مر الأسبوع ثقيلاً على زمزم، فقد اعتذر ياسر عن إشرافه على جلستها، على أن يرشح لها طبيباً آخر من المركز يباشر معها الجلسة، وبالطبع جاءه رفضها على اقتراحه، وآثرت انتظاره حتى يأتي من سفره. كانت لا تزال تنام على الفراش وهي تعبث بالهاتف وتتحدث إلى شقيقتها الكبرى، تطمئن على سير خطتها بنجاح. عندما دلف إليها وقاص دون أن يدق الباب. شهقت زمزم ثم سارعت بتغطية جسدها العاري بالغطاء.
نظر إليها وقاص بسخرية وهو يتابع حركاتها حتى تخفي جسدها عن عينيه، وبسرعة فائقة كان يمسك بالغطاء ويزيحه ويسقطه أرضاً، لينكشف ثوبها البيتي القصير الذي يصل إلى ما بعد ركبتيها بقليل. ضيق من الصدر ومتسع إلى آخره. "أظن كده كويس عشان لا تداري مني ولا تخافي إني أشوف حاجة مش حقي." غلبت عليها طبيعتها الخجولة، احمرت وجنتيها من الخجل والغضب، لا تريد لأحد أن يراها بتلك الملابس البيتية سوى ياسر فقط.
التقطت روبها بسرعة وارتدته وأخفت كامل جسدها به. تابع وقاص ما فعلته بدهشة أخذت في الاتساع وهو يتابعها. "حضرتك عاوز إيه؟ صفق وقاص وهو يضحك بسخرية وتهكم قائلاً: "براڤو.. لا حقيقي براڤو.. بقيتي شرسة أهو وبتعترضي.. الظاهر إن الجلسات جابت نتيجة معاكي مش بس على المستوى الجسدي لا والنفسي كمان، ما شاء الله." تحلت بالبرود حتى لا ينكشف لها خوفها منه، الذي تضاعف الآن بعد تخلي عمها عنها بالأمس وتركه يوبخها كيفما يشاء.
"بردوا أنا معرفتش حضرتك عاوز إيه؟ أغمض عينيه بقوة يسيطر على غضبه. شكه بها وبعلاقتها بذلك الطبيب، من الممكن أن تطير رؤوس من فوق أجسادها بسببه، وهي تتمادى في استفزازه. "النهاردة عيد ميلاد شيما." "كل سنة وهي طيبة.. إيه علاقتي؟ وقاص بحدة: "علاقة سيادتك إنك لازم تحضري الـ party، وكمان محدش يعرف إنك مراتي.. زي ما الفرح اتعمل سكيتي، كمان صفتك في حياتي هتفضل سكيتي."
عاشت بهذا المنزل عامين كاملين، تعودت على سلاطة لسانهم معها وجفاء علاقاتهم بها. لكن يبقى للكلام الأثر الذي يشعرها بدونيتها وأنها أقل منهم بكثير، رغم أنها تمتلك ما يوجد عند زوجة عمها وابنها المبجل، فقط الفرق الوحيد بينهما تلك الإعاقة التي كتبها الله لها. سابقاً كانت لتنخرط في بكاء ناعم أمامه، لكن بعد دخول ياسر إلى حياتها أصبحت عيناها تدمع فقط وتتماسك حتى لا تلفت الأنظار إليها.
"متقلقش.. محدش هيعرف حاجة.. وكمان ممكن محضرش الـ party دي خالص، كده كده زي ما قولت صفتي في حياتك سكيتي، ممكن تفضل كده على طول.. حاجة تانية؟ مع سؤالها الأخير، رفع وقاص معصمه ونظر إلى ساعته ثم هتف: "مش المفروض إن جلستك دلوقتي؟ هذه المرة لم تستطع إخفاء ارتباكها وهتفت بصوت مهتز: "أيوة.. بس أنا مش هروح." "ليه؟ "تعبانة.. بقالي أسبوع بروح يومياً.. أنا كده هبقى بضغط على نفسي." أومأ برأسه في شك ثم هتف بتحذير مرة أخرى
قبل أن يخرج من الغرفة: "أوكي.. على الساعة ٧ تكوني جاهزة.. صفتك الأساسية إنك بنت عمي، غير كده متزوديش في الكلام.. اللهم بلغت." وخرج من الغرفة تاركاً إياها وراءه تتنهد براحة، فقد أوشكت أن تجعله يتأكد هذه المرة إذا علم بأنها رفضت الذهاب إلى جلستها بسبب سفر ياسر وأنها لن ترضى بطبيب غيره. ***
عادت مرة أخرى للمشفى، لكن هذه المرة كانت مشفى جديدة، قوانينها صارمة، لم تستطع حتى تجاذب أطراف الحديث مع أي من الممرضات حتى تطلب منها ما تريده. ذلك بكفة، والطبيب الذي يراقبها كظلها بكفة أخرى. علمت مؤخراً أنه يلازمها بأمر من زوجها وليس من نفسه، لكنها لم تكترث، فهو منذ أن يدخل إلى غرفتها ويبدأ بالحديث وهي تتجاهل وجوده. اليوم من الواضح أنه مل من طريقتها معه، لذلك تفوه بما جعل شفتيها تنفران إلى أسفل بشكل مضحك للغاية.
