
يبقى مالكيش الحق إنك تعاتبيني، اللي فات حاجة، واللي جاي حاجة تانية يا زوجتي العزيزة.
مريم بغضب:
أنا مش مراتك، أنا اسمي مريم.
ياسين بابتسامة هادئة:
وأنا ياسين المغربي.
ضغط بقوة على أسنانه عندما نطق تلك الكلمة:
زوجك.
سئمت من الجدال معه بخصوص أمر زواجهما وأعطته ظهرها بضيق من حديثه.
ياسين وهو ينظر لظهرها العاري:
أظن من الأفضل إنك تغيري هدومك يا مريم عشان ننام.
تأففت ثم عادت ونظرت إليه.
مريم:
مش لاقية دولابك.
تحولت ملامحه للاستفسار.
مريم:
أنا قعدت أدور على دولابك مالقتهوش عشان كده ما غيرتش.
ياسين بابتسامة:
اعذريني، الغلطة غلطتي، ماحبتش حد من الخدم ييجي يساعدوكي أحسن يزعجونا وإحنا بنتكلم، اتفضلي ورايا.
توجه نحو إحدى الغرف الداخلية وهي تبعته، وقام بفتح رف خشبي عملاق ملصق بالحائط والذي تبين أنه ليس بحائط إنما هو خزانة ملابس.
ياسين:
تقدري تغيري هدومك، وأنا في انتظارك بره.
مريم باعتراض:
أكيد مش هلبس اللبس ده، دي قمصان نوم وحاجات غريبة.
نظر ياسين نحو الملابس المعلقة ثم عاد ونظر لها مرة أخرى.
ياسين:
الوقت مكنش يسمح إني أجيبلك اللبس اللي إنتي عايزاه، ده المتاح حاليًا، ولو مش حابه تلبسي حاجة فيهم يبقى نامي بالفستان اللي إنتي لابساه.
تركها وغادر الغرفة أما هي تأففت بضيق من ذلك. أخذت قميصًا أبيض رقيقًا بخيط رفيع بالكتف وارتدته على مضض بعدما نزعت ثوبها. بعد مرور دقائق قليلة، أخرجت رأسها من داخل الغرفة تبحث عنه بالأرجاء محرجة من وجوده. انتبهت له يجلس بالفراش يمسك كتابًا منغمسًا في قراءته. اقتربت بهدوء نحو الفراش واختبأت أسفل الغطاء بجانبه وحاولت أن تبتعد عنه حتى تكون بطرف الفراش. أعطته ظهرها وظلت مستيقظة خوفًا مما يمكن أن يفعله أثناء نومها. شعرت به يضع الكتاب بجانبه واستلقى بالفراش ولم تشعر بشيء بعد ذلك. التفتت للخلف بهدوء وجدته معطيًا إياها ظهره يبدو أنه نائم. ظلت تفكر بما حدث لها اليوم. لقد كان يومًا طويلًا وشاقًا بالنسبة إليها والذي انتهى بوجودها مع قاتل في فراش واحد. حاولت أن تقاوم النوم الذي يسيطر عليها منذ أن وضعت رأسها بالوسادة ولكن لخوفها منه ظلت مستيقظة مترقبة لحركاته. ظلت هكذا حتى الصباح. ذبلت عينيها بسبب مقاومتها للنوم ولكنها انتبهت لياسين عندما سمعت أنينًا منه وهو نائم. التفتت خلفها بهدوء ووجدته يتصبب عرقًا لقد كان يئن وهو نائم كأنه يتعذب. كابوس. كان براء يحلم بذاك المشهد الذي لن يفارقه طيلة حياته. والدته وهي تغتصب وتذبح أمامه، ووالده الذي طعن أمامه من صديقه. ولكن تلك المرة رآه جمال مختبئًا أسفل الأريكة سحبه عنوة عنه وبدأ براء بالصراخ والبكاء. رفع جمال السكين عليه ولكن براء حاول مقاومته والابتعاد عنه ولكن جمال كان يمسكه بقوة.
ولكنها هزت رأسها بالنفي، هزت الخادمة رأسها هي الأخرى، ولكنها تذكرت أمرًا.
الخادمة: "ياسين بيه بيفكرك بميعادك معاه، هيكون بعد ساعتين من دلوقتي."
مريم بابتسامة: "أكيد ما نسيتش."
شعرت الخادمة بإحراج من نبرة حديثها تلك وأكملت عملها. أما مريم فقد تركتهن وذهبت للحمام. بعد أن انتهت من الاستحمام، كانت قد انتهت الخادمات من ترتيب ثيابها. توجهت للغرفة ونظرت للثياب الموجودة بها، فكلها كانت من أغلى الماركات العالمية. لمست الأقمشة التي تخص بعض ثيابها، فقد كانت ناعمة ولطيفة وراقية! يريدها أن تبدو مثله! حسنًا إذًا، لك ذلك. انتقَت أروع الثياب لديها وبدأت بارتدائها، وعندما خرجت من الغرفة رأت العديد من مساحيق التجميل تزين تسريحة الغرفة، لقد قام بشراء كل ما يلزم لأجلها. عقصت حاجبيها قليلًا وأردفت بتمتمة وضيق.
مريم: "قاتل راقي."
بدأت بتجهيز نفسها، وأثناء التجهيز انتبهت لهاتفها الذي تضيء شاشته ثم تنطفئ مرة أخرى. تنهدت بهدوء عندما رأت أشرقت تتصل بها. التقطت هاتفها وقررت أن تجيب.
مريم: "ألو."
أشرقت بارتياح: "مريم! أخيرًا رديتي! صدقيني أنا ما عملتش أي حاجة يا مريم، أنا عمري ما أذيكي، إنتي أقرب حد ليا، أنا ما كنتش أعرف أي حاجة."
لم تجبها ولكن ظلت صامتة.
أشرقت: "إنتي ساكتة ليه؟ ردي عليا."
مريم باستفسار: "طالما إنتي ما كنتيش تعرفي حاجة، ليه كنتي مخبية عني إن في بينك وبين دكتور طارق ده حاجة؟"
أشرقت: "أنا لقيتك مش بتطيقيه، فما حبتش أضايقك، وكنت هحكيلك إمبارح على كل حاجة فعلًا، صدقيني ده كل اللي حصل."
ظلت صامتة ولكن أزعج صمتها أشرقت.
أشرقت: "ما تفضليش ساكتة كده، أرجوكي ردي عليا."
مريم بتنهيدة: "تمام يا أشرقت، حصل خير."
أشرقت باستفسار: "بجد؟"
مريم: "آه بجد، خلاص ما فيش مشكلة، أنا آسفة إني شكيت فيكي."
أشرقت: "إحنا ما فيش بينا أسف يا مريم، إنتي صاحبتي وأختي وكل حاجة في حياتي."
كادت أن تتحدث مريم ولكنها انتبهت لطرقات على الباب.
قامت بفتح الباب ونظرت للخادمة التي تقف أمامها.
الخادمة: "السواق مستني حضرتك تحت."
هزت مريم رأسها بهدوء ثم رحلت الخادمة.
أشرقت باستفسار: "في إيه؟"
مريم: "لا ما فيش، ورايا ميعاد مع ياسين."
أشرقت: "أنا لحد الآن مش مصدقة إنكم اتجوزتوا."
مريم بشرود: "ولا أنا يا أشرقت، ولا أنا، هقفل معاكي دلوقتي وهرجع أكلمك مرة تانية."
أشرقت: "مستنياكي."
أغلقت المكالمة الهاتفية معها وخرجت من الغرفة. بعد مرور عدة دقائق كانت تجلس بسيارة ضخمة، وهي واحدة من إحدى سيارات ياسين، تنظر للخارج بشرود. تشعر أنها تائهة، تحتاج أن ينقذها أحد مما تعيش به. تشعر أن حياتها تحت التهديد طالما هي متواجدة معه تحت سقف واحد. انتبهت للسائق الذي أوقف السيارة أمام أحد البيوت.
مريم باستفسار للسائق: "إحنا فين؟"
السائق: "إحنا في المكان اللي ياسين بيه أمر إننا نكون فيه."
تعجبت من حديثه ولكنها انتبهت لخروج ياسين من البيت الذي توقفت السيارة أمامه. فتح باب السيارة لها. لم تهبط ونظرت إليه باستفسار.
ياسين ببرود مجاوبًا على السؤال الذي يدور بعقلها: "أكيد مش ده البيت اللي هقتلك فيه، انزلي."
هبطت من السيارة وتبعته لداخل البيت، وعندما دخلت غرفة خلفه وهنا شهقت بفزع عندما رأته. رأت آسر مكبلًا بالحائط وجسده ينزف ويوجد بوجهه بعض الكدمات.
ياسين بأمر لمريم: "خدي حقك منه."
رفع آسر رأسه بإرهاق ونظر لمريم الواقفة أمامه.
آسر بألم: "الحقيني يا مريم، خطفني وما خلانيش أتجوزك عشان هو يتجوزك."
ارتعش جسدها ونظرت لياسين بشك، هل معقول فعل ذلك؟ ولكن ملامحه كانت هادئة. عادت تنظر نحو آسر مرة أخرى.
آسر برجاء: "مريم، ما تسيبنيش كده."
أغمض آسر عينيه بإرهاق، وشعرت بالفزع ليس لأجل ما تراه أمامها، فمن الواضح أنه تم ضربه بشدة.
مريم بغضب لياسين: "فكه، هو ما يستحقش اللي عملته ده."
ياسين ببرود: "لا، يستحق، خدي حقك منه."
مريم: "إنت مين إنت عشان تحكم على الناس؟ بقولك فكه."
تجاهلها ولم يجبها، غضبت من تجاهله لها واقتربت نحو آسر ولكن توقف أمامها رجال ياسين.
مريم بغضب لياسين: "خليهم يعدوني."
أشار لهم ياسين بعينيه للابتعاد فابتعدوا. بدأت مريم بفك قيد آسر من خلال المفاتيح المعلقة بالغرفة، حتى وقع أرضًا. حاولت أن تقوم بإسناده ولكنها لم تستطع. تأففت ونظرت لياسين تطلب منه المساعدة.
