غرفة كبيرة بإحدى السرايات الكبرى تجلس فتاة في الثالث والعشرين من عمرها على الفراش تضم قبضتيها بتوتر وترتدي فستان زفاف. تنظر قدوم زوجها بعد أن استدعته والدته وأمرتها بالصعود إلى الغرفة. بعد أكثر من ساعتين، كان زوجها يفتح باب الغرفة بملامح متجهمة غاضبة جعلتها تنكمش في نفسها أكثر، وصوته يقول: -قومي غيري هدومك ديه عشان ننام.
تنهدت بارتياح، فعلى الأقل تنازل عن حقه حتى لو مؤقتا. فعلت ما أمرها به بصمت وسارت بخطوات عرجاء متعثرة إلى المرحاض. لم يفتها ضحكته الساخرة على خطواتها التي آلمتها كثيرا، لكن ليس بيدها شيء سوى الصمت والدعاء لربها حتى يهون عليها. بعد قليل، خرجت من المرحاض وتوجهت إلى الفراش حتى تخلد إلى النوم، فيما اتجه هو إلى المرحاض صافقًا الباب خلفه بعنف جعلها تغمض عينيها وتعتصرهما حتى لا تبكي. ودقائق وكانت تذهب في سبات عميق.
بالغرفة المجاورة، كانت نجاة تجيء الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تغلي وتزبد من الغضب، وبجانبها زوجها السيد عبد القادر يحاول تهدئتها. -هو إيه اللي جرا يعني يا نجاة؟ مش ده ابنك اللي كنت عاوزة تجوزيه بردو؟ -مش ديه... مش واحدة معاقة يا قدري. -معاقة صح، بس جميلة وده إحنا شوفناه بعنينا. -يفيدني بإيه جمالها وهي معوقة ومعيوبة، ويارتها حاجة مؤقتة، لا ديه دايمة، عاهة يا أستاذ. عاهة مستديمة. ديه إزاي تبقى واجهة لعيلة النوساني أصلا؟
إزاي تبقى مرات وقاص النوساني أصلا؟ ديه عار ديه، المفروض تست... -نجااااااة لمي دورك واحترمي نفسك، اللي بتتكلمي عليها ديه بنت أخويا. ضحكت بسخرية قائلة: -بنت أخوك مين؟ أخوك اللي رماها لينا برخص التراب لولا إنك أصرت تجبلها شبكة؟ ولا أخوك اللي كان عاوز يجوزها سكيتي ويخلص منها؟ متضحكش على نفسك ولا عليا. -لا بضحك عليكي ولا على نفسي. البنت سليمة مفهاش عيب واحد. ثم إنه مش ذنبها أصلا إنها عملت حادثة وسابت أثر فيها.
حاولت الحديث مرة أخرى لكنه قاطعها قائلاً: -أنا عاوز أنام. قفلي ع الموضوع ده ومتتكلميش فيه تاني. أطبقت نجاة على فمها بغيظ وغضب واتجهت إلى المرحاض. صباح اليوم التالي. استيقظ وقاص من النوم ولم يجدها بجانبه. لم يعط للأمر أهمية ونهض من مكانه حتى يمارس عاداته فور استيقاظه من النوم. خرج وقاص من المرحاض على صوت والدته المرتفع. -فيه إيه يا ماما ع الصبح؟ تحدثت نجاة بحدة وصوت مرتفع:
-اتفضل حضرتك. بقول للست هانم مفيش أكل هيطلع فوق وتنزلوا تاكلوا معانا تحت، مش عاجبها قال إيه رجل السنيورة وجعاها ومش هتقدر تنزل تحت. -خلاص يا ماما روحي إنت واحنا نازلين، متقلقيش. حدقتها نجاة بنظرة نارية وغادرت. التفت وقاص إلى زمزم قائلاً بصوت حاد: -مشاكل مش عاوز. اللي أمي تقول عليه تنفذيه من غير كلام كتير، واتفضلي خشي لبسي أي حاجة عشان ننزل نفطر تحت، خلينا نخلص م اليوم الزفت ده.
تحاملت على نفسها وذهبت حتى تبدل ملابسها لتناول الإفطار بالأسفل كما طلبت والدته. بالأسفل، كان عبد القادر يترأس الطاولة، وعلى يمينه تجلس نجاة وبجانبها ابنتها سيلين. بعد قليل، كان وقاص من على الدرج ووراءه زمزم تتبعه بخطوات بطيئة. -صباح الخير يا حبيبي. -صباح الخير يا بابا. صباح النور يا سوسة. -صباح النور يا قلبي. مش المفروض تفطروا فوق إنت وزوزة؟ نهرتها نجاة قائلة: -مش لما تبقي جوازة الأول. كلي وإنت ساكتة يا سيلين.
