الفصل 2 | من 30 فصل

رواية القديمة تحلى الفصل الثاني 2 - بقلم نرمين

المشاهدات
21
كلمة
2,074
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

صراخها يعلو ويعلو.. حتى أوشكت أحبالها الصوتية على الانقطاع نتيجة الصراخ المستمر. لم يستطع أحد من طاقم التمريض أو الطبيب المسؤول عن حالتها التدخل، فقد كانت تقف بأخر الغرفة وبيدها قطعة زجاج حادة تضعها على العرق النابض برقبتها تهددهم بالانتحار إذا لم يأتوا لها بما طلبته. خرج الطبيب من الغرفة قائلاً أنه سيحاول أن يجلب لها ما تريد، وبذلك استطاع الخروج من هناك والاتصال بزوجها الرائد "ناير سويلم".

"استاذ ناير المدام حالتها صعبة جداً. محدش فينا قادر عليها. ده غير أن كل ده بيأذي الجنين. أرجوك تيجي، هي مهددانا بالانتحار لو مجبتلهاش طلبها." "وازاي مهدداكم أصلاً؟ ازاي يا بهايم؟ توتر الطبيب قليلاً ثم لم يجد مفراً وهتف: "ككك.. كان عندها كوباية إزاز.. كسرتها وهددتنا بحتة منها." ركل ناير المقعد الموجود أمامه بغضب وصرخ في الهاتف: "ده أنا هوديكوا في ستين داهية. أنا هوريكوا يا كلاااااب. غووور غور من وشي، اقفل يلا."

لم يستطع الطبيب التفوه بكلمة، فهو يعلم أن ناير معه كل الحق فيما فعله، بل أنه قليل على خطأهم. بعد قليل كان ناير يدلف إلى الغرفة المحتجزة بها زوجته زهرة، وهو يرى طاقم التمريض بالكامل أمامها يحاولون إلهائها عن رأيها وما ستفعله. "كله يخرج، مش عاوز حد هنا." انصاع الجميع لأوامره، وبعد خروجهم اقترب منها ناير بخطوات حذرة، ولكنها رأته فما كان منها إلا أنها زادت من ضغطتها على رقبتها بقطعة الزجاج الموجودة بيدها.

"اهدي يا زهرة وسيبي اللي في إيدك ديه." "لا مش هسيبها إلا لما تجبولي اللي أنا عاوزاه.. يا أما هموت نفسي.. اختار." حاول استمالتها قليلاً وهتف: "زهرة انتِ هنا عشان تتعالجي.. انتِ كده بتهدي اللي انتِ عملتيه في شهر." رفعت يدها وغرست الزجاجة أكثر برقبتها حتى جرحت نفسها، فهتف هو بذعر وهو يخرج شيئاً ما من جيبه: "خلاص خلاص، أنا جبتلك اهو. تعالي خديه ونزلي اللي في إيدك ديه يلا."

تركت زهرة قطعة الزجاج من يدها غير عابئة بها وسارت نحو الكيس الصغير المطوي بيد ناير بسعادة غامرة وهي تحك رقبتها وتمرر يدها أسفل أنفها. لم تنتبه إلى ناير وملامح وجهه التي تحولت إلى الترقب والحذر حتى تأتي وتأخذ ما بيده، وبسرعة لم تتداركها كان ناير يمسك بكلتا يديها ويكبلهما حتى وصل إلى الفراش وأجلسها عليه عنوة وهو يصرخ منادياً الطبيب الذي لبى طلبه في الحال.

وبثوان كان جسد زهرة يتراخى بين يدي ناير، وآخر ما شاهدته كانت دمعتها التي انحدرت لتسقط على كفه. خرج ناير من الغرفة بعد نجاح خطته مع زهرة، وأول ما فعله عندما خرج كان تسديد لكمة قوية بوجه الطبيب. "ديه عشان متبقاش تنسى بعد كده، قبل ما تدخل حاجة أوضة أي مدمن من اللي هنا تتأكد إنها مفهاش حاجة يقدر يأذي بيها نفسه. المرة الجاية هقدم فيكوا شكوى." *** "يعني إيه لا دي إن شاء الله؟!