ياسين بغضب: "قومي."
مريم بإصرار: "لا، لازم يخرج من هنا، وأنا وإنت بينا كلام كتير هنتناقش فيه بعد ما نخرج من هنا."
ياسين: "مش هيخرج من هنا."
تركت مريم آسر ملقى أرضًا وبدأت بالتحدث بغضب وصراخ.
مريم: "لا هيخرج، إنت مين إنت عشان تحبسه هنا؟ ولو ما خرجش من هنا، أنا هفضل معاه ومش هسيبه."
أشار ياسين لرجاله بالخروج وخرجوا من الغرفة واستأنف حديثه.
ياسين باستفسار وهدوء: "أسمي إصرارك على خروجه من هنا ده إيه؟"
مريم بغضب: "سميها زي ما تسميها، ما فيش قتل بعد كده، وكل قاتل لازم ياخد جزاءه، هي مش سايبة."
ياسين: "إنتي بتتكلمي عني ولا عنه هو؟"
تحولت ملامحها للاستفسار ولكنها استأنفت بغضب بعدها.
مريم بإصرار: "آسر مش قاتل، أنا بتكلم عنك إنت."
ياسين: "في الفترة الأخيرة كنت بدأت أعترف بذكائك لكن مع الأسف إنتي بقيتي تثبتيلي عكس كده تمامًا."
مريم: "تقصد إيه يعني؟ تقصد إني غبية؟"
كاد ياسين أن يتحدث ولكنه تفاجأ من آسر الذي أمسك بمريم ووجه السلاح الناري نحو رأسها. صرخت مريم من فعلته تلك وشعرت بالفزع عندما تحدث بتهديد.
آسر: "خرجني من هنا وإلا هقتلها."
نظر له ياسين بهدوء لبعض الوقت، ولكنه ابتعد عن طريقه وأفسح له المجال. تحرك آسر بمريم الخائفة والتي تنظر في أعين ياسين الغاضبة. كان آسر حريصًا على أن لا يعطي ياسين ظهره أثناء خروجه وأمر ياسين رجاله بالابتعاد عنه. وعندما وصل آسر نحو باب المنزل كان أحد رجال ياسين يأتي خفية من خلفه وأمسك بيد آسر ورفعها بالهواء وهنا فقط ابتعدت مريم بسرعة عنه ولكنها لم تنتبه لآسر الذي يصوب السلاح نحوها أثناء هروبها نحو ياسين. أطلق آسر النار وهنا أمسك ياسين بمريم واحتضنها وأعطى ظهره لآسر سريعًا. استقرت مريم بأحضان ياسين وهي تبكي بقوة على ما حدث، أما هو فكان يربت على رأسها بهدوء. قتل رجاله آسر ولكن مريم ظلت مختبئة بأحضانه خوفًا مما ستراه إذا خرجت منه. وبعد ثوانٍ قليلة شعرت مريم بأن ياسين يسحبها لتقع معه أرضًا. نظرت له بعدم استيعاب وانتبهت لتلك الدماء التي تسيل من جسده وبالتحديد أسفل ظهره لتتأكد أن الرصاصة التي أطلقها آسر قد أخذها ياسين عنها.
رواية القاتل الراقي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة بركات
إستقرت مريم بأحضان ياسين وهي تبكي بقوة على ما حدث، أما هو كان يربت على رأسها بهدوء. قُتل رجاله آسر ولكن مريم ظلت مختبئة بأحضانه خوفًا مما ستراه إذا خرجت منه. وبعد ثوانٍ قليلة شعرت مريم بأن ياسين يسحبها لتقع معه أرضًا. نظرت له بعدم استيعاب وانتبهت لتلك الدماء التي تسيل من جسده وبالتحديد أسفل ظهره لتتأكد أن الرصاصة التي أطلقها آسر قد أخذها ياسين عنها.
مريم ببكاء: ياسين.
نظر لها ياسين وهو يشعر بالألم ولكنه فقد الوعي. حمله رجاله سريعًا ووضعوه بسيارة وهرولت مريم خلفهم، ركبت معه بذات السيارة وأسندت رأسه على ركبتيها وأمسكت بيده بقوة وتبكي بنحيب على ما حدث. تشعر أنها تائهة. تشعر أن الحياة أصبحت مظلمة أكثر مما كانت.
مريم ببكاء: ياسين.
فتح عينيه مرة أخرى.
مريم: ماتسبنيش.
رفع إحدى يديه وقام بمسح دموعها المنهمرة ولكنها كانت مستمرة بالبكاء.
ياسين بدون وعي: تهون الدنيا كلها قدام دمعة من عيونك.
مريم ببكاء: أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أنقذك.
أغمض ياسين مرة أخرى وضغط على يدها برفق وتحدث بجملة واحدة قبل أن يفقد وعيه مرة أخرى.
ياسين: أنا واثق فيكي.
فقد ياسين وعيه وازداد بكائها أكثر. ضغطت على مكان جرحه لكي تمنع النزيف ولكنه كان شديدًا، يبدو أن هناك عضوًا ما قد أصيب! بعد مرور عدة دقائق، وصلت سيارة ياسين وخلفها سيارات رجاله. وهنا اقترب المسعفون مهرولين نحو سيارة ياسين وللمفاجأة فقد انتشر الخبر سريعًا، لقد كانت الصحافة أيضًا بانتظار قدومه وبدأوا بتصوير كل شيء. حمله المسعفون على النقالة وتتبعهم مريم مهرولة غير آبهة بملابسها المليئة بدمائه، بل كانت تبكي فقط وهي تنظر إليه هكذا مغمض العينين، لا تذكر كيف أتوا هنا وكيف حدث كل هذا، كانت كالمغيبة ولكن كل ما تذكره أن قلبها كاد يخرج من مكانه لخوفها عليه في تلك اللحظة. تلك اللحظة فقط جعلتها تنسى من هو! ومنذ ذلك الحين وهي تبكي بكثرة على ما حدث له وتتمنى ألا يتركها الآن، راقبت المسعفون وهم يدخلونه لغرفة العمليات ورأت الممرضات يهرولون نحو الغرفة ومعهم بعض الأطباء، أما طارق فقد كان يراقبهم ولم يحرك ساكنًا وتجاهل خبر أن ياسين المغربي قد أصيب بعيار ناري كما انتشر في الصحف بسرعة. تقابلت نظراته مع مريم التي تبكي ولكنه تجاهلها وتركها. نظرت مريم في إثره ولكنه قررت أن تتبعه.
مريم: دكتور طارق.
التفت طارق لها باستفسار.
مريم ببكاء ورجاء: بعيدًا عن أي خلاف شخصي بيني وبينك، أنا برجوك إنك تبقى معايا في العملية دي.
طارق عاقدًا حاجبيه بغضب: مش هبقى معاكي، أنا آسف بس ما تطلبيش مني أنقذه.
نظرت له مريم بعدم فهم ولكنها تجاهلت ذلك وترجته مرة أخرى.
مريم: طب أرجوك، التزم بالقسم اللي أنت أقسمته وساعده معايا ده مريض محتاج للإنقاذ.
طارق بغضب وتكرار: ما تطلبيش مني أنقذه... سيبيه يموت.
مريم بنفي: ماقدرش أسيبه يموت. أنا محتاجاك تساعدني، محتاجه وجودك عشان ترشدني. الإصابة أسفل الظهر بس من الجنب. أنا خايفة عشان أنا في حالة مش هقدر إني أعمله العملية فيها، خايفة مشاعري تسيطر عليا، خايفة أعمل حاجة غلط في العملية ويحصله حاجة.
نظر لها لثوانٍ عديدة وبعدها تحدث.
طارق بتنهيدة: إلغي مشاعرك واعملي له العملية إنتي قدها، لكن صدقيني أنا مش هعمله العملية.
هزت رأسها بهدوء ذهبت لغرفة تبديل الملابس. نظر طارق في إثرها متمتمًا بضيق.
طارق: هتندمي على كل ده بعدين.
ثم اتجه نحو مكتبه. دخلت غرفة العمليات بعدما قام الأطباء والمرضى بجميع الاستعدادات لبدء العملية. نظرت مريم لجسده النائم باستسلام لمصيره. أغمضت عينيها وهنا هبطت دمعة أخيرة قبل أن يظهر في ملامحها الجدية. انضمت للأطباء الموجودين بالغرفة وبدأوا بتنفيذ العملية. انتشرت الصحافة حول المشفى ولكن ما كان يمنعهم من الدخول رجاله المنتشرين بالمشفى أيضًا. كانت أشرقت تجلس بشرفتها في منزلها بمنتصف الليل تشرب قهوتها وتراقب قطة صديقتها وهي تلعب. أغمضت عينيها عندما لامس شعرها نسمة هواء رائعة ولكنها فتحتهما باتساع عندما سمعت ذلك الخبر الذي يتم إذاعته الآن بالتلفاز. استقامت من مقعدها وخرجت من الشرفة ونظرت لخالتها التي كادت أن تغير القناة ولكنها تحدثت.
أشرقت: سيبي القناة يا خالتو.
نظرت لها خالتها باستفسار. أما أشرقت نظرت للتلفاز ورأت مقاطع مصورة لصديقتها التي تبكي وهي تحتضن جسد زوجها.
المذيع: لقد تم اغتيال رجل الأعمال ياسين المغربي بعد يومٍ من زفافه الذي كان مفاجأة منه للجميع و...
كانت أشرقت ترى الخبر وهي حزينة وخاصة عندما رأت دموع صديقتها المنهمرة. استفاقت عندما أردفت خالتها باستفسار.