زفرت سيلين بغضب وعاودت تناول طعامها مرة أخرى. أما زمزم فقد وقفت مكانها وضغطت على سور الدرج. -تعالي كلي يا حببتي، هتفضلي واقفة عندك كتير كده؟ يلا. ابتسمت زمزم لهذا الرجل الذي لم تتلق منه سوى المعاملة الطيبة والابتسامة التي لا تفارق وجهه عندما ينظر إليها أو يتحدث معها. لذلك سارت حتى وصلت إليه وجلست على الطاولة بجانب وقاص. سارت الجلسة طبيعية، إلى أن قررت نجاة إفسادها بلسانها ذاك وتصرفاتها. -قومي هاتيلي مية من المطبخ.
أشارت زمزم إلى نفسها قائلة: -أنا؟ -وهو فيه حد غيرك هنا مثلا؟ ولا تكوني مفكرة إني هقول لبنتي؟ المقامات هنا محفوظة لكل واحد في البيت ده. قومي يلا. نهضت زمزم من مكانها حتى تجلب لحماتها ما طلبته، لكن صوت عبد القادر أوقفها قائلاً: -اقعدي يا زمزم. نجاة، زمزم بقت من العيلة خلاص، يعني زيها زي أي حد هنا في العيلة. مش مقامها خالص إنها تقوم تخدم حد ايا كان. فيه خدامين للكلام ده. صفية. صفية. هرولت الخادمة تلبي نداء مخدومها.
-أيوه يا بيه. -هاتي مية للهانم بسرعة لو سمحتي. وبذلك أشعل عبد القادر نيران الحقد بداخل نجاة تجاه زمزم أكثر دون أن يدري. مر أسبوعان إلى الآن ولم يأت أحد لزيارتها، فقط أختها الصغيرة هي من تحادثها بالهاتف. وبالطبع لم تسلم من كلام حماتها أو لسانها، لذلك كانت تتجنبها قدر الإمكان. عن طريق الجلوس مع سيلين بغرفتها أو قضاء وقتها مع عمها أينما ذهب. لم يكن لزوجها أي دور يذكر طوال هذه المدة.
صباح اليوم، دق هاتفها الخلوي فالتقطته بسرعة حتى ترى أن كان والدها أو إحدى شقيقتيها. وبالفعل كانت شقيقتها الكبرى "تمارا". -الو. إيه يا حببتي عاملة إيه؟ طمنيني عليكي. ابتسمت زمزم برقة قائلة: -الحمد لله يا حببتي، أنا كويسة. إنت عامله إيه؟ هتفت تمارا بمرارة: -هكون عاملة إيه يعني يا زمزم، اديني عايشة وحاطة جزمة في بوقي وساكتة. حاولت زمزم التهوين عليها وقالت: -إن شاء الله كله يتحل يا حببتي. أدمعت عيني تمارا وهتفت:
-إيه اللي هيتحل بس يا زمزم؟ خلاص عابد اتجوز عليا واللي كان كان. أنا راضية بنصيبي وبالواد والبت اللي طلعت بيهم. الحمد لله. بس عمري ما هسامح أبوكي، عمري ما هسامحه. -ولا واحدة فينا هتسامحه يا تمارا. هو دمرنا كلنا. يلا روحي شوفي بنتك بتعيط ليه. هرجع أكلمك تاني. سلام يا حببتي. أغلقت الهاتف مع شقيقتها ولم تدري بنفسها وهي تستيقظ من النوم بفعل الماء البارد الذي سكبه أحدهم على وجهها حتى عادت لواقعها المرير من جديد.
انتشلها من شرودها صوت عبد القادر وهو يأمرها بمتابعة اللعب فقد حان دورها. -هاااااي، روحتِ فيه يا زوزة؟ -أنا معاك اهو يا حبيبي. وادي الزهر يا سيدي. تابعا اللعب إلى أن جاءت نجاة تخبرهم برجوع وقاص من سفر دام لأكثر من عامين. نهض قدري من مكانه بسرعة ولهفة لملاقاة ابنه الغائب عن أحضانه، لكنه تسمر مكانه عندما شاهد ابنه بالخارج وبيده شابة وهما يضحكان سويا. -مين ديه يا وقاص؟ نظر إليها بحب قائلاً: -ديه... ديه شيما... مراتي.
توقفت عن السير على حين غرة ولم ترَ تلك الدرجة التي تفصل غرفة المكتب عن البهو الخارجي، مما أدى إلى ارتطامها بالأرضية بقوة حتى تأوهت. نظروا إليها جميعهم ولم تخلو نظراتهم من السخرية، حتى زوجته الجديدة لم يتحرك أحد لمساعدتها إلا عمها الذي أمد يده لها حتى تنهض من مكانها.
نهضت زمزم من مكانها وارتمت بأحضان عمها حتى تختفي عن أنظارهم وانخرطت في بكاء ناعم لم يشعر به سوى عمها. ربّت قدري على رأسها بحنان بالغ وأخذها وذهبا إلى المكتب مرة أخرى. أما والدته فلم تغير ايا منهم انتباه ولم تتأثر حتى، فقد ساقت ابنها وزوجته الجديدة نحو غرفة الصالون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!