"امم.. متستغربيش كده.. أنا فعلاً كنت مدمن.. بس مش هنا طبعاً.. هنا انتبهت له زهرة بجميع حواسها وهتفت بصوت مشدوه: "إزاي يعني؟
"شوفي يا ستي.. أنا كنت عايش برة مش هنا أصلاً.. كنت شاطر حبتين فبقوا يخلوني أشرف على الحالات الصعبة، من ضمن الحالات دي عيل عنده حوالي ١٨ سنة بقى مدمن، طبعاً الواد ده من عيلة معروفة وشغالين في الدولة، كان في المستشفى بسرية تامة، مكانش بيدفع عشان يجيب، لا كان بيروح المكان ياخد اللي هو عاوزه ويطلع، طبعاً أنا صعب عليا الواد، وفي مرة كده سبتهم من غير ما يربطوه هرب من المستشفى وأنا وراه، لحقته ودخلت وراه، طلبت الشرطة وأنا جوة بس اتكشفت، اتاخدت رهينة لأن بفضل البلاغ اتقبض على ناس كتير.. طلع المكان ده وكر فيه أكتر من مكان، وساعتها بقى خلوني مدمن."
قصته بطريقة ما تشبه قصتها، فهي لم تعرف طريقاً لتلك السموم يوماً. "وبطلت إزاي؟ لمعت عينا الطبيب ثم هتف بنبرة رقيقة للغاية: "خطيبتي.. فضلوا يدوروا عليا لغاية ما لقوني وكنت ضايع، وهي أخدتني وعالجتني." "وإزاي مارست مهنتك عادي؟ "مش قولتلك الواد كان من ناس تقيلة.. وأنا عملت كل ده عشان أنقذه يعني كانت تعويض.. بس رجعت هنا.. خطيبتي أصرت نرجع." بللت شفتيها بطرف لسانها وهتفت بصوت متوتر: "هو.. هو إنت بطلت في قد إيه؟
كتم الطبيب ابتسامة من الظهور على شفتيه بصعوبة، فقد استطاع جذب انتباهها إليه كاملاً. "بطلت في سنة.. قصدي يعني طول السنة دي كنت بدور طبعاً على السم ده وأهرب ويجيبوني.. فيين بقى لما هديت وأنا قررت من جوايا إني أتعالج مهما أتوجعت." اتخذت قرارها، هي تريد أن تسحب ذلك السم من جسدها، تريد التمتع بحياة طبيعية كأي شخص، كما أنها تريد رؤية شقيقتيها. "أنا عاوزة أتعالج." ابتسم الطبيب هذه المرة ثم هتف:
"تمام.. هتبدأي من النهاردة.. بصي يا ستي.. برنامج العلاج بتاعي مختلف والدكاترة هنا بتنتقده.. بس أنا مكمل فيه برضه.. هتتكلمي في التليفون.. هتنزلي الجنينة تحت.. شهر بالظبط وهفكك من السرير.. كل ده بشروط طبعاً." زهرة بلهفة: "موافقة عليها." "لازم تسمعيها برضه.. أول أسبوع حاولي تسيطري على نفسك وعلى غضبك كويس جداً.. ده الشرط.. الأسبوع بدأ من النهاردة." أومأت برأسها موافقة. أسبوع فقط يفصلها عن محادثة شقيقتيها. ***
بذلك الأسبوع كانت تمارا بدأت تعود لشخصيتها القديمة قبل زواجها من عابد. رسائل تصلها على الهاتف تدغدغ مشاعرها قليلاً، لم ترد عليها ولن تفعلها، لكن تلك الكلمات أعادت ثقتها بنفسها وأنها مرغوب فيها من الجنس الآخر، لذلك أن تسعد نفسها بقراءة تلك الكلمات التي ترضي غرورها الأنثوي لن تضرها في شيء. دلف عابد إلى المنزل وراح يبحث عنها حتى وجدها تقف بالمطبخ. "تمارا." انتبهت له تمارا أخيراً. "نعم."