خالتها: هي مش دي مريم صاحبتك؟
هزت أشرقت رأسها سريعًا وتركت الكوب من يدها وهرولت نحو غرفتها لتقوم بتغيير ثيابها. لا تدري مريم كم مر من الوقت وهي واقفة على قدميها تقوم بإنقاذ حياته هي وباقي الأطباء. يقومون بكل ما يستطيعون فعله لإنقاذه، فقد قاموا بإيقاف النزيف وأزالوا العيار الناري من جسده وكل شيء أصبح بخير ولكن توجد هناك عواقب. فقد تضررت إحدى كليتيه بتلك الرصاصة وكان يجب عليهم إزالتها ولأنها زوجته فقد وافقت لكي تنقذ حياته بقدر الإمكان. وقد قاموا بإزالة كليته اليسرى. بعد مرور وقت طويل، خرجت مريم من غرفة العمليات وقامت بنزع كمامتها الطبية وهي تبكي.
أشرقت: مريم.
التفتت لصوت صديقتها التي تناديها، رأتها تقف بنهاية الممر، اقتربت منها أشرقت وهي تفتح لها ذراعيها، استقرت مريم بأحضانها وهنا بدأت بالبكاء بنحيب. وكانت أشرقت تربت على ظهرها.
أشرقت: عيطي... عيطي يا مريم.
زاد بكائها أكثر وكل ما تتذكره هي أنها كانت سوف تفقده وذلك بسببها هي. لقد ضحى بنفسه لأجل حمايتها. لقد كانت سيئةً معه كثيرًا في الآونة الأخيرة.
عماد: مريم.
ابتعدت عن أشرقت عندما سمعت صوت عماد. كان يبكي بسبب ذاك الخبر الذي رآه بالتلفاز. اقتربت منه واحتضنته ليطمئن. ولكنها كانت تحتاج لياسين نفسه لكي يطمئنها هو، فحتى عندما ضحى بنفسه لأجلها كان يربت على كتفها وشعرها لكي تطمئن وهو جريح يحتاج لمن يخبره أن كل شيء سيكون على ما يرام ولكن ما حدث هو العكس.
مريم وهي تنظر في عينيه: هو كويس... ما تقلقش عليه.
عماد ببكاء: أنا ماليش غيره يا مريم.
هزت مريم رأسها وهي تبكي واحتضنته مرة أخرى. كان طارق يراقب ما يحدث وتقابلت عينيه مع أشرقت التي تجاهلت وجوده وابتعدت بأنظارها عنه. رحل وتركهم بمفردهم. انتبهت مريم عندما فُتح باب الغرفة وخرجت الممرضات وهن يحركن النقالة التي تحمل جسد ياسين. هرولت خلفهم وتبعتها أشرقت التي أمسكت بكرسي عماد لكي تساعده في التحرك خلفها. وضعته الممرضات بغرفته وبقيت مريم بجانبه ومعها أشرقت وعماد بنفس الغرفة. تنظر لوجهه الهادئ ذو الملامح الخشنة ممسكة بيده. وبعدها نظرت للأجهزة الموصولة بجسده وهبطت الدموع من مقلتيها مرة أخرى.
أشرقت: إنتي مغيرتيش هدومك من بعد ما خرجتي من العملية.
انتبهت لما تقوله لها صديقتها ونظرت لملابسها. ابتعدت عن ياسين.
مريم: أنا مش معايا لبس، اللي أنا كنت لابساه مليان بدمه.
هبطت دمعة من مقلتيها على إثر قولها ذلك.
أشرقت بابتسامة: أنا عملت حسابي، تعالي يلا.
هزت رأسها وخرجت من الغرفة وتبعتها أشرقت. أما عماد فكان كل ذاك الوقت ينظر لياسين النائم. لم يعهده هكذا إلا في سنواته الأولى لديهم هو وزوجته الراحلة. كان طفلًا بريئًا سلبت منه الحياة أغلى ما يملك وهو والديه. ولكنه أراد الانتقام وأصر عليه ورآه من حقه. وانتقم لهما وخلَف ذلك الانتقام ميلاد قاتل قتل براءة وتحرك لينتقم من الجميع دون رحمة. قام عماد بمسح دموعه وهو يتذكر كم كان يتمنى أن يصبح ياسين كابنه تمامًا يستطيع الاعتماد عليه في أي شيء ولكنه قام بعصيانه.
عماد: شوفت قد إيه الموت قريب مننا؟ يا ما نصحتك تبعد عن الطريق ده، لكن إنت عندت وأصريت وأديك وصلت للنهاية اللي إنت اخترت بدايتها بإيدك.
تنهد بحزن وأمسك بيده يربت عليها.
عماد: هتقوم يا ابني، وهنبدأ من تاني وهتكون ياسين اللي أنا كنت بتمنى دايما تكون هو.
كانت ترتدي الملابس التي أعطتها إياها صديقتها وبعدما انتهت خرجت من الغرفة وتوجهت نحو أشرقت التي تنتظرها.
أشرقت باستفسار: بقيتي أحسن شوية؟
هزت رأسها بإرهاق.
أشرقت: بصي... أنا مش هسألك عن اللي حصل، بس عايزة أعرف الإصابة عملت ضرر ليه؟
حاولت أن تتحكم بدموعها التي ستهبط ولكنها لم تستطع.
مريم ببكاء: خسر كليته. أنا عملت كل اللي أقدر عليه بس كنت بتمنى إنه ما يخسرش حاجة، بس كان لازم أنقذه.
احتضنتها أشرقت وقامت بالربت على ظهرها وأردفت:
أشرقت: المهم إنك عملتي كل اللي عليكي، أنا واثقة فيكي إنتي دكتورة شاطرة وأدرى تمامًا بمصلحة المريض.
هزت مريم رأسها بتيه ونعاس.
أشرقت: إنتي ما نمتيش كويس، تعالي ارتاحي.
مريم بنفي: لا، لازم أبقى جنب ياسين.
أشرقت بابتسامة: أكيد هتكوني جنبه بس إنتي كمان محتاجة تنامي، على الأقل تريحي شوية لإنك مش شايفة قدامك، إحنا خلاص بقينا الصبح.
هزت مريم رأسها وذهبت لغرفته لتراه قبل أن تنام. دلفت للغرفة وجدت عماد يمسك بيده يربت عليها.
ابتسمت بإرهاق واقتربت منه.
مريم: "مش هتحتاج حاجة مني يا عماد؟ أنا هنام شوية."
عماد: "ارتاحي يا مريم، أنا بس كنت عايزة أسألك هو ياسين هيفوق إمتى؟"
مريم: "في خلال كام يوم، على ما يكون الجرح لم شوية."
هز عماد رأسه وتحدث بابتسامة: "شكرًا."
ابتسمت له بنعاس وبعدها خرجت من الغرفة.
مريم باستفسار لأشرقت: "إنتِ هتعملي إيه دلوقتي؟"
أشرقت بتنهيدة: "طالما اطمنت عليكي هروح البيت خلاص."
مريم: "طب ما تخليكي معايا؟"
أشرقت بضيق: "مش حابة أبقى مع طارق في مكان واحد."
مريم بتوضيح: "ما تحسسنيش إن أنا السبب، أنا بس زعلي الأساسي هو إنك ما قولتيليش حاجة، وطارق خلاص ملوش دخل في اللي حصلي."
أشرقت: "ما لهاش علاقة.. أنا وطارق انتهينا خلاص ده إنسان مريض."
تنهدت بقوة ثم استأنفت حديثها.
أشرقت: "عمومًا ما تشغليش بالك بيا، المهم إنك تكوني كويسة ما تقلقيش عليا، وأنا هبقى أكلمك أطمن عليكي."
هزت مريم رأسها لها واتجهت للغرفة التي ستبقى بها. خرجت أشرقت من المشفى وكادت أن تصعد لسيارتها ولكنه استوقفها.
طارق: "أشرقت."
التفتت للخلف تنظر له باستفسار.
طارق: "إزيك؟"
عقدت حاجبيها بضيق من تحدثه إليها.
أشرقت: "نعم؟ عايز إيه؟"
طارق: "مش عايز حاجة، أنا بس حابب أطمن عليكي."
أشرقت: "أنا كويسة."
صعدت لسيارتها وقبل أن تتحرك نظرت إليه وتحدثت بتحذير.
أشرقت: "يا ريت لو شوفتني في مكان بعد كده تعمل نفسك مش شايفني لإني مش حابة أتعامل معاك بعد كده."
تحركت بسيارتها تاركة إياه ينظر في أثرها.
مرت الأيام وكانت مريم تقوم بمتابعة حالة ياسين الصحية أثناء نومه. كان عماد يجلس دائمًا بجوار ياسين يتحدث معه عن ما سيعيشونه كأب وابن عندما يستيقظ. أما بالنسبة لياسين فقد كان في عالم آخر، عالم يملأه الدفء والطمأنينة قد كان يحلم بوالديه طوال ذلك الوقت. وفي يوم ما، كان براء يجلس مع والديه في حديقة لطيفة تملأها الخضرة وكانت ضحكاتهم تملأ المكان. نظر مصطفى نحو فريدة بحنان وأخبرها بحبه لها ثم عاد ونظر لبراء.
مصطفى: "أنا بحبك أنت كمان."
ابتسم براء ببراءة طفولية وتابع نظرات والده لوالدته ولكن اختفت ابتسامته عندما رأى الدماء التي تسيل من رقبتها وتبكي ونظر لوالده وجد الدماء منتشرة بملابسه ويفقد أنفاسه.
مصطفى بصوت متقطع: "اوعدني.. إنك تعمل.. اللي أنا معرفتش أعمله."
براء ببكاء: "أوعدك يا بابا."
نظر مصطفى نحو فريدة الملقاة أرضًا وبكى بنحيب.
مصطفى: "سامحيني يا فريدة."
استيقظ ياسين وهو يتصبب عرقًا ونظر حوله، وجد نفسه في غرفة بيضاء. استقام بألم من فراشه ونزع الأجهزة الطبية عن جسده بألم قد شعر به في جانبه الأيسر وقف أرضًا بصعوبة متكئًا على قدم واحدة، انتبه عندما فتح باب الغرفة وكانت مريم. شهقت مريم عندما رأته مستيقظًا أمامها. اقتربت منه ونظرت له بلهفة أما هو كان ينظر لها بهدوء ولكن ملامح الألم تغزو وجهه. اقتربت منه وعندما تأكدت بأنها لا تحلم أسندت برأسها على صدره قليلًا ثم رفعت رأسها لتنظر في عينيه الباردتين اللتين اشتاقت إليهما. هبطت الدموع من مقلتيها وتحدثت بابتسامة مهزوزة.