"يعني لا. عندك مراتك التانية وتقدر تروح لها، هي أصغر مني وأحلى مني، على الأقل مش مليانة زيي كده." اقترب منها عابد بغضب وأمسك بذراعها بقوة قائلاً: "انتِ بقالك مدة سايقة العوج يا تمارا وأنا سايبك بكيفي، فاهدّي كده وخذي الموضوع ببساطة، مش أول مرة ليكي هي عشان العند ده كله." اختارت الاستمرار بعندها وهتفت بصوت حاد: "وأنا بقي مش هينفع تيجي جنبي.. ظروف قهرية يا سيدي." ضحك بسخرية وأردف بقسوة:

"ظروف قهرية.. الظروف القهرية دي بقالها خمس شهور عندك مبتتقطعش إن شاء الله! وهنت نبرتها كثيراً لكنها حاولت أن تتحلى بالقوة وهتفت: "آه خمس شهور.. وده بقي يخليك تفهم إنه نزيف مش ظروف قهرية. فابعد عني بقي وروح لمراتك التانية وأنا سبني في حالي، أنا لا عاوزاك ولا طايقة سيرتك أصلاً، بستقبلك بس عشان عيالك، غير كده انت متسواش حاجة عندي." ترك يدها بشيء من العنف وضرب الكرسي الموجود بجانبه والتفت إليها قائلاً:

"مش انت مش طايقاني واللي بيخليكي تستقبليني هنا هو عيالي.. ماشي يا تمارا حاااااضر." وخرج من الغرفة وصاح منادياً أطفاله "عدي.. سجدة". "يلا يا عيال انزلوا روحوا لتيته عشان هتباتوا عندها النهاردة." صاح الطفلان مهللين وأسرعا بالنزول إلى الطابق الآخر نحو جدتهم. "عيالي من هنا ورايح هيقعدوا عند أمي عشان لما أحب أجي أشوفهم مبقاش تقِل عليكي، وانت عاوزة تشوفيهم انزليلهم تحت.. وهاتي الكريدت اللي معاكي."

رغم حزنها على قراره الظالم وإبعاد طفليها عنها إلا أنها تحلت بالصبر وغادرت حتى تجلب له ما طلبه بصمت قاتل. "جميل.. تجهزي بالليل يا تمارا عشان هوديكي لدكتور، وخلي بالك إني أصلاً متجوز عشان متعتي وانتِ من ضمنها، هعالجك وأتمتع بيكي." وخرج من المنزل بأكمله تاركاً إياها وراءه ترتعد بخوف. عابد نسخة طبق الأصل من والدها، وهذا يعني أنها لن تنال شفقته أو رحمته حتى. ***

"بس.. بس اهدي يا حبيبتي اهدي.. هو ميستاهلكيش أصلاً صدقيني ميستاهلكيش والله." قالها قدري وهو يربت على كتف زمزم يحاول تهدئتها حتى تكف عن البكاء. "طلقني منه الله يخليك ساعدني.. أنا.. أنا بس عاوزة أمشي من هنا." "حاضر.. حاضر هطلقك منه بس استني.. استحملي شوية بس وهطلقك، على الأقل يكون أبوكي بعد عنك." تمسكت بقميصه أكثر قائلة بنحيب:

"مش هقدر استحمل أكتر من كده.. كفاية سنتين ونص إهانة بعده عني وإهانة نجاة هانم وخروجي الممنوع والضغط على تعبي، كل ده مش هقدر استحمله تاني." زاد قدري من ضمه لها وتعالى نحيب زمزم أكثر حتى قطعه دخول زوجته التي صاحت بإحدى الكلمات الإنجليزية التي تنم عن دهشتها، ثم تبدلت ملامحها للعبوس والغضب قائلة: "قومي يا بنت انتِ روحي شوفي الأكل مع صفية، خلينا نتكلم في معادنا، مش كل يوم تأخير كده."

نهضت زمزم من أحضان قدري ومسحت عبراتها بهدوء وسارت بخطواتها المتعثرة إلى أن وصلت للباب، عندما سمعت نجاة تقول: "لو فضلتِ ماشية كده لحد المطبخ مش هناكل في يومنا ده." أغمضت عيناها بقوة واعتصرتهم بألم، ثم تابعت السير دون أن تتفوه بكلمة حتى سارت إلى المطبخ لتباشر عملها المعتاد. بعد قليل كان الجميع يجتمعون على طاولة الطعام، وبالطبع أخذ مكان زمزم حتى تحتله الزوجة الجديدة والمرحّب بها هنا على عكس زمزم تماماً.