"إيه أمال بنادي عليكي من بدري كل ده عشان تردي؟ "مسمعتكش يا عابد.. كنت عاوز حاجة؟ "آه.. عاوز أتغدى.. يا ريت عقبال ما أغير هدومي تكوني حضرتي الأكل." "حاضر." بعد قليل كانا يجلسان على طاولة الطعام. نظر إليها عابد وهتف باستغراب: "مبتأكليش ليه؟ "بأكل أهو." "لا مبتاكليش إلا من الطبق اللي قدامك ده." "آه ده أكل الرجيم.. خضار سوتيه من غير زيت عادي يعني."
شرد قليلاً في هيئتها. خصلاتها البنية التي تصل إلى منتصف ظهرها تركتها اليوم ولم تربطها كعادتها. قميص بيتي قصير نهايته قبل ركبتيها تماماً، يظهر ذراعيها ورقبتها كاملين. متزوجان منذ ثلاث سنوات تقريباً ولم يراها تجلس معه وبهذا القرب منه وهي ترتدي ملابس فاضحة كالآن. "بتحبيني يا تمارا؟ توقفت عن مضغ الطعام واخفضت رأسها للأسفل. حركتها كانت كفيلة بأن يعرف جوابها. صرخ عابد بغضب:
"مبتجبنيش.. ولا عمرك هتحبيني.. تلت سنين جواز محبتنيش فيهم ولا هتحبيني.. تلت سنين جواز بشحت منك حقوقي.. حقوقي في كل حاجة.. تقابليني بابتسامة تلبسيلي وتزوقي عشان أنا جاي.. خلفتي مني غصب عنك.. عايشة معايا غصب عنك.. طول ما أنا عايش معاكي بكوي.. بموت بالبطيء."
تركها وخرج من المنزل بأكمله، لا تعلم حتى أين سيذهب. ليس بيدها شيء، لم تكن مشاعر له يوماً ولم يحدث، هي لا تملك راحته ولا راحة نفسها، لذلك من الجيد لكليهما ترك الأمور كما هي عليه. *** مساءً. بقصر النوساني. كان الحفل يسير كما خططت له شيما، فوالدة زوجها كانت تأخذها هي وابنها حتى ترحب بالمدعوين، ومنها تتعرف عليهم ويتعرفوا على صفتها هنا بدلاً من تلك المعاقة التي حُسبت زوجة على ابنها بفترة من الفترات.
على الجانب الآخر تقف سيلين برفقة زمزم التي وصلت إلى الحفل للتو.
كان وقاص يبحث عنها بعينيه حتى وجدها تقف مع شقيقته. براءتها وبساطتها في كل شيء أصبحت تلفت أنظاره. بحركة عادية قارن بين فستانها وفستان زوجته. شيما أصرت أن يكون زيّها في الحفل من مصمم أزياء غالي الثمن، وضعت مساحيق تجميل. أما الأخرى فارتدت فستاناً رمادياً طويلاً، أكمامه شفافة وطويلة، لم تضع أي من مساحيق التجميل، فقط أحمر شفاه صارخ هو ما زينت به كامل وجهها. وعكست شعرها البرتقالي. طلتها كانت كفيلة بخطف أنفاسه.
"سيلا أنا هروح أجيب حاجة أشربها.. عاوزة حاجة؟ "لا يا قلبي روحي انت." أومأت زمزم برأسها وسارت إلى وجهتها. بعد رحيلها جاء ذلك الشاب شقيق سارة وطلب منها رؤية والدها في موضوع هام. لم تكترث سيلين له وأشارت إلى والدها. اقترب عز الدين من قدري. "احم.. حضرتك أستاذ قدري النوساني؟ قطب قدري جبينه وهتف مجيباً: "أيوة أنا يا ابني.. خير؟ رغم توتره إلا أنه أثر الدخول في صلب الموضوع مباشرة.
"أنا عز الدين غانم.. أنا طالب إيد الآنسة زمزم بنت أخو حضرتك." اتسعت عينا قدري بدهشة ثم هتف: "طالب إيد مين؟ أعادها عز الدين بصوت أقوى ظناً منه أنه لم يسمعه. "الآنسة زمزم بنت أخو حضرتك." ★★★★★★★★★★ على الجهة الأخرى كانت زمزم تقف أمام البار الموجود به المشروبات والعصائر. أخذت كأساً من العصير والتفتت حتى تغادر وتعود إلى سيلين مرة أخرى، لكنها شهقت بعنف وسقط منها الكأس وهي تنظر إلى ذلك الرجل أمامها.
وهتفت بصوت مسموع ومشدوه: "بابا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!