مريم: "حمد الله على سلامتك."
هز ياسين رأسه وكاد أن يتحرك.
مريم باستفسار: "رايح فين؟"
صمت قليلًا ثم تحدث بهدوء اعتادته منه دائمًا.
ياسين: "عايز أمشي من هنا."
مريم: "بس أنت لسه ما خفيتش، محتاج ترتاح شوية وتاخد مسكنات و..."
ياسين مقاطعًا لها بهدوء: "من غير كلام كتير يا دكتورة.. يلا نمشي."
مريم: "طب اسند عليا."
نظر لها قليلًا ثم تنهد باستسلام واستند عليها وخرجا من الغرفة. تأهب رجاله عندما رأوه مستيقظًا ويخرج من المشفى. جهزوا سيارته للتحرك جلس ياسين بالسيارة وجلست هي بجانبه تنظر إليه بابتسامة هادئة، تترقب حركاته وردات فعله. تعلم أنه يشعر بالألم لكنه عنيد وبارد أيضًا. انتبهت عندما سألها.
ياسين باستفسار: "عماد فين؟"
مريم: "في القصر، كان تعبان الفترة دي وبيريح هناك.. تعرف هو فضل جنبك ما مشيش."
هز رأسه ونظر أمامه بهدوء.
مريم: "ياسين."
نظر لها باستفسار.
مريم بابتسامة: "أنا مبسوطة إنك كويس، ما كنتش هسامح نفسي لو حصلك حاجة بسببي."
ياسين بهدوء: "أنتِ زوجتي ومن الواجب إني أحميكي."
لقد اشتاقت كثيرًا لسماع تلك الكلمة.. "زوجتي".. تشعر أنه قد غاب عنها أشهر وليس ليالٍ. سعيدة كثيرًا لأنه أصبح جيدًا الآن.
بعد مرور فترة قصيرة، وصلا القصر سويًا وهبطا من السيارة. كان ينتظره أحد الحرس ممسكًا عكازًا خشبيًا لكي يستند عليه. أخذه ياسين منه ودخل القصر به، تابعته مريم بهدوء تراقب حركاته وتنتبه لها. إنه بخير فقط هو يحتاج لبعض المسكنات حتى يصبح بخير تمامًا. كان يصعد سلم القصر بعكازه بهدوء محاولًا السيطرة على الألم الذي يشعر به. انتبه عندما توقفت بجانبه.
مريم بابتسامة: "تسمح لي أسندك لحد فوق؟"
ياسين: "أنا كويس."
مريم: "يا ريت تبقى كويس دايمًا، بس أنا حابة أساعدك عشان تعرف تطلع."
ياسين: "الأفضل إني أخلي حد من رجالتي يساعدوني.. جسمك ضعيف."
مريم بإصرار: "ما فيش حد هيسندك غيري."
تنهد ثم هز رأسه وقامت بمساندته من الجهة اليسرى. قام بلف ذراعه اليسرى حتى أمسك بكتفها وبدأ يستند عليها.
ياسين باستفسار: "إيه اللي حصل في جنبي الشمال؟"
مريم بتنهيدة: "لما الرصاصة دخلت جسمي انحرفت شوية، بس أنا عملت كل اللي أقدر عليه."
ياسين: "إيه اللي أنا خسرته؟"
صعدا درجة أخرى وأردفت بحزن.
مريم: "كليتك الشمال."
همهم وصعدا درجة أخرى أيضًا.
مريم مستأنفة حديثها: "سبب إنك مش عارف تمشي على رجلك الشمال هو وجع جنبك اللي مخلي الجزء الشمال كله موجوع بسببه.. بس ما تقلقش كلها كام يوم وهتبقى كويس وهتمشي على رجليك الاثنين كمان."
ابتسم بهدوء وأكملا صعود الدرج سويًا وهي تتذكر أنه منذ أيام كان يساعدها في صعود الدرج والآن هي من تفعل ذلك. لم تكن تعتقد أنها ستكون سعيدة هكذا وهي معه. تتذكر كيف كان يهذي في الأيام الماضية أثناء نومه. كيف كان ينادي أبيه. كم كان يرجوه أن يبقى معه. ألهذه الدرجة يحب عماد كثيرًا؟ إذًا لماذا يقسو عليه؟ لما يريه دائمًا جانبه السيئ؟ صعدا أدراج القصر حتى وصلا للطابق الخاص بهما، ابتعد ياسين عنها وأكمل بعكازه وتبعته. دخلا لغرفتهما وأغلقت مريم باب الغرفة خلفهما. جلس ياسين بفراشه وأخذت مريم العكاز من يده ووضعته بجانب السرير.
مريم: "أنا بعت حد من الشباب يجيبلك علاجك، لازم تستمر عليه عشان تخف."
هز رأسه. تعجب عندما وضعت يديها الاثنتين على صدره تدفعه للخلف بهدوء.
مريم بابتسامة: "نام شوية عشان ترتاح."
ياسين: "مش محتاج أرتاح."
مريم: "على الأقل نام شوية."
استسلم لإصرارها واستلقى بجسده على الفراش وظل ينظر بعينيها التي تنظر له بالمقابل.
مريم: "لما الأدوية تيجي هصحيك."
أغمض عينيه وبدأ بالنوم. أما هي تنهدت وخرجت من الغرفة لكي تخبر الخادمات بتجهيز العشاء لهما.
مرت الأيام وبدأ ياسين بالتحسن وذلك متابعة زوجته لحالته باستمرار. حتى مر شهر على ذاك الحادث. كان يرتدي حلة سوداء راقية ويجلس بمكتبه بالشركة يكتب خطابًا مبتسمًا بهدوء فذلك الخطاب ليس لأي أحد بل لها فقط. بعد الانتهاء قام بالإمضاء في نهاية الخطاب "زوجك العزيز". طوى الورقة وقدمها لأحد رجاله لإرسالها للقصر.
كان عماد يتحدث إليها ويتضح على ملامحه الضيق.
عماد: "كنت متوقع إنه هيتغير لكن هو زي ما هو."
مريم باستفسار وتعجب: "زي ما هو إزاي؟ هو رجع للقتل؟!"
عماد بضيق: "لا.. بس لسه بيعاملني بنفس معاملته، ما يستحقش زعلي عليه أبدًا."
أمسكت بيده تربت عليها.
مريم: "ما تزعلش يا عماد، ياسين بيحبك قوي أنا لما كنت جنبه في المستشفى كنت بسمعه بيناديلك إنك ما تسيبهوش."
انتبه لها ونظر لها باستفسار. استأنفت حديثها.
مريم: "كان بيقول ما تسيبنيش لوحدي يا بابا."
تهكم عماد بقهر، فهو يعلم تمام المعرفة أنه لم ولن يكون أبًا لياسين مطلقًا.
عماد: "مش أنا."
نظرت له بعدم فهم.
عماد: "ياسين مش ابني، ما كانش بيناديلي أنا، كان بينادي لأبوه اللي خلفه."
تعجبت مريم من حديثه ذاك.
مريم: "أنت بتقول إيه؟ إزاي مش ابنك؟ أنا مش فاهمة حاجة.. مش أنت بتقول إنه يبقى ابنك؟"
عماد بحزن: "أنا مش أبوه الحقيقي.. والده الحقيقي اتقتل هو ومامته *نظر لها*.. قدام عينيه وهو صغير، وأنا أخدته من ميتم وكفلته."
شهقت مريم بفزع وهلع مما يمكن أن يكون قد رآه ذاك الطفل الصغير. هكذا إذًا.. هو بارد لا توجد لديه مشاعر.. هكذا إذًا! تبين لها كل شيء الآن. لقد ماتت مشاعره منذ ذاك الحين.
عماد: "كان نفسي يعاملني زي أبوه."
انتبهت مريم لحزنه وربتت على يده. هبطت الدموع من مقلتيه وتحدث بعجز.
عماد: "أنا بعتبره ابني فعلًا.. مش عايزك تتخدعي بقسوتي المزيفة اللي بعامله بيها دي.. أنا بحب ياسين.. ياسين ابني، بس هو مش مديلي فرصة.. ياسين عايش على ذكرى باباه ومامته طول حياته اللي أنا مش موجود فيها نهائيًا."
دمعت عينيها وتحدثت بتصميم.
مريم: "فلنفرض طيب إنه مش بيعتبرك باباه.."
ليه دايمًا أنت الشخص الأول اللي ياسين بيسأل عنه في أي مكان؟ ليه أنت الشخص الأول اللي ياسين بينتبه له وبياخد باله منه؟ ليه هو مهتم بيك؟
عماد: معرفش.
مريم بإصرار: لا لازم تعرف، حتى لو هو مش بيبين لك إنك باباه، فعلى الأقل أنت الشخص اللي ربيته ودخلته بيتك يا عماد. كنت دايمًا بتحكيلي عن طيبة مراتك الله يرحمها، أكيد ياسين لمس منها حنان مش طبيعي، أكيد شاف فيك أنت كمان أب مسئول. بس زي ما أنت قولت فعلًا، هو عايش على ذكرى باباه ومامته.
أكمل عماد عنها باستيعاب: فمش حابب يأذيني.
تحولت نظراتها للاستفسار.
مريم: طب هو ليه مش عايز يأذيك؟ أنا كده حاسة إني تايهة ومش فاهمة حاجة.
عماد بتنهيدة وتوضيح: ياسين دخل في طريق القتلة والمجرمين ده عشان ينتقم من اللي قتل باباه ومامته، جمال. قتله فعلًا ومن بعدها...
نظر لها حزن.
عماد: حالته بقت وحشة وبقى بيشوف جمال ده في كل مجرم.
مريم باستفسار وعدم استيعاب: هو إيه بالضبط اللي حصل لباباه ومامته؟
بدأ عماد في سرد الحادث الخاص بوالديه على حسب القصة التي رواها براء لألفت زوجة عماد والتي قصتها عليه فيما بعد.