"إيه القرف ده.. مين البهيمة اللي عملت الشوربة دي؟! ردت زمزم بصوت يكاد يكون مسموع: "أنا." "طبعاً ما لازم تبقي انت.. بتعملي الأكل برجلك إن شاء الله.. حاجة تقرف.. قومي غوري من وشي." نهضت زمزم من مكانها ببطء وإرهاق، وبمنتصف الطريق لم تستطع التحمل فسقطت على الأرض وهي تلهث بتعب. هرولت إليها سيلين تتفقدها بقلق قائلة: "إيه يا زمزم مالك؟ رجلك تاني برضه؟ "آه.. بس المرة دي صعب أوي يا سيلين مش قادرة."

حاولت سيلين أن تجعلها تنهض من مكانها، لكنها لم تستطع إلا بمساعدة والدها. بالغرفة استطاعت سيلين أن تجعل زمزم تعري قدمها، إذ أنها خجولة جداً. كانت ساقها بداية من ركبتها إلى آخرها تنتشر عليها بقع زرقاء وبنفسجية اللون. "يا نهار أسود.. إيه ده؟ انتِ لازم تروحي دكتور فوراً." "بص يا بابا." "زمزم سيلين عندها حق.. لازم تروحي دكتور فوراً، المنظر ده ميتسكتش عليه." ردت زمزم بارهاق:

"حاضر يا بابا هروح والله.. بس دلوقتي عاوزة أنام أنا تعبانة بجد." "لا مينفعش.. أنا هتصل بياسر ييجي يشوفك لازم دلوقتي." حاولت زمزم الاعتراض لكن حديثها ضاع وسط مكالمة عمها مع ذلك الطبيب. بعد مرور ساعة تقريباً كان الطبيب يقف بالغرفة يحاول الكشف على ساقها، لكن خجلها هو ما جعله يتأفف بضيق قائلاً: "يا آنسة زمزم مش كده.. أنا دكتور محترم والله يعني لا هبص بصة كده ولا كده على رجلك يعني."

استشعرت زمزم ضيقه منها فلم تجد إلا أن تنظر إلى عمها وسيلين، وما كان من ياسر إلا أن هتف: "معلش يا جماعة اطلعوا برا لحد ما أكشف على المريضة بعد إذنكم." أذعن كل من قدري وسيلين إليه وخرجا من الغرفة، التفت ياسر إليها قائلاً: "هم خرجوا يا ستي، أنا أصلي كنت عارف إنك محرجة منهم، ممكن أكشف بقي؟ أومأت برأسها إيجاباً ثم رفعت الغطاء حتى وصلت إلى مكان الإصابة بالضبط. "يا ساتر يا رب.. ده صعب جداً.. كنتِ مستحملاها إزاي أصلاً؟

أكيد دي مش بين يوم وليلة." ردت زمزم برقة قائلة: "هي فعلاً بقالها فترة بس مكانتش بالحجم ده.. وده اللي خلاها تعبتني النهاردة." اقترب منها ياسر ووضع يده على قدمها قائلاً: "أنا هفحصك بس لو فيه أي وجع قوليلي.. ممكن يبقي فيه وجع جامد.. بس هي الإصابة دي من إيه؟ أنا ملاحظ إن رجليكي فيها إعاقة." "أأ.. أأيوة هي دي سببها حادثة." "اها تمام.. لو فيه أي وجع قوليلي." أومأت برأسها إيجاباً وبدأ ياسر يباشر عمله وضغط على جلد ساقها.

لم تتأوه أو تصدر صوتاً حتى. "مش حاسة بحاجة كده؟ "لل.. لا." غرس إصبعيه بساقها بقوة حتى وصل إلى عظامها قائلاً: "ولا كده؟ صرخت زمزم بقوة وحركت ساقها بعيداً عن مرمى يديه.

"اوكي.. اوكي.. خلاص.. واضح إن المشكلة في العضم. شوفي أنا مقدرش أكتبلك إلا على مسكن ولازم تيجي المستشفى عشان الفحوصات والأشعة عشان نعرف سبب الألم ده.. بس أنا أرجح إنه سببه إرهاق لأن الزرقان لآخر الرجل ده وخصوصاً الجزء التاني من رجلك بس يبقي حضرتك محملة عليه زيادة." سار ياسر نحو باب الغرفة حتى يأذن لوالدها وشقيقتها (كما يعتقد) بالدخول. "خير يا دكتور؟

"الآنسة عندها مشكلة في العضم وطبعاً أنا مقدرش أحدد المشكلة بالظبط إلا بعد الأشعة عشان أبقي متأكد من كلامي.. ولازم تتعمل في أسرع وقت ممكن. عن إذنكم." خرج ياسر من الغرفة ووراءه قدري حتى يوصله إلى باب المنزل شاكراً إياه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...