كانت مريم تبكي عندما سمعت قصته، لقد كانت قصة مؤلمة جدًا.
مريم ببكاء: أنا مش عارفة أقول إيه، بجد. أنا مش عارفة هو إزاي متماسك كده؟ أنا لو مكانه هنهار، هو إزاي بالقوة دي دلوقتي؟
عماد: دي قصته يا مريم. من بعدها ياسين دخل ملجأ واتعرض للعنف النفسي والجسدي هناك. كان بيتضرب والكل بيتنمر عليه، كانوا ظالمينه. هو بس كان خايف، كان عايز حد يطمنه، بس للأسف ما حدش عمل كده.
مريم ببكاء: أنت عارف إن بالمنظر ده كده ياسين يبقى مريض نفسي ومحتاج يتعالج، لإنه في كل مرة بنسيبه حالته بتسوء أكتر.
عماد: أنا ياما اتحايلت عليه إني أعرضه على دكتور نفسي لكنه رفض وكان عنيد جدًا معايا وخلاص سيبته لحاله وطردته من البيت.
مريم: وأنت ليه ما أصرتش؟ ليه ما أخدتوش غصب عنه؟
عماد: إنتي ليه بتتكلمي معايا كده؟
مريم ببكاء: عشان أنت كملت عليه يا عماد، أنت ما أخدتش بإيده أنت كملت عليه.
عماد: ما تلومينيش يا مريم، أنا كنت خايف على مراتي وعلى نفسي منه.
مريم باستفسار وتعجب: يعني عاش حوالي 11 سنة في بيتك وأنت ربيته بإيدك وخوفت على نفسك منه بعد كده؟! طب مراتك؟ كانت مؤيدة لرأيك ده؟
عماد باستسلام: لا، مراتي كانت على استعداد تعيش مع قاتل في بيت واحد، كانت شايفاه ابنها ما كانتش شايفه وحش قدامها.
مريم ببكاء: غريزة الأمومة، مهما الابن عمل، الأم بتسامح في النهاية وبتتعايش.
نظر لها عماد باستفسار وكاد أن يتحدث، قاطع حديثه صوت طرقات على باب غرفته. دلفت إحدى الخادمات للغرفة بابتسامة وأعطت ورقة مطوية لمريم ثم خرجت من الغرفة. مسحت دموعها المنهمرة وقامت بفتح الورقة وبدأت بقرائتها.
"زوجتي العزيزة، لقد كنتِ خير الرفيق لي في الآونة الأخيرة، إذ أنكِ كنتِ تراعينني ولم تُقصري معي مطلقًا. وها أنا اليوم أريدُ أن أشكُرَكِ على عونكِ لي، اسمحي لي بدعوتك على العشاء بمكانٍ هادئٍ، لعلنا نحن الاثنين ننعم ببعض الهدوء والراحة ونتحدث سويًا عن مستقبلنا قليلًا، سيعطونكِ خبرًا بالقصر قبل التحرك. زوجكِ العزيز."
ابتسمت من خطابه ذاك ونظرت لعماد الذي ينظر لها باستفسار.
مريم باستفسار: أنت قولتلي باباه كان عامل إزاي؟
عماد: كل اللي أعرفه إن باباه كان شخص راقي جدًا من عيلة كبيرة تابعة للملك فاروق.
اتسعت ابتسامتها ونظرت للخطاب الذي بيدها مرة أخرى.
مريم: أنا قرأت في علم النفس كتير، بس أول مرة ألاقي واحد توكسيك بالجمال ده.
قهقهت مريم وتابعها عماد بالضحك وبعد أن انتهى الاثنين من الضحك، استقامت مريم وتحدثت بابتسامة.
مريم: طب أستأذن أنا عشان ورايا ميعاد مع الملك.
هز عماد رأسه بابتسامة وخرجت من الغرفة. دلفت لغرفتها وتوجهت لخزانة ملابسها تبحث عن شيءٍ ما يناسب الليلة. بعد مرور وقت ليس بطويل، كانت تجلس بالسيارة مرتديةً فستانًا باللون الأزرق وتركت شعرها الأسود المموج منسابًا على طول ظهرها. توقفت السيارة بأحد الأماكن وقام بفتح الباب أحد رجال ياسين. هبطت من السيارة بهدوء وبدأت بالبحث عنه بعينيها، أشار لها الحارس لمكانه. دلفت للمطعم الذي ينتظرها به ياسين. نظرت حولها ووجدت أن المكان مُزين بشكل رائع لها، والشموع تملأ المكان. انتبهت لياسين الجالس على الطاولة التي بالمنتصف بمعنى أدق الطاولة الوحيدة بالمكان. استقام من مقعده عندما تقابلت نظراتهما، اقترب منها ومد يده لها. أمسكت بيده وهو قبل يدها بنعومة وجعلها تجلس بكرسي وجلس أمامها.
ياسين بابتسامة هادئة: جيتي في وقتك.
مريم بابتسامة: أنا دايمًا باجي في وقتي.
أشار ياسين للعاملين بالمطعم، واقتربوا منهم ووضعوا العشاء بالطاولة.
ياسين: اتفضلي.
هزت رأسها وبدآ بتناول الطعام. وبعد مرور وقت قصير كانا يجلسان أمام كُلٍ منهما كوب العصير الخاص به.
ياسين: أنا سعيد جدًا إنك قبلتي دعوتي على العشاء.
مريم بتهكم واضح: كنت هبقى زوجة سيئة لو رفضت دعوتك طبعًا.
ابتسم ياسين لدعابتها تلك وأخذ رشفة من عصيره ثم عاد ينظر إليها.
ياسين: أنا جبتك النهاردة هنا عشان عارف إنك عندك كلام كتير ليا عايزة تقوليه وأنا كمان عندي كلام ليكي.
تنهد ثم استأنف بهدوء.
ياسين: شكرًا إنك كنتي معايا.
مريم بابتسامة: العفو، بس ما تتعودش على كده.
تعجب ياسين من حديثها.
مريم بتوضيح: بهزر على فكرة.
همهم منتظرًا أن تتحدث هي، أما هي تنهدت بهدوء ونظرت إليه لعدة ثوانٍ وبدأت بالتحدث.
مريم: أنا مش هنكر إني لما عرفت حقيقتك كنت خايفة جدًا وكل حاجة جوايا ناحيتك خبيتها واعتبرتك قاتل بمعنى أصح مجرم. بس لما أنت أنقذتني وكنت هتضحي بحياتك عشاني ده خلى تفكيري ناحيتك يتغير. خلاني أفتكر لك كل حاجة من تاني، خلاني أفتكر إنك أنت مُنقذي، إنك عمرك ما هتسيبني. خلاني أفكر إن جواك شخص كويس، شخص محتاج اللي ينقذه. قررت أنا أبقى الشخص ده وهتحمل أي عواقب، أنا بحبك يا ياسين وهفضل جنبك مش هسيبك، أنت خلاص بطلت تقتل وأنا هكمل معاك في الخطوات الجاية.
كان ياسين ينظر لها بهدوء ثم تحدث باستفسار.
ياسين: مين قال إني بطلت أقتل؟
تعجبت مريم من استفساره.
مريم: مش فاهمة.
ياسين بِرُقيّ: السؤال هنا يا زوجتي العزيزة إنتي شايفاني إزاي؟
مريم: ياسين.
ياسين: نعم؟
مريم: أرجوك ما تحاولش تهدم الصورة اللي فضلت أصلح فيها في الفترة الأخيرة.
ياسين: تقبلي الواقع.
ابتسم بهدوء.
ياسين: أنا قاتل.
كانت تتمنى أن تنسى ولو قليلًا أنه قاتل. لكن مع الأسف لن تستطيع فعل ذلك فمن الواضح أنه يريدها أن تتقبله كما هو. انتبهت للموسيقى الهادئة التي انتشرت بالمطعم. استقام ياسين من مقعده ومد يده لها.
ياسين بِرُقيّ: تسمحيلي بالرقصة دي؟
نظرت ليده لعدة ثوانٍ ولكنها بالنهاية أعطته يدها. استقامت من مقعدها ووقفت أمامه، لف يده حول خصرها وأمسك يدها بيده الأخرى. بدآ بالرقص سويًا وهما ينظران في أعين بعضهما رقصة هادئة وناعمة يتحركان فيها بسلاسة وهدوء. ظلا هكذا يتراقصان في هدوء حتى بعدما انتهت الموسيقى وعم الهدوء في المكان ولكنهما ما زالا يتراقصان. يرى بأعينها الكثير، يرى أنها تريد أن تتحدث بما تشعر به الآن. يريد أن يسمع تلك الكلمة منها منذ أن تزوجا.
ياسين وهو ينظر بداخل عينيها: قوليها.
ظلت صامتة لعدة ثوانٍ تستجمع مشاعرها ولكنها لا تستطيع فهي تائهة بعينيه.
مريم: أنا بحبك يا ياسين.
أغمض ياسين عينيه كأنما سمع لحنٍ موسيقيٍ عذب. أعاد فتح عينيه وتوقف واقترب بوجهه نحوها والتقط شفتيها بقبلةٍ لطيفةٍ ناعمةٍ. ذابت بين أحضانه وما يدور بعقلها هو أنها بتحدٍ قوي، إما أن تفوز وتقوم بمعالجة زوجها أو تنهزم لواقع أنه قاتل، ولكنها ستقبل التحدي وستساعده. تفرقت شفتيهما ولكنهما ظلا قريبين. نظراتها المستسلمة له جعلته يقترب منها مرة أخرى ليلتقط شفتيها بشغف. وبعد عدة ثوانٍ ابتعد وأمسك بيدها ليجعلها تسير خلفه، ركبا السيارة سويًا وتحرك بهما السائق نحو القصر. بعد عدة دقائق، دخل بها الغرفة وهو يحملها بين يديه يقبلها بشغفٍ وضعها بالفراش وهي بين يديه. استسلمت له وهنا أصبحت زوجته قولًا وفعلًا.
رواية القاتل الراقي الفصل العشرون 20 - بقلم سارة بركات
"من براء؟"
يغلق أزرار سترة حلته السوداء الراقية وهو يقف أمام المرآة، وبعد أن انتهى أمسك بالورقة المطوية الموجودة أمامه وذهب باتجاه الفراش، يراها نائمة ترتسم على وجهها ابتسامة لطيفة وهادئة. اقترب منها بهدوء وقبّل مقدمة رأسها ثم نظر لها يتأملها لعدة ثوان، يعلم أن تلك السعادة مؤقتة، لقد أخبرها قبلًا أنها لن تكون سعيدة معه أبدًا، فالحب لا يكفي للسعادة، يجب أن يكون للعقل دور في ذلك. نظر قليلًا للورقة التي بيده وتركها بجانب الفراش ووضع معها وردة حمراء، نظر لها مرة أخيرة ثم غادر الغرفة بعد ذلك.
خرج ياسين من القصر وركب سيارته، وبعدها تحرك سائقه وتبعه نصف رجاله، أما النصف الآخر فبقي ليقوم بحراسة القصر. يتذكر ليلة أمس، كيف كانت كالطفلة بين يديه لا تعلم أي شيء. لقد كانت مختلفة، ولكنها تذكره بها، أول فتاة أحبها، لقد سرقت قلبه ثم بعدها قامت بكسره، قامت بخيانته وبيعه لأعدائه. انتبه على أصوات الأمطار الشديدة بالخارج ويصاحبها الرعد، لقد كانت الأمطار تهطل بغزارة. ذلك الصوت، يذكره جيدًا بما حدث في ذلك اليوم. نظر ليديه الاثنتين قليلًا ثم تنهد وعاد ينظر أمامه بهدوء.
كانت نائمة وما زالت تلك الابتسامة مرسومة على شفتيها. تململت في الفراش ولكنها شعرت بالفراغ بجانبها. قامت بفتح عينيها بنعاس وتفاجأت به غير موجود بجانبها. اعتدلت بالفراش ونظرت حولها بنعاس فوجدت ورقة مطوية بجانب الفراش. التقطتها وقامت بقراءتها ووضعت الوردة جانبًا.
"زوجتي العزيزة، أعتذر لأنكِ استيقظتِ ولم تجديني بجانبكِ. لقد طرأ لي أمرٌ عاجلٌ، فاضطررتُ إلى الرحيل في الصباح الباكر. أوتعلمين شيئًا؟ أنتِ جميلة جدًا، فقد ظللت مستيقظًا بجانبك أتأملك طيلة الليل، وعند رحيلي لم أشأ أن أوقظكِ لأني لا أريد إزعاجكِ. أعدكِ أنني سأقوم بتعويضكِ عن ذلك قريبًا. أرجو منكِ أن تقبلي تلك الوردة كاعتذارٍ مني. زوجكِ العزيز."
أمسكت الوردة الحمراء الموضوعة بجانبها ونظرت لها ثم عادت بنظرها نحو الرسالة. كان يجب أن تكون سعيدة، لماذا شعرت بالحزن عندما لم تجده بجانبها؟ تتمنى بداخلها ألا تندم على استسلامها له. إنها تحبه وتستطيع تحدي نفسها بتغييره، وأول طريقة لذلك هو التعامل بشكل طبيعي معه وألا يشعر أنها تحاول تغييره. تعترف أن ما حدث بالأمس ليس له علاقة بذلك، فقد استسلمت له لأنها تحبه وهو يحبها ويتضح ذلك عليه حتى وإن لم يخبرها بذلك. ولكن تتمنى أن يكون استسلامها له هو خطوة كبيرة في تغييره. نظرت للوردة مرة أخرى ثم تنهدت، حسنًا هو قال أنه سيقوم بتعويضها، ستنتظر ذلك التعويض. نظرت للفراش واحمرت وجنتاها عندما تذكرت ما حدث ليلة أمس.
استقامت من الفراش وهي تسير بهدوء واتجهت نحو الحمام ولكنها توقفت عندما رأت زجاجة عطر موضوعة بجانب المرآة في الغرفة. اقتربت نحوها وحملتها بين يديها وقامت بشم رائحتها. إنها رائحته هو. أغمضت عينيها تتأمل ذلك العطر الرائع لعدة ثوانٍ ولكنها استفاقت بعد ذلك وتوجهت نحو الحمام.
بعد مرور عدة دقائق، خرجت من الغرفة بعدما قامت بتبديل ثيابها ودلفت لغرفة عماد، كان يجلس على كرسيه المتحرك أمام نافذة الغرفة الزجاجية يتأمل الأجواء بالخارج.
مريم بابتسامة:
"صباح الخير."
انتبه عماد وابتسم وهو يلتفت إليها.
عماد:
"صباح النور."
مريم باستفسار وهي تقترب منه:
"سرحان في إيه؟"
عماد:
"الجو جميل أوي النهاردة."
مريم بابتسامة وهي تنظر للخارج:
"فعلا حلو، أنا صحيت من النوم حاسة إني نشيطة جدا ومبسوطة."
عماد بابتسامة:
"واضح."
مريم باستفسار:
"مش فاهمة؟"
عماد بتوضيح:
"قصدي وشك منور."
مريم مغيرة مجرى الحديث:
"فطرت؟"
عماد:
"اه من بدري، إنتي نمتي كتير أوي."
اقتربت منه وأمسكت بمقبض كرسيه.
مريم:
"عادي، تحس إني ما نمتش بقالي كتير، أنا ما صدقت ارتحت. تحب نتمشى شوية في الجو الجميل ده؟"
عماد بابتسامة:
"يا ريت."
أثناء تمشيتهما كانت مريم تتحدث عن ياسين.
مريم:
"إنت ما شوفتش ياسين الصبح وهو خارج؟"
عماد:
"لا."
شردت قليلًا ولكنها استفاقت على صوته.
عماد:
"في حاجة ولا إيه؟"
مريم:
"لا ما فيش."
عماد:
"قلقك المستمر عليه ده فاضحك."
مريم بابتسامة:
"إنت عارف إن أنا بحبه، وعلى الرغم من اللي أنا عرفته عنه، فأنا هتغاضى عن كل ده في سبيل إن في أمل إنه يتصلح. وياسين بيحبني وأنا واثقة في ده كويس، حتى لو هو ما قالش حاجة، فكفاية إنه بيحميني من كل حاجة ممكن تأذيني. أحيانًا ممكن تكون طريقته مختلفة شوية، بس أنا متقبلة ده حاليًا وهغيره."
هز عماد رأسه بيأس.
عماد:
"إبقي قابليني."
مريم:
"أنا واخداها تحدي يا عماد، وهو هيتغير."
أكملا سيرهما يتناقشان سويًا عن محاولتها في تغيير ياسين والتي هي مستحيلة تمامًا بالنسبة إلى عماد.
كان ياسين يقف بمكتبه ينظر لبعض الملفات التي بيده ولكنه انتبه لرسالة من أحد رجاله وصلت لهاتفه، وهذه الرسالة تفيد بأن هناك أخبارًا يتم تداولها على التلفاز. قام بتشغيل التلفاز ووجد ذلك الخبر.
:
"جريمة قتل لفتاة في السادسة عشر من عمرها تم ذبحها وإلقاء جثتها العارية في القمامة وذلك بعد اغتصابها بوحشية..."
لم يكمل ياسين الاستماع إلى ذلك الخبر وقام بإغلاق التلفاز والتقط هاتفه واتصل بإحدى رجاله.
ياسين:
"عايز أخبار عن المعارف بتوع البنت دي، عايز كل حاجة توصلي بكل تحركاتها قبل ما تتقتل."
أغلق المكالمة الهاتفية ثم عاد لاستئناف عمله مجددًا.
عادت مريم لغرفتها وهي تشعر بالسعادة قليلًا لأنها سارت قليلًا في ذلك الجو الممطر. نظرت لساعة هاتفها تعجبت من عدم مجيء ياسين. لقد قرب اليوم أن ينتهي وهو لم يأتِ حتى الآن. دونت رقم هاتفه وبدأت بالاتصال به وبعد عدة ثوانٍ أتاها رده.
ياسين:
"ألو."
مريم:
"إنت فين؟ كل ده بره؟"
ياسين بهدوء:
"أيوه."
مريم بابتسامة:
"طب هترجع إمتى؟ وحشتني بصراحة."
ابتسم ياسين بهدوء:
"ساعة وهكون عندك."
مريم:
"ماشي، يلا باي."
أغلقت المكالمة الهاتفية، أما هو فنظر للهاتف بتعجب ولكنه وضعه بجيبه ودلف للمكان المظلم الذي كان يقف أمامه ويتبعه رجاله. تحرك في ذلك المكان بترقب وهدوء حتى سمع صوت شابين يتسايران ويضحكان بصوتٍ عالٍ، ومن الواضح من نبرتهم أنهما منتشيان بالممنوعات.
:
"كانت بتجري وأنا أجري وراها لحد ما اتكعبلت وانتهزت الفرصة... بس بنت الإيه كانت عسل."
:
"بس برافو ياض قدرت عليها، اللي زي دول آخرهم الدبح."
:
"أيوه طبعًا إزاي ترفضني؟"
كاد أن يتحدث الفتى الآخر ولكن قاطعه صوته.
ياسين برقي:
"مساء الخير."
نظر الاثنان له باستفسار.
ياسين:
"مش عايز حد فيكم يستغرب أنا هنا ليه؟ أو مين أنا؟ بس مطلوب منكم حاجة واحدة بس... إنكم تعترفوا باللي حصل."
نظر الاثنان إليه بعدم استيعاب وكادا أن يهربا ولكن قبض عليهما رجاله.
ياسين بهدوء وهو ينظر لكليهما:
"كنت بتمنى إن ده يتم بالتراضي، بس أنا غيرت رأيي."
وجه بصره نحو القاتل:
"وعندي الدليل اللي يثبت إنك قتلتها."
كاد أن يتحدث الجاني ولكنه تفاجأ بأحد الرجال يعطيه سكينًا. حمل ياسين السكين وكاد أن يتحدث الفتى ولكن لم يستطع لأن ياسين قام بذبحه أمام صديقه. أما بالنسبة للآخر نظر إليه ياسين وحرك رأسه يمينًا ويسارًا ولكنه ابتعد وتركه وأشار لرجاله بإكمال المهمة عنه وقاموا بقتل الفتى الآخر.
كانت تجوب المطبخ ذهابًا وإيابًا تقوم بتجهيز أكلة رائعة قد جاءت بها من إحدى القنوات الموجودة بالإنترنت. تقف أمام هاتفها وتستمر بالتقليب المستمر للطعام وتتمنى بداخلها أن تنال إعجابه في إعداد الطعام. نظرت نحو الخادمات اللواتي ينظرن إليها ومن الواضح أنها اقتحمت المطبخ وأصرت على إعداد الطعام.
مريم باستفسار وتعجب:
"واقفين ليه؟"
أجابتها إحدى الخادمات:
"حضرتك مش محتاجة مساعدة؟"
مريم بابتسامة:
"لا شكرًا، تقدروا تتفضلوا. أنا اللي هعمل كل حاجة، جهزولي إنتوا بس أوضة الأكل."
هزت الخادمات رؤوسهن. أما هي فاستمرت في محاولاتها في إعداد أفضل طعام له.
بعد مرور عدة دقائق، دلف ياسين للقصر وكاد أن يصعد لغرفته ولكنه توقف عندما قامت بمناداته.
مريم:
"ياسين."
التفت لها ووجدها ترتدي مريول يخص إعداد الطعام ووجهها ملطخ ببعض الطحين.
مريم بابتسامة:
"نورت القصر."
اقترب منها وقام بتقبيل رأسها.
ياسين باستفسار:
"بتعملي إيه؟"
مريم بابتسامة:
"محضرالك عشاء إنما إيه، ما أقولكش. بس أتمنى إنه يعجبك، الأكل جاهز. شكلك جعان صح؟"
ابتسم بهدوء لها ثم هز رأسه.
مريم وهي تشير إلى غرفة الطعام:
"طب يلا، أنا خليتهم يحطوا الأكل."
جعلته يتقدم نحو الغرفة. دلف للغرفة ونظر للطعام الشهي الذي أعدته. نظر لها وأمسك بيدها وقبلها.
ياسين:
"تسلم إيديكي."
مريم وهي تنظر بعمق عينيه:
"الله يسلمك، يلا كل."
ياسين:
"هاكل معاكي."
هزت رأسها بابتسامة وجلست وهي جلست بجانبه.
بدأ بتناول الطعام وهي تراقبه، شعر ياسين بملوحة شديدة في الطعام.
مريم باستفسار: "إيه رأيك؟"
ياسين بابتسامة: "جميل."
مريم باستفسار: "بس كده؟"
ياسين: "كفاية إنك إنتي اللي عملتيه."
مريم باستفسار: "هو أنا ليه حاسه إنه مش عاجبك؟"
عقدت حاجبيها ونظرت لصحنها، أمسك ياسين بيدها وضغط عليها برفق.
ياسين وهو ينظر بعمق عينيها: "لا الأكل حلو، وعاجبني، ممكن تاكلي؟"
هزت رأسها بابتسامة وبدأت بتناول الطعام، وعندما تذوقت ملوحة الطعام شعرت بالإحراج ونظرت إليه، ولكن ما جعلها تطمئن أنه لم يشعر بملوحته هو أنه أكمل تناوله للطعام بهدوء كأن ليس هناك شيء، يبدو كأنه يأكل طعامًا لذيذًا. وبعد أن انتهيا من تناولهما للطعام، استقام ياسين من مقعده وهي تبعته وصعدا لغرفتهما. نظر ياسين لوجهها الملطخ بالطحين، اقترب منها وقام بإزالته.
مريم باستفسار: "عملت إيه في يومك من غيري؟"
ياسين بانشغال: "اليوم كله كان شغل."
مريم: "أنا بقى يومي كان ممل، كل ده عشان إنت مشيت وسبتني."
نظر ياسين في عمق عينيها.
مريم برجاء وهي تنظر إليه في المقابل: "ممكن ما تعملش كده تاني؟ أنا زعلت لما لقيتك سايبني لوحدي."
ياسين بابتسامة هادئة: "حاضر."
ظلا ينظران لبعضهما قليلًا واقترب منها خطوة والتقط شفتيها في قبلة لطيفة والتي تحولت بعد ثوانٍ إلى قبلة مليئة بالشغف، واستسلم الاثنان لحبهما وأسدل الستار عن تلك الليلة الجميلة وأشرقت شمس يوم جديد. وتلك المرة استيقظت مريم أولًا حيث وجدت ياسين نائمًا في الفراش، ملامحه هادئة كثيرًا، كيف لشخص يحمل تلك الملامح الجميلة يكون قاتلًا؟ كيف؟ ظلت تتأمله لعدة دقائق، حتى قررت أن تخرج من الفراش وتقوم بالاستحمام. بعد أن أنهت استحمامها خرجت من الحمام مرتدية المنشفة التي تضعها حول جسدها وعندما نظرت نحو الفراش وجدته فارغًا. انتبهت لخيال في غرفة المكتب ابتسمت لأنها علمت أنه بالداخل، اتجهت نحو التلفاز لكي تقوم بتشغيله لعلها تتسلى قليلًا. قامت بفتح التلفاز ثم بدأت في ارتداء ملابسها، وأثناء ارتدائها للملابس تخشبت بمكانها عندما سمعت ذلك الخبر.
"مصرع شابين أحدهما تم ذبحه والآخر تم ضربه حتى الموت ويوجد بعض الأدلة معهما بأن الشاب المذبوح هو من قام باغتصاب الفتاة ذات الستة عشر عامًا أمس..."
خرجت مريم من الغرفة ونظرت نحو المكتب والذي لم يخرج منه إلى الآن. اقتحمت الغرفة ونظرت إليه يجلس بكرسي مكتبه يكتب شيئًا في دفتر أسود. قررت أن تتحدث معه، فهي تعلم جيدًا أنه وصله صوت التلفاز بالمكتب.
مريم بعدم استيعاب: "إنت اللي عملتها؟"
رفع ياسين رأسه ونظر لها بهدوء.
مريم باستفسار وحزن: "إنت اللي قتلتهم؟"
ياسين بهدوء: "أيوه."
مريم: "ليه؟"
ياسين: "عشان يستحقوا."
مريم ببكاء: "لا، ما فيش حد يستحق القتل."
ياسين: "طب البنت اللي اتقتلت تستحق؟"
مريم: "ما تستحقش، بس البلد فيها قانون كنت على الأقل ابعت الأدلة دي للبوليس وهما يتصرفوا."
ياسين: "لازم تفوقي يا زوجتي العزيزة، طالما القاتل لسه عايش يبقى القتل هيفضل مستمر."
مريم: "ياسين، أنا مقدرة اللي حصلك و..."
قاطع حديثها بنظرة جليدية منه.
مريم بتوضيح: "أنا ما قصدش حاجة هو بس عماد وضحلي شوية حاجات، أنا فاهمة إن ما حدش قبض على جمال ده، بس ممكن ما كانش في دليل وقتها إنه هو القاتل عشان كده هما ما قبضوش عليه."
ياسين: "كلامك مش مقنع، اللي بيسعى للعدالة هيحققها، هيدور وهيكمل، مش هيستسلم إلا لما يحققها."
مريم: "ماشي يحققها بس مش لدرجة إنه يقتل، ليه تعمل كده؟ ما فيش حد يستحق القتل، كل واحد بياخد جزاءه وربنا اللي بيحاسب في النهاية، ليه إحنا نتدخل ونحاسب الناس؟ ليه؟"
ياسين برقي: "لو فاكرة إنك هتحاولي تغيريني بمحاولة إقناعك ليا بالأمر ده، فلأ مش هتعرفي."
استقام من مقعده وكان أن يخرج من مكتبه توقفت أمامه.
مريم: "أنا قولتلك إني في ظهرك وهفضل دائمًا معاك، وأنا متقبلاك زي ما أنت، بس إنت قاتل يا ياسين، واللي بتعمله ده بيأذيني أنا، وأكيد إنت مش حابب تأذيني صح؟"
نظر لها قليلًا ولكنه لم يجبها.
مريم: "حاول ما تأذينيش يا ياسين وأنا واثقة فيك وعارفة إنك مش هتعمل كده تاني."
ابتعدت عنه وخرجت من الغرفة تاركة إياه في حيرة من أمره. مرت الأيام وتعاملت مريم معه كأن شيئًا لم يكن يوجد إصرار وتأكيد كبير بداخلها أنه سيتغير، لأنها تعلم جيدًا أنه لن يؤذيها، كانت سعيدة معه في حياتها الزوجية ولكنه ما زال باردًا معها، لا يتحدث كثيرًا، ليس شيئًا جديدًا عليها، فهو ياسين المغربي، ولكنها تشعر أن هناك تحسن، فعلى الأقل لم تسمع بحالات قتل بعدها. وفي يوم ما، كانت أشرقت تجلس بمكتبها بالمشفى تنظر لصورها هي ومريم على الهاتف، ابتسمت باشتياق لصديقتها التي اعتادت رؤيتها دائمًا لكن في الآونة الأخيرة لم تستطيعا أن تتقابلا، لأنها كانت ملازمة لياسين بعد أن تم اغتياله حتى بعد أن صار بصحة جيدة، إن صديقتها زوجة وفية، فبرغم الخلافات بينها وبين زوجها التي تسبق زواجهما إلا أنها ظلت بجانبه، كأنها نسيت ما فعله بها حينما أصابه سوء.
أشرقت بابتسامة محدثة نفسها: "إحنا بنتنا زوجة صالحة."
قهقهت قليلًا على تعليقها ذلك وانتبهت عندما طرق باب غرفتها، اعتدلت في جلستها.
أشرقت: "اتفضل."
تضايقت ملامحها عندما رأته أمامها.
أشرقت: "إنت بتعمل إيه هنا؟"
طارق: "أنا جيت عشان أشوفك."
أشرقت بغضب: "وأنا مش عايزة أشوفك."
طارق: "أشرقت، ممكن تسمعيني؟ أنا خلاص هسافر ومش هتشوفيني تاني، فأرجوكي على الأقل اسمعيني."
أشرقت بضيق: "اتفضل قول اللي عندك وامشي."
اقترب منها قليلًا وتحدث وهو ينظر في عمق عينيها.
طارق: "أنا كنت صادق في كل كلمة قولتهالك، مشاعري من ناحيتك كانت صادقة، أنا ما صدقت لقيتك بعد السنين دي كلها، بس للأسف الحلو ما بيكملش معايا أنا بالذات، فاشل في الحب، فاشل في إني أحافظ على الإنسانة اللي معايا، فاشل في حاجات كتير."
لم تفهم أشرقت عن ماذا يتحدث.
طارق باستئناف لحديثه مع توضيح: "أنا حبيت قبل كده، حبيت إنسانة جميلة وقلبها طيب، فضلت سنين جنبها، فضلت معاها على الرغم إني عارف إنها بتحب واحد تاني، بس قولت أفضل معاها للآخر وده إثبات لحبي ليها، كنت مستعد أضحي عشانها، كنت مستعد أبيع الدنيا كلها عشانها، بس هي ما شافتنيش، أنا طول السنين دي كنت بحاول أثبتلها حبي بأي شكل وكنت معاها بدون أي مقابل ومع الأسف كسرت قلبي، بإنها اختارته هو، وعلى الرغم من كده فضلت جنبها ما سبتهاش، قولتلها أنا أهلك، أنا ظهرك، أنا معاكي ومش هسيبك وهي كانت بتعتبرني كده عشان ما كانش ليها حد، كانت المشاعر بينا متبادلة بس بشكل مختلف، أنا كنت بحبها بس هي كانت بتعتبرني أخ ليها، لحد ما في يوم من الأيام *نظر طارق ليديه بحزن* كانت في حضني وهي ميتة."
هبطت الدموع من مقلتيها وهو يقوم بسرد قصة حياته تلك، ولكن ماذا سيتغير؟ استطرد طارق كأنه قرأ ما بداخلها.
طارق: "أنا عارف إن اللي بقوله ده مش هيغير موقفك من ناحيتي، إنتي عندك حق فعلًا، أنا مريض نفسي، أنا جبان، أنا ينطبق عليها كل الكلام اللي إنتي عايزة تقوليه، أنا بس بحكيلك عن صدمة هي السبب في إني أبقى كده."
تنهد ثم ابتسم بصعوبة.
طارق: "أنا قولت اللي عندي، وضحت سبب إني غريب كده مش أكتر، هي صدمة نفسية فعلًا مخلياني شخص حاد الطباع شوية، مش بقرب من حد ومش عايز حد يكرر غلطتي عشان مش يعيش ولا يشوف اللي أنا شوفته، حتى أنا ممكن أكون كنت قاسي على ابن أختي الله يرحمه شوية، بس أنا كنت بحبه من كل قلبي، أنا عارف إنه غلطان، عارف إنه ما كانش ينفع يعمل كده، بس هو ما كانش يستحق اللي جراله، هشام كان يستحق إنه يعيش حياته، أنا السبب في إنه مات، بتمنى إني ما كنتش عملت كده فيه هو ومريم، أنا السبب في كل اللي حصل، أنا اللي خليته يبعد عنها وهددته بيها، عشان مش يعيش نفس اللي أنا عيشته لإن مريم من البداية كان لازم تكون موجودة مع ياسين المغربي."
لم تفهم ما يقول.
أشرقت باستفسار وعدم فهم: "مش فاهمة؟ إزاي كان لازم تكون موجودة مع ياسين المغربي من البداية؟"
تنهد طارق بصعوبة وهو ينظر إليها.
أشرقت: "رد عليا، إزاي لازم تكون موجودة معاه من البداية؟"
طارق بغضب وقهر: "عشان أنا اللي جبتها المستشفى دي، أنا اللي وافقت عليها وضميتها لفريقي، أنا اللي خليتها تظهر قدام ياسين المغربي، مريم كانت طعم بالنسبالي في إني أنتقم منه من البداية على اللي عمله فيا."
هزت أشرقت رأسها بعدم استيعاب وهي تنظر إليه.
أشرقت: "إنت كذاب."
هز رأسه لها بـ "لا".
طارق: "أنا المرة دي بقول الحقيقة، وأنا خلاص خسرت، أنا اتنازلت عن انتقامي لما لقيتها سعيدة معاه."
أشرقت باستفسار وعدم استيعاب: "هي تهمك في إيه؟ إنت تعرف مريم منين؟"
طارق بتجاهل لسؤالها: "أنا قولت اللي عندي قبل ما أسافر بكرة، ولو مريم احتاجت تقابلني هي عارفة هي هتلاقيني فين."
خرج من مكتبها أما هي ظلت بمكانها لا تفهم شيئًا. ماذا كان يقول؟ هل هو يكذب؟ ولكن مريم أخبرتها سابقًا أنها تفاجأت عندما كانت هي الوحيدة التي تم قبولها في مستشفى ضخمة مثل تلك. لا، هناك شيء غير واضح. التقطت هاتفها وبدأت بالاتصال بها.
كانت تجلس بجانب عماد في الحديقة المجاورة للقصر ويدردشان سويًا.
عماد: "إنتي ما جوعتيش؟"
مريم بتنهيدة: "لا، مش جعانة بصراحة."
وبعدين أنا مستنية ياسين يرجع عشان ناوية أعمل له أكلة حلوة."
عماد بقهقهة: "تاني يا مريوم؟"
مريم: "ما تتريقش عليا يا عماد، أنا خلاص اتعلمت من غلطتي ومش هكررها."
عماد: "وإنتِ فاكرة إن الخدم هيسيبوكي تطبخي تاني كده عادي؟ دول هيمنعوكي من دخول المطبخ بعد ما بهدلتي كل حاجة المرة اللي فاتت."
مريم بعند: "مش هيقدروا، هناديلهم ياسين."
قهقه عندما سمع جملتها تلك، أما هي ابتسمت لضحكاته السعيدة تلك، وشردت في ياسين الذي اشتاقت إليه كثيرًا، وتريد أن تراه الآن وتختبئ بأحضانه، لا تصدق أن الأمور بينهما مستقرة حتى الآن، وذلك يعد تقدمًا بالنسبة إليها.
عماد بتلقائية وضحك: "بس براء ما يخوفش للدرجة دي."
تخشبت عندما سمعت ذلك الاسم ونظرت لعماد باستفهام.
مريم: "مين براء؟"
كاد أن يتحدث ولكنها أعادت استفسارها بنبرة غريبة بالنسبة إليه.
مريم بإصرار: "براء مين؟"
عماد بتوتر: "أنا اتلغبطت يا مريم، أنا أقصد ياسين."
مريم بهيستيريا وغضب وهي تمسك كلتا ذراعيه: "مين براء؟"
عماد: "مريم إنتِ بتوجعيني."
انتبهت لما تفعل وأبعدت يديها عنه وشعرت أنها تريد البكاء، فقد أيقظ ذلك الاسم جرحًا كبيرًا وأليمًا بداخلها، كما أنه أيقظ نار الانتقام بداخلها وهي ليست كذلك. هبطت الدموع من مقلتيها وهي تتذكر كل ما حدث لها. لقد كان صاحب ذلك الاسم السبب في انهيار حياتها وانقلابها رأسًا على عقب. استفاقت عندما سمعت رنين هاتفها، وجدت أشرقت تهاتفها، ولكنها ليست في مزاج جيد يسمح لها بالإجابة. أغلقت هاتفها واستقامت من مقعدها.
عماد: "مريم، إنتِ رايحة فين؟"
مريم ببكاء: "أنا محتاجة أخرج من هنا شوية، محتاجة أفضل لوحدي."
تركته واتجهت نحو أحد السائقين.
مريم: "أنا محتاجة أروح المقابر."
ركبت إحدى السيارات وتبعها بعض رجال ياسين وهم يخبرونه بتحركها من القصر وأن حالتها كانت سيئة. أغلق ياسين الهاتف مع أحد رجاله واستقام من مقعده في نية منه للخروج من شركته. بعد مرور عدة دقائق، سارت باتجاه مقابر عائلتها وهي حزينة تنظر أرضًا. وعندما رفعت رأسها.
مريم بتعجب: "إنت إيه اللي جابك هنا؟"
كان يقف معطيًا إياها ظهره ينظر لقبرها بشرود وحزن. اقتربت منه ووقفت أمامه.
مريم: "إنت بتعمل إيه هنا يا دكتور طارق؟"
طارق: "أنا في مكاني اللي ببقى فيه علطول، بس إنتِ جيتي بدري عن الوقت اللي أنا متوقع إنك تيجي فيه."
نظرت له بعدم فهم ثم نظرت للقبر الذي يقف أمامه.
مريم: "إنت تعرفها منين؟"
لم يجبها ولكنه ظل صامتًا.
مريم بصراخ وبكاء: "إنت تعرف أختي منين؟"
طارق باستفسار: "هي ما حكتلكيش عني؟ اللي أعرفه إنكم كنتم بتتقابلوا كتير من سنين."
نظرت مريم له باستفسار ولكن بعدها تحولت ملامحها للاستيعاب.
مريم باستيعاب: "طارق؟!"
بمرور الوقت وصل ياسين للمقابر ووجدها تجلس وحدها تبكي بقلب مكسور عند ذلك القبر، القبر الفارغ. اقترب منها بهدوء وتوقف خلفها.
ياسين: "مريم."
التفتت إليه وهي محمرة العينين تبكي بقهر. جلس أمامها وهي انهارت أكثر واحتضنته وازداد بكاؤها ونحيبها. ربت على ظهرها لعلها تهدأ قليلًا وفي ذات الوقت ينظر للقبر الذي أمامه بهدوء. القبر الذي يحمل اسم "سارة أحمد سعيد هنداوي".